الخميس، 29 مارس 2012

الساحرة المستديرة أم القاتلة ؟

القصة ذات شجون ، فهي تنطلق من مشهد سخيف في أحد البيوت التي كانت في يوم مطمئنة ، بعد أن اجتمع اثنان من الأخوة في سهرة كان ظاهرها عائلية ، في حين كان باطنها غل وحقد متوارث عبر الأيام بين الشقيق الذي كان على الدوام مضطهدا من شقيقه الأكبر في كيفية تصريف شؤون الحياة ، وهذا لم يستدع سوى مرور بضع دقائق من مباراة الدوري الإسباني بين (( ريال مدريد وبرشلونه )) و التي كانا يتابعانها برفقة أبنائهم وزوجاتهم ، حين هتف أحد الأبناء بعبارة استفزازية بعد هدف (( ميسي )) الأول في مرمى غريمه قائلا : (( رح نمسح فيكم الأرض )) ، لتأخذ ولد عمه حمية (( مدريدية )) ويشتمه بلعن والده ، وهذا كان سببا كافيا لصفعه من عمه ، ورد تلك الصفعة بمنفضة السجائر التي هوت بسقوط حر على جمجة رأسه من شقيقه الأكبر ، ونشوب مشاجرة كبرى لم تنتهي إلا بجريحين من أفراد العائلة بحالة خطرة بين الحياة والموت .

وتزداد سخافة المشهد وألمه اتساعا ، عندما يردد أحد المندسين عبارة استفزازية في أحد ملاعب كرة القدم بمدينة عربية ، لينجم عن ذلك سقوط أكثر من خمس وسبعين قتيلا ومئات الجرحى ، فضلا عن قطيعة دبلوماسية كادت أن تحدث بين دولتين عربيتين بسبب مباراة حاسمة في التأهل لنهائيات كأس العالم ، و يكفي التأمل قليلا  بما يتم ترديده في ملاعب الكرة من هتافات عنصرية أو شتائم بذيئة تطال في مناسبات عديدة عرض أوطان وبلاد مغتصبة ومحتلة ، وهذا إنما يدل على مدى وعي ونضوج عقول المجتمعات التي تطالب جهارا ونهارا بالحرية . 

وليس أجمل من كل هذا ، سوى سلوكيات بعض شيوخ البلدان النفطية في الآونة الأخيرة ، ففي الماضي كانوا يشحذون أموالهم ويتسابقون على عارضات الأزياء والممثلات و الراقصات والمغنيات المغناجات من مختلف الأعراق والألوان والجنسيات ، ولكن في هذه الأيام اختلفت ميولهم وأهوائهم ، أو بعبارات أخرى ، فقد أصابهم السأم من المفاخرة بالنساء ، وبدأوا يبحثون عن طرائق أخرى في إثبات مشيختهم حول العالم بأسره ، إلى أن اهتدوا إلى مجال سيجعل صيتهم يجاوز عباب السماء ، فتهافتوا على شراء أندية كرة القدم الأوروبية بحجة أنها ستكون مشاريع استثمارية ناجحة على المدى المتوسط والطويل .

حبكة القصة تكتمل عند التفكير في نهائيات كأس العالم التي ستستضيفها إحدى البلدان الخليجية ، والأموال الطائلة التي سيتم انفاقها في سبيل الإعداد لهذا الحدث العظيم ، ثم تأتي الشعوب (( الكومبارس )) في هذه القصة وتأكل بعضها في حروب أهلية بحثا عن لقمة العيش ، ولكن ماذا لو تخيلنا أن مثل هذه الأموال قد تم إنفاقها في مشاريع تنموية تحارب الثالوث المرعب في عالمنا العربي (( الفقر والجهل والتخلف )) ؟

كنا نضحك في الماضي على أقوال وأفعال العقيد الليبي البائد ، ولكن ألم يكن محقا في يوم من الأيام حين سخر من قطعة الجلد المستديرة تلك ؟ وحرم ممارستها على الأراضي الليبية قبل أن يعود عن قراره الذكي بغير قصد طبعا ، بسبب عشق أحد أبنائه لممارستها .

أذكر دراستي لمادة عن التسويق في أيام الجامعة ، وتحديدا للمبحث الذي كان يتحدث عن المزيج السلعي ، وهو عبارة عن مجموعة من المنتوجات يتم بيعها من خلال شركة أو علامة تجارية واحدة ، وما يميز ذلك المزيج من حيث قوة مبيعاته وسطوة تأثيره على المستهلكين ، قد يحدث من خلال رواج منتج واحد فيه فقط ، بمعنى أنه لو كان لدى شركة منتج يباع بكثافة ، فإنها تستطيع أن تبيع منتجات أخرى تكون مرافقة لذلك المنتج الرئيس بصرف النظر عن جودتها أو رداءتها ، ومنها على سبيل المثال : (( شركة نستله )) التي بدأت بمنتوجات الحليب واعتمدت عليها لاحقا لترويج كل منتوجاتها الأخرى من الشوكولاته والمياه المعلبة وغيرها ، وأيضا شركة (( نيفيا )) التي انطلقت من خلال كريم للعناية بالجلد ، وتوسعت بعد ذلك لتشمل مختلف مستحضرات التجميل للعناية بالبشرة والجسم .

ما أود قوله من ذكري لموضوع المزيج السلعي ، أن كرة القدم أصبحت المنتج الرئيس في ترويج كل ما يدفع بالإنسانية للإهانة ، فإذا اردت أن تروج لإشعال حرب طائفية  ، فليس عليك سوى التحضير والاستعداد جيدا لبث إعلانها من خلال مباراة كرة قدم ، وإذا أردت أن تسوق وتلمع قناة فضائية ، فما عليك سوى أن تضم لباقات برامجها أهم دوريات وبطولات كرة القدم الأوروبية والعالمية ، وإذا أردت نجاح مقهى أو مطعم ، فما عليك سوى تجهيزه وإعداده بأحدث التقنيات التي ستبث مباريات كرة القدم ولن يكون لرداءة الطعام أو الشراب المقدم من أهمية بعد ذلك ، ولكن يظل السؤال في خاتمة هذه القصة ، هل كرة القدم حقا هي الساحرة المستديرة التي تأسر القلوب ؟  أم أنها القاتلة التي تسفك دماء العقول وتلقيها في غياهب التخلف والغباء ؟ 

الخميس، 22 مارس 2012

أم الوليد

على إحدى شواطىء البحر الأبيض المتوسط ، تزوج والدها (( اليافوي )) من والدتها (( القبرصية التركية )) ، وبعد مرور شهور أتمت عدتها ، وقبل نضوج بيارات البرتقال في (( يافا )) ، ولضرورات وظيفة والدها كشرطي متنقل بين المدن الفلسطينية ، جاءت إلى الدنيا في بداية تشرين قرب بوابات (( القدس )) ، وحين كانت تستعد لتعلم النطق ، وجدت نفسها تلميذة نجيبة في ضواحي (( الخليل )) ، ولما اشتد عودها وجاوزت طفولتها البريئة ، زج بها والدها للزواج من رجل متزوج بذرية من ثلاثة أبناء ، في أرض هاجرت إليها مرغمة كي تبحث عن فرصة جديدة في الحياة ، لتسجل بذلك مكانها في التاريخ العماني الأول ، كسيدة ستبهر كل من سيجتمع بها بفصاحة فطرية في حديثها ، وبديهة تستحضرها أناتها ، وقلب كالمحيط يتسع لاحتواء كل صنوف البشر من حولها .

ولأن بينها وبين تشرين مواثيق وعهود ، فقد أبرمت معه بالذات عهدها الأغلى ، وهي تهوي على (( وليد )) بصدرها ، كي تطبق شفتيه الباكيتين بماء أمومتها الأول ، وقد ترنم صوتها بأغنية فيروزية ستعتاد غنائها لأربعة أبناء لاحقين ، وسبعة أحفاد سيتعاقبون من أصلابهم ، لا يصمتون عن بكائهم إلا بعد سماعهم لآهاتها وهي تستعد للغناء لهم : (( يلا تنام ... يلا ينام ... لادبحلا وادبحلو طير الحمام ... روح يا حمام لا تصدق ... بضحك على وليد .. منى .. طارق .. ناديه .. أشرف .. حنين .. محمد .. عبدالله .. ساره .. عمر .. ياسمين .. عمر  تينام )) .

وفي نهاية سبعينيات القرن الماضي ، لم تكن (( أم الوليد )) لتتوقع أنها ستلتقي بولد سيستقر في أحشائها مطمئنا ، ويفاجئها بأمومة متأخرة في الأربعين ، ولأنه كان (( آخر العنقود )) فلقد اكتشفت معه عواطف لم تختبرها قط ، فكان صديقها الوفي ومستودع أسرارها الأمين ، وكانت تستذكر فيه دوما شقيقها المهاجر إلى ألمانيا منذ أمد بعيد ، لدرجة أنها كانت تخطئ اسمه كلما كان يأتي بسلوك عفوي يطابق سلوكيات خاله ، فتناديه (( ابراهيم )) وهو يجيبها دون أن يلفت انتباهها أو ينزعج من ذلك ، ويظل يضحك في سره وهو يردد المثل الشهير (( ثلثي الولد لخاله )) .

لم تكن (( أم الوليد )) تدري أنها ستفقد أحد أبنائها في حياتها ، ولكن أقدارها شاءت أن تودع إحدى بناتها قبل أن تطفئ شمعة عمرها الخامسة عشر ، ورغم حزنها الذي فطر فؤادها منذ ذلك الحين ، إلا أنه ظل يفيض حنانا وحبا ، لتتمكن بدهاء أنوثتها ولكن كأم ، أن توهم كل ولد من أولادها أنه المفضل لديها كلما توارت بأحدهم في خلوة أمومة استثنائية .

ومضت بها الأيام والسنين ، وهي لا تدخر جهدا ولا تتوانى عن خدمة بيت لا تزال سيدته منذ نصف قرن من الزمان ، بل إنها لم تشتكي في يوم أو تطالب عونا من أحد ، فلا زالت تقف وحيدة تنظف الصحون والأواني بعد كل مأدبة عائلية يجتمع فيها أولادها ، متجاهلة عروضا سخية لمساعدتها من زوجات أبنائها أو خادماتهم ، ولا زالت في صباح كل جمعة تذهب إلى بائع الحمص والفول والفلافل سيرا على أقدامها ، لتحضر الفطور لزوجها الذي لم يعد قادرا على المسير ، وتصعد أدراج أربعة طوابق كي تشارك أصغر أبنائها وزوجته وأولاده بتلك الوجبة البقولية ، وهو في كل مرة يرجوها أن تستريح ليأخذ مكانها في تلك الجولة الصباحية ، وهي ترفض بشتى الوسائل أن تزعج منامه في يوم عطلته . 

خمسون عاما ، وهي الأم والأخت والزوجة والصديقة الوفية ، ولم تطالب في يوم باسترداد تكاليف تلك السنوات من أحد ، وقد عاشتها لترى غيرها سعيدا دون التفكير بذاتها ولو للحظات ، فكانت استجابتها للمؤثرات من حولها شرطية بتحقق أحداث تتعلق حصرا بالأولاد والأحفاد ، وظلت صابرة لا تشتكي ، على خدمة زوج اعترف بعد كل هذا العمر ، بعجزه عن الصمود يوما واحدا في شيخوخته لولا وجودها إلى جانبه ، وكم أثار هذا الموقف في نفسي من التساؤلات عن الرجال المزهوين بفحولتهم وشبابهم ، كيف يعودون كالأطفال الصغار في أحضان زوجاتهم حين يشيخون أو يمرضون . 

(( أم الوليد )) أم مثالية لثلاثة أجيال ، إخوتها وأبناؤها وأحفادها ، وفي هذا اليوم يقف قلمي وهو يسطر حروف اسمها إجلالا ووفاء ، وتقديرا واحتراما ، ومحبة لا تنضب مهما قيل فيها من كلام ، إليك يا أمي أهدي كل الكتابات ، فلا امرأة تنافسك في قلبي ، وقسما ستظلين حبيبتي الأولى وحبيبتي الأخيرة إلى يوم الممات ، حفظك الله ورعاك يا نبراسا أضاء دروب الحياة أمامي ، ويا أرضا عشقت ثراها ، فأدركت فيها الولاء والانتماء ، كل عام وأنت أمي ، وكل عام وجميع الأمهات بألف خير .

الخميس، 15 مارس 2012

شامك شامي يا أم الأولاد

على سرير يتهاوى كل ليلة بين أرقها وخوفها وقلقها ، وفوق وسادة تغرق فيها الأنفاس بسيل من عبراتها ، أضمها لصدري وأربت على رأسها بكفي التي ارتعشت أناملها ، وأداعب جدائلها كي تغفو ، فترجوني كالأطفال أن أروي لها حكاية قبل المنام ، وحين أخبرها أن حكايتنا ستكون عن الشام ، تنفرج أسارير محياها ، وتهز كتفي كي تعجل في فك عقدة لساني ، وهي تهتف بلكنتها الشامية المحببة لقلبي (( قولا بقى )) .

يا ابنة الفيحاء الأبية لا تحزني ، ولا تتنهدي بحسرة كلما ألفيت أزقة الشام العتيقة يغسلها الدم ، واصبري ولا تجزعي في كل يوم جمعة حين تأتيك أخبار الإنفجارات التي ابتدعها من لا يخشى الله في العباد ، فهي ستكون قاب قوسين أو أدنى من خطوات أبيك أو أخيك أو أمك ، وحينها فليستمر التطبيل والتزمير بين كل أطراف النزاع ، فهذا يريد كرسيا وذاك يرغب بالحفاظ عليه ، وآخر يود الانتقام لمن أهانه في وسائل الإعلام وسيدفع أمواله لكل متطوع سيجاهد في سبيل رد إعتبار مشيخته ، وآخرون سيدعون حرصهم على حقوق الإنسان وهم أكثر من سفكوا الدماء بأيديهم و أيدي حلفائهم في مشارق الأرض ومغاربها ، وجيران سيترقبون بشغف نشوب حرب أهلية كتلك التي حدثت يوما في لبنان ، وكل هؤلاء لا يدرون أن أهل الشام لا ينتمون إلا للشام ، لربوتها وساحاتها ، لمساجدها وكنائسها ، لأحيائها وأسواقها وحضارتها القديمة بقدم الإنسان .

أنا لست بعثيا ولا قوميا ، ولم أكن في يوم اشتراكيا أو ليبراليا ، وبكل الأحوال لست أيضا من الرأسماليين ، ولست منضما لجماعة الإخوان المسلمين ، أنا شخص يمقت كل التشريعات الوضعية التي خطتها أقلام البشر ، ولا أسمع أو أتكلم أو أرى إلا بكتاب رب العالمين حين قال : (( الفتنة أشد من القتل )) ، فكم هو عدد المتورطين في ذبح شامنا بتفرقتهم إلى شيع ومذاهب يترفع لساني عن ذكرها ؟ 

لك الله يا شام ، فهذه أمة اعتادت أن تذبح أبناءها لأسباب تتعلق بالخلافة والسلطنة والرئاسة ، ومن يشكك في هذا فليقرأ التاريخ بعد وفاة سيد الخلائق والبشر ، وليسأل الصديق و ذي النورين و أبا موسى وابن العاص ، وابن الزبير وابن مروان ، وخلفاء بني أمية وبني العباس ، وأبناء القسطنطينية و الحجاز وبلاد الشام ، والانقلابات العسكرية المتعاقبة بعدها ، وبلادنا مع كل هذا تظل على حالها تهوي في غياهب المذلة بين الأمم . 

ماذا أقول لك يا زوجتي الحبيبة ؟ أأقول تبا لهذا الربيع الذي يروي أيامه بالدماء ، كيف يمكنني أن أبعث في نفسك السكينة بعد كل كابوس يجتاحك في المنام ؟ وأنت تصرخين عاليا : (( أبي ... إمي ... أخي )) ، كيف أستطيع أن أرسم الابتسامة على شفتيك مجددا ؟ وشامك يقتتل عليها كتائب وجيوش نظامية وحرة ، وشيوخ من بلدان نفطية ، وشرذمة مرفهة تعيش في بلاد اوروبية ، بل إن شامك أصبحت ذريعة لاشتعال حرب عالمية ، يتنازع فيها النسر والدب والتنين  ، بعد تعميدها بالشمعدان السباعي ، فهنيئا لكم يا أمتي على خيبتكم وتضافروا في قتل بعضكم كما كان حالكم دائما منذ أيام الغساسنة والمناذرة ، فهؤلاء رفعوا راية الروم وهؤلاء رفعوا راية الفرس ، واليوم أنتم تعيدون الكرة ذاتها ، فعجبا من أمة لا تتعلم الدروس التي لم تتلقنها إلا بالدماء.  

الجميع أصبحوا مناضلين ومجاهدين ، وأولياء صالحين ، وسيرفعون راية مجد الأمة على جبل قاسيون ، فهم أصحاب ضمائر لا تفتأ ذكرا للحق ، وهم حريصون على حقوق الإنسان ، ويخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ، بل إنهم يرفضون الظلم والمذلة والمهانة لأي شعب على وجه الأرض ، ويقفون بالمرصاد لكل الجبارين والمتغطرسين ، فالإنسان في عقيدتهم أغلى ما يملكون ، وحرية البشر ديدنهم وقسطاسهم المستقيم ، ولكن قبل الخوض بصفاتهم الحميدة ، أتمنى أن يجيبوني عن تساؤلاتي التي تذرفها الدموع :

فكم من الأطفال سيموت بعد ؟ وكم من النساء ستنتهك أعراضها ؟ وكم من الشيوخ سيذبحون كالشاة الجرباء ؟ وكم ... وكم ... وكم أيها القتلة المجرمون ؟ 

نامي يا عزيزتي ، فلكل ظالم يوم قصاص ، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين رب العالمين حجاب ، وهذا هو إدراجي الذي أهديه لكل من تسبب في هدر دماء أبناء سوريا ، وأدعو العزيز الجبار أن ينتقم منهم ويذلهم ويخزيهم أجمعين . 

الجمعة، 9 مارس 2012

مهاجر أم مهجر ... ما الفرق ؟

حين كنت مهجرا من موطني الأصلي قبل زهاء ستة عقود ، مشيت حافي القدمين ولم ألتفت خلفي ، واعتقدت كما اعتقد غيري ، أنها ستكون مجرد أيام معدودات ، ثم نعود مع العائدين ، فوليت أمري إلى ولاة أمري ، وجلست على عتبة السكن المؤقت أنتظر رحمة ربي ، ولكن الأيام بدأت تمضي ، وظل الوضع على ما هو عليه ، باستثناء فارق طفيف حدث خلال عقدين من الزمان ، أتم فيه (( أولاد العم )) ما خططوا له بمحاضراتهم الجامعية في اوروبا والعالم الجديد ، حين كان أجدادي منهمكين بالحرث والنسل ، ودفع الجزية (( للآغا والبيك والباشا )) ، حتى دقت ساعة الصفر ، واستقبلت أرض الميعاد ساكنيها الجدد .

عشت بعدها حياة (( بالطول والعرض )) ، ورضيت بالأمر الواقع ، وعدت إلى تجارتي ومهنة آبائي وأجدادي ، وجنيت أموالا لا تأكلها النيران ، ومع كل دورة أيام كانت تكمل عدتها ، حافظت على حذاقتي في إعادة تشغيل أرباحي ، وتجنبت وساوس زوجتي بتجميدها في شراء أراض أو عقارات ، وكنت مؤمنا أشد الإيمان ، بمثل ذائع الصيت عن سيرة الحياة السعيدة ، ولذلك كنت أعيش يومي ولا أفكر بالغد قط ، وهذا جعلني أبعثر أموالي أولا بأول ، بين سياحة وأكل وشرب وزواج متعدد الخانات من مثنى وحتى رباع ، لجنسيات انطلقت من بلاد الرافدين مرورا ببلاد الشام وختاما في أرض الكنانه ، ولأنني شخص شديد الالتزام بما قاله (( اهل زمان )) ، فلقد كانت جيوبي تفرغ حمولتها في كل ليلة كي أنام خفيفا وأنا أهذي في المنام (( الطايح رايح وبكره يوم جديد )) .

وظلت الحياة تسير بتؤدة دون أية مشاكل تذكر ، سوى حنين لا ينطفىء لهيبه إلى أرض الأنبياء ومهد الديانات ، وترقب شديد لكل قرارات القمم العادية وغير العادية ، وتلخيص قراراتها وتأويل احتمالات تطبيقها ، ولم أفقد الأمل يوما بصدق نوايا قادة الأمة في خوض غمار حرب التحرير المقدسة وما تبعها من معاهدات سلام كانت تطبق بحذافيرها حصريا لمصلحة (( أولاد العم )) ، والخطابات السياسية تتوالى ، وأنا لا أزال أهتف بحياة القادة المناضلين وجهودهم الحثيثة في ضمان حق العوده ، حتى جاء يوم ضجرت فيه من الدوران في المتاهة ذاتها ، وقررت أن أكسر مفتاح داري الذي اجتهدت بالحفاظ عليه معلقا على الجدار الرئيس في بيتي المؤقت ، ليصبح بذلك بيتي الدائم ، ومقر انطلاقي إلى مثواي الأخير ، ورضيت بالأمر الواقع ، وعقدت العزم على مواصلة العيش بعد أن حذفت من ذاكرتي كل فصول حياتي قبل الهجرة وكأنها لم تحدث في يوم من الأيام .
 

ولكن قبل بداية القرن الحادي والعشرين بعقد من الزمان ، تغيرت مخططاتي في الحياة مجددا ، بعد أن ضاقت بي الأرض بما رحبت ، تبعا لموجات تهجير أخرى حدثت على أيدي (( إخوتي )) ضد (( إخوتي )) ثأرا من نصرتهم لقائد سيتم إعدامه كالكبش في المستقبل ، فتضاءلت لقمة العيش ، وتراجعت تجارتي في سوق اشتدت المنافسة فيه بشتى ضروب الأعمال ، فصبرت وتأقلمت مع الوضع الذي لم يحافظ على ديمومته ، بعد أن تم استقبال موجة هجرة أخرى ، حدثت تصفية لزعامات لم يعد الغرب بحاجة لها ، وفي هذه المرحلة بدأ الفقر يتسلل من كل أبواب الرزق ، وانقلب المجتمع بطبقاته التي لم تكن متباينه ، ليغدو عاليها سافلها والعكس بالعكس.

وتتابع ضنك الحياة يوما بعد يوم ، ولم يعد من ضرورة لإفراغ جيوبي في الليل ، بعد أن قدت بمصاريف العيش التي عجزت مصادر دخلي الشحيحة عن رتقها ، ومع هذا حافظت على إيماني بوجوب الصبر وانتظار الفرج المرتقب على أيدي ولاة الأمر ، فخرجت أهتف بحياتهم بعد كل مؤتمر إقتصادي يحارب الفقر . 

وحين بدأ اليأس يتسلل إلى أصحاب النفوس الضعيفة الإيمان ، خرجوا إلى الشوارع والميادين العامة يطالبون بالثورة على أنظمة الظلم والاستبداد ، ولأنني مواطن صالح ، اعتزلت بيتي في أوقات الفتن تلك ، إذعانا لوصايا خطيب صلاة الجمعة ، ولم أشكك برواية المسؤول المتجهم حين أعلن على الملأ أنها مؤامرة من (( أولاد العم )) لقصم تقدم وازدهار البلاد ، ورسم خارطة مستحدثة للأمة التي أجهدها تعدد طوائفها ومنابتها وأصولها ، ومع هذا وذاك ، فكل يغني على ليلاه ، ويردد واثقا (( اللهم نفسي ومن ورائي الطوفان )) .


واليوم اكتشفت أنني لم أكن مهجرا عن بلادي ، بل أنا مهاجر عن الدنيا منذ أمد بعيد ، فكيف أنكر ذلك وأنا أسير في نطاق دروب لم يكن ثمة إرادة لي في اختيارها ؟  القادة والوعاظ والسياسيون و الإقتصاديون و الأحزاب الموالية أو المعارضة هم من يختارون ، وأنا دوري تنفيذ رغباتهم وأهوائهم  ، فهل أنا حقا على قيد الحياة ؟  

الجمعة، 2 مارس 2012

ليس ساديا وليس ماسوشيا

ماذا كان يريد منها ؟ الحب ؟ المتعة أم النشوة ؟ أم أنه كان يود أن يثبت لها أن لا امرأة تعجزه إن أرادها لنفسه ؟ هي تساؤلات ليس بالضرورة الإجابة عنها ، فهي لم تتمكن من مواجهته إلا في لقاء عابر ، وهذا هو حال الكثير من النساء ، يتأرجحن دوما بين (( نعم ولا )) ، وبين اللحظة واللحظة تتغير عقولهن وأفكارهن ألف مره ، فتارة يعشقن بجنون ، وبالجنون ذاته يكرهن أيضا ، وفجأة ودون سابق إنذار قد يصرخن ، أو يبكين ، وربما سيضحكن ، أو يتألمن ، بل يحقدن أحيانا ، ويعتقدن أن من أحبهن بالأمس ، لاذ بالفرار عند أول ابتلاء أصاب علاقتهما ، وسيتهمنه بأنه لم يحارب من أجلهن ، تماما كما حدث مع رجل انتظر امرأة سبع سنوات وهي لا تزال ترفضه ، وعندما حل به اليأس وقرر الزواج من غيرها ، جاءته لاهثة لتتهمه بالكذب عليها ، فلو أحبها كما كان يدعي لما تزوج في حياته قط .

هو رجل ليس من عادته الحديث بكلمات تتسلل من باب اللغة الخلفي ، فلا يتردد في الإجابة عند النفي قائلا (( لست أدري )) ، ولا يهاب طرق الأبواب الأمامية حين يريد شيئا ، أو يهز رأسه بخجل فتاة بكر حين يعرض عليها الزواج ، إنه سفاح الكلمات القاطعة ، وهذا كان يستدعي إيجاد امرأة تطابقه في ذلك ، وأن يكون لديها من الجسارة والشجاعة ما يكفي لمواجهته في ميدان الحب .

القضية لم تكن في يوم اختلافا بين طبيعة الرجل والمرأة ، وليس صحيحا ما كان يدعيه (( جون غراي )) ، فهو لم يقطن المريخ أو الزهرة أو عطارد ، بل الجميع عاش وسيموت على كوكب الأرض ، ولكن المعضلة تكمن في طبيعة المجتمعات التي تأخذ سمات رمادية وضبابية ، فتجدهم مذبذبين ، لا إلى هؤلاء ينتمون ولا إلى هؤلاء ، وإذا ما تم تبسيط هذه العبارات على لسان رجل أو امرأة ، فذلك يعني (( أريد الحصول على كل شيء دون التضحية بجانب على حساب جانب آخر )) ، ولكن هل من الممكن حقا أن يتمكن المرء من حمل خمس بطيخات بيد واحده ؟

هو اليوم ليس نادما على أية علاقة عاطفية فاشلة ، ولكن ثمة تساؤلات لا تزال تحيره ويتمنى أن يجد لها إجابات مقنعة ، أولها مبدأ الفوز والخسارة ، هل حقا يكون الفائز من بادر بهجر حبيبه سواء كان رجلا أم امرأة ؟ وماذا يعني ذلك ؟ وما هو هذا الفوز ؟ وما هي تلك النشوة بالانتصار ؟ هل هناك من ينكر تفكير العديد من الناس بتلك الطريقة ؟

وثانيها مبدأ المبادرة في الحب ، فحين يتقرب الرجل من المرأة ، تعيش حالة من الزهو والكبرياء ، وتظل تؤكد لنفسها كم هي مرغوبة من الرجال ، وحين تزول عنها حالة النشوة بعد مطالبة الرجل لها أن تتقدم بخطوات جادة في درب الحب ، تهرب منه وتتوسله أن يتركها وشأنها ، وحين يسألها عن سبب هذا الانقلاب المباغت ، تدعي أنها لم تفكر فيه يوما وأنه من ظل يرواغ ويتلاعب بعقلها كي يجرها لمصيدة الحب ، ولو أنه بدءا ظل دهرا بعيدا عنها ولم يبادر إليها ، لظلت تحلم بقربه ليل نهار .

وثالثها مبدأ العقول غير المتكافئة ، فالمرأة تخشى الرجل الذي يهزمها بفكره ، وتبحث عن رجل تتلذذ بإغوائه حين تنطبق عليه شروط نقصان عقله ورجاحة قلبه أمامها ، وهنا المعادلة في غاية البساطة ، امرأة سادية ورجل ماسوشي ، وليس العكس أبدا ، فهذا عصر النساء ، وفي شتى المجالات ، فلماذا لا يكون عصرهم أيضا في علاقاتهم مع الرجال ، هم الآن الحلقة الأقوى ، شاء من شاء ، وأبى من أبى .

وبعد إدراكه لتلك المبادئ ، قرر أن ينوء بنفسه ويتجرد من كل العلاقات التي تربط الرجال بالنساء ، فهو ليس ساديا ، ولم يكن بكل الأحوال ماسوشيا ، بل إنه كان دوما يرفض اقتران كلمة العذاب بالحب ، ولا يجد أي لذة أو متعة في تلاقيهما ، فالحب إذا لم يجلب السعادة والسكينة للروح والقلب ، لا يكون إلا هراء ووهما ، تضيع فيه الأيام التي يعيشها المرء دون جدوى ، ويغادر بوابة الحياة وهو لا يزال يتحسر على ضياع ذلك السراب ، ولهذا عقد العزم على مواصلة حياته دون الحنين للنساء .

الجمعة، 24 فبراير 2012

لا إكراه في الحب

ليس بالإصرار أو العزيمة أو كما يقولون في الأمثال والحكم (( من جد وجد ومن سار على الدرب وصل )) ، فثمة دروب لا يمكن للمرء أن يصل فيها لمرامه ومبتغاه مهما حاول إلى ذلك سبيلا .

المبادرات العشقية لا تزكيها طرائقها في دق أبواب القلوب ، بل هي لحظة لا يمكن تفسيرها ، تلتقي العيون وتتصافح الأيدي ، فيستيقظ القلب من غفوته أو يظل في مرقده يهيم في سبات عميق .

وتختلف مسببات الحب ، ولكن المتعارف عليه أن المنطق يخالفنا دوما في اختياراتنا ، ولهذا نجد معادلة عشقية في غاية التعقيد ، ونادرا ما يكون حلها يودي إلى نهاية سعيدة .

وفي الماضي كنت دوما أبحث وأتعمق في التحليل والتفسير ، فتارة أعتقدت أن المرء لا ينجذب إلا لنقيضه ، وأحيانا كنت محتارا بين جمال الروح و جمال الجسد وسألت نفسي كثيرا كيف تختلف المشاعر عند رسم صورة في الخيال ومطابقتها للواقع ، حتى أنني قلت في ذات يوم أن الغيرة تشعل نيران القلوب حين يخيل للمرء ظهور منافس جديد له في ميدان الحب .

وسألت نفسي عن الصداقة والحب وأيهما قد يكون دربا للوصول إلى الآخر ، وأطلت الحديث عن صراع العقل والقلب و تأكدت أن حسابات العقل تنتصر في هذا الزمان دوما ، ويئست من محاولة الانحياز للحبيب الذي يأتي بعد الحبيب الأول ، و جزمت أنها حرب غير متكافئة على قلب رجل أو امرأة .

وكسرت ميزان العواطف ولم أؤمن بتساوي كفتيه في أي علاقة محتملة ، وحاربت كل الأفكار التي تؤكد أهمية توافر خبرة الحب كمدخل في تفهم طبيعة الجنس الآخر ، وقلت أن المرأة تفضل الرجل الغليظ على الرجل المسالم وأن الرجل يفضل المرأة التي لا تجادله وتعارضه دائما ، فهو يريدها أن تضع السكر في كل أقواله وهي تؤمن بالمثل القائل (( القط بيحب خناقه )) .

كل ما كتبه قلمي منذ سنتين قد يكون قابلا للتأويل والنقاش ، ولكنني أستثني من ذلك كله إدراجا كان يتحدث عن كثرة الدق على باب قلب المرأة ، معتقدا أن ذلك سيكون مدعاة لكسر أقفاله في النهاية ، ولكن أعترف بخطئي ، فلا إكراه في الحب ، ولا مسوغ لبذل الجهد في إقناع الطرف الآخر بحبك ، فإما أن يرضى بك كما أنت ، وإما أن يرحل دون أن تستجديه للبقاء .

الجمعة، 17 فبراير 2012

حين بكى قلبي

ولا زالت الأيام تمضي تباعا ، وأنا أقف على الحدود الوهمية بين الحقيقة والخيال ، وكأنك كنت كالحلم الذي مضى سريعا ، وغدوت أتمنى بعد انقضائه أن يتكرر في صحو أو في منام ، فهل كان ذنبي أنني كنت واضحا أمامك كصفحات النهار ؟ أم أن هذا كان سببا في عتمة الدرب المؤدي لقلبك ؟ بل ربما هو خطئي أنني خالفت قواعد اللغة ولم استعن بها لإخفاء مشاعري المتأججة بحبك ؟ مبتدءا كل كلامي بأدوات التوكيد التي عجزت عن التقاط قلبك الذي كان مستترا دوما ما بين كل السطور العشقية التي خطت بها الأيام حروف حكايتنا المنتهية من قبل أن تبدأ .

لماذا كان حدسي يعبث بي ويرغمني أن أتلصص على صفحتك في ( الفيس بوك ) عند كل ليلة تمزق فيها قلبي وبكى على غيابك ؟ فأعلن نشوة هزيمتي وانكساري وأنا أشاهد صورتك وأنت تتكئين برأسك على رأس فارسك الجميل وقد داعبت أناملك صدغه الحليق ، و طوقك بذراعه في ثقة التحدي لشرذمة مثلي ، عاجز عن استردادك منه مجددا وهو الطبيب الذائع الصيت الذي يهزم كل الفرسان في أحلام النساء ، ما الذي يحدث يا ( غابرييل ) ؟ وكأنني أعيش قصة ( فلورنتينو ) وهو يخسر حبيبته ( فيرمينا ) أمام الطبيب ( أوربينيو ) .

دوما تنصف الحياة الأطباء والأثرياء ، فتنصاع تحت أقدامهم ويخطفون زخرفها من الآخرين ، ودوما تنهال الدنيا سخطا على الأدباء والشعراء وتكشر عن أنيابها لهم وتتداعى في وجه أمنياتهم لؤما ، فهل هذا ما جعل ( أحلام ) تبدأ رواية ( ذاكرة الجسد ) بقولها : ( من الجرح وحده يولد الأدب ) ؟

أنظر إلى الصورة من جديد ، كم جميلة هي ابتسامتك ، من يراها يغبطك على سعادتك ، ويواسيني على خسارتك ، ويتمنى لي الشفاء العاجل من حبك ، ولا يدري أنني مريض ميئوس من حالته في عشقك .

أعيد الكرة وأخرج من شاشة مسودة هذه التدوينة ، وأظل شارد الذهن أمام صورتك ، وأسأل نفسي عن السبب الذي دعاني في أحد الأيام لمحاولة الاقتراب منك ، وأنا من كان على يقين لايحتمل الظن قط ، استحالة قلبي في الحصول على تأشيرة عبور لقلبك ، ولكنه حاول أن يكون كالمسافرين غير الشرعيين حين يحلمون بالهروب من الموت في بلادهم بحثا عن فرصة جديدة للحياة ، فيتعثرون بجنود الحدود الذين لايرحمون ، ويجبرون على العودة من حيث أتوا ، وهذا ما حدث تماما لقلبي حين كان يخطو بخطوته الأولى إليك .

كيف أصف لك ألمي وحزني ووجعي ؟

أأقول أنني ما انكسرت أمام امرأة من قبل هذا ، وأنت من كسرني ، أم أدعي عدم اكتراثي ولامبالاتي الزائفة وأنا في كل دقيقة أحترق شوقا إليك ، أليس هناك من أمل في عودتك قبل أن يموت قلبي بحادث هجرك الذي ألفاه على ناصية العشق وحيدا وهو يهذي بحروف اسمك ؟

يا حبيبتي أقر أنني خسرت كل شيء كما قلتي لي تماما قبل رحيلك عني ، ولكن ربما أكون ربحت أياما معدودة قضيتها وأنا في قربك ، أخالها تكفيني كي أعيش على ذكراك ، لأكتب تتمة قصة ( ابن طوبال ) عن الرجال الذين يعشقون نساء ليتعلموا كيف يكون البكاء أمام أضرحة خيباتهم في هذه الحياة .

لم ولن أنساك ، مع أنه حري بي أن اعتاد على غيابك ، ولكنني فشلت في كل اختبارات التحمل التي تؤهل قلبي للنبض مجددا بتعداد لايحتويك يا حبيبتي ، فكيف أهرب من حبك وأنا أدرك أن في ذلك هلاكي ؟

الجمعة، 10 فبراير 2012

حسبك الوهم

لا تنتظر ، فهاتفك لن يتعافى من صمته المدقع ، ولن يستدرك نطاق تغطية الصفح من جديد ، بل إنك مهما حاولت أن تسدد من فواتير اعتذار مستحقة الأمد ، فليس هناك من أمل قد يعيد قلبك المفصول عنها ، بعد ذنبك الذي لم يكن خطيئة كبرى ، ولكنه كان كافيا ليرديك كافرا بمذهبها العشقي الذي لم تؤمن في يوم بسواه .

أتظن أنها تذكرك في سر أو في علن ، أم تعتقد أن اعتماد أوراقك في ذاكرتها ، لن تقوضه نيران السخط التي ذابت فيها شموع الأمل ، فحسبك الوهم إذن ، واصبر صبرا ليس جميلا ، فهجرها علقم ستتجرعه عند دلوك الشمس إلى غسق الليل و حتى مطلع الفجر ، و لاتحزن على ما فاتك ، فلا حسرة بعد أن أوصدت أبواب قلبها ، ولا دمعة من الممكن تزكيتها ، في يوم لن يجدي فيه الندم .

يا ليت الزمن قد توقف يوم لقائها ، فالحياة من قبلها لم تكن إلا شقاء ، ومن بعدها لن تبارح أيامك العناء ، وهذا سيكون حالك في الصبح والمساء ، وفوق كل أرض وتحت كل سماء ، فسعدى بما حظيت به من تلك السيدة اللاتينيه ، بعد أن أخلفت موعد رقصتك على ألحان ( زوربا ) في ذات صيف محتمل ، وألقت بك وراء فراغها وحيدا ، كي تسامره في ليالي هذا الشتاء .

ما أصعب أن تلامس السحاب بيديك من فرط سعادة وهبتك إياها أقدار لم تكن تتوقعها ، وما أيسر أن تلقي بك هواجس كنت تتوقعها بالذات ، في وديان سحيقة من الحزن والألم ، ألا تسير عجلة الحظ بدورة معاكسة في سيرة رجل اعتاد أن يتاجر في القبور حين كان الموت لا يزور البشر ؟

كلماتك منذ هذه اللحظات ستفقد بريقها ، بعد انقطاع وحي حضورها من صحف أيامك ، فيا أسفا على تدوينات عزفت على كتابتها ، ظنا منك أن بلاغة الحديث ستكون مدعاة لاستدراج محبتها ، وكأنك نسيت أو قد تكون تناسيت أن القلوب لا تميل إلا للمال والجاه والسلطان ، فأنكرت كينونتك أيها الكائن الحبري الذي تنتهي دورة حياته المفترضة دوما عند علامات التعجب وأدوات الاستفهام .

آن الأوان كي تعود رجلا نمطيا ، تسير في الطرقات مطأطأ رأسك ، لا تجرؤ على رفع هامتك إلى عباب السماء ، فالقناعة كنز لا يفنى ، وهذا ما ألفيت عليه آباءك وأجدادك ، حياة رتيبة بين البيت والعمل ، ووجبات طعام بمواعيد ثابتة لا تتغير ، ومطالعة الصحف الرسمية في كل صباح من باب تزجية الوقت ليس إلا ، والحرص الشديد على حضور كل المناسبات الإجتماعية من مآتم وأعراس ، والمفاخرة برسومات أشجار تتوسط جدران المجالس ، وقد كتب على أوراقها أسماء أبطال العائلة وتاريخهم السرمدي في الإنجاب والأكل والشرب والنوم .

ما الذي اختلف في طريقة انتقاء المرأة لرجلها قبل عصر العولمة وبعده ؟

في (( الفيس بوك )) ستتجمع النساء عند من تصور بجانب سيارة فارهة أو داخل قصر مهيب ، أو عند من أعلن في بياناته الشخصية أنه يشغل منصبا رفيعا في مؤسسة حكومية أو شركة تجارية ، و لاضير بما سيتم نشره على جدران صفحات هؤلاء الرجال من تفاهات ، فالإبهام سيكون دوما للأعلى من كل العابرات فوق صفحاتهم الالكترونية ، حتى لو قال أحدهم مثلا : (( اليوم هجرت امرأة أجبرتني على أكل المنسف بالملعقة )) .

ولأنك لم تؤت جوامع الكلم الذي يطابق شاكلتهم ، تعثرت عند أول منعطف في درب الحب ، واعتزلتك حبيبتك المفترضة ، من قبل أن تحفظ ملامحها في مخيلتك ، وهذا يستدعي منك أن تتقدم بجزيل الشكر والامتنان لمشاعرها التي لم تتعمد الزيف والمواربة ، فلقد تركتك في الحيز الملائم لك تماما ، أتراك أدركته الآن أم لا تزال تتنكر له ؟

إنه وهمك الأزلي الذي جعلك دوما تعتقد أنك رجل استثنائي ، ولكنك في الحقيقة لم ولن تكون كذلك ، فعش حياتك وأذعن لحقيقة سيرتك العادية ، وضع رأسك بين الرؤوس ، وامش بجوار الجدران ، ولا تتحسس مكان نافذة قد تكون مشرعة أمامك لحياة غير عادية ، بل ردد فقرات الروايات التي حلمت أن تكون في يوم أحد أبطالها ، وحسبك الوهم يا صديقي وكفى .

الجمعة، 3 فبراير 2012

رسام الكلمات

أمطار وثلوج ، هذا هو حال الطقس منذ أسبوع ونيف ، حتى أصبحت رؤية الشمس أمنية لا تتحقق حتى في الأحلام ، والبرد قارص ، ينخر العظم بلا هواده ، وذلك يستدعي البقاء بجانب المدفئة الغازية أو الكهربائية برفقة طبق من المكسرات ، وإعادة مشاهدة المسلسلات في فترات عرضها الصباحي والمسائي ، مع تعاظم الانجماد في الأطراف السفلية والعليا إذا راودتها حركة خاطئة خارج حيز المدفئة الضيق .

وموجات الزمهرير المتتابعة هذه ، من الصعب التكيف معها ، إذ لابد من استقبال عامل أنابيب الغاز ورتق جيبته بما يعادل عشرة دولارات في كل زيارة تتكرر مرتين في كل ثلاثة أيام ، وليس الحال أفضل حين نتحدث عن فواتير الكهرباء الشهرية، والتي تضاعفت بعد إقرار طرائق محدثة في احتساب كلفة استهلاكها وبما ينسجم مع مصلحة المواطن بالتأكيد ، ومن الذي سيجرؤ على الخروج في جوف الليل لشراء دواء أو مستلزمات منزلية مستعجلة ، غير الذي ستكون (( أمه داعيه عليه )) ، أو من ذا الذي سيفكر في اللحاق برفاق المقهى لتصفية ثأر خسارة حدثت في لعبة الورق قبل حلول هذه المنخفضات الجوية التي تأبى الارتفاع ، إذ أن الحصافة هنا تستدعي ضبط النفس والأعصاب ، والتزام المنزل في عزلة إجبارية لا تنقطع أسبابها إلا (( للشديد القوي )) .

و عندما يأتي الصباح يكون الخروج من المنزل إجباريا للذهاب إلى العمل ، ولأن موعد الدوام موحد في معظم الداوئر والمؤسسات الحكومية والخاصة ، مع استثناء المدارس التي غابت عن هذا الموعد الصباحي لظروف تتعلق بعطلة منتصف السنة الدراسية ، فإن جميع الطرق ممتلئة عن بكرة أبيها ، وليس هناك من فرص للشوارع الاسفلتية كي تلتقط أنفاسها ، وحوادث السير حدث و لاحرج ، ودفاتر رجال المرور نفدت أوراقها من تحرير المخالفات المرورية التي لم تقصد التربص بالسائقين ، وكل مركبة وحذاقتها في اللجوء إلى خارطة الشوارع الفرعية ، والتي لا تكون بالضرورة الحل المثالي الذي قد يضمن التخلص من مواعيد (( عرقوب )) والوصول إلى المواعيد على الطريقة الإنجليزية .

ومن غير المألوف أبدا ، أن يضرب المرء في مثل هذه الأجواء موعدا مع حبيبته المفترضة ، ولكن (( للضرورة أحكام )) ، إذ أن هذا اللقاء قد تم التخطيط والاستعداد له منذ الصيف المنصرم ، وحين أزفت اللحظة الموعودة ، وخرجت من عملي مسرعا للحاق بحبيبتي قبل أن تسأم من الانتظار ، وقعت أسير جنون الطرقات ، ومع ذلك لم أبالي ، بل استعنت بخبرتي الممتدة لثلاثة عقود في مخطوطات شوارع هذه المدينة ، ووصلت إلى مكان لقائنا مبكرا ، لأخالف بذلك كل الأعراف السائدة في مواقيت مواعيدي المتأخرة على الدوام .

وحين أقبلت حبيبتي من خلف الرؤوس المتصاعدة على السلم الكهربائي في إحدى المولات التجارية ، بشعرها الأسود المنسدل على ظهرها كالحرير ، وملامحها اللاتينية التي ذكرتني بأساطير الأغريق ، وقامتها الممشوقة بخطوات تسير بخيلاء ، ارتبكت كـ (( أحدب نوتردام )) حين شاهد (( الاسميرالدا )) ، فلقد كان جمالها يفوق كل الصور التي رسمتها في خيالي .

ولكن العلاقة بيني وبين الفرح سيئة للغاية ، فبعد أن تلاقت عيوننا ، شعرت أن عدوى الطقس البارد قد أصاب حماستها نحوي ، وتحققت هواجسي حين أخبرتني أنها مضطرة للذهاب بسبب ظرف طارىء ، دون أن تبدي تماما ما قد جثم على صدرها من نفور لم أتمكن من تعليل مسبباته على وجه الدقة .

ثم صعدت السلم الكهربائي مجددا ووقفت خلفها دون أن أجرؤ على الكلام ، بل اكتفيت بسد رمق الاشتياق بالنظر ليس إلا ، وذهب كل منا في حال سبيله ، لا ندري ماذا سيكون من أمرنا في الغد القريب .

وجاء اليوم التالي ، وتبادلنا الرسائل الالكترونية كالمعتاد ، ولكن ردودها كانت مقتضبة وجافة ، فحاولت اجتثاث مخاوفي والحديث بعبارات مباشرة عن انطباعها حول اللقاء ، فظلت كلماتها مبهمة وتحتمل التأويل في عدة اتجاهات ، وهذا جعلني أمسك بزمام المبادرة كي أصف لها سعادتي برؤيتها ، مستعينا بالكلمات التي لا أبرع إلا برسمها ، فقلت لها أن عيوني كانت تتمنى أن تلتهم كل ركن منها وهي أمامي على السلم الكهربائي ، ولكن هذه الجملة كانت كـ (( القشة التي قصمت ظهر البعير )) ، لتعاتبني بلهجة لاذعة بعدها وتتهمني بأنني لا أجيد الحديث مع سيدة مخملية .

وأنا الذي قضيت عمري بين دواوين الشعر وروايات الحب والغزل ، كي أتعلم الرسم بالكلمات في لحظة ألتقي بها مع محبوبتي ، فهل كنت تلميذا سيئا إلى هذا الحد ؟

الجمعة، 27 يناير 2012

لك أنت


كم هو غريب ما يحدث معي في هذه الأيام ، فكلما عزمت على الكتابة ، أجد أناملي ترتجف وكأنها في لقائها الأول مع القلم ، فهل الخوف يسكنني ؟ أم هي فرحة أخشى على قلبي من خسارتها كما اعتاد في منتصف الطريق ؟ لنعود أنا وإياه من حيث مشينا بالأمس ، لا نملك سوى الخيبة والحسرة ، على ضياع أحلام أودعت دوما في القلب الخاطىء .

قصتي مع النساء معقدة جدا وليس من سبيل أمامي للكتابة عن خلاصتها ، ولكن لست أدري لماذا وأنا أسير اليوم تحت رذاذ الأمطار وحيدا إلا من مظلتي السوداء الحزينة ، وجدت الذكريات و قد تلاعبت برأسي كحجارة النرد حين تهوي على رقعة طاولة اللعب ، والعيون تراقبها وهي تتدحرج في غياهب الأرقام ، وحينها يظل الفكر شاردا بما ستؤول إليه احتمالات وجوه مكعباتها حين تستقر وتتوقف عن الدوران ، فإما سيكون الفوز وصيحة الانتصار وإما الوجوم والشتيمة للحظ العاثر المؤدي للانهزام .

أنا شخص تعب من التفكير والتحليل والتفسير لكل علاقة عاطفية فاشلة كنت قد خضتها في ميادين الحب ، وربما هذا ما جعلني شخصا غريب الأطوار ، تتداخل فيه كل المتناقضات التي عرفتها البشرية ، ففقدت التوازن والانسجام مع محيط الناس من حولي ، ولم أعد مكترثا لمواضيعهم واهتماماتهم وأفكارهم ومعتقداتهم وفلسفتهم في هذه الحياة ، وليس هذا انتقاصا من قدرهم بل على العكس ، فهو اعتراف بأنني فشلت في إيجاد من يحتويني بعالم لا أتمنى في يوم مغادرته قط .

كانت وجوه النساء تتكشف لي تماما كما هي حال حجارة النرد بعد سكونها ، وخسارة تلو خسارة تتعاقب على قلبي، كما يحدث لفريق العاصمة الإسبانية لكرة القدم كلما كان في مواجهة مباشرة مع فريق الكتلونيين في هذه الأيام ، فتلك امرأة هجرتني للزواج من رجل يعمل في بلد نفطية ، وأخرى دعتني للزواج وأنا لا أزال على مقاعد الدراسة ورفضت أية مبررات للانتظار حتى يتغير لقبي من معال إلى عائل ، وهناك من ادعت أن وجودي في حياتها يشبه السوار الضيق حين يلتف بقسوة حول المعصم وأنها تريد خلعه مهما كان الثمن .

و توالت الحكايات مع نساء في حالة فراغ عاطفي ، لم يتعد وجودي في حياتهن سوى تزجية أوقات انتظارهن لفرسان أحلامهن الواقعية ، وحتى عندما ألمت بي عقدة (( أوديب )) وبحثت عن الحب مع نساء من أجيال قد سبقتني بعقود ، وجدت قلبي ملزما بعطاء ليس له من حدود ، وكأنني والدهن الذي أعادهن لسنوات مراهقتهن البائدة ، مما استدعى قراءتي لكتب (( فرويد )) مجددا كي أتعمق في معرفة تتمة نظريته عن عقدة (( الكترا )) .

وشاءت الأقدار أن ألتقي بنساء قد تلبدت في سماء حياتهن غيوم حزن عابر ، فانحصر دوري حينها في مواساتهن والوقوف إلى جانبهن في لحظاتهن النفسية العصيبة التي أمطرت أيامهن بالدموع ، وحينما تبددت الغيوم وأشرقت شمس السعادة وتحققت أمنياتهن ، رحلن بعيدا عني كي لا أكون فتيل اللهب الذي قد يشعل ذكريات تلك الأيام السوداء .

الآن و للمرة الأولى في حياتي أجد أنني قد كشفت كل أوراقي أمام امرأة ونحن لا نزال نسير في بداية الطريق ، ربما لأنني أتمنى أن تكوني أنت القصة الحقيقية الوحيدة في حياتي ، ولهذا أكتب اليوم لك أنت ، وأمد يدي لك أنت ، وأبتسم لك أنت ، وينبض قلبي لك أنت ، فهل تقبلين أن تمضي معي كي نكتب سطور خاتمة هذه الحكاية ؟ فالحب ليس للحبيب الأول بل هو للحبيب الأخير .

الجمعة، 20 يناير 2012

متى ترجح كفتي في ميزان إعجابك ؟

كنت دوما أراهن على الفرس الخاسر ، وأبني قصورا من الرمال لا يلزمها أكثر من موج هادر ، لتزول وتتلاشى أحلام طارئة قد أشرعت نوافذها لفرح عابر ، فلم يسبق أن بددت غيوم قلب حائر ، وأفلحت في استدراجه لأرض قلبي بعد بلوغي العاطفي أو حين كنت قاصر ، وهذا كان يستدعي اللجوء لمسببات حظي العاثر ، والوقوف عند تحليلها مطولا ، لعلي أستكشف حرز المفاتيح لأبواب النساء الموصدة أمامي ، وانفراج مزلاجها دون عناء لرجال تقف بمحاذاتي ، وكم حاولت أدراك السبيل الذي يقودني لدهاليز الإعجاب الخفية ، ولكن الأقدار أصرت على بقائي في صومعة التمني ومهدت لغيري كل دروب النساء التي كانت تلتف من حولي .

في البدء كان صديقي الأشقر يخطف من أمامي قلب كل انثى لا يستهويها الشاب الأسمر ، فقررت أن أتنكر في ملامحه و أستبدل لون شعري الأسود وأضع مساحيقا على وجهي كي تبدد عتمته ، ولقد استدعى المظهر الجديد أن أسدل خصلات شعري من خلال جلسات حمام الزيت ومواد التمليس في العصر الذي سبق ثورة (( الواكس )) ، وكان لا بد أيضا من وضع نظارات شمسية تكون عدساتها زيتية ومحفور عليها بالطبع ماركة شهيرة تدعى (( ريبان )) ، وارتداء حذاء رعاة البقر ذو المقدمة الرفيعة كالأبرة والذي ذاع صيته بمسمى حذاء (( تكساس )) ، ومع كل تلك التغييرات الجوهرية ، إلا أنني كنت دوما أرتطم بجدران قلوب حواء والتي كانت تبدو أمامي أقسى من الفولاذ أو الحديد المسلح .

وفي المرحلة الجامعية وجدت الإناث يلتفون حول الشاب ذو النظارات المقعرة والذي كان لا يغادر المكتبة في أوقات فراغه و لا تخلو يديه من مجموعة الكتب والمراجع التي ترافقه أينما حل ووطئت أقدامه ، فحلقت شعري وارتديت قميصا وأغلقت ياقته ، وأقسمت على طبيب العيون أن يؤكد ضعف نظري وحاجتي لنظارة بعظم أسود ، كتلك التي يرتديها كبار السن منذ منتصف القرن الماضي ، وذهبت إلى المكتبة وتعاركت مع أمينها بعد إصراري على استعارة كتب تفوق الحد المسموح به للاستعارة ، ومشيت بين ممرات الكليات بخطوات خجولة وعيوني لا تبصر إلا الأرض ، ودخلت محاضرات وخرجت من امتحانات ولم تطرق أي فتاة بابي ولو حتى على سبيل الخطأ أو الصدفة .

وحين دخلت سوق العمل من بوابته الضيقة ، وانقضت فترة البطالة التي امتدت لحسن حظي لسبعة شهور فقط ، كنت قد قضيتها في عزلة بالمنزل في أرشفة الصحف وأنا انقبها يوميا للبحث عن وظيفة تتلاءم مع الشهادة التي عانيت أربعة سنوات للحصول عليها ، فوجدت نفسي في مؤسسة مالية ضخمة ، وكيفما وليت وجهي فثمة نساء عن يميني وعن شمالي ، من أمامي ، ومن ورائي ، وفي كل بقعة يمتد إليها بصري بنظرة بريئة أو عن سبق إصرار وترصد ، ولكن الحكاية ما انفكت تكرارا لفصولها التي سئمت قراءتها ، فأنا كنت انطوائيا وافتقد لمهارات الاتصال الاجتماعية ، والتي كان يبرع بها زملائي الرجال ، من أحاديث المطبخ وتربية الأولاد مع المتزوجة ، وأحاديث الموضة والأزياء وقراءة الأبراج وحظوظها مع العزباء ، والتملق للمديرات العوانس ، والاستشارات المجانية للمخطوبة عن محلات بيع الاثاث والأجهزة الكهربائية ومحلات المجوهرات وصالات الأفراح ومايلزم من تجهيزات ليوم الزفاف ، مما جعلني أبدو كالأبله امامهن عند سؤالي عن كل ما اعتقدت أنه لا يلزمني معرفته لكي اتجاذب معهن أول أطراف الحديث المؤدي للإعجاب .

وعندما جاء اليوم الموعود ، ووصلت بعد معاناة لحدود الباءة الدنيا والتي قد تؤهلني للزواج ، طرقت كل الأبواب ، وتم طردي في كل محاولة من النوافذ لضرورات السرعة في التخلص من زيارتي المشؤومة لبيوت عروساتي المحتملات ، فأنا لم أكن أملك بيتا وراتبي لا يتكون من أربع خانات ، وهاتفي ليس فيه شعار التفاحة ، ووالدي تاجر مفلس ، وبورصة الذهب أقسمت أن لا تهبط مؤشراتها عن أرقام فلكية ، وليس بمقدوري إقامة حفل زفاف في فندق مدموغ بنجوم خمسة ، وسيارتي لم تولد في الألفية الثانية ، فكيف إذن يا حواء من الممكن أن ترجح كفتي في ميزان إعجابك ؟

الجمعة، 13 يناير 2012

أنا وحبيبتي والمطر

كم من شتاء كان قد مضى وأنا أنتظر هذا اللقاء ، وكم مشيت تحت رذاذ الأمطار وحيدا بين أزقة الطرقات ، لعلي ألمح طيفك بتواطىء بين القدر والصدفة ، وأنت تقفين خلف النافذة تتأملين حبات المطر ، وهي تداعب كفيك دون أن تصافحهما تماما ، أتراك كنت تتوقعين حضوري ؟ أم هي لهفة الأمل بلقاء يحدثك به القلب دوما كلما أمطرت السماء ؟

أتذكرين لقاءنا الأول ؟

كان أيضا في الشتاء ، عندما كنت أجلس خلفك في الحافلة ، وأثير المذياع يهمس بالأغنية التي رافقت قصتنا على الدوام ، ولقد كنا نكتفي حينها بالإنصات والشرود ، فلا تتجرأ قلوبنا على الكلام ، وعندما كان ضجر الانتظار من المجهول يسكننا ، نزيح ستائر النوافذ ، فيفتضح صوت القيصر أمرنا : (( أخاف أن تمطر الدنيا ولست معي )) .

وتجدد لقاؤنا في مقهى لم نذهب إليه من قبل ، وكنت أراقب الحزن في عينيك وأنت تحركين الملعقة في قدح الشاي ، وكم تمنيت حينها لو أشحت برأسك ، كي تلمحين عيونا قد ذابت في قدحك قبل قطع السكر ، ولكنك تابعت الكتابة في كراستك عن عشق لم يأتي بعد ، وهربت من أمامي مجددا (( كاليمامة بين العين والبصر )) .

والتقينا بالسوق في يوم كذبت فيه شمس الشتاء كعادتها ، فأسرعت خطواتك في المسير ، وأنا من خلفك لا أدرك كم يلزمني من خطوات كي تجدينني من أمامك ، فركبت سيارتك واندفعت عجلاتها فوق الاسفلت المبتل ، والذي ظل يرافقني في ثنايا فراغك مع الأمطار وهي (( تجلدني على ذراعي ... على وجهي ... على ظهري ... فمن يدافع عني ؟ )) .

وشاءت الظروف بعد عواصف من اليأس أن أذهب إلى موقع عملك ، وأضغط على زر الانتظار في لعبة أرقام عشوائية ، ولكن صوت النداء الآلي ألقى برقم تذكرتي بعيدا إلى مكتب امرأة أخرى ، كانت نافذتها مفتوحة لريح تعوي ، وأنا لا أجدك كي تهمسين في أذني (( تمسك ... ها هنا شعري )) .

وفي ذات شتاء لجأت إلى مظلة بائع الكتب ، وبحثت بين رفوف منشوراته عن نبوءات العرافين الذين كذبوا في وعودهم عن حب قد يأتي في بداية الألفية العشقية ، وعندما هممت بتصفح ما توقعه المنجمون للقائنا الذي لايحدث إلا في المطر ، وجدتك تقفين إلى جانبي ، تتصفحين فهرس قصائد نزار ، وقد لامست سبابتك (( قارئة الفنجان )) ، فنظرت إلى السماء وكان قد اشتد فيها الهطول ، ثم التفت مضطربا كي أبحث عنك ، فلم أجدك في أي مكان ، فأخذت نسخة أخرى من ديوان نزار ورحت أردد بخيبة وانهزام (( فمنذ رحت وعندي عقدة المطر )) .

واليوم أجلس أمام نافذة وحدتي ، والأمطار لا يتوقف هطولها كلما اشتاقت الأوراق للكتابة عنك ، وأنت لا تزالين في غفلة عن عشقي ، تنامين على وسادة من حرير أنوثتك ، فهل سنلتقي مجددا في الشتاء ؟ أم يتوجب أن (( أمحوك من أوراق ذاكرتي )) مع أنك (( في القلب مثل النقش في الحجر )) .

الجمعة، 6 يناير 2012

هذيان الثالثة والثلاثين

دعوني وأنا أتهيأ خلال ثمان وأربعين ساعة من الآن ، وقبل أن أطفىء الشمعة الثالثة والثلاثين من عمر بدأ حلوا كمكعبات السكر حين تفيض في فنجان قهوتي ، و غدا شديد المرارة كزجاجة دواء يتجرعها المريض مرغما ، كلما مضت به الأيام بتتابعها الرتيب من الألم ، لأستذكر زيارتي قبل عدة أيام للحلاق برفقة رجل تجاوز العقد الثمانين من عمره ، وقدماه تخذلانه بالوقوف ، فيتأبط ذراعي خافضا رأسه ، وعيونه قد اغرورقت بدموع غير مرئية لسواه ، فولده لم يشاهده يبكي إلا مرة واحدة فقط ، عند موت والدته وجدة طفله حينها .

إنه (( محيي الدين )) ، و الذي سأتجرد معه من كل الألقاب بين هذه السطور ، ولكن ذلك لن يغير من مسلمات الحياة التي تنسبني إليه كلما تم ذكر لقبي في ظروف رسمية أو شخصية ، هو ذلك الشخص الذي جاب بقاع الأرض كلها ، وعاصر كل التواريخ والأحداث التي مضت بعالمنا منذ نهايات العقد الثالث من القرن الماضي ، خرج حافي القدمين في عام (( 1948 )) من مدينته (( اللد )) بعد مذبحة راح ضحيتها كل من رفضت خطواته إخلاء الأرض من تحتها ، ليتسنى إقامة دولة من يعتقدون أنهم لا يزالون (( شعب الله المختار )) .

وعندما وصل شرق النهر ، قرر أن يحافظ على عهده ويعيش الحياة بمعايير شبه مؤقتة ، حتى يحين موعد عودته إلى غرب النهر من جديد ، فاستدعى ذلك منه أن يتزوج ثلاثة نساء ، وينجب منهن ثمانية أبناء على مدار ثلاثة عقود قد خلت عند نهاية سبعينيات القرن الماضي بميلادي في ليلة عاصفة بالثلوج ، كي أنال بذلك لقب آخر العنقود ، والذي لم تكن حياته كلما كبر سكرا معقود .

كان (( محيي الدين )) يسافر في الربيع لأوروبا وفي الخريف لشرق آسيا بحجج ظاهرها التجارة ، وباطنها محاولة يائسة لمعانقة أكبر قدر ممكن من المدن ، والتي قد تعينه على نسيان مدينته التي لم يعد باستطاعته معانقتها ، وواصل السفر من مكان إلى آخر مستعينا بكل وسائط النقل التي عرفها البشر ، فتارة يقود مركبته من (( عمان )) إلى (( بازل )) ، وتارة يمخر عباب البحور المختلف على ألوانها بالخرائط والمتفق على لونها الأزرق عند رؤيتها ، وتارة يطير في الجو إلى أقاصي القارة الصفراء ، ويتنقل بين مدنها تحت اشراف (( سور الصين العظيم )) في قطارات بالكاد تستطيع العين رؤيتها عند كل محطة عبور ، وكان عندما يعود إلى (( عمان )) يرفض تناول غدائه في كل يوم جمعة إذا لم يكن في (( القدس )) ولقد كانت جملته الشهيرة بعد كل وجبة هناك (( أكلة والوداع ... أكلة والوداع )) حتى تحققت نبوءته في عام (( 1967 )) وودع (( القدس )) للأبد ، فاستبدل مكان وجبة الغداء الأسبوعية لتصبح في (( بيروت )) وكان أيضا عند نهاية كل وجبة يقول جملة شهيرة أيضا (( كلو يا ولاد ... يا مين يعيش للجمعة الجاي ونتغدا في بيروت )) ولكنه عاش بعدها جمعا لا أتمكن من احتسابها على وجه الدقة ، ولكن (( بيروت )) أقفلت مطاعمها حزينة بعد اندلاع الحرب في عام (( 1982 )) .

وفي عام (( 1979 )) وتحديدا بعد ولادتي بشهور ، زار (( جده )) وعاد منها بسيارة ترتبط بعدها بأجمل ذكرياتي ، رحلة في عام (( 1984 )) إلى (( سويسرا )) ، لا أذكر منها إلا بعض خيالات ، كأس الكولا الذي قضمته بأسناني في (( أنقره )) ، سترة الكلب (( سنوبي )) التي اشتريتها وأنا على قمة برج ايفيل في (( باريس )) ، إطعامي للحمام في إحدى الساحات الأثرية في (( ميلانو )) ، جولتي على متن القارب في (( البندقية )) ، وتلك الغابة الخضراء العظيمة عند مداخل (( يوغسلافيا )) ، ووقوفي خلف النافذة أشاهد الناس في الشوارع وهم يرفعون مظلاتهم في يوم ماطر بالعاصمة (( بلغراد )) ، وأخيرا هجومي على الكلاب التي كانت ترتدي ملابس أنيقة في مطاعم سويسرا وتقريع أصحابهن المسنات لي ، وحفلة العرس التي شاركنا بها أنا ووالدتي في فندق بين جبال الألب دون دعوة مسبقة ، ورقصتنا العربية التي فرح بها العرسان حينها رغم دهشة الاستغراب .

وفي عام (( 1988 )) اختصرنا رحلتنا عند البوابة التي تفصل آسيا عن اوروبا ، وهي رحلة أذكرها بشكل أفضل ، فأذكر أننا خرجنا في اليوم الأول من (( عمان )) وتوقفنا لنتناول فطورنا في (( درعا )) ، وتابعنا المسير من (( دمشق )) ولكن مع وقوف إجباري لتجاوز والدي لشاخصة حمراء ، ومن ثم جلوسنا في أحد مطاعم (( حمص )) على ضفاف نهر العاصي ، ومبيتنا في (( حلب الشهباء )) بعد تخمة أصابتنا من تناول أصناف لا محدودة من (( الكبة )) ، ووصولنا في اليوم التالي لفندق (( كاميليا )) في أعالي جبال لواء اسكندرون ، وعبورنا لجبال طوروس ، قاصدين (( أنقره )) ، ولكي نعبر بعدها الجسر المعلق فوق بحر المدينة التي أشتاقها بجنون (( اسطنبول )) عروس البسفور ، وانطلاقنا منها إلى عدد لا محدود من الجزر التركية الخلابة في البحر الأسود وبحر (( ايجيه )) .

السيارة باعها والدي لسداد ديونه ، واكتفى بالسفر حاليا من خلال القنوات الفضائية ، مع تحيز واضح للفضائية الفلسطينية ، ولقد ماتت جميع نسائه باستثناء امرأة صابرة منذ نصف قرن على أداء واجباته الزوجية ، ولحسن حظي أنها والدتي ، وبالطبع فلقد كرهت أنا مشاهدة التلفاز كي لا أنزع من ذاكرتي مشهد المدن السورية التي أحبها بعدما تحولت في هذه الأيام إلى ساحة حروب ، ولكي أتلافى مشاهدة (( اسطنبول )) فيشتعل بداخلي حنين جارف إليها ، أو إلى مدن القارة العجوز والتي أدرك تماما أنني لن أتمكن من زيارتها في هذه الأيام إلا وأنا على وسادة الأحلام ، فهل يا والدي نتمكن حقا بعد تذكر تلك الأيام الجميلة من القول بأن الأعوام تمضي بنا ونحن بخير ؟ أم يتوجب علينا أن نعيد صياغة معايدتنا لبعضنا كي نقول : (( كل عام سنكون بخير ما لم تغب شمس الصحة من سماء أيامنا )) .

الجمعة، 30 ديسمبر 2011

خيالات عاشق في ليلة رأس السنة

في تلك الساحات التي تعج بالبشر وهم يهتفون بالعد التنازلي لعام يلفظ الثواني الأخيرة من أيامه ، ثمة عاشق يقف في منأى عن الجموع في زاوية مظلمة لا تطالها أنوار الاحتفال ، والتي تنطفئ سريعا كلما أفصح العام الجديد عما في جعبته من أحداث وأخبار لا تليق ببشائر التفاؤل المرتقبة في بداياته .

هو ليس معنيا بالسياسة ، ولا يكترث بترقب أزهار الربيع إن أينعت إثر تغيير التربة التي تحتويها ، ولا أعتقد أن الإقتصاد بكساده أو رخائه ، وجنون الأسواق المالية وتقلبات أسعار العملات ، وانهيار تحالفات الدول العظمى أو اتفاقها ، وارتفاع مؤشرات الأمن المجتمعي أو انخفاضها ، قد تحتل حيزا من خياله في تلك اللحظات .

إن قلبه كان يشبه حياة الغجر ، فلا يستقر على محبة امرأة قط ، ولكنه في هذه الليلة عزم أمره على البقاء في أحضان امرأة تدرك تماما أن رياح الحب إذا هبت فلا بد من اغتنامها ، فالتاريخ يؤكد مع كل تعداد زمني لسنواته ، أن الذي يمضي لا يعود ويلتفت للخلف .

ولكن من تكون يا ترى هذه المرأة ؟

أهي امرأة تقطن بلاد العرب أم العجم ؟ شقراء أم سمراء ؟ عيناها كزبد البحر أم كغابات النخيل ؟ أم كالعسل الذي يقطر فوق أغصان البلوط والسنديان ؟

تراها أي حرف اختارت من الأبجدية ليهمس في أذنيها كل حروف النداء ؟ وهل حقا تتقن أناملها مداعبة وجنتيه الشاحبتين ؟ ومعانقة كفيه المرتجفتين ؟

أين كان لقاؤهما المفترض ؟ على ذاك المقعد المقابل لمنزل جدتها عند حديقة الجاحظ في دمشق ؟ أم خلف صخرة الروشة في بيروت ؟ أو قد يكون غفل أنها تنتظره في كوبري قصر النيل ؟ ولربما ابتعدت قليلا ومشت على جسور قسنطينه وسألته أن يكون بطلا لرواية لم تكتبها (( أحلام المستغانمي )) بعد ؟

كل الاحتمالات كانت ممكنه ، وهذا كان يستدعي منه أن يجتهد في حصص التاريخ والجغرافيا ، ويتقن لغات ولهجات عديدة ، ويحفظ كل قصص الحب ودواوين الشعر قبل عصر الحب العذري وبعده ، ولكن ثمة أشياء تظل ناقصة مهما سعى المرء لإكمالها ، كخطوط الحبر التي تنضب قبل رسمها على الورق .

قد يكون في هذه الليلة ينتظرها ، ولربما في الغد سيمضي مع العام الجديد ويستجدي حلول عام آخر ، كحاله منذ ثلاثة عقود قد خلت ، لا شيء مما يتمناه يحدث قط ، لعله في هذا العام يدرك أن نصيبه من هذه الدنيا لا يتعدى الأمنيات .

ولذلك أيها العاشق كفاك خيالا وتمني ، ففي الحب إما أن تكون أو لا تكون ، ومن العدم لا يخلق العشق ، و لا توجد منطقة رمادية أو بعد ثالث يخط على كراسات القلوب عاطفة يتم وأدها حين ولادتها .

عند حلول كل عام جديد ، نتفاؤل ونتمنى ونحلم ، ولكننا لا نجرؤ على محاولة الإقدام لتحقيق ما نصبو إليه ، ونلقي باللوم دوما على الظروف والأقدار التي تعاكس إرادتنا ، فمتى نتحرر من هواجس تلك القيود ، ولا نتردد ولو لمرة واحدة في حياتنا من المسير في دروب دون التفكير بنهايتها ؟

الجمعة، 23 ديسمبر 2011

أميرة من بلاد القوقاز


كي أكتب عنك ، فذلك يستدعي أن استحضر طقوسا استثنائية ، فلقد كانت الليلة الأولى من نوفمبر ، ذاك التاريخ المرتبط على وجه الدقة بذكريات (( أحلام المستغانمي )) كاتبتك المفضلة ، والمرتبط بذكرى تدوينتك التي لن أنساها ما حييت قط ، فلقد كانت أول تدوينة بحق قلمي الذي لطالما عاش في الظل وحيدا ، لا يجد نور حروف تشرق على كراسات أوراقه بكلمة مديح أو ثناء .

ولذلك دعيني أخاطبك اليوم على طريقة (( ابن طوبال )) ، فأشعل الذاكرة بخيباتي الكتابية من قبلك ، والتي بدأت تحديدا وأنا في الخامسة عشر من عمري ، حين وبخني أستاذ اللغة العربية أمام الطلاب على سرقتي لموضوع تعبير من مقالة في مجلة لا يعلم مصدرها ، ولم يسبق له قراءتها ، فأقسمت له ببراءة قلمي من اتهامه ، ولكنه أصر على منحي درجة متدنية ، وأذعنت يائسا لعقوبة أول جريمة كتابية اقترفتها ، بعدما كنت أظن أنني أرسم لوحتي الأدبية الأولى .

وبعد عام واحد فقط ، لجأت إلى الأوراق البيضاء تارة أخرى ، لعلها تقنع حبيبتي الأولى بالعدول عن قرارها في الهجران ، فكتبت أول رسالة حب ، وترجمت بحرص شديد ، لغة القلب والروح بعد رحيلها ، ودموعا ما جفت في مآقيها ، وأياما ترفض حياة لا تحتويها ، وعهدا لن تنحل عقدته مهما طال غيابها ، فكان ردها على رسالتي مؤثرا حقا ، إذ ضج بيتها بزغاريد خطبتها على رجل يعمل في بلد نفطية ، وحينها لعنت قلمي الذي كلما لامس الورق ، أثخن حياتي بالحزن واليأس والخيبة .

وبعد ثلاثة أعوام ، انقطعت الأخبار بيني وبين صديق هاجر البلاد ، وكنت مشتاقا له أشد الاشتياق ، وما كنا نعلم حينها مكان القرية التي سيلتقي فيها العالم وهم جالسون في بيوتهم ، فكان لامناص من الكتابة مجددا على الورق ، ورجوت القلم أن يساعدني في استفزاز مشاعر الحنين لدى صديقي حال تسلمه لبرقيتي المسجلة بعنوان بارز يدعى الإشتياق ، ولكن جمال القارة العجوز كان كفيلا بإلقاء رسالتي في أقرب سلة مهملات ، ليتجدد موعد الخيبات الذي بات مرتبطا بالكتابة .

ومضى عقد من الزمان ، والخيبات تطاردني في كل ميدان ، ولكن عشقي المجنون للكتابة ظل ملتهبا لا تخمده ثلوج اليأس والحرمان ، فأعدت ترتيب الأفكار والتساؤلات التي شغلت حياتي لثلاثة عقود من الزمان ، وبدأت أكتب تدوينة تلو الأخرى ، حتى أتيت في الأول من نوفمبر ، مخالفة كل قوانين الإحباط التي لازمتني في مشواري الكتابي ، لتكتبي بقلمك الرائع توصية تزكين فيها قلمي ، ومن فرط سعادتي وأنا أقرأ حروفك في ذلك اليوم ، لم ألتفت إلى أستاذ اللغة العربية الذي لا يفتأ ذكرا لقصتي في كل مجلس مع زملائه المتقاعدين وهم يلعبون النرد في المقهى ، وإلى حبيبتي الأولى وهي تتحسر في حديثها مع جاراتها عن أمنياتها بكلام عذب تسمعه من زوجها ويكون شبيها لرسالة قرأتها في أيام مراهقتها ، و صديقي الذي أضافني على قائمته في الفيس بوك وهو يفرط في ارسال حنينه لأيامنا الماضية ، فذلك كله لا يضاهي فخري واعتزازي بشهادتك التي جعلت موعدا استثنائيا للفرح يتزامن مع لحظة كتابية لقلم أجهدته الخيبات .

هذه التدوينة مهداة إلى الأميرة القوقازية (( هدايه )) صاحبة مدونة (( orangee ))

الجمعة، 16 ديسمبر 2011

على خطى " فلورينتينو "


منذ خمسة عقود و أنا أستجدي لقاءنا الموعود ، وقفت أمام كل الأبواب الموصدة ، وما أذعنت لليأس من انفراج أقفالها ، ومشيت في درب قد طال فيه المسير ، عازما على الوصول إليك ، غير مكترث بمحطات العمر التي جاوزتها خطوات أيامي المتلهفة للقائك ، فشحذت الأمل بقلبي ، وحملت على أكتاف روحي الصبر ، لأجدد لك مع فجر كل يوم جديد ، قسمي الأبدي بحبك .

مضى العقد الأول وأنا أبحث عنك ، أنام وأصحو ولا أهذي بكلمات لا تبدأ بحروف اسمك ، ألتهم دواوين الشعر ، وأعيش تفاصيل كل روايات الحب ، وأسهر على آهات العندليب و مواويل القيصر ، دون أن يشغل حيز تفكيري من المستقبل أي هدف لا يتقاطع مع رغبتي الجامحة في إيجادك ، وفي ذات قدر متأخر ، عثرت عليك وأنت ترتدين طرحتك البيضاء وتزفين عروسا لرجل غيري .

في العقد الثاني ، كنت كالطيور المهاجرة أتنقل من أرض امرأة إلى أخرى ، وعبثا كان تأقلم القلب بأجواء حبهن ، مما استدعى رحيلي المتواصل في ليالي الفراق خلسة وعلى رؤوس أصابعي ، فلا التفت ورائي خشية الحنث بقسمي الأبدي حين أشاهد دموعا تسألني عدم الرحيل ، وعندها أجوب كل أراضي النساء المترامية أمام بصري ، ولا أغفل الالتفاف بحرص حول أرضك المحرمة على قلبي أن يطأها ، وتحديدا في الوقت الذي كنت تحتفلين فيه بعيد أمومتك الأول فالثاني ، وأنا أقف على حدود أرضك أراقب ذلك كله ، وازداد إصرارا وعزيمة على إدراك اليوم الذي قد يجمعنا .

وجاء العقد الثالث وما أقحمتك بمعاناة الانتظار ، بل كنت اكتفي بمشاهدتك من بعيد ، والاطمئنان على دوران عجلة أيامك في مسار سعيد ، وعلى الرغم من أنني كنت استشعر دنو لحظات الشباب عن الرحيل ، إلا أن حبك في قلبي ظل فتيا ، لا تسري إليه أعراض الهرم قط .

وعند العقد الرابع اشتعل الرأس شيبا ، وأنا لا أزال أمشي في دربك وأتعثر بالفراغ ، حتى أصبحت أخشى في كل محاولة أواصل فيها المسير ، أن أجد صدر الموت يضمني عوضا عن صدرك الذي قضيت أربعين عاما وأنا أتمنى اللجوء إليه في إقامة عشق أبدية .

وبدأ العقد الخامس من مشروع حبك المؤجل ، والذي عجزت عن إتمامه طوال تلك الأيام والسنين ، وأنت حينها كنت تضيفين لقبا جديدا إلى ألقابك ، والتي حالت دوما بين قلبي وقلبك ، فمن زوجة إلى أم وأخيرا إلى جده ، ومع هذا لا استسلم قط ، ولا أتوقف عن المسير إليك ، فبمجرد أن أتذكر دنو الأجل ، كان حبك يزداد كثافة في قلبي ، فغدوت به كحصن منيع ضد الشيخوخة المستفحلة في شتى أركان جسدي ، غير آبه بمعاناتي الممتدة لنصف قرن من السنين ، والتي عاهدت نفسي أن ألقي بها وراء ظهري في يوم لقائك ، وأنا أجدد لك قسمي بحبي الأبدي .

ولكن وبعد كل هذا الانتظار ، يتمكن رجل آخر من اختطافك مجددا قبل وصولي إليك ، ويا له من رجل لم يكن باستطاعتي التصدي له بأي حال من الأحوال ، فهو أقوى من كل الرجال ، إنه الموت ، إلا أنني لم أبكي بل ضحكت ، فلقد أصبح يمكنني الوقوف عند شاهد قبرك ، والبوح بقسم حبي إليك دون أن أخشى البشر من حولي ، أو حجارة ضريح قبرك التي سيرتد منها صوتي ، فحبي لك كان دوما أقوى من كل الحواجز المنيعة ، وقطعا ستسمعين ندائي ، وتهبين من مرقدك كمليكة متوجة على عرش قلبي ، فأضمك إلى صدري الذي ظل خاويا منك نصف قرن من الزمان .


مستوحاة من (( الحب في زمن الكوليرا )) رائعة الروائي الكبير (( غابرييل غارسيا ماركيز ))

الجمعة، 9 ديسمبر 2011

إلى امرأة الياسمين


في كل ركن من أركان ذاكرتي ، تعبق رائحة ياسمينك ، فهل آن الأوان كي أعترف لك دون مواربة أو كبرياء ، بأنني يا حبيبتي اشتاقك كلما تنفس الصبح وعسعس المساء ؟

لا زلت أذكر كل التفاصيل ، لعشق أجهض في رحم الواقع ، ولقصيدة حب خطتها قلوبنا على كراسات القهر والحرمان ، ولهذا كانت السعادة في فصول حكايتنا حلما مع وقف التنفيذ .

كم كنت أتمنى لو كف المنطق في عقلك عن الدوران ، كي أضمك لصدري وأبكي على كتفك كالأطفال ، ولعلي كنت حينها سأدرك حكمة البعث من نعش الحياة التي مضت قبل لقائنا .

كيف السبيل إليك ؟ وقد أضعت كل خرائط الأمل التي قد تقودني لقلبك ، ومضيت في دروب معاكسة لدربك ، فلا حطت رحالي في أرض امرأة إلا وعزمت الرحيل كي أبحث عنك من جديد .

أين أنت الآن ؟ بل أين أنا ؟ أهو قدر يعبث بي ؟ فيجعل رجلا غيري يقطفك حين أينع زهرك ، وأنا منذ عصور أروي بذرتك بأحلامي وأنتظر حصادك في موسم من مواسم الواقع .

كلما سيداعبني عطر الياسمين ، سأظل أبكيك منتظرا معجزة تجعل الطبيعة تتضافر لتنتزعك من خلف الأسوار التي تقف حائلا بيننا ، وحتى لو استدعى ذلك أن أنتظرك دهرا ، أو أموت قهرا ، ففي كلتا الحالتين ، أنت وأنا أو أنا وأنت ، مطر وياسمين ، خلقنا لنكون معا ، فالسحاب الذي لايمطرك حمله كاذب ، والياسمين الذي لا يحتوي وجودك هو حتما زائف .

ألا زلت تتئكين على عصا المستحيل ؟ وتهشين بها أسباب الجفاء وتستعينين بها لمآرب الإذعان لصوت الضمير ، إذن ألق بها ولا تخافي أن تتلكأي في المسير ، فكل الدروب قطعا لن تكتمل نهايتها إلا بين ذراعي يا حبيبتي ، فإلى متى ستكابرين ؟

متى ستسيرين نحوي دون أن تتعثر خطواتك بسعادة قد تضيع من الآخرين ، ولماذا تكتبين على سطور أيامنا الشوق والحنين ، هل التضحية في الحب دوما تحتمل كل هذا الخسران المبين ؟

الجمعة، 2 ديسمبر 2011

سن التقاعد العربي


اكتمل نصاب العقود الستة من عمري ، أكاد لا أصدق ذلك ، إنني لا أزال على قيد الحياة ، ولم تهوي ورقة الأجل بعد ، ومع أن حالتي الصحية لم يعد فيها موضع شبر لمزيد من الأمراض الجسدية أو المعنوية ، ولكني لست مكترثا لذلك الآن ، فاليوم سأحتفل ببلوغي لسن التقاعد ، وسأحيل أوراقي إلى فضيلة محاسب الشركة ، كي أنجز معاملة مستحقات نهاية خدمتي ، والتي جاوزت الثلاثة عقود ، دون أن أتمكن خلالها من تحقيق حلم لطالما راودني براتب تختلف فيه ملامح خانته الثالثة ولو لمرة واحدة على الأقل .

ارتديت بدلتي الرسمية القاتمة اللون ، ولربما يصعب تحديد لونها على وجه الدقه ، فأنا ارتديها يوميا منذ فصل الشتاء المنصرم قبل خمسة أعوام ، وهي ملاذي في كل المناسبات من أفراح وأتراح ، ولكني أذكر أنها كانت سوداء حين اشتريتها من بائع متجول ، كان قد أقسم لي ثلاثا بأنها بضاعة تم تهريبها من اسطنبول وذلك كي لا تأخذني الهواجس والظنون وأجزم أنها قادمة من بكين .

حاولت تجنب مواجهة المرآة قبل خروجي من المنزل ، فلا أشاهد وجهي المتآكل بالتجعدات ، وعيوني الذابلة وما يحيط بها من هالات ، وشفتي المزمومتين وما تخفيان وراءهما من أسنان زائفة ، وعنقي المترهلة وقد انغرست بين كتفي المتهدلين ، وتلك السماعة اللعينة التي تحيط بأذني اليمنى ، وبقايا الشعر الأبيض الذي بالكاد يغطي ثلث مساحة رأسي ، نعم لقد بلغت من الكبر عتيا ، وتكفي نظرة خاطفة إلى الصورة المعلقة على الجدار منذ يوم زفافي كي أدرك أنني قدم في الدنيا وأخرى في القبر .

اتكأت على عصاي واسندت مايمكن اسناده من ظهري المحدودب ، ومضيت قاصدا مكان عملي ، ممتطيا حافلة النقل العام بعد أن نطقت بالشهادتين ودعوت المولى بحسن الختام وذلك عندما تدافعت من أمامي الرؤوس والأقدام بمجرد وصول الحافلة ، ولولا تدخل أهل الخير الذين هبوا لنجدتي قبل الغرق في ذلك السيل البشري الزاحف ، لكنت الآن أرقد في قبري مع زملائي الذين التحقت وإياهم بالعمل في التاريخ ذاته ، و لكنهم رحلوا عن الدنيا قبل بلوغهم لسن التقاعد المرتقب .

أبحرت في خيالي وأنا أنظر من نافذة الحافلة ، بمباراة الدوري الالماني التي شاهدتها قبل يومين وذلك عندما كانت كاميرا التصوير تتحرش بوجوه الجماهير قبل انطلاقة صافرة الحكم ، وتحديدا برجل وزوجته يتقاطعان معي في سنين العمر و يترقبان المباراة بمنتهى اللهفة ، وذراعه تحيط كتفها وقد مال رأسها على صدره ، فابتسمت ساخرا من ذلك التناقض العجيب بين بشر يقبلون على الحياة من جديد بعد بلوغهم لسن التقاعد وبين بشر اعتزلوا مباهج الحياة قبل التقاعد وبعده ، مع استثناء من يموت قهرا من الاحباط واليأس وهو لايزال في ريعان الشباب .

وصلت إلى مقر الشركة ، وألقيت التحية على موظف الأمن المتقاعد من الجيش قبل عشرة أعوام ، والذي لطالما كان يؤكد لي أن هذه الوظيفة تحتاج لخبرة رجل مثله وليس لشاب غر لا يفقه في العمل الأمني والعسكري ، وعندما دخلت البوابة الرئيسة للشركة ، استوقفني صوت أنثوي عذب قادم من نافذة الاستعلامات ، (( عفوا عمو ... كيف بقدر أخدمك )) ، التفت خلفي فوجدت فتاة لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها ، وقد تدثر وجهها بمساحيق تجميلية تشبه إلى حد بعيد ما يستخدمه المهرجون في السيرك وقد امتد من خلف غطاء رأسها ما يشبه سنام الجمل ، اقتربت منها مندهشا وسألتها عن الموظفة السابقة (( أم سليم )) ، فأخبرتني أنها اصيبت بشلل نصفي بعد تعرضها لحادث سير ، فدعوت لها بالشفاء العاجل وأكدت لها أنني موظف قد تقاعد من الشركة حديثا وجئت قاصدا قسم المحاسبة لاتمام معاملة تقاعدي ، فطلبت مني الانتظار قليلا حتى تعلمهم بقدومي ، ولكن جرس هاتفها قطع حديثنا ، استأذنتني للرد وكانت المكالمة الواردة على مايبدو من صديقتها ، ومالبثت ان احتدت مؤكدة موافقتها المبدئية على تقاضي هذا الراتب ، والذي اكتشفت أنه يضاهي ضعف راتبي عندما أنهيت مشوار خدمتي في هذه الشركة الموقرة .

وبعد أن غادرت نافذة الاستعلامات ووصلت إلى دائرة المحاسبة ، استقبلني وبكل ود رئيس القسم (( أبو سمير )) بابتسامته المعتادة التي تفضح دوما صف أسنانه الأمامية البائدة منذ أمد بعيد ، ولقد تفاجأت وأنا أتمعن بتفاصيل جسده التي كانت مختزنة دوما بالشحوم والدهون ، أنها قد تضآلت وتكاد تختفي تماما ، فسألته عن سبب نقصان وزنه ، فتنهد بحسرة ، ليخبرني أنه أصيب بالسكري والضغط والبواسير في أقل من شهر واحد ، فدعوت له أيضا بالشفاء و أشفقت على حاله ، فهو لايزال يقف قبل محطة التقاعد بعقدين .

وبعد أن احتسينا كوبين من الأعشاب التي لم تحظر بعد من قائمة مشروباتنا ، قدم لي (( أبو سمير )) الشيك الخاص بمكافأة نهاية الخدمة والذي كان يمثل بمجموعه استحقاق ثلاثة رواتب وفقا للحد الأدنى في قوانين العمل ، وعندها فقدت آخر جرعة من الصبر وضقت ذرعا من هذا الظلم الذي سكت عنه منذ عقود ، فلطمت (( أبا سمير )) واعملت عصاي على رأسه العاري من الشعر وأنا أصرخ بأعلى صوتي : (( كفاكم ظلما ... كفاكم ظلما ... نريد حقنا في أن نعيش )) .

صرخت زوجتي مذعورة وبأعلى صوتها : (( استيقظ يا رجل )) ، فصحوت من نومي مذعورا ، ونظرت إلى زوجتي فوجدت أنها لا تزال في ريعان الشباب ، وتأملت وجهي في المرآة سريعا ، فاكتشفت أن ملامحي لم تتغير عن صورة يوم زفافي بعد ، حمدت رب العالمين واستعذت به من الشيطان الرجيم ، ونهضت إلى المطبخ كي أشرب كوبا من الماء وعرجت في طريقي إلى باب المنزل كي أحضر الصحيفة ، وإذ بي أقرأ عنوانا مكتوبا وبالخط العريض ، ألا وهو قرار مديرية التقاعد برفع سن التقاعد خمس أعوام أضافية ليصبح ستة عقود ونصف عقد من السنين ، فضحكت ملء فمي وبكيت حتى اغرورقت عيوني بدموعها ، فمن هو سعيد الحظ الذي سيظل على قيد الحياة حتى بلوغ سن التقاعد الجديد ؟

الجمعة، 25 نوفمبر 2011

مدارس البنات " قصة من وحي الفقر "


انبعثت الشمس من مرقدها ، وتناثرت خيوطها الذهبية في غسق الليل الراكد ، وتوارى القمر بتؤدة من كبد السماء ، فأشرقت الأرض بنور ربها ، واصطفت الطيور تشدو فوق الأغصان بصوت عذب لا يلبث أن تبتلعه المدينة بضجيجها المتعاقب على مدار النهار ، أما البيوت فلا يزال الهدوء الذي يخيم أركانها ، تترصده أجراس الساعات المتأهبة في موعدها الثابت لاستدعاء الناس مجددا للحياة والسعي في مناكبها ، فذلك موظف يسارع في الخروج من منزله باكرا كي يدرك حافلة النقل العام ، وتلك أم توقظ أولادها بقبلات على جباهم الندية وتحفزهم للنهوض بنشاط للمدرسة عند تذكيرهم باقتراب موعد العطلة الأسبوعية ، وذلك شاب وفتاة ينقبان ثلاثة صحف رسمية على الأقل ، ويدونان كل أرقام الهواتف التي قد تعبد لهما درب وظيفة يبحثان عنها منذ سنين ، وذلك على أمل إكمال نصف دينهما عند ولوج أول منعطف في تلك الطريق ، وذاك كهل لاتكاد قدميه تعينانه على الوقوف ، يستجدي دوره في طابور التأمين الصحي ولايدري إن كان الوقت سيسعفه في إدراك نافذة قبول المعاملات أم ستسقط أوراق حياته في يد ملك الموت قبل الوصول ، وهكذا تزدحم المدينة وتتعالى فيها أصوات الناس في الطرقات ، وكل يسبح في فلك حياته الرتيبة ويمني النفس بيوم قد يأتي متمردا ويعد بحياة أفضل .

وفي باحات المدارس يقف الطلاب والطالبات في طوابيرهم الصباحية أمام مدير متجهم الوجه أو مديرة لا تتقن ملامح وجهها سوى العبوس في وجوه طالباتها ، ولقد حدثت مأساة (( حنين )) في إحدى تلك الطوابير الصباحية ، وذلك عندما استدعتها المديرة للوقوف أمام جميع الطالبات وانهالت عليها بشتائم ما أنزل الله بها من سلطان ، و (( حنين )) تقف خافضة رأسها لا تجرؤ على النظر في وجوه صديقاتها وهي تتلقى دون هوادة كل تلك الإهانات ، حتى أنها لم تفكر بالدفاع عن نفسها عن ذنب لم تقترفه بإرادتها ، مما حدى بالمديرة إلى اتخاذ قرار طردها وهي مرتاحة الضمير ، فلقد حذرتها مرارا من أنها ستفعل ذلك إن لم ترتدي (( حنين )) الزي المدرسي ، ولا شك أن (( حنين )) وهي تتعرض لذلك الموقف المهين ، كانت تتمنى لو أن الأرض قد انشقت وابتلعتها ، فهي ليست متمردة على الأنظمة والقوانين ، بل إنها تعلم علم اليقين ، أن والدها لو كان على قيد الحياة لما تأخر لحظة واحدة عن شراء الزي المدرسي لها ، فهل الذنب هو ذنب والدتها التي لا تملك من الدنيا سوى راتب تقاعدي بالكاد يكفي لاطعام (( حنين )) وإخوتها ؟

ولم يكن مصير صديقتها (( أمل )) بأفضل منها ، وذلك حين وقعت في براثن المديرة عند نهاية فترة استراحة الطعام ، وذلك عندما وجدتها تعبث في سلة المهملات ، ولقد ظلت تصرخ في وجهها وتضغط بأظفارها المتسخة على ذراعها الصغير ، لعلها تكتشف سرها وتعترف لها بالذي كانت تحاول إخفاءه في سلة المهملات ، ولكن (( أمل )) لاذت في غياهب الصمت وأبت الرضوخ لتهديدات المديرة ووعيدها ، وحينها لم تتردد المديرة أيضا باتخاذ قرار الطرد مجددا بحق (( أمل )) وعدم عودتها إلى المدرسة إلا برفقة ولي أمرها ، فخرجت (( أمل )) من المدرسة والدموع منهمرة فوق وجنتيها الرقيقتين ، ولكن حزنها في تلك اللحظات لم يكن سببه قرار الطرد ، بل هو الإشفاق والخوف على والدها الكفيف إذا اعترفت له بحقيقة مصدر الطعام الذي كانت تحضره له في كل يوم بعد عودتها من المدرسة ، فكيف يمكنها أن تقول له أنها كانت تطعمه من بقايا فضلات زميلاتها ؟

الجمعة، 18 نوفمبر 2011

الأمانة


كان حلما وربما قد تحقق ، وهذا هو حال كل رجل ذي حظ عاثر ، لا يتمكن من توثيق ما يتمناه من أحلام في دفاتر الواقع ، فلماذا تحقق ذلك الكابوس الذي زف له خبر ارتباطها بغيره ؟

هل خان الأمانة ونكث بالعهد ؟

أم أن قلبها ارتضى بعاشق أمين يحفظها ويصونها بعيدا عن خزائن قلبه ؟

ولكن ألا كانت ترغب بترصيد حساباتها العاطفية ومراجعة فواتير ذكرياتها قبل أن تعقد العزم على الرحيل ؟

أم أنه الصفح عند المقدرة و (( المسامح كريم )) ؟

ما كان بيده سوى الإذعان لرغبتها ، ولكنه قرر أن يقدم لها تقريره العشقي الذي قد يكون الأخير ، فكتب لها قائلا :

في هذه الليلة كانت زخة المطر الأولى ، فجلست أمام النافذة وتأملت القمر المختبىء خلف ستارات الغيوم ، واستجديته أن يبعث لك بهذه الكلمات ، والتي ما تجرأت بالبوح بها مذ يوم رحيلك ، ليس غرورا ولا زهوا ولا كبرياء ، و إنما هي بقايا من أمل كنت أعتقد أنها قد تستدعي حضورك من بين ثنايا الغياب .

ما تعودت أن ألقي بقلبي وأعرضه بثمن بخس ، ولست مكترثا إن انتهت صلاحية نبضاته المفترضة للحب ، وغدا بعدها كبضاعة كاسدة أمام قلوب النساء ، فإن قلبك إذا ما كان هو المشتري ، فلن يجدي حينها الاستدراك .

أحقا أحببت رجلا غيري ؟

أم أن (( البعيد عن العين ... بعيد عن القلب )) ؟

إذا كان هذا ما يفسر غيابك ، فالأمانة قيد التسليم ، ولك أن تستردي قلبك في أي وقت ترغبين ، ولكن قبل أن يأتي موعد الاستلام والتسليم ، دعيني في هذه الليلة أنام مطمئنا ولآخر مرة بين ذراعيك ، ولا تتركي يداي المرتعشتان شوقا إليك ، دعيني أقبل أناملك التي خطتني حبيبا لك في يوم من الأيام ، ودعيني أبكيك كالأطفال عندما يتهيأون للحظة الفطام ، فعندما ستشرق شمس الشتاء ، تكون الحكاية قد انتهت ، ولك حينها أن تنتزعي قلبك من أحشائي وترحلين .

لن أطالبك بدية لدم فؤادي المهدور ، فأنا لست أول ضحايا الحب ، ولن أكون حتما الأخير ، ولكن لست أدري لماذا معادلة الحب دوما غير متوازنة ؟

ربما قد آن الأوان لتغيير كل مصطلحات العشق ، فأنا وبعد هذا اليوم ، لن أبحث عن الحب ، بل سأجعله يبحث عني ، ولن أرضى بدور العاشق في مسرحية الحب ، بل سأكون أنا المعشوق ، ولست منذ هذه اللحظة حافظا أمينا لودائع القلوب ، فأنا لست كفؤا لهذا المنصب ، وأعلن استقالتي والتنحي عن مقعده لرجل غيري .

والآن قلبي برسم الأمانة ، فهل من امرأة أودعه إليها ؟ تحفظه وترعاه وتصونه ، وتتقن تلك المهمة التي عجزت أنا عن القيام بها ، ولكنني سأحذرها مسبقا من شرط جزائي قبل توقيع عقود الحب ، فلا تطالبني بتسديد رسوم عشقية مستحقة الدفع ، لأنني من بعدك أشهرت إفلاسي العاطفي .

الجمعة، 4 نوفمبر 2011

كل عام وأنت عيدي



عندما يتأهب العيد للحضور في موعده المتغير من كل عام ، لا يكون ذلك بالضرورة مدعاة لاضطراب طقوس الناس في استقباله ، فالأسواق ستعج بالنساء والأطفال ، والطرقات ستزدحم بالمركبات ، ومحلات الحلويات والقهوة العربية ستمتلىء عن بكرة أبيها ، والصحف ستختزل مساحات شاسعة من عناوينها السياسية الرتيبة ، لتستوعب صفحاتها الترويج لعروض الرحلات السياحية واعلانات أسعار الأضاحي المنافسة في هذا العام بشكل غير مسبوق وبرامجها التقسيطية المريحة .

والجميع يتحفز للمناسبة السعيدة ويلقي وراء ظهره عبء التفكير الذي يلازمه على مدار العام ، فلا وقت الآن للتذمر من غلاء المعيشة وجنون الأسعار ، ولابأس في إرجاء الاستياء من تدهور الحال العام ، فالدنيا عيد وهذا مسوغ كاف لفرح طارىء ، يتم اختطافه عنوة من بين أضراس الشهور والأيام .

لا شك أن رتابة الأيام ستتعطل حركة سيرها في درب العيد ، وهذا سيجعل الفرصة مواتية لاغتنام لحظات من العمر المهدور ، لتحقيق مآرب استثنائية لا تتكرر ، فالزوج سيتمكن من التبسم في وجه زوجته وهما يحتسيان معا فنجان القهوة في الصباح ، والأولاد سيفرحون برؤية أبيهم في يوم غير يوم الجمعة ، والجيران سيقبلون بعضهم البعض ، والأرحام لن تشكو من القطيعة ، والناس لن تتعارك كعادتها في الطرقات ، فالكل خدر بالتسامح والمحبة وليس مشحونا بالتوتر والعصبية والمزاج السيء الملاصق لهم على مدار العام .

وأعتقد أن الحلاقين في هذه الأيام ستزول عنهم أعراض الاستياء من جفاء زبائنهم المتتابع لهم في الآونة الأخيرة ، وخصوصا مع تغير الجدول الزمني لمواعيد الحلاقة التي كانت في أحسن حالاتها لا تتجاوز الثلاثين يوما ، لتصبح حاليا من شهرين إلى ثلاثة شهور ، حتى بات الحلاقون لا يميزون ملامح زبائنهم كلما حضروا إليهم بعد طول غياب ، وكأنهم كانوا يرقدون في رقيم أهل الكهف ، وهذا إنما يؤكد على مصداقية المثل القائل (( الناس ما معها تحلق )) .

الدنيا عيد ، وأنا ألاحظ أنني احتفي بقدومه في هذا العام بنشوة استثنائية ، وليس ذلك بسبب فتاة بغدادية أطالت التحديق بي في أثناء مروري العابر من أمام طاولتها في أحد المولات التجارية ، وليس ثمة ارتباط لهذا بقدرتي على تلبية نداء أشواقي المتداعية لدمشق ، والتي ما وطأتها منذ عيد الأضحى في العام الماضي ، ولا اعتقد أنه بإمكاني تعليل ذلك بملاءتي المالية التي تجعلني لا أتردد في الاتصال بأرقام الهواتف المدرجة في متن عروض الرحلات السياحية ، فأغمض عيني وأفتحها لأجد نفسي في رحلة روح علاجية .

أستطيع اليوم أن أجتهد في الإجابة وأسترسل في وصف حالي بعد لقائك ، ففرحتي لن يفسرها إلا أنت ،
ولذلك دعيني أخالف كل الأجواء المتعارف عليها ، وأهرب من أزقة الأسواق وأزمات المرور ، كي اختبىء بين ذراعيك وأقول لك بعفوية الأطفال (( كل عام وأنت عيدي )) .

أتمنى للجميع عيدا مباركا ... ويتجدد لقاؤنا بمشيئة الله تعالى يوم الجمعة الموافق 18/11/2011