الثلاثاء، 8 مارس 2011

المقاعد الشاغرة

عندما كان ذلك الشاب الذي أصبح بلغة هذه الأيام كهلا وهو لايزال في الثلاثين ، يبدأ أولى خطوات حياته ، وقد تأبط الكراسة التي يجتهد معظم الناس بكتابة سطورها الرتيبة ، مستعينا بزجاجة سائل حبري أسود ، وبريشة قلم منهكة ومجهدة من كثرة ما تعاقب عليها من أجيال لأصابع بائسة .

وإذ كان في تلك الأثناء لا يلقي بالا لتوبيخ والده وتعنيفه لسلوكه الطائش ، ولايرد عن نفسه أصابع الاتهام بتقصيره المتواصل في بناء مستقبله ، على الرغم من أن أقرانه كانوا لا يكترثون مطلقا ، لمخطوطات البناء التي كان منكبا على الدوام بمحاولة رسمها ، فآباؤهم قد ادخروا لهم من (( الإسمنت الأخضر )) ما يكفي لبناء ناطحة سحاب دون أدنى مجهود يذكر ، في إطار ما يدعى بمشروع المستقبل المشرق والآمن .

وعندما تفوق عليهم جميعا في تحصيله الدراسي ، ليضمن بذلك مقعدا تنافسيا في جامعة حكومية ، و يكون بمقدور والده التكفل بمصاريفها ، لم يرواد أقرانه الغيرة من إنجازه قط ، إذ أن مقاعدهم في الجامعات الخاصة المحلية منها والأجنبية ، كانت رهن الحجز سلفا قبيل تقدمهم لامتحان الثانوية العامة .

ولقد ظلت المقاعد المحجوزة مقدما تنافس فرصه في بناء مستقبله بعد ذلك ، فلم تجدي ساعات دراسته المكثفة ، كي يتفوق على من كان يحصد علامات التميز بسبب مكانة والده المرموقة في المجتمع ، وإذ أن إجهاضه لحلمه الأول في الجلوس على مقعد أستاذ المستقبل ، كان يعلله دوما بأن المقاعد الشاغرة هناك ، هي حق حصري لأبناء العائلات الأكثر حظا .

وعندما تأبط شهادته الجامعية ، وقرر أن يغلق الباب في وجه أمنياته الأكاديمية ، وأقنع ذاته أن لاصوت يعلو على صوت الحياة العملية ، شرع حينها في طرق كل الأبواب بحثا عن وظيفة تكون ثمرة جهده المتتابع لسنوات دراسته المضنية ، ولكن المقاعد الفارغة هناك أيضا ، كانت تأبى جلوس من لايتكىء بظهره على سطوة ونفوذ أقاربه ومعارفه .

وبعد أن يأس من إيجاد وظيفة منسجمة مع شهادته ، قرر أن يعمل في أي مجال يضمن له الحق في مواصلة هذه الحياة ، ومع أنه كان يغض الطرف ويحجب السمع عن أخبار أقرانه الذين تخطاهم في المدرسة وتأخر عنهم كثيرا في مراحل البناء ، إلا أنه لم يعد يتمنى لمستقبله سوى بناء بطابق واحد ، وسقف يتسع لرأسين ليس إلا .

وهذا ما دفعه بعد أن توظف براتب زهيد بالكاد يكفي لنفقات مواصلاته وحاجاته الأساسية ، أن يبحث عن (( ابنة الحلال )) ، كي تشاركه في البناء دون الاكتراث لمخاطر الارتباط برجل ذي حظ عاثر ، طالما ستجمعهم المودة والألفة والعشرة الطيبة .

ولم يجد نفسه مجهدا في البحث عن مقاعد شاغرة للارتباط ، ولكن الذي حدث وبكل أسف ، أن المقاعد هناك كانت تدعي دوما أنها محجوزة لأشخاص لم يحضروا بعد .

وتمضي به الأيام والسنين ، وجميع مقاعد الحياة ترفض جلوسه عليها ، ولكنه ما عاد مكترثا لذلك قط ، بل كان خائفا أن لا يجد مقعدا شاغرا يرتاح فيه عند الموت ، إذ أنه وفي آخر زيارة له للمقابر ، لاحظ أن أراضي المدافن بدأ يستولي عليها أصحاب الحظوة في مقاعد الحياة ، من خلال تقسيم أراضيها لممتلكات احتكارية لموتاهم ، فهل سيأتي يوم ويستأثرون بمقاعد القبور أيضا فلا يتركون أدنى فرصة لغيرهم في الجلوس حتى على ذلك المقعد ؟

الجمعة، 4 مارس 2011

لا منتمي

إن قرع الطبول ودق المزامير في عالمنا العربي ، يكون مقترنا دوما بالفكر الجمعي المعشعش في عقول الناس منذ ولادتهم ، ولذلك فلا تثريب على من ينوء بنفسه وبأفكاره ، ليقف على الرصيف الخالي من المشاة ، ويبدأ بالهتاف معتقدا أن صوته سيدفع بالبعض إلى محاولة التخلي عن الرصيف المزدحم بالمارة ، وعبور الشارع مخاطرا بكتابة السطر الأخير في حياته بحادث سير ، تحت إطارات ما يدعى بمركبات الدفع الرباعية المقاومة للتغيير .

بل إن الخاروف الدسم الذي يفكر بالتمرد على القطيع ، والرحيل خارج نطاق حدود المرعى المحدد له سلفا بخطوط رملية من عصا الراعي السحرية ، حتما سيقضي نحبه على أيدي الذئاب المترصدة به خارج الحمى ، وهذا ما يحاول كبار الخراف دائما تلقيمه لصغارهم ، مقترنا بتذكيرهم أن هذا الإحتمال قد يحدث في حال نجاتهم بالبدء من قبضة كلب الراعي المتعطشة للقمع ، طمعا بنيل نصيب وافر من العظام التي سيتركها السيد الراعي بعد الانتهاء من أكل لحوم إحدى خرافه .

والعصفور الذي يستند على أسلاك الكهرباء القاتمة اللون ، كي يرتاح هنيهة من التحليق في السماء ، ويغرد بالقرب من نوافذ المسترسلين في سبات عميق ، سيعتقد أنهم سيستيقظون فرحين بسماعهم لصوته ، وسيستبشرون بيوم يبعث فيهم التفاؤل ، ولكن المسكين لا يدري أنه من وجهة نظرهم كالغراب الأسود ، الذي سيهز بنعيقه مضاجعهم المستسلمة سلفا لسيناريو حياة رتيبة .

ولذلك فإن العاقل الحكيم هو الذي يضع رأسه بين الرؤوس مرددا : (( الموت مع الجماعة رحمة )) ، وبما أن هذا الموت لا يعني بالضرورة الموت المتعارف عليه في قاموس البشرية ، إلا أنه موت لا بد من حدوثه لإحدى الخلايا الدماغية المتعطشة لاحتواء أية أفكار إيجابية بتغيير الواقع الذي تعض عليه جموع الناس بالنواجذ .

ومن هذه المنطلقات التي تشبثت بسارية العلم الأبيض إذعانا باستسلامها ، تتمحور (( كاريزما )) شخصيات باتت رموزا مجتمعية ومقدسات لا يجوز انتهاكها .

فالثوار والمثقفين لا بد أن يكونوا يساريين في أفكارهم ومعتقداتهم وحتى في عواطفهم ، ومن لايتخذ من (( ارنستو تشي جيفارا )) وسيرته النضالية القدوة والمذهب ، فهو لايحمل بين ضلوعه (( نزق الثوار )) .

أما من أراد أن يكون (( دنجوان )) عصره ، فهو أمام مفترقي طرق لابديل عنهما ، ويحومان في مدار الفكرة ذاتها ، فبالمال والجمال أنت معبود النساء ، حتى لو كان عقلك لا يعرف من هذه الدنيا سوى غرائزه الأساسية .

وهناك شخصية (( رجل الأعمال )) ، التي لا تتطلب منك سوى أن تؤثر بكلامك دوما على كل من تجالسهم ، من خلال أفكارك النيرة حول المشاريع في شتى القطاعات ، ولا بأس إن نلت لقب (( النصاب )) بعد فشل إحدى هذه المشاريع ، لأنك ستتمكن وبكل بساطة من اصطياد أغبياء جدد ، سيستمعون إليك باهتمام وأنت تسرد لهم أفكار المشاريع التي رأيتها في بلاد الغرب .

ولكن تبقى شخصية (( ابن البلد الأصيل )) هي المحببة والقريبة من عامة الشعب ، وأنت في سبيل تحقيقك لملامح هذه الشخصية ، لابد أن تثبت أنك حاذق و (( لهلوب )) عندما تتجول في سوق الخضار المركزي ، أو عندما تذهب إلى المسالخ لاختيار ذبيحتك التي ستطهى على مأدبة طويلة وعريضة في إحدى مناسبات الولائم العائلية ، ولامانع إن كانت لديك خبرة ذائعة الصيت في اقتحام مضارب الباعة المتجولين ، ولهثك وراء وسائط النقل العام ، والشكوى المستمرة من راتبك المهدور دمه على أسفلت المؤسسات الاستهلاكية وخصوصا في مواسم المنخفضات الجوية أو عند حلول شهر رمضان أو عند تأخر الحوالة التي سيرسلها لك أهلك المغتربون ، ولا تنس أحلامك البكر بامتلاك سكن كريم والتي تم وأدها فور ولادتها من رحم أمنياتك ، والأهم من ذلك كله أن تكون دوما قدوة يحتذى بها للمثل القائل : (( سبع صنايع والبخت ضايع )) ، ولكنك لن تتقلد أوسمة الشرف لهذه الشخصية إذا لم تردد في كل المحافل المجتمعية أنك (( ابن البلد وتفتخر )) .

وإذا كنت تريد أن تحظى بلقب (( الشيخ )) ، فيتوجب عليك تحديد مقصدك من هذه الصفة أولا ، فهناك (( الشيخ )) الذي يعتقد أنه يحظى بهذا اللقب بالفطرة ، كونه ينتمي إلى عشيرة ما ، وفي هذه الحالة لا يلزمك سوى أن ترفع لسانك كالسيف في وجه كل من يجهل بطولات وجهاء عشيرتك في حروبهم الأزلية مع العشائر الأخرى ، ولا تنس أن تستخدم إصبعيك (( السبابة والوسطى )) وأنت تتحدث ، استكمالا لشروط (( المشيخه )) .

أما إذا كنت تبحث عن لقب (( الشيخ )) بصبغة دينية ، فالأمر في غاية البساطة ، إذ ما عليك إلا أن تطلق لحيتك ، وترتدي (( دشداشة )) بيضاء ويحبذ أن تكون قصيرة وفضفاضة ، وتجلس في الصف الأول في المسجد ، ولاتخش شيئا من حفظك المتواضع لكتاب الله العزيز ، فعندما يرجوك المصلون كي تؤمهم في صلاة جهرية ، وتتلو عليهم في الركعة الأولى سورة الإخلاص بلكنة تقترب إلى اللهجة العامية ، ثم تتبع تلاوتك بسورة الناس في الركعة الثانية ، وهما في واقع الأمر ما جهدت بحفظه من القرآن الكريم ، سيفرح بك المصلون لاعتقادهم أنك تخفف عليهم بالصلاة ، أسوة برسولنا الأعظم عليه الصلاة والسلام .

ولأنني أسقطت كل هذه الرموز الأسطورية التي ستقودني إلى أن أكون من الشخصيات البارزة في هذا المجتمع ، أجاهر بأنني شخص لا منتمي لفصول هذه الرواية التي لن أتقمص في يوم من الأيام أي من أدوارها .

الاثنين، 28 فبراير 2011

مجنون (( Beren ))

عند منتصف كل ليلة ، لا تدق ساعة الحائط في منزلي ، بل قلبي هو الذي يدق ويرتجف ، ويدي هي التي ترتعش محمومة عندما أهجر كل أخبار الدنيا ، وأسارع بالانتقال عبر المحطات الفضائية ، كي أقابل البدر وهو يهبط من السماء ويظهر أمام شاشة تلفازي .

ستون دقيقة أنعزل فيها عن العالم بأسره ، وأنا أحدق بتلك القامة المدهشة بكل تفاصيلها ، فهي أنثى قادمة من كتب الروايات والأساطير ، وإنني أمام جمالها أعلن جنوني وهذياني ، واستسلامي وخضوعي ، ولن أكترث فيما إذا تم مناداتي بمجنون (( Beren )) .

كلما تقترب الشاشة من عيونها ، تتقطع أنفاسي وكأنني في لحظات احتضار ستنتهي حتما بموت عشقي ، وكلما ابتسم ثغرها العذب ليكشف عن صفوف اللؤلؤ المختبئة وراء أسواره ، تنقبض كفوف يدي المنبسطة للتو على وجنتي ، تود اقتلاع لحم وجهي من فرط الانفعال .

يا لحظك يا رياح البسفور ، لو أننا نتبادل الأدوار لدقيقة واحدة فقط ، كي أحظى بمداعبة لطيفة الملمس لخصلات شعرها ، وأسكنها شهيقا ثم لا تلبث أن تطردني زفيرا من بين أنفاسها ، بل يكفيني أن اتخذ من زغب يديها فراشا أغفو فيه ولو للحظات .

مذ رأيتك يا (( Beren )) أدركت السبب الذي جعل قلبي هرما قبل الأوان ، وأدركت المسبب الجوهري لعزوفي عن الزواج ، فأين سأجد لبؤة من طراز أنوثتك ، تجعل زئير رجولتي مفترسا ومرعبا طوال الليل والنهار ؟

أعتقد أنه يتوجب علي أن أعيش بشخصيتين ، شخصية حالمة وعاشقة لأنثى أسطورية كـ (( Beren )) ، وشخصية هزلية تقليدية مضحكة سائدة في هذا المجتمع تدعى (( أبو علاء )) ، الذي يبحث عن بنت الحلال ، ولايهتم إلا بالتفاصيل المتعلقة بعدد خانات راتبها (( لغايات قروض السيارة والشقة )) ، فإن كان عدد الخانات ثلاثيا ، فلا بأس حينها إن كان المنهج السلوكي لحياتها مشابها لسيرة شرطي في قوات الدرك ، أما إذا كان عدد الخانات رباعيا ، فلا مانع أبدا إن كانت برتبة ضابط مع عدد لا محدود من النجوم .

وإذا كان (( أبو علاء )) سعيد الحظ وعثر على فتاة في مجتمعه لديها جنسية بلاد (( العمو سام )) ، فلن يكترث حينها إن كانت رجلا متخفيا برداء أنثى ، فهي ستكون الخريطة التي ستقوده إلى جزيرة الكنز .

أما إذا كانت الأقدار معاكسة لطموحات (( أبو علاء )) فإنه سيضطر الرضوخ مرغما في النهاية لتهديدات سطوة رغبات والده ، والذي يمني النفس بمشاهدة حفيده قبل الممات ، وسيسارع بالزواج من دجاجة وطنية زهيدة الثمن مشهود لعائلتها بأنهم يبيضون في كل عام .

(( أم علاء )) ما سيشغل تفكيرها في سنوات الزواج السعيدة ، هو أن تركب سيارة ، وأن تتملك بيتا ، وأن تنجب علاء وإخوانه وأخواته ، وأن تقضي وقتها في بث الهموم لوالدتها وصديقاتها عن سوء معاملة أهل زوجها ومشاكل الأولاد وغيرها الكثير الكثير ، ولكن (( أم علاء )) لن يكون لديها في خضم كل هذه الأحداث وقت للإهتمام أو الاكتراث فيما إذا شاهدت (( أبو علاء )) متسمرا أمام التلفاز لمشاهدة (( Beren )) فمن وجهة نظرها أنه مهما أبحر في خيالاته وأحلامه ، فلن يصل في النهاية إلا (( لزنوبة أم علاء )) المزركشة ببقع (( الكلور )) ، وتعتقد (( أم علاء )) أن رائحة الثوم والبصل المنبعثتان من فمها عندما تأتي إلى فراش الزوجية في كل ليلة هو المسبب الرئيس لاستمرار التناسل والحب ، في حين أنها على ما يبدو لا تزور الصيدليات كثيرا لتلاحظ حجم الإنفاق الهائل على حبوب النشاط التي تكون لـ (( أبو علاء )) وأمثاله كحبوب المخدرات التي تساعدهم على تخيل (( أم علاء )) كـ (( Beren )) ، فالمشكلة ليست فقط بجسد (( أم علاء )) الذي يتضاعف أكثر من خمسة أضعاف على أقل تقدير بعد الولادة الأولى ، بل المشكلة الرئيسة في أن (( أم علاء )) تتقن كل الأدوار في هذه الدنيا إلا الدور الأهم لها في كيفية الهيمنة على قلب رجلها ، ولذلك يصبح (( أبو علاء )) في رتبة الحج الوقور وهو لايزال في ريعان الشباب .

وردود الأفعال لأمثال (( أبو علاء )) أمام هذا السيناريو المفترض تختلف من رجل إلى آخر ، فقد يسلم لنصيبه وقدره ويسير مع (( أم علاء )) إلى طريق السكري والضغط وغيرها من الأمراض السارية في هذا المجتمع ، أو قد يتمرد على درب الهلاك الذي لا تبذل (( أم علاء )) أي مجهود لتغييره ، ويتزوج عليها إن هبت رياح مادية مواتيه ، أو قد يكتفي بالبحث عن نزوات عابرة تجدد له شبابه المندثر منذ السنوات الأولى في حياته مع (( أم علاء )) ، أو سيظل هائما في بحر الخيال مع (( Beren )) الذي لن يكلفه الاستمتاع بحسنها سوى فاتورة الكهرباء .

(( أبو علاء )) الذي لم يرزق بـ (( علاء )) بعد ، يخاف من المصير الذي قد ينتظره ، ولذلك قرر أن يبحث بين العازبات على من لديها ربع أنوثة (( Beren )) ، لعل وعسى يتمكن من الفرار من ذلك السيناريو الأسود الذي ينتظره مع حبيبته (( أم علاء )) ، ولكنه عاد يجر وراء ظهره أذيال الخيبة والحسرة ، إذ اكتشف أن معظم الفتيات في مجتمعه ، مظهرا وفكرا وسلوكا وشخصية ، يرفعون سارية مستقبلهم منذ الآن وقد نقش عليها عبارة في غاية الروعة (( كلنا أم علاء )) .

السبت، 26 فبراير 2011

ماذا أفعل بلساني ؟

على ما يبدو أن ثورة باتت وشيكة الإندلاع على عاداتي الرافضة للتنحي عن سدة التحكم بمجريات حياتي ، وهذا ما تأكدت منه وأنا أغادر المسجد بعد صلاة يوم الجمعة ، إذ تمزق معطف الخشوع الذي كنت سعيدا بارتدائه ، بمجرد انطلاقي بالسيارة أمتارا قليلة ، عندما داهمتني سيارة مسرعة قادمة من طريق ممنوع ، وبرضا من الله و الوالدين ، نجوت من كارثة اصطدام محتومة الحدوث ، إلا أن لساني الذي كان يحاول جاهدا تعويض ميزان حسناته بكلمات الاستغفار والتسبيح والتكبير والتحميد ، والتي كان للتو يرددها في المسجد ، أضاعها بأقل من عشرين ثانية ، بعد أن استنفر كعادته مطلقا أكثر من خمسين شتيمة نابية .

أعود إلى المنزل ، وأحاول استعادة سكينتي مجددا قبل أن أتورط بمشاجرة قد تنشب مع زوجتي لأسباب تافهه ، وبالفعل أدخل وقد ارتسمت على ملامحي المضطربة ابتسامة مصطنعه ، أقبل الأولاد بشفتين باردتين ، وأنادي زوجتي بصوت رزين أجتهد بضبط أوتاره ، لترد على ندائي بصراخ تهتز جدران المنزل من قوته ، وعندها لا أتمالك السيطرة على لساني العزيز ، فأهرب إلى المطبخ وأغلق الباب ، إيذانا ببدء انطلاق حفلة غنائية من الشتائم ، والتي تفوق في مدتها ، سهرة الطرب الشهرية لسيدة الغناء العربي (( أم كلثوم )) في زمن الفن الجميل .

نذهب عند والدتي لتناول وجبة الغداء كما هي العادة في كل يوم جمعه ، وليس هنالك من ضرورة البتة كي أحدثكم عن ماهية الوجبة التي تكون في انتظارنا ، فهي وبكل تأكيد ، الوجبة الأزلية الخالدة (( المقلوبه )) ، نأخذ أماكننا على الطاولة المستديرة ، أتناول أول ملعقة من الرز الخالي من القرنبيط أو الباذنجان لأسباب تتعلق بمحبتي المعاكسة لهما ، وأتبعها بقطعة من اللحم التي تقفز برشاقة إلى شرخ طاحونتي المعطوبة منذ شهر رمضان المنصرم ، فأقفز من مكاني لشدة الألم ، ولكن ذلك لم يثني من عزائم لساني على شتائمه .

أتأهب لاصطحاب زوجتي وأولادي إلى نزهة يوم الجمعة ، والتي أصبح مقصدها لا يتغير في فصل الشتاء لأسباب اقتصادية بحته ، ولهذا فإن (( المول )) الذي يبعد عن منزلنا لمسافة لا تتجاوز العشرة كيلومترات ، يكون لنا المأوى والمستقر ، وما أن بدأت استرجع هدوئي واستجاب لساني السليط لرجائي ، كي يطمس شتائمه بمداعبات وملاطفات رقيقة للأولاد ، حتى تلاشى كل ذلك بمجرد وصولنا إلى الشارع العام ، فقد كان شرطي السير بانتظار كل من لم يطوق صدره بحزام الأمان ، فيحاول لساني وبكل ما أوتي من جلد وصبر ، التحدث مع الشرطي بأسلوب لطيف ، لعل وعسى أن يخلي سبيلي دون تحرير مخالفة سير ، ولكن هيهات هيهات ، فأذن من طين وأذن من عجين ، لأستلم المخالفة وأتابع مسيري إلى (( المول )) وقد فرض لساني بشتائمه الصمت المطلق على أفراد عائلتي .

ندخل (( المول )) ونتوجه إلى صالة الألعاب التي امتلأت عن بكرة أبيها بسبب تخفيضات الأسعار المذهلة المعلن عنها في الصحف ، أزاحم الصفوف عند كل لعبة يصر الأولاد على اللعب فيها ، ويجاهد لساني رغباته المعتادة للشتائم ، وخصوصا عندما يتصبب العرق من كافة أنحاء جسدي بعد أن أكون محاطا مع الأولاد من الأمام والخلف بجثث آباء ضخمة ، إذ نصبح عاجزين عن الحراك وتتوسل عيوننا قفص اللعبة كي يفتح قبل أن يقضى علينا بسبب حالة اختناق ، وقد وصلنا في ذلك اليوم إلى لعبة (( السفينة )) ونحن على شفا حفرة من الإغماء ، فتهم ابنتي للجلوس في المقعد الأمامي ويلحق بها شقيقها كي يجلس بجانبها ، ولكن السيد القبطان ، عفوا السيد المشرف على اللعبة ، يدفع بولدي كي يجلس في الخلف ، وعندها شرعت بمناداته بصوت مرتفع بسبب الضجيج الذي يعج به المكان ، فالتفت نحوي وعيونه تقدح شررا ، وأجابني بنبرة قاسية بحجة أنني لم أكن مهذبا على حد مزاعمه ، معللا ذلك بطريقتي الفظة بالنداء ، وهنا لم يتمكن لساني من التحمل أكثر ، وأمطر صالة الألعاب بشتائم تواصل هطولها دون توقف .

نعود إلى المنزل في المساء ، وأتسمر أمام التلفاز لمتابعة أخبار الدنيا وتحديدا بشقيها المحلي والعربي ، ومن صخب الأحداث التي لا تكون مفرحة قط ، أتوسل لساني الحبيب كي يحتسب ويستغفر ، ويبتعد عن التفوه بأية شتيمة من شتائمه المعتادة ، فبالإضافة إلى ما يتسبب به لساني من جراء ذلك بعجز مستمر في ميزان الحسنات والسيئات ، فإن ولدي الذي لم يتجاوز العامين ونصف العام بات يكرر كل كلمة تتردد لمسامعه ، وكالمعتاد فقدت زمام السيطرة على لساني أمام بعض الأخبار ، لينطلق حينها صوت طفولي يحبو بالنطق الصحيح للشتيمة الأخيرة التي أطلقها لساني ، وحدث ما كنت أخشاه ، واستمر ولدي بتكرارها طوال الليل والنهار ولغاية لحظة كتابة هذا الإدراج ، فماذا أفعل بلساني ؟

الثلاثاء، 22 فبراير 2011

أحفاد عمر المختار

أعتذر منكم يا قراء مدونة أفكار وتساؤلات الكرام ... دماء أحفاد شيخ الشهداء عمر المختار التي تراق في هذه اللحظات ... جعلت قلمي عاجزا عن الكتابة تماما ...

اللهم ارحمهم يا رب العالمين ...

السبت، 19 فبراير 2011

قصة مدون

كان ياما كان ، وفي ذات ربيع من نيسان ، كان هناك أشخاص يجتمعون في بيت إلكتروني يدعى (( Blogger )) ، يتبادلون فيه الآراء والأفكار ، ويسردون مشاهداتهم وملاحظاتهم اليومية ، أو يستعرضون تجاربهم الشخصية وخبراتهم الحياتية ، فأحيانا تجدهم يتشاركون في ذكريات جميلة من الماضي البعيد ، وتارة أخرى تجدهم يتحدثون عن أحلام وأمنيات مستقبلية ، أو عن مناسبات وأحداث لحظية ، فتجد أقلامهم تخط وفي كل لقاء يجمعهم ، أجمل معاني التواصل والتفاعل الإيجابي في مختلف الجوانب الإنسانية .

وفي يوم من الأيام ، طرق بابهم العنكبوتي أحد الأشخاص ، وقال لهم أنه كان يسكن في هذا البيت قبل مجيئهم ، ولكنه لم يكن يريد منهم أن يرحلوا ، بل أراد أن يكون واحدا منهم ، ويتشارك معهم في تلك اللقاءات الجميلة التي كانت تجمعهم .

مشرفة البيت (( Whisper )) وافقت على انضمامه ، ولكن شريطة خضوعه لفترة تجربة لا تقل مدتها عن ثلاثة شهور ، فإذا أثبت خلالها قدرته على اختراق قلوب الآخرين بكتاباته ، وبتواصله معهم ، فسيبقى ، وبخلاف ذلك ، سيتوجب عليه الرحيل والعودة من حيث أتى ، وليبحث حينها بين محركات البحث عن بيت إلكتروني آخر ، إذ أن مشرفة البيت وقتها لم تكن تعلم أنه إذا ما دخل بيتا إلكترونيا ، فالإبتسامة لن تفارق أهله أبدا .

في ذلك الوقت ، كنت قد تشاركت مع أصدقائي في الركن المخصص لي في بيتنا الإلكتروني ، بموضوع كان بعنوان (( خالفني يا سيدي )) ، ولم أنتظر يومها سوى تعليق واحد ، حتى حضر ذلك الشخص وبدأ يتحدث عن الموضوع ، بهرني بأسلوبه المختلف في الكتابة ومنذ اللحظة الأولى ، ولست أقصد هنا الحديث فقط عن جماليات العبارات اللغوية ، بل ما لفت انتباهي أنه زج ببضع كلمات في سطر كان يبدو فيه وعند وهلة القراءة الأولى في قمة الحزم والجدية ، ولكن تلك الكلمات التي دمجها بين السطور ، قلبت الموقف عندي رأسا على عقب ، فلم أجد نفسي إلا وأنا أضحك من أعماق قلبي وليس من أعماق حلقي وحسب ، كان السطر الذي كتبه يقول : (( تخوفي أن تتفاقم الأمور لحد الانفجار ويبدأ كل واحد بأخذ حقه بيده ... وأسنانه كمان )) .

وكانت تلك هي البداية ، فأينما ذهبت وأينما توجهت وأينما تجولت في أرجاء بيتنا الإلكتروني ، أجده في كل مكان ، وقد تغلغلت محبته في قلوب الجميع ، إذ كانت لديه قدرات مذهلة في التواصل معهم ، وكأنه يعرفهم منذ زمن بعيد .

والأجمل من هذا كله ، أنه كان استثنائيا بثقافته التي كان يملكها ، فهي لم تكن سببا في تشبثه بمنصة الغرور والتعالي على الآخرين كما هي حال العديد من المثقفين في هذه الأيام ، بل إن فهمه وإدراكه الصحيح للعلم والمعرفة والثقافة ، كانا دربه الممهد لإتقان فن محاكاة كل صنوف أهل بيتنا الإلكتروني ، وهذه موهبة ربانية لا تؤتى إلا لذي حظ عظيم .

سألني أحد الأشخاص في يوم من الأيام عن سر ذلك الشخص ، فأجبته : (( هو عبقري ، والسبب أنك عندما تتواصل معه سواء بقراءة مايكتبه في زاويته أو عند متابعة ما يكتبه في زوايا الآخرين ، تجده يتمكن من الإنتقال بمشاعرك وبعذوبة لا متناهية من رتابة السأم إلى مطلق الإثارة ، ومن كآبة الأحزان التي تعصف أيامنا إلى واحات الهدوء والراحة والإبتسام ، ومن حالات مستعصية لفقدان شهية الكلام والتواصل إلى نهم الحديث والحوار ، إنه كائن اجتماعي مع مرتبة الشرف والتميز )) .

ولقد كانت النتيجة الحتمية لذلك ، أنه لم يكمل فترة التجربة ، إذ هب الجميع وبصوت واحد : (( هيثم منحبك )) .

هذا الإدراج إهداء متواضع مني لأخي وصديقي وزميلي الحبيب (( المدون هيثم الشيشاني )) صاحب مدونة (( تأملات غير آمله )) ، وأحيطه علما أن غيرته لم تكن في مكانها أبدا ، لأن مكانته عندي غالية وجدا .

الثلاثاء، 15 فبراير 2011

يا حبيبي ... يا رسول لله

غطت في سبات عميق ، وإذ بها تسمع صوتا يناديها من بعيد (( لقد حملت يا آمنة بخير الأنام )) ، وعندما أكمل شهر ربيع الأول اثنتي عشرة ليله ، لم تشعر بثقل الحمل وآلام الولادة كغيرها من نساء الأرض ، فلقد بزغ نور الحق في يوم الإثنين من عام الفيل ، ليولد سيد الخلائق والبشر ، رافعا رأسه إلى السماء ، التي عجت بالشهب الطاردة لمسترقي السمع من وراء بوابات عرش الرحمان ، وحفت الملائكة البيت العتيق بأجنحتها ، ونكست أصنام الشرك رؤوسها ، وخمدت نيران فارس ، وتساقطت تيجان ملوك الدنيا وتلاشت ، فالعزة لن تكون إلا لله ورسوله والمؤمنين .

ولد صلى الله عليه وسلم يتيم الأب ، وما لبث أن أصبح يتيم الأم بعدها ببضع سنوات ، ولكن جده (( عبد المطلب )) سيد قريش وزعيم مكه ، وعمه (( أبو طالب )) من بعده ، كانا له الأب والأم في صباه وشبابه ، ليكبر ويترعرع ذلك الفتى القرشي الهاشمي العربي في بيوت الأصالة والشهامة ، ويكون استثنائيا في مكارم أخلاقه التي جعلت قومه يطلقون عليه لقب (( الصادق الأمين )) .

وما أن أتم الخامسة والعشرين من عمره ، حتى دون لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع القصص وأجملها في العلاقات الزوجية ، مع سيدة كانت تتقن كل الأدوار التي يتشوق لها الرجل في امرأته ، فلقد كانت حبيبته وأمه وصديقته ، وما أصعب أن تجد امرأة تجتمع فيها كل تلك الأحوال ، ولكن ذلك ليس غريبا على من تأصلت فيها خصال حميدة يعجز القلم عن سردها ، فبعفتها وعقلها وحزمها نالت لقب (( الطاهرة )) في الجاهلية ، وأضحت بعد ذلك سيدة الإسلام الأولى (( السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها )) .

وعندما أصبح عليه الصلاة والسلام في الأربعين من عمره ، تحين لحظة اللقاء الموعود مع سيد الملائكة (( جبريل عليه السلام )) ، لتنطلق بعدها رحلة الدعوة في إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، وقد ابتدأت بفعل أمر سيظل الإذعان له طريق النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة (( اقرأ )) .

لم يكن الطريق معبدا أمامه عليه الصلاة والسلام في دعوته إلى دين الإسلام ، ولقد لاقى الأذية من القريب قبل البعيد ، ومع هذا ظل صابرا محتسبا ، متمسكا برسالته ، لاتثني عزائمه كل وسائل الترغيب والترهيب ، ليدون للبشرية دروسا لن تتكرر في المثابرة والإصرار على إكمال طريقه للنهاية ، فيقول لعمه (( أبو طالب )) عبارة خالدة إلى قيام الساعة : (( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهر أو أهلك دونه )) .

ويأتي عام الحزن ، ويفقد صلى الله عليه وسلم أعز الناس إلى قلبه (( زوجته وعمه )) ، ويذهب إلى الطائف ، ويتعرض للأذية والسخرية من صغار أهلها وسفهائهم ، ولكن قلبه الكبير المتسامح ، وإخلاصه ووفاءه لرسالته ، ومحبته الخالصة لأمته ، جعلته يرفض دعوة (( ملك الجبال )) الذي كان ينتظر إشارة من النبي عليه الصلاة والسلام ، ليطبق الجبال على الطائف وأهلها ، فكان جواب الرسول العظيم له بالرفض معللا : (( بل أرجو أن يخرج الله تعالى من أصلابهم من يعبده ولايشرك به شيئا )) .

لتكون هدية الرحمان لحبيبه بعدها ، بلقاء استثنائي عند سدرة المنتهى ، من غير حجاب ولاحاجز ، وبمسافة كانت قاب قوسين أو أدنى ، ما وصلها ولن يصلها أحد غير الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ، بعد رحلة بدأت على ظهر الحصان الطائر (( البراق )) من مكة المكرمة إلى بيت المقدس الشريف ، ومن ثم إلى السماوات العلى ، ليسطر لنا عليه الصلاة والسلام في تلك الرحلة أحوال السماء وأهلها ، ويصف لنا طريق الجنة والنار ، ويسرد لنا لقاءه مع هادم اللذات ومفرق الجماعات (( ملك الموت )) ، ليذكرنا أننا مهما عشنا في هذه الدنيا ، فلا بد لورقة أعمارنا أن تصفر وتسقط ، معلنة لحظة الأجل التي لامفر منها ، وهكذا كانت رحلة الإسراء والمعراج العظيمة .

وتأتي بيعة أهل يثرب ، ويهاجر النبي عليه الصلاة والسلام برفقة صديقه (( الصديق )) رضي الله عنه ، تاركا وراءه لوعة الحنين والأشواق إلى مسقط رأسه وذكريات شبابه وصباه ، فلا يلتفت إلى الخلف قط ، بل تتجه أنظاره إلى مدينة ستعج بالنور لقدومه ، ويعلو فيها صوت التوحيد ، وتكون منبرا ينطلق منه الإسلام بعدها إلى كل بقاع الدنيا ، فيهلل أهل يثرب بقدوم البدر الذي سينير لهم عتمة سماء حياتهم .

ويآخي النبي عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار ، ويعلمهم أن هذا الدين يجمعهم ، ويألف بين قلوبهم ، ليكونوا كالبنيان المرصوص ، وأنهم إذا تنازعوا على عرض الدنيا ومتاعها ، حتما سيفشلون وتذهب ريحهم ، ولذلك كان يعلمهم دوما أن مثلهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .

وبهذه العقيدة الراسخة في القلوب قبل الجوارح ، بدأت الدولة الإسلامية بإرساء قواعدها ، وبدأت أعداد المسلمين بالتزايد ، وانطلقت جيوش الإسلام تحمل على كتفيها رسالة التوحيد ، وتحقق وعد الله عز وجل لرسوله الكريم ، ودخل مكة المكرمة فاتحا ، وحطم بيديه الشريفتين كل مظاهر الكفر والشرك وهو يردد قائلا : (( جاء الحق وزهق الباطل ... إن الباطل كان زهوقا )) ، ويحج بيت الله الحرام بعدها ، ويلقي خطبة الوداع الخالدة مبتدئا بعبارة أخشى أن يكون الكثير من المسلمين في هذه الأيام قد غفلوا عنها : (( إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا )) .

ويعود صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة بعدها ، ويذهب لزيارة شهداء غزوة (( أحد )) ويخاطبهم قائلا : (( السلام عليكم يا شهداء أحد ... أنتم السابقون ونحن انشالله بكم لاحقون )) ، ويشتد الوجع على الرسول الكريم بعد ذلك ، وقد كان يبيت عند السيدة ميمونة رضي الله عنها ، وهنا يعلمنا عليه الصلاة والسلام درسا رائعا في احترامه لزوجاته ، إذ يدعوهم جميعا في ذلك اليوم ، ليستأذنهم في المبيت عند السيدة عائشة رضي الله عنها ، ويشتد الألم بالرسول عليه الصلاة والسلام أكثر ، ويعجز عن النهوض ليقبل ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها من بين عينيها كما هي عادته ، وهنا درس آخر من الرسول الأب عليه أفضل الصلاة والسلام ، لينام بعدها على صدر زوجته عائشة وهو يردد قائلا : (( بل الرفيق الأعلى ... بل الرفيق الأعلى )) ، فتسقط يده الشريفة ويثقل رأسه على صدرها ، فتدرك أنه مات ، فتخرج من حجرتها لاتدري ماذا تفعل ، وتتوجه إلى المسجد وهي تصرخ منتحبة : (( مات رسول الله ... مات رسول الله )) ، فانفجرت المدينة المنورة بالبكاء ، إلا رجل واحد لم يظهر حزنه للناس مع أنه كان الأقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، إنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، ليتوجه إلى حجرة النبي الكريم ، يحضنه ويقبله ، ثم يخرج على الناس قائلا : (( من كان يعبد محمدا ، فمحمد قد مات ، ومن كان يعبد الله ، فإن الله حي لايموت )) .

وهكذا صعدت روحه الشريفة إلى بارئها في يوم الإثنين الموافق الثالث عشرة من شهر ربيع الأول عن عمر يناهز الثالثة والستين ، بعد أن علمنا بسيرته العطرة دروسا لن تتكرر أبدا في تاريخ البشرية ، ولذلك فإن ذكرى المولد النبوي الشريف التي تصادف في هذا اليوم هي وبكل تأكيد ذكرى لبزوغ فجر الإسلام ، ولكنها في الوقت ذاته ، مدعاة للبحث والتعلم والتأمل والتفكر في ذلك المنهج العظيم الذي دونه لنا عليه الصلاة والسلام بسيرة حياته التي ليس لها من مثيل .

اللهم صل وسلم وبارك على الحبيب المصطفى وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

الاثنين، 14 فبراير 2011

كل عام وانت مليكتي

يقولون أن اليوم هو عيد للحب ، وهذا ماكنت أعتقده قبل أن تشرق شمسك في سماء حياتي ، لم أكن أعلم أنه يدخر لقلبي في كل عام ، ما كنت أجزم أنه محض من خيال ، كل عام وأنت مليكتي .

نبذت وراء ظهري كل أساطير الغرام ، وكفرت بكل المذاهب العشقية والمناسبات العاطفية ، فهذا اليوم هو عيدي أنا ، وفرحتي أنا ، وكيف لايكون ؟ وهو الذي جعل حلمي بلقياك يتحقق ، كل عام وأنت مليكتي .

هل اعترفت لك قبل اليوم أنك امرأتي الأسطورية ؟

وهل غفل قلبي أن يقسم أنك (( ست النساء )) ؟

لا ... لا ... فأنت ملكة الملكات ، واليوم لابد أن أقبل البطن الذي حملك ألفا ، بعد أن جعل حضورك لحياتي حقيقة راسخة ، تتجدد كلما احتفل العشاق بعيدهم ، كل عام وأنت مليكتي .

لم أكن أتخيل أننا نرسم أقدارنا بأقلامنا ، وأن شرارة الحب الأسطوري لايشعلها إلا لقاء أرواح كانت تسبح في فلك الأحزان ، كل عام وأنت مليكتي .

سيحتفل بك اليوم الأقارب والأصدقاء ، ويطفئون معك شموع العيد ، وستتبادلين معهم التهاني والأمنيات بالعمر المديد ، وسيتهافت على قلبك الفرسان ، أما أنا فسأقف في الركن البعيد عن حياتك الواقعية ، ليس لي إلا القول ، كل عام وأنت مليكتي .

قد تمضي الأيام والسنين ، وأحتفل لعقود قادمة بهذا العيد على طريقتي ، فأنا قد لا أكون إلا بطلا من ورق لأسطورتك العشقية ، لكن سألتك بالله أن لا تكتبي خاتمة لها ، فحبر الأيام لن ينضب طالما نحن على قيد الحياة ، كل عام وأنت حبيبتي .

أترانا لو اطلعنا على الغيب هنيهة لاخترنا الواقع ؟ وأننا لو كنا ندرك أن أقسى الأوقات عسرا سيتبعها قطعا أوقات يسر حتى ولو بعد حين ، فهل كنا حقا سننتظرها ؟ أم أننا كنا سنمضي مع أول قطار عابر يأخذنا بعيدا عنها ، لكي ننسى آلامنا وأحزاننا التي مابرحت تطاردنا ، على الرغم من اعتقادنا أننا ابتعدنا عنها مذ رحلنا عن تلك المحطة ؟ قد لا أكون مكترثا اليوم بالإجابة على هذه التساؤلات ، لأنني أدركت سعادتي يوم هبت نسائم عطرك من فوق حواجز الكلمات ، كل عام وأنت مليكتي .

قلبي الآن كسفينة في عرض البحر ولن تعود أدراجها إلى الميناء الذي أبحرت منه ، بل ستمضي في رحلتها ، لعل الأقدار تكتب لها في يوم أن ترسو في ميناء عينيك ، وعندها ستكون فرحتي كفرحة طفل تائه عاد إلى صدر أمه ، وكدمعة شوق من طال غيابه عن أرض وطنه ، كل عام وأنت مليكتي .

السبت، 12 فبراير 2011

السبب والمسبب

من يوم الأحد وحتى يوم الخميس ، كل أربعة أسابيع ، وعلى مدار عشرين شهرا متتاليا ، أخرج من عملي ، وأركب سيارتي متجها إلى منزلي فورا ، كطالب نجيب لايتأخر عن موعد حصصه المدرسية أبدا ، وفي طريق عودتي التي لا تتجاوز مدتها الربع ساعة ، تضيق بي الأرض بما رحبت ، من مطاردة النظرات الفضولية لي ، ولكن لماذا تطاردني ؟ ليس بسبب جمالي الفتان طبعا ، وليس بسبب أنني أقود سيارة فارهة طبعا ، وليس بسبب هيبة مظهري وهندامي طبعا ، وليس بسبب أن امرأة حسناء تجلس بجواري طبعا ، وليس ... وليس ... وليس ... كفاك (( رغيا كالصابون )) ، لماذا ينظرون إليك إذا ؟

السبب هو أنني أعاني ومنذ صغري من عادة كنت أعتقد أنها تتسبب في مرض نفسي خطير ، وحتما تودي بمن يفرط في ممارستها إلى عالم الجنون ، ألا وهي عادة الحديث مع النفس ، ولكن بعد قراءتي مؤخرا ، لعدة مقالات طبية متخصصة في علم النفس على الشبكة العنكبوتية ، حول هذا الموضوع ، تبين أن مخاوفي لم تكن في مكانها ، إذ أثبتت دراساتهم أن أسلوب الحديث مع النفس ، هو علاج فعال للحد من وتيرة الضغوطات النفسية ، ولذلك سأشكر والدي الذي أورثني هذه العادة ، التي ما ينفك عن ممارستها كلما اختلى بنفسه فجرا في دورة المياه ، ولابد أن ابنتي (( ياسمين )) ستشكرني أيضا في المستقبل ، بعد أن بدأت ألاحظ ظهور الأعراض الأولية لهذه العادة عندها كلما كانت في خلوة مع ألعابها ، ومما لاشك فيه أنني لن أتعرض بعد اليوم للنقد اللاذع من زوجتي ، كلما استيقظت مذعورة من نومها صباحا على صوتي ، في أثناء النقاشات المحتدمة مع نفسي ، وأنا أصفف شعري أمام المرآة .

لن أكترث بعد اليوم لروايات سائقي (( التاكسي والسرفيس )) وهم يشرحون لركابهم حالتي ، ويعزونها إلى الأوضاع المعيشية الصعبة ، فلقد حدث في أحد الأيام أنني قررت الذهاب في (( السرفيس )) المتجه من جبل الحسين إلى وسط البلد ، ولقرائي الذين لا يعيشون في الأردن ، (( فالسرفيس )) هو سيارة أجرة لها خط مسير ثابت ، وحمولتها أربعة أشخاص ، ولقد كنت في ذلك اليوم قد صادفت السائق الذي ركبت معه على إشارة ضوئية أثناء عودتي إلى المنزل ، ولاحظت قبيل سطوع الضوء الأخضر للإشارة ، أن ذلك السائق قد أطال التحديق بي ، إذ أن لفتة فجائية مني لليمين ، كانت سببا كافيا له لإشاحة وجهه مسرعا ، أعتقد أنه أصيب بالهلع والخوف ، فالمجانين لايمكن التنبؤ بمخاطر سلوكياتهم أبدا ، لاشك أن ذلك ما كان يدور في خلده حينها .

وتشاء المصادفات وبعد ثلاث ساعات ، أن أكون أحد رفاق رحلته الذين سيروي لهم حكاية ذلك الشاب ، وبما أنني كنت أجلس خلفه ، واستبدلت ثياب عملي الرسمية بثياب (( casual )) ، فلم يلاحظ أن بطل روايته سيكون حاضرا بشحمه ولحمه على المقعد الخلفي .

وقبل أن أحدثكم عن روايتي بلسانه ، فقد نسيت أن أصفه لكم ، فهو على مايبدو بالعقد السادس من عمره ، ويرتدي (( كوفية وعقال )) ، لون بشرته سمراء ، وكثافة شاربيه تكاد تطمر حفرتي أنفه ، وشعر لحيته كرؤوس المخرز ، وملامح وجهه القاسية تذكرني تماما بمدير مدرستي الإعدادية عندما كان يرتدي (( الكوفية )) في الشتاء ، ولست أدري لماذا خيل إلي أنه ضخم جدا ، على الرغم من أن مقعده يكاد يكون ملتصقا بمقود السيارة ، هل السبب أن ضخامته تتركز في نصفه الأعلى فقط ، ولاتنطبق على نصفه الأسفل ؟ ربما .

كان يعبث بإبرة المذياع بحثا عن نشرة الأخبار ، وما أن تحقق مراده ، حتى بدأنا جميعا بسماع النشرة على الدرجة القصوى لإمكانيات المذياع الصوتية ، لدرجة أنني شعرت لوهلة أن السماعات من خلفي تكاد تنفجر وبفاصل زمني قصير جدا عن انفجار يتبعها في طبلة أذني ، وخصوصا أن رداءة الارسال كانت سببا في مرافقة أهازيج التشويش ، ككورال لصوت المذيعة .

تبدأ النشرة بالحديث عن أخبار التشكيلة الوزارية المتوقعة ، والعمل الدؤوب لرئيس الحكومة الجديدة وما يبذله من عناية حثيثة في اختيار وزراء أكفاء قادرين على تحقيق الأمل المنشود بالإصلاح ، وفي هذه الأثناء يتدخل السائق بخبرته الطويلة في المجال السياسي : (( هاظي الحكومة يا إخوان رح تقضي على الفساد وبكره بتشوفو )) ، يتدخل الراكب الذي يجلس إلى جواره وعلى طريقة أبو محجوب : (( هلا عمي )) ، تنتقل المذيعة للخبر التالي ، والذي يتحدث عن آخر التطورات في العالم العربي ، وتأكد أن جامعة الدول العربية ستعقد اجتماعا طارئا تبحث فيه سبلا جديدة لقمع شعوبها المتمردة على سياسات حكوماتها الرشيدة وبدون اللجوء إلى العنف ، كي لا يتكرر ما حدث في تونس ومصر ، فهناك اتفاقيات مع أمريكا واسرائيل ولايجوز خرقها ، فالمواطن العربي يجب أن ينحصر تفكيره في الأكل والشرب والنوم فقط ، وهنا يتدخل السائق مجددا : (( إحنا شو بدنا غير هيك ، وعلى رأي المثل : طعمي التم تستحي العين )) ، الركاب لايبدون أية رغبة في التعقيب على كلامه .

الخبر التالي كان مفاده اكتظاظ وسط البلد القديم بأعداد هائلة من المجانين ، وهنا ضرب السائق بكف يده التي تضاهي بضخامتها على ما أعتقد عشرة أضعاف كف قدمه ، فخذ الرجل الجالس بجواره ، كمحاولة لإخضاع سمعه للرواية التي سيسردها عن ذلك الشاب الذي كان يتحدث مع نفسه ، مبتدئا كلامه بالقول : (( صدقني يا خال ، كثير صار عندنا مجانين في البلد ، اليوم مثلا ... )) وقبل أن يتابع حديثه ، ينظر نظرة خاطفة إلى المرآة ويحدق بالركاب الجالسين في الخلف ، ثم يردف قائلا : (( والحكي للجميع )) ، فيرد الركاب عليه وبصوت واحد : (( ولاتهون عمي )) ، ويشرع بالحديث متأثرا وحزينا لما رآه من ذلك الشاب الذي كان من وجهة نظره كوردة جورية أينعت في ربيع العمر ، ويسأل مستنكرا عن السبب الذي أودى به ليصل إلى تلك الحالة المؤسفة ، فيتدخل الراكب الجالس إلى جواره : (( أكيد كان بحب بنت وتركتو لأنو مش قادر يشتريلها بيت )) ، ويعقب الراكب الذي يجلس على يميني بقوله : (( أنا بعتقد إنهم استغنو عن خدماتو في العمل وانضم إلى طابور البطالة )) ، المرأة التي تجلس إلى يساري تشترك في النقاش بقولها : (( يمكن يا جماعة متزوج وراتبو مابكفي طلبات مرتو و أولادو )) ، ينظر السائق مجددا إلى المرآة ، وتتقاطع عيوننا معا ، ثم لايلبث التوجه لي بسؤال كنت في انتظاره : (( وانت يا شب شو رأيك ؟ )) ، فأجيبه وبكل هدوء : (( مش مهم السبب يا خال ، المهم المسبب )) ، السائق جافلا : (( شو يعني المسبب ؟ )) ، استطرد قائلا : (( المسبب هو الذي يؤدي إلى حدوث السبب )) ، السائق يتمتم مع نفسه همسا بعد أن انتقلت عدوى المرض إليه : (( هاظا شكلو الشعب كلو رح يصير مجنون )) .

الثلاثاء، 8 فبراير 2011

ما جهلته عن العشق

لم أكن أدري قبل اليوم أن العشاق كاذبون كرجال السياسة ، فهم حين يطمئنون لمحبتنا لهم ، يجافون ، وحين نعزم أمرنا على الثورة ونطالبهم بالتنحي عن عرش قلوبنا ، يتوسلون .

لم أكن أدري قبل اليوم أن في معادلة العشق متغير تابع ومتغير مستقل ، وإذا شاءت الظروف العاطفية لأحبائنا ، باحتلال موقع المتغير المستقل ، فحتما بنتائج انفعالاتنا العاطفية ، سيتلاعبون .

لم أكن أدري قبل اليوم أن لذة العشق تولد من رحم الرغبة المستحيلة ، عندما يكون الحب مندفعا في اتجاه واحد ، مخالفا قوانين الفيزياء العاطفية ، التي أكدت أن لكل محبة متأججة بثورة العشق ، محبة مساوية لها في القوة ، ومطابقة لها في الاتجاه .

لم أكن أدري قبل اليوم أن التاريخ العشقي لايعيد نفسه ، وأن أساطير الحب في القرون البائدة لا تتكرر ، فنحن في عصر المعتقلات الأنانية ، مباح فيها سفك دماء القلوب ، إذا ما راود نبضها أية هواجس في التمرد على محبة الذات .

لم أكن أدري قبل اليوم أن الخارطة العشقية قد تغيرت معالمها ، فالقريب من مدن العيون ، يبتعد عن عواصم القلوب ، والبعيد عن وديان الأجساد ، يلتصق بجبال الروح .

لم أكن أدري قبل اليوم أن قوانين الحياة قد أعيد صياغتها ، وأن جميع نصوص بنودها ، تعاقب كل من تسول له نفسه بالعشق ، وتحكم عليه بالاشغال الشاقة المؤبدة في سجن البلاهة والتفاهة .

لم أكن أدري قبل اليوم أن الحب لايخلق فينا إنسانا أفضل ، إذ أن سلم أولويات المفاضلة قد تغير ، فالمال أولا ، والسلطة ثانيا ، والجاه والعز ثالثا ، عندها فقط تكتمل صورة الإنسان في هذا الزمان .

لم أكن أدري قبل اليوم أنني أخطأت في قراءة الواقع ، وكنت أهيم في عالم الأحلام ، متأثرا بالروايات والأفلام ، فالحب ليس إلا مخدرا ، نحقن به قلوبنا كلما شعرنا بالفشل في تلبية متطلبات حياتنا الرتيبة .

لم أكن أدري قبل اليوم أن العشاق لايلتقون في الدرك الأسفل من بقاع الحرية ، فكيف يمكن لمن يتشبث بدفة رحى الأيام في مسار لايتغير ، أن يتجرأ على انتزاع الأغلال من عنقه ، دون اكتراث لجلدات سياط الكبت المهيمنة على حياته ؟

لم أكن أدري قبل اليوم أنني عشقت امرأة تفرض سطوتها بسيف أنوثتها ، ولاتخاف من يوم ينفجر فيه قلبي مجاهرا برفض سياستها ، ومطالبا باسقاطها عن عرشه أو الموت دونه .

الخميس، 3 فبراير 2011

مداخلة مدون في أحداث الثورة

لطالما تأثرت بمقولة قرأتها يوما في رواية فوضى الحواس : (( يسألونك أي مدينة تسكن ، لا أية مدينة تسكنك )) ، إن هذه العبارة تحتل ذاكرتي منذ بداية الأحداث في تونس ومصر ، وأنا الذي عشقت منذ طفولتي مدنا لم أسكنها ، ومدنا لم أتمكن من زيارتها قط .

الأمر المؤلم ، هو أنني ومع كل يوم مضى من حياتي ، لم أكن سوى شاهد عصر على تعرض إحدى تلك المدن وسكانها للدمار والأذية ، وما كان بوسعي أن أقسم على تلبية نداء استغاثتهم ، كما فعل المعتصم مع امرأة عمورية .

لا أريد التفكير بما يمكن حدوثه في المستقبل ، لم أعد احتمل مشاهدة حبيباتي وهن يذبحن واحدة تلو الأخرى ، فحبيبتي الأولى اسمها (( قدس )) وقد ذبحت قبل أن أولد ، وحبيبتي الثانية تدعى (( بيروت )) وهي تذبح في كل يوم وتحتضر أكثر ، وحال حبيبتي الثالثة الملقبة (( بغداد )) ليس بأفضل ، وحبيبتي الرابعة (( الخرطوم )) غارقة في الدماء التي شطرت أهلها إلى نصفين ، والآن يمتد خنجر الذبح ليطال جسد حبيبتي الخامسة عروس النيل (( القاهرة )) خلال ثورة أحرارها العظيمة ، وياخوفي على حبيبتي السادسة (( تونس الخضراء )) أن تطاردها هواجس الطامعين في الذبح عقب ثورة أبنائها المجيدة .

أنا كغيري أفاخر بشباب مصر وتونس وإرادتهم الحرة وعزمهم الأبي على التغيير والانعتاق من سجون ظلم حكامها ، لكن وفي الوقت ذاته ، وبعيدا عن العواطف الآنية التي تتميز بها الشعوب العربية ، تكتمل مباركتي لثورتهم وبكل جوارحي ، إذا تحقق أمرين في غاية الأهمية .

الأمر الأول : أن يعم الأمن والاستقرار كافة أرجاء مصر وتونس الغاليتين قبل أي شيء آخر .

الأمر الثاني : أن لا تتحول بلادهم إلى ساحة للمعارك السياسية ، يتنازع فيها فقط من يطمع في الوصول إلى السلطة ، ولا يكون لديه النية الصادقة في بناء بلده والارتقاء بمعيشة مواطنيها ، لأننا في هذه الحالة سنشاهد (( مباركا جديدا )) أو (( بن علي آخر )) وهكذا دواليك ، مع العلم أنني أتحدث هنا عن السياسة الداخلية فقط ، ولا أود التعرض في حديثي إلى السياسات الخارجية ، لأن ذلك الأمر شائك ومتشابك جدا .

وكما يقول الشاعر طرفة بن العبد في معلقته الشهيرة : (( ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود )) ولذلك لن ألهث وراء انفعالاتي وعواطفي ، كما هي عادتنا نحن العرب ، بل سأراقب بصمت ، وأدون نتائج التغييرات التي ستحصل بمشيئة الله تعالى في تونس ومصر ، والتي أتمنى ومن كل قلبي أن تكون متناغمة ومنسجمة في انجازاتها مع أهداف تلك الثورات المقدسة ، وعندها فقط سأصرخ وبأعلى صوتي مفاخرا : (( أننا كعرب بدأنا بالفعل نستعيد أمجادنا التليدة )) .

اللهم كن مع شعب تونس ومصر ، ولاتخيب أملهم يا كريم ، وأبعد عنهم الطامعين في استغلال مواقفهم لخدمة الأهواء والمصالح الشخصية ، وهيىء لهم قائدا عادلا ، يكون على قدر المسؤولية والأمانة ، ولايغرر بأمانيهم وأحلامهم المستقبلية إلى هاوية اللاشيء ، اللهم آمين .

الثلاثاء، 1 فبراير 2011

الدرويش

مذ كان في المدرسة الإبتدائية ، ووالدته تفرط بتوصيته في كل صباح وهي تدس له شطيرة (( الزيت والزعتر )) في حقيبته الصفراء الصغيرة ، كي لايشارك الأولاد في الصف بلعبة تكرار الكلمات المتشابهة الحروف ، ولكنه لم يكن يفهم سبب إصرار والدته على وصيتها ، وهو الذي يحلم في كل ليلة أنه يذهب إلى المدرسة ويهزم الأولاد جميعا في سرعة اندفاع لسانه بالنطق دون أية عثرات .

تبدأ حصة اللغة العربية ، وتطالبه المعلمة بقراءة أنشودة فلسطين الخالدة ، فيقف مرتبكا ، ليس بسبب عدم حفظه للنشيد ، بل لخوفه من انقطاع صوته أثناء انتقاله بين الكلمات ، يقف صامتا كصخرة تتلاطم عليها أمواج متتابعة من الهواجس والأفكار ، لتقطع المعلمة صمته بصراخها ، فيما إذا كان قد حفظ النشيد ، فيستجمع أنفاسه ، ويفتح فمه مسرعا ، ولكن الكلمة الأولى ظلت حبيسة لسانه لثوان مرت عليه كدهر ، قبل أن تتحرر وتندفع بثمانية حروف من أصل حروفها السته (( ف ... ف ... فلسطين )) ، ويسبق نطقه للكلمة التالية ، ضحكات الأولاد الساخرة ، والتي احتلت فراغ الصمت الذي سبق شروعه بالإنشاد ، لتعاود المعلمة صراخها ، ويصمت الجميع بإذعان تام ، فيكرر محاولته لإكمال النشيد وبإصرار أكبر ، ويفلح في إنشاد الشطر الأول بصوت عذب وجميل (( فلسطين داري ودرب انتصاري )) ، ثم لايلبث أن ينزلق صوته بعدها في هاوية التلاشي بفم فاغر عاجز عن النطق ، وفي هذه الإثناء احتدم الصراع بين عقله ولسانه وهو يملي عليه النطق بمطلع الشطر الثاني (( تظل بلادي هوى في فؤادي )) ، إلا أن لسانه تعثر مجددا في أول كلمة ، مرددا حرف التاء ثلاثا ، لتتعالى الضحكات ، وتقلب المعلمة كفيها آسفة على حاله ، وتشكره على اجتهاده في المحاولة ، بكلمات لم تمنع دموعه عن الجريان .

تأتي العطلة الصيفية ، والتي يعتقد أنها ستكون ملاذه الآمن من سخرية الآخرين لطريقة نطقه ، فيصطدم بسؤال إمام المسجد له بعد صلاة الجمعة ، عن سبب عدم التحاقه مع أولاد الحي بدورة حفظ القرآن الكريم وتعلم أحكام تلاوته ، ولايتركه إلا بعد أن يحظى منه بوعد على حضور الدرس بعد صلاة المغرب ، ينظر إلى السماء ويتمنى لو أن الشمس في هذا اليوم لاتغيب ، ولكنها تسرع في الاختفاء وراء الجبال على غير عادتها في أيام الصيف ، فتنعقد حلقة الدرس ، ويجلس على يسار الإمام ، آملا أن ينقذه آذان العشاء قبيل مجيء دوره في التلاوة ، فقد علم من صديقه المشارك بتلك الدورة ، قيامه بذلك الفعل المتعمد دائما ، إلا أن الأمام وعلى غير عادته ، يباغت خطته باقتراح مناداة الأسماء بشكل عشوائي ، ويقع عليه الاختيار الأول ، ليتلعثم عند التعوذ ، وينطق البسملة بدءا بلسان صامت ، فيتهامس الأولاد فيما بينهم مستهزئين ، ويتبع همسهم زجرة عيون الإمام الغاضبة ، وتلاوته للآية الأولى من سورة المسد ، كمحاولة لمساعدته على كسر حاجز الخوف من النطق ، وبالفعل نجحت مبادرات الإمام وتمكن من نطق أول كلمتين وبدون تردد (( تبت يدا )) ، ليعجز مجددا عن التفوه بكنية من وعده رب العالمين بنار ذات لهب ، وفي تلك اللحظات وبينما كانت همسات الاستهزاء تتهيأ لاعتصار الدموع من عينيه اليائستين ، تأتي بشرى الإمام مطمئنة إياه ، أن أجر قراءته مضاعف في ميزان حسناته عمن سواه بإذن الله تعالى .

يعود إلى المنزل ، ويثب إلى صدر أمه باكيا ، فتربت على رأسه وتضمه بعزم أكبر كلما أجهش بالبكاء ، فهي لاتجد مناصا في حل عقدة لسانه ، إلا بالدعاء لرب السماء والأرض ، لإنها تتذكر جيدا ماقاله الطبيب لها قبل سنتين ، إذ ليس هنالك من علاج لحالة ولدها كي ينطلق لسانه بالكلام دون توقف ، بيد أنها تذكرت فجأة الحديث الذي دار بينها وبين إحدى صديقاتها ، والتي أكدت لها أن علاج ولدها هو في تناول كميات من (( الفستق الحلبي )) ، وروت لها قصة ابن أخت جارة عمتها ، والذي كان لايتكلم أبدا ، حتى بدأت والدته بإطعامه الفستق في كل يوم قبل وبعد وجبات الطعام ، فتمكن وخلال أسبوع فقط ، من الكلام وبشكل أفضل من الكبار ، وبالفعل بدأت والدته ترسله في كل يوم لشراء الفستق وتحثه على تناوله بالطريقة التي وصفتها صديقتها ، ولقد ظل يأكل الفستق بعدها حتى بات مدمنا عليه ، لدرجة أنه لو تأخر عن تناوله يوما ، يصاب بحالات ارتعاش غير قابلة للتأويل والتفسير ، وعلى الرغم من كل هذا ، فقدرته على النطق لم تتغير .

لم يكن حاله في شبابه أفضل من طفولته ، فلقد أطلقوا عليه في الحارة لقب (( الدرويش )) ، ولم يكن السبب في تلك التسمية ناشئا عن صعوبات النطق التي يعاني منها فحسب ، بل لأنه كان أيضا يكظم غيظه بين محيط عمله ومكان سكنه من سخرية الآخرين واستهزائهم به ، ولقد كان يحدث في كل يوم جمعة ، تجمهر حشد كبير من الناس أمام المطعم لشراء الفول والحمص ، وبمجرد قدومه يبدأ الأولاد بالتصفيق والهتاف ، أما صاحب المطعم فلا يتورع عن تقليد طريقته بالكلام وهو يأخذ منه النقود لتلبية طلبه ، فيعج المطعم ببكاء المتواجدين فيه ، ليس بسبب الحزن طبعا ، بل من كثرة الضحك .

وكعادته يخرج من المطعم وهو يتمتم : (( سامحكم الله يا أخوتي )) ، ليخترق مسامع كل من في المطعم دوي كوابح سيارة وهي تحاول جاهدة التوقف قبل دهس فتاة كانت تحاول عبور الشارع ، فيرمي (( الدرويش )) صحن الحمص ، ويقفز كالفهد ملتقطا الفتاة قبل ثانية من اصطدام السيارة بها ، فيصاب جميع من كان في المطعم بحالة ذهول تام ، وهم يكادون لايصدقون ما رأته عيونهم للتو ، ويتبع ذلك نوبة ندم تجتاح قلوبهم وقد امتزجت بألم الحسرة على فظاعة ماكانوا يفعلونه بحق ذلك (( الدرويش )) ، ثم مالبثوا أن تداركوا موقفهم بالركض نحوه جميعا وهم يبكون ، ليبتسم حينها ويقول لهم وبدون تلعثم : (( أنا أحبكم جميعا )) .

تكثر في مجتمعاتنا ظاهرة السخرية والاستهزاء من الأشخاص الذين لديهم عيوب خلقية ، ولكنهم لايعلمون أن العيب ليس في الخلقة ، بل في الخلق السيء الذي لايجدي معه جمال المظهر .

السبت، 29 يناير 2011

المال وقلب المرأة

كان صباحا رتيبا باعثا على الكسل ، وبما أنه يوم عطلة ، فذلك كان سببا كافيا لي للبقاء في فراشي الدافىء ، وعدم تركه مرغما كما أفعل في أيام العمل ، ومع أن أجواء الهدوء التي تخيم أركان المنزل تكاد تقتلني ، إلا أنني لا أنكر مدى حاجتي للعزلة والخلوة بنفسي ، كي أتمكن من حسم أمر تلك الأحجية المكدرة لصفو مزاجي منذ عدة أيام .

بدأت عيناي تسارع الدوران في محجريهما ، مخترقتان فراغ الغرفة شبه المظلم ، وراقبت بصمت ولوج طرقات قلبي إلى بوابات حنجرتي ، كنت خائفا ، مضطربا ، قلقا ، تحاصرني الهواجس ، وتضيق الخناق على عنق راحتي ، فقدت الإحساس بالدفء ، وتجلدت أطرافي ، وباغت جسدي هجوم مفاجىء من نوبات الإرتعاش .

ركلت ملاءة الفراش ، وحاولت النهوض مسرعا ، لكنني لم أغادر السرير تماما ، بل جلست على حافته ، أتأمل وجهي في المرآة ، دون اكتراث لجولات المصارعة الرومانية التي انطلقت منافساتها للتو بين ركبتي ، وجهت سبابة يدي اليمنى صوب الشخص المتواجد في إطار المرآة ، فبادرني بالحركة ذاتها مستعينا بسبابة يده اليسرى ، صرخت في وجهه قائلا : (( أنت السبب )) ، فتحركت شفتاه بكلمتين لم أتمكن من سماعهما ، مسدت شعري بيدي اليسرى ، فمسد شعره بيده اليمنى ، قطبت حاجبي ، فقطب حاجبيه ، حدقت به وعيوني تقدح شررا ، فحدق بي بطريقة مطابقة تماما ، إنه بلا شك يتحدى صبري على أخطائه المتكررة ، ابتعدت عن السرير ، واقتربت منه أكثر ، وبدأت أصرخ في وجهه ودون توقف : (( أنت السبب )) ، حتى اختفت ملامحه وراء البخار المندفع من فمي ، وإذ بيدي التي كانت ترتجف قبل هذه المواجهة ، تتحول فجأة إلى أفعى تتضور جوعا ، وقد وجدت أخيرا فريستها ، فتشرع بعفر ذلك البخار بشراسة بحثا عن غريمها ، وتنقض بأنياب قبضتها على عنقه ، إلا أن أشلاء الزجاج هبت لنجدة من هو في حماها ، لترد تلك الأفعى خائبة ومضجرة بدمائها .

سالت قطرات الدماء على الأرض كصنبور ماء غفل طفل صغير أن يحكم إغلاقه ، فالتقطت منديلا وضغطته على موضع النزيف ، وطوقت يدي بمنديل آخر ، ثم ما لبثت أن تأبطت رواية كنت قد بدأت بقراءتها في الليلة الماضية ، وسرت بخطوات متثاقلة إلى المطبخ ، بغية إعداد قدحا من القهوة ، أشعلت الغاز بيد مرتبكة ، وتفرست الرفوف بحثا عن البن والسكر ، وبعد معاناة طويلة في إيجادهما ، أعددت قهوتي ، وجلست على منضدة المطبخ ، أقلب صفحات الرواية بتباطىء متعمد ، وكأنني أحاول تجنب قراءة السطر الذي توقفت عنده البارحة ، ولكن عيوني اتجهت وبمحض إرادتها إلى جحر الكلمات ذاته ، لتنبطح أرضا وتلدغ منه مرتين متتاليتين وأكثر ، وما طفقت تصر بعد كل لدغة ، على تكبد ألم مطالعته مجددا : (( ما أصعب أن تحب امرأة تعشق جيوبك لا قلبك )) .

كان كل شيء قد حدث عندما التقيتها بمحض صدفة قدرية في أحد المقاهي ، و جلست على طاولة محاذية لطاولتها ، ومنذ وهلة المشاهدة الأولى لها ، لم أتمكن من مقاومة رغبتي في إمعان النظر بكل تفاصيلها ، أصابتني حالة من الارتباك والفوضى ، إذ لم يحدث مسبقا أن أجد نفسي في حالة إذعان تام ، أنا وحواسي الخمس ، لجمال أنثى قط ، ولقد كانت نظراتي تطاردها من أعلى إلى أسفل ، ومن أسفل إلى أعلى ، بدءا بعينيها المدهشتين في اكتمال استدارتهما ، وقد توشحتا برموش كثيفة ، وحدقتين واسعتين من لون العسل الداكن ، ومرورا بوجنتيها المتوردتين بالفطرة ، وثغرها الخجول الممتلىء ، وصولا إلى خصلات شعرها البنية اللون ، والمنسدلة على كتفيها كالحرير ، وبشرتها الحنطية التي كانت تؤكد على أنوثتها المثالية .

تسارعت نبضات قلبي باطراد مذهل ، وهي تعبر أمامي إلى ركن هادىء لإتمام محادثة هاتفية ، فقد كان جسدها متناسقا كعارضات الأزياء المحترفات ، وعندها فقط ، حزمت أمري لإيجاد طريقة ملائمة في التحدث معها ، ومحاولة جس نبض قلبها فيما إذا كان مشغولا برجل غيري .

يقولون : (( الحب كالحرب ، من السهل أن تشعلها ، ومن الصعب أن تخمدها )) ، ولكنني وجدت أن معركة النظرات التي دارت بيني وبين تلك الفتاة ، لم تكن إلا من طرف واحد ، وهذا كان مبررا كافيا لي للإنسحاب والتراجع من تلك الحرب بأقل الخسائر ، إلا أن الغريب في الأمر ، والذي ظل كأحجية باتت تؤرقني في كل ليلة ، هو أنني وعندما أخرجت من جيبي محفظة النقود المتخمة برزم الدولارات كي أدفع الحساب ، اكتشفت أن تلك الفتاة قد أفرطت في التحديق بي بطريقة مستعصية على الفهم ، وعلى الرغم من هذا الإكتشاف ، غادرت المقهى دون أن ألتفت ورائي ، وأنا أجلد ذاتي بسياط الندم لوقوعي مجددا في فخ سوء تقدير الأشخاص من حولي ، وأتمتم بسؤال نفسي : (( هل المال حقا هو أقصر الدروب إلى قلب المرأة ؟ )) .

الثلاثاء، 25 يناير 2011

الحكومة المؤقتة لشؤوني المنزلية (( 2 ))

بعد الفشل الذريع لحكومة الطوارىء المؤقتة التي تم تشكيلها في الصيف المنصرم لتولي إدارة شؤوني المنزلية ، تعاود زوجتي الكرة مجددا وتسافر مع الأولاد إلى دمشق لقضاء عطلة منتصف السنة الدراسية عند أهلها .

بالطبع لم يطرأ أي تغيير يذكر على الوزراء المتواجدين في الحكومة الجديدة ، على الرغم من أن أداء بعضهم كان قد تسبب بكوارث عديدة في الصيف ، وجعلني أشعر بالخزي والعار عند عودة زوجتي .

فوزارة النظافة العامة والتي استحوذت على ثلث مخصصات موازنة الحكومة السابقة بداعي ارتفاع تكاليف استدعاء الخبير الباكستاني ، والذي كان من المفترض أن يتولى مهام تنظيف الأرضيات ودورات المياه والنوافذ ومكافحة الغبار الذي هاجم العديد من المناطق في المنزل ، كان يقوم بعمله في أوقات لايتواجد فيها مفتشي الوزارة للتأكد من كفاءة أدائه ، وهذا تسبب بكارثة كبرى عند عودة زوجتي ، إذ عج المنزل بالصراصير ، وتطلب ذلك جهدا مضنيا في مكافحتها ، ومجهودات مضاعفة في التهدئة من روع زوجتي ، والتي باتت صرخاتها على مدار الدقيقة كلما تحركت خطوة في المنزل ، لدرجة أنها كادت تقسم في أحد الليالي على مغادرة المنزل بعد ظهور السيد (( أبو بريص )) على سقف غرفة النوم ، والذي تمكنت من قتله بعد حرب شرسة دامت لأكثر من نصف ساعة ، وأنا أحاول فصل رأسه عن جسده بضربة موت قاضية .

ولم يكن الحال أفضل في أداء الوزارات الأخرى ، فوزارة تنظيف وكي الملابس لم تتعاقد مع الجهة الخارجية (( الدراي كلين )) والتي كان من المزمع الاعتماد عليها في تنظيف القمصان ، مع العلم أن مخصصات الموازنة العامة لهذه الوزارة كان قد تم توريدها إلى خزينتها ومن اليوم الأول ، إلا أن الوزارة آثرت الاعتماد على خبرات موظفيها ، وتوفير المخصصات لغايات أخرى في الوزارة ، وهذا أدى وبكل أسف إلى تكرار الكارثة المأساوية التي حدثت سابقا ، عندما تم دمج القمصان الفاتحة اللون مع القمصان الداكنة في حوض الغسيل وتلف العديد منها إثر اختلاط الألوان فوق بعضها البعض .

وزارة الطعام والشراب طالبت بعد عشرة أيام من تشكيل الحكومة السابقة بزيادة لمخصصاتها ، والسبب هو فشلها في تنفيذ الخطة الثنائية الأبعاد ، والتي كانت تهدف إلى تناول وجبتي الإفطار والغداء عند والدتي ، والتخلي مطلقا عن وجبة العشاء ، إذ لم يتم التقيد بتلك الخطة ، وحصل العديد من التجاوزات فيها ، فلقد تم تناول وجبات الغداء في كثير من الأحيان في المطاعم ، وكذلك فشلت الوزارة في مقاومة زقزقة عصافير البطن في المساء ، وهذا ساهم في زيادة أعباء نفقات الوزارة بسبب وجبات العشاء المتكررة ، والذي بدوره تسبب في زيادة حدة الإنتقادات الموجهة إلى وزارة المظهر العام بعد تراكم الشحوم والدهون في مختلف أجزاء الجسد وتعاظم حجم (( الكرش العربي )) ، وليس هذا وحسب ، بل حصل وبكل أسف عجز كبير في موارد وزارة الدخل الشهري ، ولم تنجح في تنفيذ مهامها المنصبة في إدارة وتنظيم نفقات الراتب وتوزيعها بشكل عادل ومتوازن على مدار الشهر .

خمسة أيام مضت لغاية الآن على إعادة تشكيل الحكومة ذاتها ، وبالرغم من كل الكوارث التي تسببت فيها ، فقد حصلت على دعم غير مسبوق من مجلس الشعب المنزلي ، وهذا كان كافيا لها لعدم تكبد أي عناء في عقد اجتماعات للتباحث حول خطط إدارة وتنظيم شؤون المنزل للمرحلة القادمة ، ولا أعتقد أن محاولات حركات المعارضة لإسقاط هذه الحكومة ستجدي نفعا ، فليس هنالك من حكومات بديلة ستكون أفضل في أدائها وإخلاصها وتفانيها بالعمل لمصلحة المنزل ، فالحكومات في المنازل العربية شعارها : (( مصلحتنا أولا ومصلحة المنزل أخيرا )) .

السبت، 22 يناير 2011

وخزة ضمير امرأة

(( أنا لست حجرا )) يا لسخرية الأقدار !! هذه الكلمات ما فتئت تطاردها ، وهي التي كانت تحسب أن ارتداد أصوات الأموات وهم يستصرخون ، حتما ستذوب وتتلاشى عند حدود أضرحتها ، ولكن هذا الميت الذي استيقظ من سباته بعد هذه السنين ، كان يرقد في مقبرة مغايرة تماما ، كان من المستحيل اختراق عتباتها ، إذ أن أفئدة الناس عندما يموت فيها الضمير تكون دوما أقسى من الحجارة .

عشرون عاما وهي تنام قريرة العين ، لم يتمكن فيها ذلك اليوم من التسلل عبر خلايا ذاكرتها ولو لثوان معدودات ، ولكنها لم تكن تتوقع قط ، أن يكون فلذة كبدها هو السحابة التي ستمطر رذاذ ذلك الريق الملتهب مجددا على وجهها ، وهو يصرخ متأوها من شدة المرض ، ويكرر العبارة ذاتها بعد يأسه من مقاومة الألم .

جفلت عيناها ، تكاد لا تصدق ما تسمع ، تذكرت كل التفاصيل ، وعاد بها الزمان رغما عنها إلى الوراء ، لتتذكر تلك العبرات التي انهمرت كالسيل وهي ترجوها أن لاتعقد العزم على الرحيل ، ولكنها أبت ، متذرعة بحجج واهية ، لتترك ذلك القلب الذي أحبها يحتضر دونما اكتراث .

هي لم تعترف يوما بأن قرارها كان خاطىء ، فذلك الشاب كان غير قادر على الزواج ، وكان يتحتم عليها أن تتذوق معه مرارة العيش والفقر ، بينما شقيق صديقتها المتربص بها منذ أمد بعيد ، فيكفي أن تمد له يدها ليدخلها إلى جنة الدنيا ومن أوسع أبوابها .

ولكن ماذا عن عهدها الذي نكثته في ذات ليلة من شباط ، عندما أقسمت له أن لايفرق بينهما إلا الموت ؟

قطعا هنالك مبررات لذلك ، فهي أكدت له قبل يوم الوداع ، أن قصتهما كالشمس والقمر ، طريدين في تعاقب الليل والنهار ، ولكن يتعذر لسقف السماء أن يحتويهما في آن واحد .

ثمة هواجس كانت تحاصرها باستمرار ، وتملي عليها الإذعان لشروط عقلها ، فوالدها ما كان ليبارك ذلك الزواج مهما حاولت إقناعه ، فهو لن يكرر خطيئته مع شقيقتها الكبرى عندما وافق على ارتباطها من شاب كان لايزال يحبو في درب الحياة .

إذن لماذا شعرت بوخزة الضمير وهي تسمع صرخة ولدها ؟

بالتأكيد هي مصادفة لا أكثر وليس هنالك من أدنى علاقة بين الصرختين .

عندما نذهب إلى فراشنا في كل ليلة ، هل نشعر حقا بوخزة ضمير تؤلمنا على أخطائنا بحق أشخاص لم يتسببوا بأذيتنا قط ؟

الثلاثاء، 11 يناير 2011

المدونة في إجازة

إلى جميع قراء مدونة أفكار وتساؤلات الكرام ...


ستكون المدونة في إجازة خلال الفترة القادمة ، و على أن يتجدد اللقاء معكم في وقت قريب بمشيئة الله تعالى ...


وإلى ذلك الحين تقبلوا مني كل التقدير والاحترام ...

السبت، 8 يناير 2011

هذيان الثانية والثلاثين

أبعد ميزان السنين ، فأنت تعلم أين سيستقر مؤشره ، لا توجد حبوب خافضة للعمر ، ودرجة أعوامك لن تهبط بعد اليوم عن الثانية والثلاثين .

يطمئنك الحلاق بأن رأسك لايزال حصنا منيعا في وجه المتمردين على وحدة لونه الأسود ، ويؤكد لك أنك تحبط وبكل شجاعة مخططات الصلع في تفجير بصيلات شعرك .

يرجوك أولاد الحارة لتلعب معهم مباراة كرة قدم في ملعب الشارع الدولي ، فتخلع رداء وقار عمرك ، في سبيل ابتسامة ترتسم على جدران قلوبهم الناصعة بالبراءة والنقاء ، وبعد تسجيلك للهدف العاشر في نزالك غير المتكافىء مع حارس المرمى ، تقنع نفسك أنك لا تزال صبيا في مقتبل العمر .

تنظر إلى المرآة وتقارنها بصورتك قبل عقد من الزمان ، وتسأل نفسك : (( ما الذي تغير ؟ )) ، فلا تجد أية إجابات حاسمة لتساؤلك ، مع أنك تدرك تماما أنك تبحث في المكان الخاطىء .

تسألك زوجتك بابتسامة استنكارية : (( كم أصبح عمرك ؟ )) وتداهمك قبل محاولتك للإجابة بحيرتها المصطنعة ، إن كنت قد وصلت للمحطة الثالثة والثلاثين في مشوار عمرك ؟ أم أنك رحلت للتو في طريقك إليها ؟ تستشيط غيظا من سخريتها ، وهي التي لا تزال في طريقها إلى محطة الربع قرن ، ولكنك تتظاهر أمامها بعدم الاكتراث ، وتكاد تقسم لها أنك تعبر محطات العمر دون الالتفات إلى أرقامها .

تقبل يد والدتك التي تبتسم بخوف وهي تبارك لك ظهور رقم جديد في خانة عمرك ، وتقول لك : (( أنت آخر العنقود ، فإياك أن تكبر أكثر )) ، وتتأكد حينها أن المرأة تبدأ بالخوف من الشيخوخة والموت ، كلما أضاف أصغر أبنائها رقما جديدا إلى مجموع سنوات حياته ، ولكن هواجسك عن الشيخوخة في تلك اللحظات تغفو في سبات عميق ، بعدما تتذكر مقولة قرأتها في يوم من الأيام : (( يظل الرجل طفلا حتى تموت أمه ، فإذا ماتت شاخ فجأة )) .

تناديك ابنة شقيقتك : (( يا خال ... ما هو رقم هاتف خالتي ؟ )) ، تجيبها وبكل ثقة على المقطع الأول ، وتتلعثم في المقطع الثاني ، وتستسلم عند المقطع الأخير وبكبرياء زائف ، معللا أن التكنولوجيا تسببت في ضمور وظائف ذاكرة الإنسان ، ولاتجد مناصا إلا باستجداء ذاكرة هاتفك المتعاظمة في القوة والسرعة ، لتنقذك من مأزق اكتشاف الآخرين لأداء ذاكرتك الذي بدأ يسير بخطوات معاكسة لخطوات عمرك .

ولكنك أقنعت نفسك بعد ذلك أن استرجاع بيانات الأرقام ليس معيارا حقيقيا لقوة ومتانة ذاكرتك ، فالعديد من الأشخاص في هذه الأيام يكتفون بحفظ أسماء من يرغبون بالاتصال معهم ويتركوا مهمة حفظ الأرقام لكبسة زر واحدة من هواتفهم ، وتتنفس الصعداء حينها ، وتخرج برفقة صديقك إلى جولة في أحد المولات ، وتشاء الظروف أن تتصادف هناك مع محام كان زميلا لك في عملك السابق ، والذي تركته قبل ثلاث سنوات ، ولكنك وعند لحظة السلام تدرك أنك عاجز عن تذكر اسمه ، فتتحايل عليه وعلى نفسك بخدعة الوقار والإحترام قائلا : (( أهلا يا أستاذ )) .

وتتوالى الصدمات غير المتوقعة عندما يقاطع الجار حديثك عن تفاصيل حادثة سرقة مضخات المياه من العمارة ، ويخبرك أنك تسردها له وللمرة الثالثة خلال هذا الأسبوع ، فتتدارك الموقف مبتسما : (( كنت أود التأكيد لك على وقوعها فقط ، فلقد سمعت أن مالك العمارة أنكر حدوثها ، وكنت أخشى أن تكون قد صدقت كلامه )) .

واليوم لابد من الاعتراف أنك كنت تعتقد استعجال النساء فقط في تقليب صفحات أعمارهن عند فصول الطفولة والمراهقة ، وتمهلهن دون جدوى عند صفحات فصول الشباب التي تطوى رغما عنهن .

فهل ستظل تخدع نفسك أيها الرجل وتدعي أنك لست مثلهن في طريقة قراءتك لكتاب الحياة ؟

الثلاثاء، 4 يناير 2011

الحب والحرب

اليوم سأعلن اندلاع الحرب مابين قلبي وقلبك ، فهل ستفكرين بطريقة (( ميكافيلي )) وتحاولين تأجيل وقوعها ؟ ولكن ماذا ستكون مصلحتك من ذلك ؟ فأنت لن تتمكنين من تفاديها مهما حاولت إلى ذلك سبيلا .

إذا كان (( آل كابوني )) أشهر عصابة مافيا في التاريخ قد تم اتهامهم بكل حالة قتل حدثت عدا قائمة ضحايا الحرب العالمية ، فأنا سأكون مجرما أكثر منهم وأقبل بكل الإتهامات على حالات قتل جميع القلوب التي ستحاول الاقتراب منك ، وبذلك سأناقض نفسي من سخريتي على (( محمد اسكندر )) عندما ردد بأعلى صوته قائلا : (( اللي بيرميك بوردة براسو بخرطش فردي )) .

أما خطاب (( جون كنيدي )) الذي أكد في يوم من الأيام على ضرورة قيام الإنسانية بوضع حد للحرب ، وذلك قبل أن تضع الحرب حدا للإنسانية ، فهو خطاب أكل عليه الدهر وشرب ، فإمبراطوريات العشق التي لا يغيب عنها الحب ، نشأت إثر حروب عاطفية طاحنة .

وسأعتذر من (( أحلام المستغانمي )) بسبب رفضي لمقولتها عن تصفية الحسابات التي تحدث في كل حرب بين جيلين من البشر ويموت على أثرها جيل من الأشجار في معارك يتجاوز منطقها الغابات ، ففي الحرب كما في الحب ، لابد من وجود ضحايا قلوب ليس لها أي ذنب ، حتى نتمكن من احتلال قلب المحبوب والسيطرة التامة على كل مشاعره .

أهو الطمع ؟ الأنانية ؟ حب التملك ؟ وكما قالت (( أحلام المستغانمي )) في موضع آخر : (( من الأسهل أن نتقبل موت من نحب ، على تقبل فكرة فقدانهم واكتشاف أن بإمكانهم مواصلة الحياة بكل تفاصيلها من دوننا )) .

أم هو الإقدام وبكل شجاعة على الخطوة الأولى في الهجوم العشقي ؟ وثقة تتجاوز حدود المنطق بقوة ذلك القلب الذي يهتف بأشعار (( نزار قباني )) قبيل ساعة الصفر ، قائلا : (( أتحدى كل من إلى عينيك يا سيدتي قد سبقوني )) .

وهذا سيتنافى تماما مع مقولة أنيس منصور : (( ينفتح قلب المرأة لمن يدق عليه كثيرا )) فأنا لا أود الدق والاستئذان ، فقلبي رجل حرب يتوق إلى المجازر العاطفية ، ولن يتورع عن كسر باب قلبك الموصد بالخوف والتردد من مواجهته كفرسان شجعان في موقعة (( أم المعارك العشقية )) .

أنت لديك خيارين لا ثالث لهما ، ولكن ليس الموت أو المواجهة ، كما قال القائد الخالد (( طارق بن زياد )) لجنوده : (( العدو أمامكم والبحر من خلفكم )) ، ففي حربنا العشقية سيكون : (( قلبي من أمامك وروحي من خلفك )) .

وأنصحك بعدم التفكير في اللجوء إلى استراتيجيات الحروب الباردة ، فقلبي ليس له حلفاء يعيشون في مجاعات عاطفية ، لكي يلتفوا من حول قلبك ويساعدوه على التخلص من قلبي ، بل قولي لي بالله عليك ، كيف من الممكن لقلوب لا تزال تقتني أسلحة بدائية في الحب أن تقف في وجه صراعات القوى العاطفية العظمى ؟

إنني أمهلك للمرة الأخيرة ، وقد أعذر من أنذر ، إما حبي وإما عشقي وإما جنوني ، فأيهم ستختارين يا مليكتي ؟

هل حقا الحب يكون أجمل عندما يشبه الحرب في عنفها ؟

أم أن الحب يكون أجمل عندما يشبه السلام في هدوئه وسكينته واستقراره ؟

السبت، 1 يناير 2011

الفتيات وسمفونيات التأفف

مع بداية هذا العام الجديد ، البعض يتمنى ، وآخرون يحلمون ، وأصحاب العقول النيرة يخططون ، والمستهترون قطعا لا يكترثون ، أما (( عامر )) فلقد قرر أن يمنع عيونه عن أي تقاطع محتمل مع عيون الفتيات ، ولكن لماذا يا (( عامر )) تريد التركيز على هذه النقطة بالذات ؟

فكان جوابه في المواقف التالية :

الموقف الأول :

أستيقظ صباحا وأنا في ذروة الكسل ، وذلك بسبب عاداتي السيئة في السهر منذ كنت في سن المراهقة ، وبالتأكيد لا أرغب في هذا العام بمحاولة التخلص من هذه العادة التي هي أقرب للإدمان ، فأنا مقتنع بفكرة تركيز جهودي على تحقيق هدف واحد ، والذي ذكره لكم (( أشرف )) في بداية الإدراج ، ولذلك فلن أشتت جهودي بين عدة أهداف ، فهذا سيؤدي بي حتما إلى الفشل في تحقيق أي منها ، عذرا للخروج عن الموضوع ، لنتابع ، أرتدي بدلتي التي تكون دوما من مشتقات الألوان القاتمة وأخواتها ، أقف أمام المرآة لمدة تتجاوز الربع ساعة مابين تصفيف شعري والتأكد من حسن هندامي ومظهري ، أخرج من المنزل وأركب سيارتي متجها إلى عملي ، أسارع في اللحاق بالمقلب الهاتفي (( للدكتور رفعت )) في برنامجه الإذاعي (( اطلع من راسي )) والذي يزيل عني كشرة الاستيقاظ المبكر ، وقبيل وصولي إلى منعطف الشارع الرئيس ، أجد في كل مرة فتاة مختلفة تقف عند مقدمة المنعطف ، تنتظر وسيلة نقل كيفما اتفق ، لتقلها إلى مكان عملها أو دراستها ، وبما أنني أكون مضطرا للنظر إلى يميني خوفا من وجود سيارة قادمة من الاتجاه المعاكس ، فمن البديهي أن تشمل الفتاة محيط بصري ، وهنا تكون الضربة القاضية لي ، عندما تطلق الفتاة زفرة تأفف لاعتقادها أنني أنظر إليها ، ولأن بطلة هذا الموقف الصباحي تكون عادة أجمل من (( الليدي ديانا )) في أوج صباها ، أعذرها وأتابع مسيري إلى العمل .

الموقف الثاني :

يقول الكاتب الأمريكي مارك توين : (( ما أسهل الإقلاع عن التدخين ، لقد قمت بذلك مئات المرات )) ، وبما أنني فشلت العام الماضي في تحقيق هذا الهدف ، ولم أتمكن حتى من محاولة التقليل من آثاره السلبية المدمرة ، سواء من الناحية الإقتصادية أو الصحية ، وذلك لأنني كنت أفكر فقط في كيفية زيادة مصادر دخلي والتحايل على صحتي من خلال ممارسة الرياضة والمحافظة على وزني ، فكنت بذلك أشبه الشركة التي أعمل بها ، والتي كانت قراراتها تنحصر في كيفية زيادة الإيرادات وتنويع مصادر الدخل عوضا عن محاولة تقنين المصاريف والتخلص من بعضها نهائيا ، ولذلك فأنا أواظب على دخول (( السوبرماركت )) يوميا لشراء علبة سجائر ، وكالمعتاد فكلما أخطو الخطوة الأولى للدخول ، لابد للعبة المصادفات أن تهزمني وتضعني في مواجهة مباشرة مع فتاة تهم بالخروج ، وهنا تتكرر الضربة القاضية مجددا ، وتطلق الفتاة تحية التأفف ، وليس أمامي من خيارات سوى طأطأة رأسي ، فإن تحية كتلك ، من حسناء تتفوق في أنوثتها على (( نيكول كيدمان )) ، لابد من اعتبارها أجمل ما قد يتعرض له المرء .

الموقف الثالث :

في بعض الأحيان ، أذهب إلى مقهى الإنترنت القريب من مسكني ، وذلك كلما تعرضت للطرد الأدبي من المنزل ، عند حضور صديقات زوجتي وأولادهن لزيارتها ، والتي لا تتصادف إلا مع موعد قيلولتي المقدسة بعد العودة من العمل ، ومع أنني أجد في ذلك فرصة ذهبية للتخلص من عادة القيلولة ، والتي تعتبر من الأسباب الرئيسة لاستمرار عاداتي السيئة في السهر ، ولكنني مع هذا فشلت أيضا في العام الماضي بتحقيق هدف ضبط أوقات نومي بشكل صحي متناسب ، أدخل المقهى الذي يكون مكتظا عند هذا الوقت بالذات ، وكالعادة يكون حظي سيئا بسبب وقوعي في مأزق الجلوس على المقعد اليتيم الفارغ ، والذي يكون وبكل أسف بجانب فتاة ، أحاول المشي على أطراف أصابعي حتى لا أشعرها بقدومي ، ولكن أين المفر ؟ فبمجرد وصولي يبدأ موال التأفف بطبقات طربية تتفوق في قوتها على كوكب الشرق (( أم كلثوم )) ، ولامناص أمامي حينها سوى الاستمتاع بسماع ذلك الموال ، والتصفيق والتحية حتى نهايته ، فلقد اجتمع جمال (( إليسا )) وصوت (( أم كلثوم )) في جسد وحنجرة فتاة واحده .

الموقف الرابع :

في الفترة الممتدة مابين نهاية وبداية الشهر ، لابد من قيامي بجولة ، أطلقت عليها لقب (( جولة الموت )) ، وهذه الجولة تشمل زيارتي لمجموعة من البنوك والمؤسسات الخدمية (( شركتي الاتصالات والكهرباء )) ونضيف عليها (( شركة المياه )) والتي ستصبح زيارتها شهرية مع بداية هذا العام بعد أن كانت ربع سنوية ، وبالطبع فلقد ركزت جهودي في الأعوام الثلاثة الماضية على محاولة التخلص من هذه الجولة أو على أقل تقدير محاولة التقليل من عدد المحطات التي لابد لي من الوقوف فيها ، ولكن الأوضاع الإقتصادية ساعدتني مشكورة في الآونة الأخيرة على زيادة محطاتها ، مما ساعدني على تحقيق هدف مغاير تماما ، ولهذا غضضت الطرف عن تركيز جهودي لهذا الهدف خلال العام الجديد ، وبالوقت ذاته فأنا سأركز جهودي كما قلت لكم على هدف واحد فقط ، ولكن ما علاقة هذه الرحلة بهدفي ؟ هنالك علاقة وبكل تأكيد ، فالحظ العاثر فيها يلازمني دوما ، فبعد أن تطورت الخدمات في البنوك وفي تلك الشركات وتم التخلص من طوابير الاصطفاف أمام صناديق الدفع ، يصر جهاز نداء الأرقام الآلي على إيقاعي في فخ الذهاب إلى صندوق دفع تستلم مهامه فتاة ، وهنا ضربات وضربات ، في كل المحطات ، زفرات تأفف من هنا وهناك ، من موظفات البنوك ومن موظفات الاتصالات ، ولكن للأمانة والموضوعية فإن الحظ يبتسم لي قليلا في شركتي الكهرباء والمياه لأن موظفي الصناديق هناك من الذكور ، والذين أخشى استبدالهم في المستقبل بالإناث ، فهذا سيجعل جولة الموت حينها متكاملة ومتناغمة في سمفونيات التأفف الموسيقية ، والتي فشل أعظم الموسيقيين على مر العصور من تأليف ما يضاهيها روعة وجمالا ، وبما أنني أعشق الموسيقى الكلاسيكية ، فلا بد أن أرغم نفسي على تقبل هذا الإتجاه الجديد في مقاطعها ، والذي يسجل كبراءة موهبة لفتيات هذا الزمان .

أقاطع (( عامر )) قائلا : أنت بالتأكيد لا تقصد التعميم ، ولكنك بدأت تلاحظ انتشار هذه الظاهرة كثيرا ؟

(( عامر )) : نعم معك حق ، وصدقا لست أدري إن كنت أعاني من هذه الظاهرة وحدي ؟ أم يشاركني بها أشخاص آخرون ؟

- وماهي رسالتك التي تود إيصالها للفتيات يا (( عامر )) ؟

- أتمنى معرفة سبب هذا التصرف ؟ أنا لا أريد أن يبتسمن لي ، ولكن لماذا التأفف ؟

الاثنين، 27 ديسمبر 2010

الحب والوقت

دقت نواقيس الأيام الأخيرة في هذا العام ، ليقف ذلك العاشق حائرا في أمر تلك المرأة ، فهو لم يعد مكترثا بالعمليات الحسابية ونتائجها في تاريخ حياته ، ولم يعد معنيا بتوقعات الفلكيين والمنجمين ، والتي كانت تمطر عقله في السنوات الأخيرة بوابل من هواجس التشاؤم والخوف من المستقبل ، بل إنه الآن كعصفور يغرد خارج سرب الطيور المضطربة باحتساب الوقت والأيام والسنين .

كيف ؟ وأين ؟ ولكن دون متى ، فأية كلمة ترتبط بدلالة الوقت لن تكون واردة في معجم حياته هذه الأيام ، فحبها هو التقويم والتأريخ والتدوين ، لمجلدات مصنفة بعنوان واحد (( حب بلا حدود )) .

تسأله عن أمنياته مع اقتراب حلول العام الجديد ، وكيف يجيبها ؟ وهو مع كل ثانية يتمنى تعطل كل عقارب ساعات الزمان ، يتمنى لو يتوقف نهر الأيام عن الجريان ، يتمنى بقاء قطار العمر في تلك المحطة التي لن يسأم فيها من الانتظار .

تخاف أن تكون نزوة عابرة لقلبه ، فيؤكد لها بطلان قاعدة المنهج الفلسفي لـ (( ديكارت )) ، ويصححها بالأدلة العاطفية والبراهين العشقية على أنها : (( أنا أحبك ... إذن أنا موجود )) .

تحتار في كلامه الذي لايتناسب مع أفكار بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين ، فيقسم لها أنه لو كان يعيش في القرن الثلاثين ، أو الأربعين ، وحتى الخمسين ، فسيظل يعشقها ، بالجنون ذاته ، وباللهفة ذاتها ، بل إن بحار العصور لن تتمكن من إطفاء لهيب جمرات أشواقه المشتعلة دوما بحبها .

تنظر إلى ساعتها ، وكأنها لم تقتنع بعد بعداوته للوقت منذ لقائه بها ، فتتبعثر حواسه مع فوضى (( أحلام المستغانمي )) ويستشهد بأقوالها عن الوقت ، قائلا : (( الوقت عدو العشاق ، الوقت سفر ، الوقت قدر ، الوقت مطر ، الوقت ألم ، الوقت وداع )) .

ابتسمت حينها لتقول له : (( أتعني أن اللحظات الجميلة لا تزورنا كثيرا ... وإن أتت فسرعان ما تغادرنا ؟ )) ، تردد في الإجابة على تساؤلها ، فالإيجاب يعني أنه عاشق متشائم ، والنفي توكيد لفظي ومعنوي على مصالحته للوقت ، والذي مهما سافر بقصتهما عبر دروب الأقدار ، فهل من الممكن أن لا يصل محطة الأحزان قط ؟

بل هل يستطيع أن يستبدل مواقع حرفي التوكيد والتوقع في قصيدة (( الهادي آدم )) ؟ ويعيد ترتيب جملتها الموسيقية متمردا على موسيقار الأجيال (( محمد عبد الوهاب )) ، ويغنيها بعد الاعتذار من كوكب الشرق (( أم كلثوم )) ، لتكون : (( قد يكون الحاضر حلوا ... إنما الغيب أحلى )) .

يوافق أخيرا على مصالحة الوقت ، ولكن بعد إجراء تعديل طفيف على مقاييس احتسابه وعلى مؤشرات دلالاته ، فالثانية سيحتسبها مع كل نبضة يخفق فيها قلبه بحبها ، والدقيقة مع كل رمشة عين تحجب عيونه عن رؤيتها ، والساعة مع كل جملة كلامية خارج حدود نصوص الغزل المباشر بأنوثتها ، واليوم مع كل لحظة شك قد تتسلل لعقلها ، بأنها ليست في عينيه (( ست النساء )) ، والشهر مع كل دمعة شوق قبل اللقاء ، والعام سيكون كلما أشعلت لوعته بنيران الانتظار لسماع شفتيها العذبتين وهما يرويان مسامعه بكلمة (( أحبك )) ، فكم من الأعوام سيمضي إذن ؟

عندما يأتي الحب ، هل نكترث حقا بالوقت ومشتقاته ؟ ونهتم بالتنبؤات والتوقعات المستقبلية ؟

هل حقا ننشغل بالتفكير في كيفية سقاية زهرة الحب لتنمو وتكبر ؟ وننسى الاستمتاع بعبق رائحتها ؟

أم أن الوقت هو صديق الحب ؟ والذي لا يخونه أبدا ، إلا إذا كان الحب زائفا ؟

الخميس، 23 ديسمبر 2010

المرأة وحنين الماضي

(( لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحب إليّ من قصر مشيد )) ، لماذا تذكرت هذا البيت من الشعر ، والذي يصور حنين زوجة معاوية بن سفيان لديارها في البدو بعد أن سكنت قصور الشام ؟

هل السبب هو قصة الفتاة التي سأرويها لكم اليوم ؟

نشأت (( فيروز )) في أسرة ملتصقة بخط الفقر منذ زمن بعيد ، ومن أول ربيع تفتحت فيه زهور أنوثتها ، كانت تتعرض لمطاردة عشرين شابا على الأقل ، كلما توجهت إلى مدرستها التي تبعد عن منزلها عشرين خطوة بمقياس مشيتها الخجولة ، منهم من كان يلقي لها الأشعار ، ومنهم من كان يغني لها ، ومنهم من كان يفتعل المشاجرات أمامها مع بعض ضعفاء المتنافسين على قلبها ، بغية إظهار مدى قوته ورجولته الزائفه ، فكانت تغمرها في تلك الفترة سعادة لا مثيل لها ، وهي تشاهد في كل يوم صفوفا متبعثرة المواهب ، تطمح في نيل شرف العضوية الدائمة أو المؤقتة في نادي قلبها .

لم يحالف (( فيروز )) الحظ في إكمال دراستها الجامعية ، بسبب عدم قدرة والدها على توفير التكاليف اللازمة لذلك ، فبدأت البحث عن عمل يمكنها من مساعدة أسرتها المكونة من والديها وثلاث شقيقات هي أكبرهن .

وبالفعل حظيت بفرصة العمل كسكرتيرة في عيادة أحد الأطباء ، والذي وقع صريعا في هواها من أول نظره ، ولكنه كان متزوجا ، وهذا جعله يبدأ بالتفكير في كيفية استغلال فقرها لتلبية رغباته الذكورية ، والتي كانت تزداد إلحاحا كلما رمقت عيونه أنوثتها الطاغية في الفتنة ، هل قلت أنوثتها الطاغية في الفتنة ؟ نعم فهذا هو الوصف الصحيح عندما ننظر من منظار أكثر أنماط الرجال شيوعا في مجتمعنا ، والذين يكون لديهم استعداد دائم للتضحية بالغالي والنفيس في سبيل أي امرأة بصرف النظر عن شكلها أو شخصيتها ، فهم يشبهون بذلك بعض الشعوب التي تبيح لنفسها أكل أي شيء من بر أو بحر أو جو .

قررت مراوغة هذا الطبيب المحموم بسحرها ، لكي تحقق من وراء حمى عشقه أكبر قدر ممكن من المنافع المادية ، ونجحت في ذلك دون أن يتمكن الطبيب من أكل ولو كسرة خبز من فرن أنوثتها ، ورحلت للعمل في عيادة أخرى ، وذلك بعد أن تمكنت أيضا من مراوغة طبيب آخر كان يصادفها في المصعد ، وبما أن مكان عملها كان في مجمع للعيادات الطبية ، فلقد كان ذلك كافيا لها لجمع مبلغ لا بأس به من المال ، أثناء تنقلها بين العيادات في مختلف الطوابق التي عملت بها .

تنتقل بعدها للعمل كسكرتيرة لمدراء أحد البنوك ، والذي شاهدها أثناء زيارته لأحد الأطباء الذين كانت تعمل لديهم ، وهذا جعل حياتها تنقلب رأسا على عقب ، لأن عروض الزواج انهالت عليها من كل حدب وصوب من قبل موظفي البنك ، ولقد تم اختيارها للعريس بعد دراسات اعتمدت في المقام الأول على إمكانياته المادية قبل العاطفية .

وبعد الزواج يطالبها زوجها بترك العمل والتفرغ التام لشؤون المنزل ، هل قلت منزل ؟ أعتذر ، أقصد (( الفيلا )) التي ماكانت لتحلم في أسعد أحلامها بمجرد رؤيتها وليس سكناها .

كان والد الزوج من أثرياء المدينة ، وفي الواقع فإن عمل زوجها في البنك لم يكن له من ضرورة البتة ، سوى إصرار والده على بقائه في العمل هنالك لفترة يكتسب معها الخبرة اللازمة ، والتي ستمكنه من إدارة أعمال والده مستقبلا ، وما كان هذا الإصرار إلا دربا من دروب القدر الذي عبرت منه (( فيروز )) لفرصة عمرها في حدوث ذلك الزواج .

لقد تم تلبية كل أمنياتها وتحقيق كل أحلامها ، وكأنها عثرت على مصباح علاء الدين السحري ، فلا يتأخر ماردها ، عفوا ، زوجها عن تحقيق أي أمر تريده ، وهكذا انقسمت حياتها بين معيشتين متناقضتين تماما ، فحش الفقر وفحش الثراء .

وفي ذات يوم بينما كانت تتابع مع زوجها نشرة الأخبار ، يرد خبر عاجل عن تصدع بيوت في الحي الذي ولدت وترعرعت فيه ، فإذا بعيونها تحدق بصورة منزلها ، لتعود بها الذكريات إلى هناك ، متمنية زوال كل ما هي فيه الآن ، في سبيل عودة يوم واحد من ماضيها في ذلك الحي .

وهنا تدخل الراوي (( أشرف )) بعد أن تذكر أيضا قصة امرأة سيدنا لوط عليه الصلاة والسلام عندما نظرت إلى الخلف ، فلحقها مع قومها العذاب وتحولت إلى حجارة من الملح ، ليسأل (( فيروز )) والنساء : (( ما هو سر حنينكن الدائم للماضي مهما كان قاسيا ؟ )) .

الثلاثاء، 21 ديسمبر 2010

الرقم (( 13 ))

كنت أسخر دائما من المتشائمين بالرقم (( 13 )) ، ولا أقتنع بتلك القدرة العجيبة لهذا الرقم في تحكمه المذهل بسلوكيات بعض الأشخاص ، لدرجة أنهم يتجنبون اقترانه بأي أمر من أمور حياتهم .

ومنذ صغري كنت مفتونا بذلك الرجل الساحر في تحطيم قلوب النساء ، والذي فقد سحره أيضا عندما توقف عند الرقم (( 13 )) ، فهل السبب هو الرقم يا (( رشدي أباظه )) أم فتنة جميلة الجميلات (( شاديه )) ؟

استرجعت شريط ذكريات حياتي مع الرقم (( 13 )) ، فوجدت أنني فشلت في أول علاقة حب محتملة مع بنت الجيران عندما كنت أشعل شمعة عمري ذات الرقم (( 13 )) ، واكتشفت بعدها بعامين فقط ، أنني قد أضعت المبلغ المتبقي من عيديتي والبالغ (( 13 دينار )) ، وأعتقد أن ذاكرتي تسعفني بذلك الرهان الأحمق الذي كان بيني وبين أحد الأصدقاء في نفس العام على تناول خمس عشرة شطيرة من (( الشاورما )) والتي ذهبت على إثرها فورا إلى المستشفى ، أشكو من آلام حادة في معدتي بعدما سقطت صريعا على الأرض ، وأنا أشرع بتناول الشطيرة رقم (( 13 )) .

وزادت قناعاتي بالتشاؤم من هذا الرقم عندما تذكرت أنني رسبت في امتحان الرياضيات في الجامعة ، والذي تصادف موعده مع اليوم رقم (( 13 )) في أحد شهور السنة .

ويا للهول ، فكلما أتذكر قصتي مع ذلك الرقم ، أجد مزيدا من الأحداث المليئة بالتشاؤم ، فعندما تخرجت من الجامعة وذهبت للتقدم إلى إحدى الوظائف ، كان ترتيبي في مقابلة رب العمل ملتصقا أيضا بالرقم (( 13 )) ، ولا أنكر أنني بدأت أدرك الآن سبب الوجوم الذي لازم ذلك الرجل طيلة فترة حديثي معه ، لدرجة أنه كان يرغب في طردي بعد مرور (( 13 دقيقة )) على المقابلة .

وعلى مايبدو أن الذكريات المشؤومة لا تزال تتكرر كلما تذكرت أكثر ، فعندما بدأت عملي كمحاسب في إحدى شركات المعدات والآليات الثقيلة ، أخطأت في احتساب كلفة الشحنة الواردة إلى المخازن ، والتي كان تصنيفها في ذلك اليوم يحمل الرقم (( 13 )) ، مما تسبب في خصم (( 13 يوم )) من راتبي ، وذلك بإيعاز من المدير الذي تعمد أن يكون الخصم ثلاثة عشر يوما ، كي يذكرني دوما بذلك الخطأ .

وكيف أنسى حادثة السير الأليمة التي تعرضت لها أنا وأصدقائي عند ذهابنا في أحد الأيام برحلة إلى (( العقبه )) ، والتي كان موقعها الجغرافي خارج حدود العاصمة (( عمان )) بمسافة (( 13 كيلومترا )) .

واليوم أنا ذاهب لخطبة الفتاة رقم (( 13 )) ، فهل من الممكن أن يخالفني النحس في هذه المرة بالذات ؟ أم أن الإجابة ستكون محسومة بالرفض من أول دقيقة عند الثانية رقم (( 13 )) ؟

في المجتمعات عموما هنالك العديد من المظاهر أو المؤشرات التي تؤثر في مسببات التفاؤل والتشاؤم عند العديد من الأشخاص ، مثل حكة اليد أو وقوع القهوة قبل أو أثناء شربها كمؤشرات تدعو للتفاؤل مثلا برزق قادم ، أو التشاؤم عند سماع صوت الغراب أو رؤية قطة سوداء كدلالة على اقتراب وقوع مصيبة ، أو الحذر من مناولة المقص بين الأزواج خوفا من حدوث شجار عنيف بينهما فيما بعد ، أو التفاؤل والتشاؤم المقرون برؤية الأشخاص في بداية النهار ، وغيرها من المظاهر التي قد لاتعد ولاتحصى .

ولكن يبقى التساؤل عن أسباب تشبث العديد من الناس بتلك المؤشرات أو المظاهر المرتبطة لديهم بأسباب التفاؤل والتشاؤم ؟

السبت، 18 ديسمبر 2010

القلب الأخضر

كلما كنت في خلوة عاطفية مع أوراقي ، يرتجف قلمي عند كل محاولة من حبره لتهجئة حروف اسمك المشتقة من الأزهار والورود ، أحاول الهروب بعدها إلى سريري ، فأجد أناملي وقد لامست تلك الوسادة الخالية التي ترقد بجانبي ، لأدرك حينها صدق معاناة (( العندليب )) في حبه الأول ، وأعلن خلافي مع (( عبد القدوس )) على أنواع الوسادات التي قد تكون خالية في الحب الأخير أيضا .

أترك سريري بكثير من التثاقل في الصباح ، وذلك بعد أن أفقد الأمل بتسلل خيوط أشعة شمس الشتاء من ثغرات نافذة وحدتي ، أنظر إلى مرايا الذكريات ، فأرى انعكاس طيفك فيها بالإجماع ، ولا أجد ملاذا إلا بالفرار مسرعا قبل أن تغتسل عيوني بدموع الألم والحسرة على رحيلك الذي كان أسرع من اقترابك ، أخرج من منزلي وأستقل أول سيارة تأخذني بعيدا عن عناقيد زهور حديقتي التي تمكنت دوما من التلصص عبر نوافذ الشرفات على كل تفاصيل حبنا الضائع .

تباغتني آهات القيصر من مذياع السيارة ، لتنتهي بجمل اسمية متكررة في اللفظ والمعنى والإعراب (( ممنوعة أنت )) ، أتجاهل كل تلك الدلالات على مقدار لوعتي وحنيني إليك ، وأتوجه إلى عملي ، لأجدك تجلسين على مكتبي ، فيتبعثر قلبي بين الحنين والأشواق ، كتبعثر أوراق ملفاتي عند مراجعة ميزانيات نهاية العام ، أنظر إلى الهاتف ، فتجتاح قلبي عواصف من الإصرار لا أتمكن من كبح جماح رغباتها المتوحشة لهدم حواجز الجفاء ، و التي صمدت بسبب عنادنا تارة ، وقناعاتنا اليائسة تارة أخرى ، في عدم قدرة قلوبنا على تقليب صفحات جديدة من قصتنا العتيقة .

أقرر الإتصال بك ، إلا أن طرقات لباب مكتبي تسبق الأمل الأخير في عودة قصتنا ، فلقد كان يترصد بي من خلف الباب رواية عنوانها امرأة خرافية الحسن والجمال ، جاءت من مكتب المدير لأصطحبها في جولة استكشافية حول المدينة ، لتجد المكان المناسب لإنشاء استثماراتها .

أنسى فكرة الإتصال بك ، فعقلي يسيطر عليه في تلك اللحظات مئات الأفكار في كيفية إقناع تلك السيدة بمشروع استثمار عاطفي مع قلبي ، إذ أن رقعته الخضراء تزداد كلما كان في مواجهة مباشرة مع النساء .

القلب الأخضر هو مصطلح يطلق على كل من تكون تربة عواطفه صالحة دوما لزراعة بذرة أي قلب عابر للسبيل ، ولا يكون بحاجة إلا لقليل من رذاذ مطر كلمات أو نظرات أو ابتسامات ، لتبدأ أشجار علاقات الحب المحتمل بالنمو في قلبه ، بصرف النظر عن جودتها أو رداءتها .

ولكن يبقى السؤال حول المحرك الرئيس لخضرة القلوب ، فهل هو ناجم من كثرة التجارب أم من محدوديتها ؟

وهل هو مقتصر على الرجال دون النساء ؟

أم أن خضرة القلوب تزداد عندما تلتف بأغلال القيود والحرمان ؟

الاثنين، 13 ديسمبر 2010

قصة صديقين

لم تمنع خطوات السنوات الثلاثة التي يسبق فيها أحدهما الآخر في درب العمر ، حدوث شرارة صداقة ستمتد بعدها لعقدين من الزمان ، ومع أنها لم تبدأ مشتعلة كحرائق الغابات التي مهما التهمت من أشجار الأيام لتبقى ، لا بد أن تتلاشى في النهاية إلى سحابة دخان أسود ، لتتناثر في سماء الزمان ولايظل منها إلا رماد تدوس عليه أقدام الجفاء والهجران .

ولذلك كان اللقاء الأول بينهما أشبه ببذرة نبتة ستكبر وتروى بمحبة صادقة تجمعهما ، دون حاجة للتغذية من أسمدة المصالح التي كان من الممكن أن تجعل ثمارها دون طعم ولامذاق ولا لون ، ومن ثم لا تلبث أن تموت جذورها عند زوال تلك الأسمدة من تربتها التي ما كانت في يوم خصبة بمعنى الكلمة .

كانا يكتفيان في كل تلاق لهما عند منعطفات السنين بتبادل الأحاديث العابرة في مدتها والعميقة الأثر في سقاية نبتة صداقتهما التي كانت تكبر وتكبر ، إلى أن يحين موعد انطلاق الرحلة القادمة في دروب الأيام برفقة أصدقاء آخرين ، ومع نهاية كل رحلة كان يتجدد اللقاء والتوقف عند منعطفات أخرى ، تسبق دروب أعمارهما التي ازدادت معرفة وخبرة وتجربة في كيفية اختيار رفقاء الدرب القادمين .

كانت الهوايات والاهتمامات مشتركة بينهما دوما ، وهذا ما كان يجعل لقاءهما عند المنعطفات يتكرر بين الفينة والأخرى ، فبدءا من مباريات كرة القدم التي شهدت ملاعبها في الحارات والمدارس الكثير والكثير من ذكرياتهما الجميلة ، ومرورا بتلك الدكانة التي كانت ملاذهما في كل صباح ومساء ، لينفثا فيها السجائر بعيدا عن عيون المعارف والوشاة ، والذين قد يحملوا رسالة فتنة مستعجلة إلى آبائهم تكون سببا في حرمانهم من المصروف لأجل غير مسمى .

وها هما يتوقفان عند أكبر المنعطفات التي جمعتهما في صالات البلياردو والسنوكر ، والتي كان فيها من سبق بمهارته وخبرته ، هو أيضا من كان يتقدم بخطوات السنوات الثلاثة ، إلا أن هذا لم يمنعه من نقل معرفته وخبرته إلى صديقه ، الذي بات متعلقا به مع كل درس جديد بشكل أكبر ، ويتشوق لتلك اللحظة التي يجلس فيها معه في حديقة منزله بعد منتصف الليل ، ليحدثه عن ملخص (( الماراثون )) الذي جمعهما في مباريات تلك الليلة ، وملاحظاته وتوجيهاته التي كان يدلي بها بكل أمانة وعفوية ، طمعا منه بمشاهدة صديقه في اليوم التالي بمستوى أفضل .

ولكنه قرر فجأة ترك ذلك المنعطف ليمضي وحيدا دون رفقة صديقه ، والذي كانت مفاجأته الكبرى في ابتعاده عن تلك اللعبة التي كان يعشقها أكثر من أي شيء آخر في هذه الدنيا ، فما كان من صديقه سوى الاستمرار في الوقوف عند ذلك المنعطف إلى وقت محدود ، ليقرر بعدها اللحاق بصديقه مجددا لعله يجده واقفا عند منعطف آخر ، فهو بعد أن بات وحيدا ، فقد قدرته على اللعب بمهارة وحماس وانحدر مستواه بشكل عجز دوما عن فهم أسبابه الحقيقية ، ولكنه أدرك حينها أن حماسه وتلهفه كان مرتبطا بوجود صديقه الذي رحل .

وتمكن أخيرا من اللحاق بصديقه والالتقاء معه عند منعطف جديد ، كان بالنسبة لهما أشبه بعالم جديد أو حياة أخرى ، إنه عالم الشبكة العنكبوتية ، وبدأ كل منهما الإبحار في استكشاف أسرار مواقعه المختلفة ، وفي نهاية كل ليلة بعد خروجهما من مقهى الإنترنت ، كانا يمضيان في السيارة إلى مكانهما المفضل في الماضي عند مرتفعات (( الجبيهه )) المطلة على (( البقعة )) ، يتحدثان ويتسامران وهما ينظران إلى بيوتاتها المتلألأة ليلا بمنظر بديع ، يسافر بأرواحهما بعيدا عن الواقع الذي بدأ بظلم أحلامهما كثيرا ، وعلى صوت قيصر الغناء العربي (( كاظم الساهر )) يدندنان معه أغاني الشريط الذي ظل ملتصقا في ذاكرتهما إلى هذا اليوم (( قصة حبيبين )) .

الصديق المتأخر بخطوات السنوات الثلاثة ، ولأول مرة منذ بداية صداقتهما ، يترك صديقه عند هذا المنعطف ويرحل بشكل مفاجىء وهو لايزال في الرابعة والعشرين من عمره ، سائرا إلى درب إكمال نصف دينه ، وهذا تسبب في انحسار لقاءاتهما التي كانت يومية ، لتصبح أسبوعية أو شهرية أو ربع سنوية ، وذلك عندما يعود الصديق المتزوج إلى فترة عزوبية مؤقتة عند سفر زوجته لزيارة أهلها ، أو عند الذهاب للمقهى لحضور مباريات معشوقهم الأول والأخير (( زين الدين زيدان )) .

ولكن هذا الحال لم يعجبهما ، فهما متعلقان ببعضهما أكثر من تعلق الأغصان بجذوع الأشجار ، والتي مهما هوجمت من عواصف وأعاصير رياح الزمان ، لا تتمكن من النيل إلا من أوراقها التي سرعان ما كانت تنمو مجددا بالأشواق والحنين والمودة الصادقة ، والتي سطرت في صفحات حياتهما أجمل الدروس في علاقات الصداقة الحقيقية .

وعادت اللقاءات تتجدد ولو لساعة واحدة في كل ليلة ، وعاد الصديق المتأخر بخطوات السنين إلى مقعده مجددا في الاستماع والتعلم والنقاش والحوار ، وتبادل الخبرات والأخبار مع صديقه الذي كان كعادته لا يبخل عليه في أية معلومة أو تجربة أو خبرة تعلمها من مدرسة الحياة .

وكعادته عاد الصديق المتقدم بخطوات السنين ، ليرحل إلى منعطف جديد ، وأبدع فيه كعادته منذ لحظة وصوله الأول ، وبدأ يقنع صديقه بالقدوم إليه والتواجد هناك سويا كما كانا دوما عند كل منعطف ، وبالفعل لبى الصديق النداء دون تأخير ، واستمع لكل نصائح وتوجيهات صديقه منذ لحظة البدء الأولى ، حتى أن صديقه هو من اختار له اسم الركن الذي سيقف عنده في ذلك المنعطف ، بل كان هو الملهم له في العديد من الأفكار والتساؤلات التي انطلقت من ذلك الركن ، الذي لولا مشيئة رب العالمين بدءا ، وهو ثانيا لما كان موجودا اليوم .

في كل يوم كان الصديق المتأخر يتعلم من صديقه درسا جديدا في كيفية الوقوف عند ذلك المنعطف ، وكان يعتبره دوما قدوته ومثاله الأعلى كما كانت عادته عند كل المنعطفات السابقة ، فلقد كان صديقه في كل المنعطفات موهوبا وبشكل استثنائي ، وهذا ما كان يجعل لقبه بالإسم والفعل معا ، فهو نادر بكل معنى الكلمة .

الآن وكما حدث عند كل المنعطفات ، يترك (( النادر )) هذا المنعطف ويرحل إلى درب ليس واضح المعالم بعد ، فهل سيفقد الصديق المتأخر حماسه كعادته عند رحيل صديقه ؟ أم هل سيقف عند هذا المنعطف وينتظر لحظة عودة صديقه ومعلمه وملهمه ؟ ليكتبا معا تجارب حياتهما التي لابد أن تنصفهما في يوم من الأيام .

هذا الإدراج هو إهداء متواضع مني إلى صديقي عمري الذي يغيب حاليا عن ساحة التدوين (( نادر أحمد )) ، وصدقا مهما قلت من كلمات ، فلن أعبر له أبدا عن مدى محبتي وتعلقي به ، ومهما شكرته فلن أوفيه حقه أبدا ، لأنني تعلمت منه أجمل الدروس ، ليس في عالم التدوين وحسب ، بل في حياتي بأكملها ، وتبقى تساؤلاتي كعادتها في نهاية الإدراج لأقول له : (( عند أي منعطف سنقف يا صديقي مستقبلا ؟ )) .

السبت، 11 ديسمبر 2010

سؤال التيتانك

في عام (( 1997 )) كان قطار عمري قد تجاوز ثماني عشرة محطة ، وكنت كلما أمعنت النظر في أرقام تلك السنة ، أجد تطابق خاناتها مع العام الذي جئت فيه لهذه الدنيا باكيا ، ولكن مع استثناء ذلك التغيير الطفيف الذي نشأ بعد الإتفاق المبرم بالتراضي بين الرقم (( 7 )) والرقم (( 9 )) على تبادل أماكنهما ، وبحضور الشاهد (( ز . ن )) الذي لا تتوقف عجلته عن دورانها السريع .

كان يقف هناك بالقرب من (( دوار عبدون )) ذلك المبنى الذي تهافت عليه السكان من مشارق العاصمة ومغاربها ، حتى بات الدخول إليه شبه مستحيل في أيام العطل الرسمية دون حجز مسبق ، ولقد كانت تأشيرة عبوره لشاب مثلي في سنته الجامعية الأولى ، تعني التخلي عن نصف مصروفه الأسبوعي البالغ عشرة دنانير ، ولذلك كنت أكتفي أنا وأصدقائي بالتجوال على أرصفة حدوده المزدحمة على مدار العام .

كنت في تلك الأيام أعشق مشاهدة الأفلام الرومانسية ، وأفترس أية فرصة تمكنني من مشاهدتها ، ولكن الخيارات التي كانت متاحة أمامي انحصرت بأشرطة (( الفيديو )) وكرم معدي برامج محطات التلفاز الأرضية ، فالتكنولوجيا في ذلك الوقت كانت لاتزال تأتي إلينا كحبيبات الدواء التي يتم قطرها في فم طفل صغير ، ولم تكن إلا في متناول من كان في جيوبه مال وفير .

ومع بداية عام (( 1998 )) كانت لحظة تمردي الكبرى على كل ميزانيات المصاريف وعجزها ، وذلك بعد أن خرج طيف سفينة (( التيتانك )) من قعر المحيط الأطلسي ليرسو فوق ميناء اللوحات الأعلانية لذلك المبنى الذي زادت نرجسيته وغروره وهو يشاهد زحف الأفواج الهائلة التي حضرت إليه متوسلة لتحظى بأدنى فرصة لمشاهدة ما سيحدث فوق سطح تلك السفينة العظيمة التي جعلت القائمين على صناعتها يتجرأون على خالقهم في إمكانية غرقها ، ولكن جبل الجليد نقل رسالة الخالق على غطرستهم من أول رحلة لها .

ابتسم لي الحظ منذ يوم العرض الأول لذلك الفيلم ، إذ قرر المبنى المغرور أن يضيف حفلة عرض استثنائية في منتصف الليل ، ولقد كان ذلك القرار كافيا لتدفق أشخاص مثلي إليه كالسيل ، ولست أدري لماذا وأنا أشرع بالدخول إلى ذلك المبنى ، تذكرت مركز مدينة عمان القديم (( البلد )) الذي عشت فيه أجمل ذكريات طفولتي عندما كنت أعمل مع والدي في متجره المزروع هناك من بداية خمسينيات القرن الماضي ، كانت (( البلد )) بالفعل بلد ، إليها كان مقصد زوار المطاعم والمحلات التجارية ودور السينما والمقاهي والمكتبات ، هي أصالة (( العمانيين )) ولكنها أمام ذلك المبنى المغرور لم تكن سوى امرأة طاعنة في السن ، لم يعد يكترث لأمرها أحد ، بعد أن كانت محبوبة قلوبهم دون منازع .

أتابع الفيلم بكل اهتمام وأسافر مع السفينة في رحلتها التي انطلقت من ميناء (( ليفربول )) ، وألاحظ على متنها الصراع الأزلي بين الطبقة الغنية والفقيرة ، والذي لم تنجو منه البشرية في البحر كما في اليابسة ، ولكن ذلك الصراع اللامتناهي لم يقف حاجزا أمام قصة الحب التي نشأت بين ذلك الرسام الفقير وتلك الفتاة الإرستقراطية ، حتى تأتي اللحظة الحاسمة وترفض أشلاء القطع الخشبية للسفينة البائدة احتوائهما على سطحها معا ، فيقرر هو الهبوط إلى المياه المتجمدة لتبقى هي على سطح اللوح الخشبي ، ويموت بردا في سبيل فرصتها بالحياة ، وعند تلك اللحظة بالذات كان صوت المرأة التي تجلس أمامي قد ارتفع بسؤال استنكاري عنيف للرجل الذي كان يجلس بجانبها : (( لو كنا مكانهم فهل ستضحي بحياتك من أجلي كما فعل جاك )) ، ولكن الرجل ظل صامتا ولم ينطق بأية كلمة .

وتمضي الأعوام وندخل من بوابات قرن جديد من الزمان ، ويشرف العقد الأول منه على الإنتهاء ، وتصبح التكنولوجيا متوفرة في بلدنا أكثر من الماء ، ويزول المبنى المغرور ويصبح بائدا كسفينة (( التيتانك )) في قعر أراضي (( عبدون )) ، إلا أن معدي برامج إحدى القنوات الفضائية يعيدون عرض الفيلم قبل عدة أيام ، فيدفعون بمعشر الرجال مجددا إلى فخ الحرج الذي لم تقدم فيه السنين والأيام يد المعونة لهم لكي يتخلصوا من براثنه ، لتباغتني زوجتي بالسؤال ذاته ، وأصمت أنا تماما كذلك الرجل .

فمتى سينتهي سؤال (( التيتانك )) ؟