الجمعة، 24 يونيو 2011

بعوضة

ابتدأ نهاره ببشرى سارة (( سيارته مسروقة )) وهي في الحقيقة الملكية الفردية الوحيدة التي تملكها في حياته الجميلة ، قلب كفيه واستغفر رب العباد ، ثم انطلق راجلا إلى أقرب مركز أمني وقدم بلاغا مفاده (( سيارتي التي تجاوزت خمسة عشر عاما ، قد تم اختطافها من أمام منزلي ، ولكني أعتقد أنها هربت مني ، فهي ما شاهدت معي إلا الحظ العاثر ، فأنا رجل كلما ظن أن الدنيا تبتسم له قليلا ، انهالت عليه سخطا وغضبا ولؤما أكثر )) .

في المساء ، كان يجلس على أريكته بقميص ذو أكتاف عارية ، مزهوا بعضلاته المفتولة ، ويتابع التلفاز كعادته في سهرة صيفية رتيبة ، لقد كان قراره في الانعزال عن الخلائق مدعاة للتفكر ، إذ أصبح ضيق الأفق ، ولا يلجم غضبه أمام أدنى قول أو فعل قد يثير حفيظة شياطين الاستفزاز لديه ، وهو الذي كان في زمان مضى ، بشوشا ، سمحا ، طيبا ، ولهذا اختار العزلة ، بعد أن فقد نفسه في داخل نفسه .

يوقف حاكوم التلفاز على قصة فيلم تروي معاناة الناس في الولايات المتحدة الأمريكية بفترة الكساد الإقتصادي الكبير مطلع القرن الماضي ، ويلاحظ كيف أن لقمة العيش جعلت أفراد المجتمع يخلعون رداء انسانيتهم ، ويتصارعون كوحوش الغاب من أجل البقاء ، فتسللت الهواجس وسيطرت على مجريات الأفكار في عقله ، ليعقد المقارنات بين أمريكا اليوم وأمريكا في أمس الكساد العظيم ، ثم لا يلبث أن يتجنب مقارنتها بما يجري فوق ساحات الدول العربية من نكبات اقتصادية لاتعد ولاتحصى ، كي لا يسأل نفسه عن السبب الذي جعل النفوس ودماءها وأموالها وأعراضها رخيصة بين أبناء الوطن الواحد .

يتنقل إلى محطة تلفازية أخرى ، فيجد فيلما يتحدث عن مشروع لمخلوقات فضائية ، يهدف إلى شطب ذاكرة أم اختطفوا لها ولدها ، كي يثبتوا أن قوة القمع تتجاوز حدود روابط الأمومة ، وحينها فمن الممكن استئصالها من جذورها ، ولكن يا لذلك المشهد العظيم ، والمخلوق الفضائي يختطف من عقل تلك الأم كل ذكرياتها مع ولدها منذ لحظة ولادته ، ليسألها بعد ذلك (( هل كان لك في يوم ولد ؟ )) ، فإذ بذاكرتها الملغاة تعود إلى الوراء ، إلى مشاهدات كانت لأيام حملها بذلك الولد في أحشائها ، ليصيب المخلوق الفضائي ضرب من المس والجنون ، فيعترف بفشل قوته في القضاء على تلك العلاقة الإنسانية العظيمة ، وعندها ترواده الأفكار مجددا ولا يتمكن من طردها وهي تعقد له مقارنة بين تلك القصة وبين قصة أم تشاهد ولدها ينكل به لأسباب سياسية ويطالبوها بعد ذلك بالنسيان .

يبتسم ساخرا ويلتفت من غير سابق إنذار إلى كتفه الأيسر ، فيجد بعوضة قد حطت عليه وبثقة لامتناهية ، تتأهب لغرز إبرتها في جسده واستباحة هدر دمه دون أدنى خوف أو تردد ، فما كان منه إلا أن أعد العدة للإنقضاض عليها بصفعة ترديها إلى أشلاء متناثرة ، فالدماء التي تجري في عروقه باهضة الثمن ، وكل من تسول له نفسه بالتعدي عليها ، لابد أن يكون مصيره الموت لا محالة .

وفي لحظة كلمح البصر ، تنطلق صفعته صوب البعوضة ، لتستقر أصابع كفه كالوشم فوق جلد كتفه من قوتها ، ولكن البعوضة تمكنت من الفرار ، ليلعن ويشتم ويصرخ كالمجنون بصوت تعالى صداه في أرجاء الحجرة : (( من أنت ... من أنت ... من أنت ... أتعتقدين أنك تستطيعين هدر دمي وأنت مجرد بعوضة ... أين ذهبت ... حتما سأجدك ... وعندها أقسم أن أمزقك إربا )) .

يهدأ قليلا ويعاود التنقل بين محطات التلفاز الفضائية ، يناظر ساعته ، فيتذكر موعد نشرة الأخبار ، يتابعها باهتمام شديد ، ويجد أن القاسم المشترك بين جميع الأنباء التي سمعها ، عاملا ثابتا يتأكد مع كل تجربة حياتية ، يثبت كم هي دماء الشعوب العربية رخيصة على ولاة أمرها ، ينكمش فوق أريكته ، ويشعر بضمور يسري في عضلاته المفتولة ، ثم لاتلبث أن تصيبه نغزة في كتفه الموشوم ، ليجد البعوضة قد عادت أدراجها كمليكة متوجة لتوها على عرش أرض ما ، لم يجرؤ على إعادة الكرة بصفعها مجددا ، لأنه أدرك حينها أن البعوض يقارع الموت كي يعيش ، أما الإنسان العربي فيقارع الحياة ولكنه لا يعيش .

الجمعة، 17 يونيو 2011

شمس نيسان

من الذي لم يعشق الربيع برموز بداياته السعيدة ، وأشاح يستجدي نهايات الخريف وأحزانه الكئيبة ؟

ومن الذي كان لا يعتقد بوجود مدارات تحلق في فلكها أقلام البوح المهاجرة إلى فضاءات الروح ؟

ومن الذي كان يجزم أن الحروف حين تبتسم فإنها حتما ستهرم وتشيخ ؟

ومن الذي حظي بقراءة امرأة تتقن كل أدوار الأنوثة دون أن يغمض عينيه مرارا ويفتحها تكرارا كي يقتنع بحقيقة وجودها ؟

ومن الذي قال أن الكلمات تموت حين تقال ؟

اليوم عقدت العزم على نبذ كل تلك التساؤلات وراء ظهري ، كي احتفل بك يا نيسان على طريقتي ، فعندما أشرقت شمسك في سماء المدونات ، أدركت حينها أنني كنت مخطئا في بحثي عن شمس الشتاء من خلف ستارات السحب المظلمة ، واكتشفت أن مجرى النهر الذي يفيض بالحنان ، وشقائق النعمان برياحين محبتها ، وأشجار السنديان بشموخها ، كلها كانت تجتمع بين ثنايا حروفك .

يا ليت نساء الأرض يتعلمن منك كيف تكون الطفولة ، وكيف تكون المراهقة ، وكيف تكون الصديقة ، وكيف تكون الحبيبة ، وكيف تكون الزوجة ، وكيف تكون الأمومة ، كيف تكون المرأة التي يرفع الرجال لها قبعاتهم احتراما واجلالا .

أنا أعلم كم أنت متواضعة ولا تحبذين المديح والثناء ، وأعلم كم أنت عفوية وتلقائية في تعاملك مع كل من اجتمعت بهم فوق الصفحات الالكترونية ، وأعلم أنك لست بحاجة لكلماتي كشهادة على روعة شخصيتك وتميزها ، ولكن اعذريني في هذا اليوم ، فالعراك قد طال بيني وبين قلمي بشأنك ، فأنت قادمة من زمان مفقود في ذاكرة العصور ، فيه تجتمع القلوب على المحبة الصادقة دون تملق ولا نفاق ، فهنيئا لكل أرض أشرقت فيها شمسك يا نيسان .

كل عام وأنت شمس المدونات ... كل عام وأنت ست النساء ... كل عام وأنت وجميع من أحبك بألف ألف خير .

هذا الادراج هو هديتي المتأخرة بعيد ميلاد ( نيسانة التدوين ) ولن أقول المزيد فالكلمات تعجز عن احتواء شمس لا تغيب عن قلوبنا قط :)

الجمعة، 10 يونيو 2011

لحظة يأس

بماذا كنت تمني النفس أيها الرجل ؟

بامرأة أسطورية تكون هي وطنك وأهلك ، وتصطبر على جنونك وهذيانك ... وتدرك حقيقة قلبك الذي لا يرضى بأنصاف الحلول العشقية ؟

عذرا منك إذن ، لأن ما تبحث عنه لن يكون في يوم قريبا منك أو في متناول كف يدك ... أتدري لماذا ؟

لأنك ولدت في الزمن الخاطىء ، وتواجدت في المكان الخاطىء ، واعتقدت أن السير مع التيار سيصل بك حتما إلى بر الأحلام ، ولكنك غفلت وأطبقت عينيك عن قراءة صفحات نصيبك وقدرك من هذه الدنيا ، والآن تحاول جاهدا أن توازن بين خيبتك و أملك ، ولكن فات الآوان على ذلك أيها الرجل ؟

من سيسمع ارتداد أصوات القلوب المستصرخة لحظة المنية ؟

لا أحد ... لن يسمعها في هذا الزمان أحد ....

الجمعة، 3 يونيو 2011

ثورة الاشتياق

أتعتقدين يا حبيبتي أن جفاءك سيثني ثورة الاشتياق أو يخمدها ؟

إذن فهذه رسالة أشواقي الثائرة على ذلك التهديد والوعيد ، والذي أقسمت جهد أيمانك أن تستأصلي به كل لوعة وحنين تسري بين ثنايا روحي ، وتمضي منه قدما بجبروت أنوثتك الطاغية في الحسن ، شهقة ... شهقة ، و نبضة ... نبضة ، وتنهيدة ... تنهيدة .

في كل يوم يحترق قلبي بألف ألف شعلة شوق ، وأنت هناك في برج عاجي ، تتربعين على عرش نساء الأرض ، وتراقبين منه ثورة أشواقي المتداعية في فرض حصارها ، تارة تبتسمين ، وتارة تؤكدين أن ملكة الملكات ، وتارة تختبئين وراء جدر من حمى الصمت ، وتارة ترسلين لي مرتزقة من أشباه النساء ، لعلي أنهزم أمامهن وأعلن استسلامي وخضوعي عن قراري في محاكمة قلبك لدى محكمة عشقي الأبدية ، والتي قررت سلفا أنها ستحبك في كل يوم أكثر .

ياسمينة بلاد الشام هلمي ، إنني لا أخشى على نفسي أن أتعطر بعبق جسدك ، كدليل دامغ على ولائي المطلق وانتمائي إليك ، وعندها فليرسلوني وراء غياهب الشمس ، وليغرسوا خناجرهم في قلبي ، فإما قلبك أو الموت دونه .

أواه كم اشتقت لتنهيدتك المحمومة يا حبيبتي ، لازالت تسري بين شراييني وأوردتي ، لم أكن أدري حينها كيف أثور لأخلع الأغلال والقيود التي لطالما رضيت بهوانها خوفا من عاقبة المصير ، بل إنني غفلت عن تعلم دروس الثورة في ميدان الفسطاط وبين أزقة سيدي بوزيد ، رضيت بحياة تبعدك عني ، وسرت في دمائي أوبئة نمطية خانعة ، تكتسي بأقنعة زائفة بليدة ، فأصبحت حيا بلا حياة ، وميتا دون نعش ، أنام وأستيقظ في يوم ، لا يختلف فيه إلا تعداد أرقام متتابعة في ذاكرة الزمن .

أتراه قد كتب علينا أن لا نلتقي ؟

أم أننا كنا دوما قريبين في المكان ذاته ، ولكن أقدارنا كانت مستعصية بحواجز الآخرين ؟

إسألي جبل قاسيون ، وأسألي بحر بيروت ، كم بحثت عنك ، وكم ذرفت دموعا ما انفكت عن مناجاتك ليل نهار ، ولكنني كنت أجوب في فلوات الفراغ وحيدا ، وأنادي عليك بحروف اللغة التي استثنت اسمك تواطؤا مع النصيب والأرزاق والآجال ، لترحلي إلى أقصى الكرة الأرضية قبيل اللقاء ، بعد أن كان يفصل بيننا مسيرة ساعات ، فكيف هو الوصول إليك الآن ؟

يا ليت كلماتي تحملني وتطير بي إلى ميناء ذراعيك ، فتمسدي جبيني بأصابعك الثلجية ، وتضميني بشوق محموم ، كطفل عابث أدرك أن الحياة بنعيمها ، لا تضاهي نشوة الفرح بحنان صدر الأم ، فهل من الممكن أن تترك الأم ولدها وهو يتوسلها بالمجيء ؟

لست مقتنعا بكلامك يا مروان خوري عندما تغنيت حزينا بقصر الشوق الذي ذاب العمر ببناءه على سفوح من الرمال ، لأن الحلم سيكتمل ويكبر ، ولن يجدي بعد اليوم الانتظار والترقب والصمت ، بل المضي إلى الأمام في ثورة الاشتياق ، لأن القلب ... يريد ... لقاء الحبيب .

الجمعة، 27 مايو 2011

صباحك سكر

في كل دورة للكرة الأرضية حول الشمس ، يناظر ساعته بتمعن شديد ، ويحث عقاربها مع بداية كل نهار على القفز فوق حواجز الخانات الأحادية ، فسبع ساعات فرضتها جغرافية خطوط الطول الوهمية بين بقاع الأرض وأقطابها الشمالية والجنوبية ، كانت تقف كالمتراس أمام أشواقه التي تنتظر شروق الشمس في أرض محبوبته .

كيف يزجي عجلة الوقت في دروب الانتظار بعد أن رفضت الشمس كل محاولاته في استجداء عطفها لتوقظ عيون حبيبته التي لا تزال نائمة تحت ضوء القمر ؟

فيقرر الذهاب في سبات عميق مع ذاكرته التي أعلنت أنها أصبحت انتقائية ، أمام تفاصيل أحداثهما العشقية ، في توحد غير مسبوق مع حاسة السمع التي لا يملك سواها في عبور القارات التي تفصل بينهما .

لطالما كان يؤمن بتلاقي الأرواح قبل الأجساد ويجزم بأن المحبة الحقيقة تتدفق كالبحر بين شواطىء القلوب مهما كان لسلطان بُعد المسافات من قيود .

كم كانت تبادره بسؤال يعجز دوما عن إيجاد إجابته النموذجية في سر حبه وتعلقه بها إلى هذا الحد العشقي المتطرف على الرغم من عدم احتواء أية بقعة أرضية لهما في مكان واحد ، فيجيبها أن الأذن تعشق قبل العين دوما عند الحديث عن الحب الأسطوري الذي ليس له من حدود .

فتقول له مبتسمة : (( أنت مجنون )) ، فيجيبها على طريقة (( فريدريش نيتشه )) قائلا : (( دائما ما يوجد بعض الجنون في الحب، لكن دائما ما يوجد بعض المنطق في الجنون أيضا )) .

فتبتسم مجددا لتقول له : (( أتجتمع لديك الحكمة والجنون في آن واحد )) ، فيقول لها : (( خذي الحكمة من أفواه العاشقين )) .

فتصمت عن الكلام لتعانق مسامعه بتنهيدات حزينة كأيامه ، لاتلبث أن تتحول إلى آهات غير مسموعة لعصفورة تم احتجازها في قضبان واقع الحياة ، والتي يعجز هو عن تحرير أقفالها ، كي تتمكن من الطيران بحرية في سماء السعادة المسلوبة رغما عنهما .

ولكنه يقطع ذلك الصمت قائلا : (( لا تحزني يا مليكتي الآن ، فالقلب لايتسع لكل هذه المساحات من العذاب ، في أوقات وهبتها لنا الأقدار لكي نقتات فيها من السعادة التي قد لاتتكرر مجددا في صفحات أيامنا إذا تمكن اليأس في حبنا من اغتيال الأمل )) .

يستيقظ بعدها من غفوة ذاكرته على صوت عقارب الساعات السبع التي أكملت دورتها ، فتتحسس أصابعه الطاولة بحثا عن الهاتف ، وتستجدي أزراره في الإسراع بقرع أجراس هاتفها ، وأنفاسه المحمومة بنيران الأشواق تتصاعد اشتعالا عند سماعه لصدى قرع أجراس تمضي وليس لها من مجيب ، ولكنه يتشبث بالأمل عند بداية المحاولة الرابعة والتي يعلم تماما أن نهايتها هو الرضوخ لأوامر سيدة ستطالبه بالتوقف عن محاولاته في قرع الأجراس ، ليترك للقلب الذي يطلبه رسالة صوتية ، ولكن صوت حبيبته سبق صوت تلك السيدة ، فيرقص قلبه رقصة (( زوربا )) ولكن بجنون الفرح وليس بجنون الحزن ، وبنشوة الانتصارات وليس بفجائع الهزائم التي تفرضها واقعية الحياة ، فيقول لها مبتسما : (( صباحك سكر )) .

الخميس، 19 مايو 2011

في وصف حبيبتي (( 1 ))

عاشق مجنون ليس مدرجا في صفحات أيام هذا الزمان ، يتذكر قول سيدة الأدب العربي أحلام المستغانمي عندما قالت (( الحب يجلس دائما على غير الكرسي الذي نتوقعه ، تماما بمحاذاة ما نتوقعه حبا )) ، وهذا ما حدث معه بعد عصور جفت فيها أقلام نبضات قلبه عن الخفقان ، لا تسعفه حروف كلماته التي ما فارقها القحط والجفاف لتقارع أمواج حروف كلماتها التي فجرت صخور شواطئه الصامتة عن الاعتراف بلذة العشق الأبدي .

كان يؤمن دائما بالمثل الذي يقول : (( مفتاح باب قلب الرجل في عيونه أما المرأة ففي أذنيها )) ، ولكنه اكتشف أنه عشقها قبل أن يراها ، ليثبت لنفسه بذلك أنه عاشق الكلمات وليس عاشق الأجساد ، لم يكن مهتما للتفاصيل ولم تجذبه أنوثة قد تقاسمتها في لون عيونها أو سحر ابتسامتها أو رشاقة جسدها مع الأخريات ، بل كان مسافرا في بحور كلماتها العميقة الأثر على عقله وفؤاده ووجدانه .

لم تعد تعنيه قصيدة عملاق الشعر نزار قباني التي التصقت بذاكرته منذ زمن بعيد وارتبطت مع كل فنجان قهوة يحتسيه ، فحبيبة قلبه أصبح لها أرض ووطن وعنوان ، واقتنع تماما أن امرأة واحدة قد تغدو هي الدنيا وليس كما كان يقال في الأفلام أن امرأة واحدة لا تكفي ، استسلم تماما لتلك الأقدار التي قادته إليها دون تخطيط مسبق وبدون أية مقدمات أو إعلانات استثنائية توهم متلقيها بتميز ما تدعو له في حين أنها لا تكون كذلك أبدا .

ماهو سر تلك الرسائل الخفية التي كانت مختبئة وراء حروف كلماتها ؟ تلك التي أشعلت فتيل ذلك العشق المجنون في فؤاده الذي اعتراه الرماد الداكن الكئيب بعد أن اتخذ قرار الإعتزال عن ممارسة طقوس العشاق و اقتنع تماما بفشل كل محاولاته الماضية في العثور على ذلك العشق الأسطوري الذي لا تتعدى حدوده الأقليمية الحد الفاصل بين الحقيقة والخيال .

هي أنثى تتقن تماما وضع السكر في كل ما تقول وبالوقت ذاته لديها موهبة فطرية في نزع الملح من كل ما يقوله لها ، ترفض الوقوف في الأماكن الرمادية ويفصل بين حروف كلماتها دائما أدوات جزم يذوب فيها أية احتمالات لمعاني الشك والريبة في صدق أحاسيسها عند الحديث .

هي أنثى ترفض تماما مقولة (( أن أقصر طريق لقلب الرجل هي معدته )) ولا تبذل مجهودا في إقناعه دائما أن سحر كلماتها هي طعامه وشرابه وغذاء روحه التي يتوجب أن يترفع بها عن كل ملذات جسده البالية ، دائما كانت لديها قدرة خارقة في التحكم بمشاريع أحلامه المحتملة وبث هيمنتها في فرض كل التفاصيل فيها كما يحلو لها وهو ماكان يملك سوى الإذعان والخضوع الجميل في رسم تلك التفاصيل والأحداث دون أن تبادره أية وسوسات متمردة في الخربشة على لوحات تلك الأحلام الوردية .


هي لا تدرك مقدار محبته وعشقه لها على الرغم من إنه يدري أن موت خطيبها السابق لايزال يطارد سعادتها التي لا تكتمل معه بمجرد أية مداعبة لذاكرتها التي ترفض الانعتاق من سجن الماضي .

كان يتجنب كل منعطفات ذاكرتها ويحاول أن يرسم معها أياما أجمل لعمر لم يولد بعد ، فهو قد استبدل تاريخ شهادة ميلاده بيوم خطبته عليها بينما هي ارتبطت به بتاريخ لا يزال مجهول المعالم على خارطة الوقت ولكنها كانت دائما تشعر بالأمان والراحة وهي معه .

كثيرا ما كانت تتلعثم في تلفظ اسمه وذلك لأن قلبها كان يصر على إجبار لسانها على مناداة الماضي في كل لحظة وحين ، وهي كانت تحاول جاهدة أن تضع الحواجز والقيود أمام مقصلة صوتها التي توشك دائما على تنفيذ حكم الإعدام لقلبه المتيم بعشقها .

كم كان يكره ذلك الدفتر الأحمر الذي لايفارقها أينما ذهبت والذي تحتفظ فيه بكل خواطرها وأشعارها التي كتبتها لذلك الشخص الذي يفرض حضوره في أية جلسة تجمعهما ويكون شريكا ثالثا يقطع أية خلوة عاطفية محتملة الحدوث بين قلبيهما .

ولكنها وبشكل مفاجىء تقول له : (( أحقا تغار من رجل ميت ؟ )) فأجابها بشجاعة المحارب الذي يرفض الاستسلام على الرغم من إدراكه للحظة هزيمته : (( بل أغار من قلبي الذي وحده يحبك أكثر مني )) .


هي امرأة تجعل نيران الأشواق في قلبه دائمة الاشتعال في حضورها وغيابها على حد سواء .

هي امرأة لديها قدرة عجيبة في التحكم عن بعد بحاسة البصر لديه فيصبح كالكفيف عند مصادفة أية امرأة أخرى .

هي امرأة تتمكن من زرع الابتسامة فوق شفتيه حتى وهو في قمة غضبه وحزنه من نوائب الدهر التي تصيبه .

هي امرأة لايقتنع أبدا مهما فعل لأجلها أنه أجاد التعبير عن مدى محبته وعشقه لها .

هي امرأة مع كل كلمة تنطقها تسافر به إلى بلاد فردوس ما وطأتها أقدام بشر .

هي امرأة بارعة في إزالة غبار أية حفنة ملل قد تعرف طريقا إلى محبته لها .

أحبك والبقية تأتي ...

الأربعاء، 30 مارس 2011

سأخون قلمي

يا ليت كلماتي كانت شامخة وأبية ككلماتك أيها المبدع الخالد (( محمد الماغوط )) ، فأنا لست كالخيزران (( قد أنحني ولكن لا أنكسر )) ، بل إنني كعود ثقاب هزيل الاشتعال ، لا يكاد لهبه يضيء حتى ينطفىء وينكسر .

لمن أشعل لهيب كلمات تظل متوهجة رغم رياح الأمطار والأعاصير ؟


لذلك الإنسان الذي يقطن بداخلي ؟ وكيف السبيل إليه وأنا أتحسس مواطن العجز عن عصف ذهنه بأية أفكار متمردة على غرائزه الحيوانية ؟


كيف أكتب عن القضايا الكبرى لهذه الأمة ، وكلماتي في القضايا المجتمعية لم تجد لغاية اللحظة بصيص أمل في إيجاد حل ملائم لها ؟


فعلى سبيل المثال لا الحصر ، هنالك قضايا تشغلني كثيرا ومنها :


-أنني عندما جلست مع شباب من أحياء المدينة الغربية ، تجادلنا مطولا حول أحدث أنواع السيارات والهواتف الخلوية ، وكنا مستائين جدا بسبب تأخر بلادنا في استيراد الأحدث منها فور صناعته ، واضطرارنا للسفر في كل مرة لشراء ما يلزم لاستعراضات البذخ المجتمعية ، أو كما يقال في لهجتنا العامية ، ما يلزم لـ (( فياعتنا )) .


- وأنني عندما ذهبت إلى مقاهي أحياء المدينة الشرقية ، وجدت رجالا تقف الصقور على شواربهم الغليظة ، وكان معظمهم يطرق على الطاولة كعقيد ليبيا الخرف ، ويتوعد رفاقه بالقبضة الأسدية لكل من يفكر منهم بدس (( شيخ الكبة )) لأوراقه عندما تأكل الأرض في لعبة (( التريكس )) ، وهذا كان يستدعي مني الانتباه لفهم سر تلك القبضة الأسدية التي لا تظهر إلا في معارك ورق اللعب .


- وأنني في كل صلاة جمعة ، أتمنى لو كان بمقدوري مصالحة المتخاصمين في ذلك الجدل اللامتناهي حول ركعتي السنة قبل الفرض ، وفيما إذا كانت بدعة تذهب الأجر والثواب .


- وأنني عندما قصدت معاقل اليساريين ، وجدت مجالسهم منشغلة في نبذ أي عضو يشجع الفريق الملكي الإسباني (( مدريد )) ولايقف إلى جانب الفريق الكاتالوني المناضل في وجه البرجوازية والارستقراطية (( برشلونه )) .


- وأنني عندما كنت في زيارة خاطفة للإقتصاديين ، لاحظت أن قضية مؤرقة تجتاح اجتماعاتهم ، وعندما حاولت أن أسأل عن تفاصيلها ، اتهمني بعضهم بأن عقلي قاصر عن استيعاب حيثياتها ومخاطرها ، وبعد توسلات للمشاركة فيها ، تبين لي كم هي بالفعل قضية جوهرية على مصير أمتنا ، وخاصة أنها كانت تبحث في جوانب تتعلق في كيفية البحث عن طرائق آمنة تضمن بيع كل موارد بلادنا للمستثمرين الأجانب .


- أما الشعراء والأدباء ، فكانوا منصرفين للبحث عن كلمات في اللغة يشبه وقعها على عقل المتلقي ما تفعله حبوب الهلوسة لمتعاطيها ، وذلك بعد نفورهم من حالة اليقظة والاكتراث لما يحدث حولهم على أرض الواقع .


- وأما النساء ، فأنا (( وين )) و (( ميل جبسون )) (( وين )) ، كي أقرأ أفكارهن وأعرف ماذا يرضيهن في الرجال .


لقد تأقزم قلمي وانزلق في مستنقع ضحل من الأفكار الانهزامية ، ولذلك سأردد عبارتك الشهيرة يا ماغوط (( سأخون وطني )) و الذي غدوت فيه مهمشا وغريبا ولكن بطريقة أخرى ، لأنني قررت أن أخون قلمي وارحل عنه ، كي أعود أدراجي إلى حبيب ما خذلني قط ، إنني قادم أيها الصمت ، أرجوك أن تسامحني و توافق على عودتي إليك ، فعلاقتي بقلمي لم ترتقي لمرتبة الذهب التي كنت دوما أجدها بقربك أيها الصمت . الوداع يا قلمي ... فأنت لم تتمكن من إبهاري في كل ما كتبت .

الاثنين، 28 مارس 2011

الخطوط الحمراء

في الماضي ، كلما ذهبنا لحضور ندوة ثقافية لأحد اليساريين ، كنت اشترط مسبقا على زميلتي في الجامعة أن لا ترتدي اللون الأحمر ، وكم كنا نتشاجر بسبب ذلك ، فهي يسارية حتى النخاع ، وأنا كالفحل أخور غاضبا بمجرد رؤية ذلك اللون ، ولكنها كانت تنهي سجال مجادلتنا دوما ، وتخمد نيران سلوكي الهمجي تجاه اللون الأحمر ، عند تذكيري به كرمز لدماء الأبرياء التي أريقت على هذه الأرض منذ بدء الإنسانية دون وجه حق .

ولكن لعنة اللون الأحمر ظلت تطاردني عند انعقاد كل قمة من قمم الدول العربية ، إذ كان لابد لي من مشاهدة ذلك اللون يحتل حيزا من تصميم أعلامها ، ومع أنها لم تكن ترفرف عاليا إلا في تلك المناسبات ، ولكن ذلك كان يستدعي خواري على الفور ، ولهذا ارتأيت أن أعلن مقاطعتي عن متابعة كل تلك الوديان السحيقة ، عفوا ، القمم الشامخة لإرادة دول لم تكن تختلف عن أحجار الشطرنج بيد الغرب ، تتلاعب بتحركاتها بمهارة تفوق مهارة (( كاسباروف )) في تلك اللعبة .

أما في عيد الحب ، فقد كنت دائم الانعزال في المنزل ولا أغادره قط ، إذ لم يكن لدي القدرة مطلقا على مشاهدة اللون الأحمر وهو يغزو المحلات التجارية وملابس المارة في الطرقات ، وكم كانت امرأتي تستاء من تصرفاتي الانعزالية في ذلك اليوم المتعارف عليه عالميا بأنه فرصة العشاق الذهبية لتجديد عهود محبتهم ، بل إنها كانت لا تنفك عن نقدها وهجومها لموقفي المضاد من اللون الذي يرمز للحب ، فما كان مني إلا أن أجيبها ولكن بدون خوار : (( بل هو رمز للخطر يا عزيزتي )) .

ومع مضي الأيام ، أصبح للون الأحمر دلالات في غاية الأهمية ، وخاصة عندما بدأ يقترن بالخطوط ، وإنني أذكر أن أول مشاهدة التصقت بذاكرتي لتلك الخطوط الحمراء ، وهي تتوسط علم الولايات المتحدة الأمريكية ، والتي يحاول بعض جحافلة المفكرين والسياسيين والقادة العرب ، التأكيد على أنها بلاد ديكتاتورية ، وليس لدى شعبها سقوف حريات للتعبير عن الرأي والاعتراض على سياسات حكامها ، فما كان مني ، سوى قيامي بخرق طبلة أذني كي لا انزعج من أصوات ادعاءاتهم (( النشاز )) ، معتقدا أن الخطوط الحمراء هي رمز للحرية الشخصية واحترام لإنسانية الإنسان .

وما أن بدأت الثورات تندلع في مختلف البلدان العربية ، حتى بدأت اسمع وأقرأ عبارة (( الخط الأحمر )) في مختلف الخطابات المنادية بالإصلاح ، فتفاءلت خيرا ، وظننت أن اعتقادي بالخطوط الحمراء كان صحيحا عند مشاهدتي له في علم (( أمريكا )) للمرة الأولى ، وقررت أن أتصالح مع اللون الأحمر الذي كنت معاديا له طوال حياتي .

ولكنني اكتشفت كم كنت مخطئا في نظرية تلك الخطوط ، عندما تم تسطيرها بين حروف وكلمات النخب السياسية والفكرية في دولنا ، فهي لم تكن متلازمة مع حرية التعبير عن الرأي ، بل كانت خطوط نار يحترق فيها كل من تسول له نفسه بمخالفة ما يسبقها من أوامر ، وليس هنالك من ضرورة البتة لذكر أمثلة تفصيلية عليها ، إذ أن الخطوط الحمراء في الدول العربية ستجدها مقترنة دوما مع أوامر النهي عن خوض غمار أي حديث قد يطالب بتحقيق كرامة الإنسان .

الجمعة، 25 مارس 2011

السيرة الحائطية

ليس ثمة ما يستدعي الكدر ، فهو لم يسأم بعد من المشي بجانب (( الحيطان )) ، ولم يتوانى عن ترديد الدعوة المتعارف عليها بين أوساط (( مشاة الحيطان )) في سره وعلنه ، أملا بإيجاد مكان (( النافذة المفتوحة )) ، بل إنه ولفرط ولائه وانتمائه ، قرر أن يشطب الصفحة التي تضم الجذر الثلاثي (( ع ص م )) من معجم لسان العرب ، والذي يحتفظ به في مكتبته الإلكترونية ، فهذه الأيام هي أيام الوشاة ، وهو يخاف على سيرته (( الحائطية )) أن تلوث .

لقد كان ولدا مطيعا لتوجيهات والده منذ صغره ، وسلمه الرأس خاليا ، ولم يجرؤ على استرداده إلا بعد اطمئنان والده بأنه قد امتلأ بقصصه وذكرياته (( الحائطية )) ، والتي كانت سببا في مكوثه نصف قرن على الحال ذاته ، ولذلك كان حريصا على أن لا يدخل مركزا أمنيا إلا كشاهد في قضايا هامشية ، أو كمراجع لإتمام معاملات روتينية ، ومع أن ذلك لم يكن سببا كافيا لمعاملته باحترام ، ولكنه مع هذا كان يغادر مطأطأ رأسه وملتصقا بالحائط ، وهو يتشكر الكتف الخالية من النجوم والتيجان ، دون اغفال لحساسية ذكر الألقاب ، والتي كان يعتقد أنها انقرضت من مفردات كلام العرب بعد سقوط عرش ملك مصر (( فاروق )) ، بيد أنه تذكر كلام والده ونصائحه في أهمية لقب (( الباشا والبيك والسيد )) كمرتكزات أساسية في قواعد السلامة العامة للمشي بجانب (( الحيطان )) .

في الجامعة كانت فرصته الذهبية لاكتساب المزيد من المهارات والخبرات في فنون المشي بجانب (( الحيطان )) ، وذلك عندما تم التعارف بينه وبين أساتذته الجامعيين ، المصاب معظمهم بمرض خطير يدعى (( بارانويا )) ، ولقد كان حديث العهد في طرائق التعامل مع مثل هؤلاء الأشخاص ، ولذلك لجأ إلى أعضاء (( الحزب الحائطي )) المتواجدين قبله في ذلك الصرح التعليمي المتميز ، كي يسلمهم حيزا جديدا من رأسه شبه الخالي ، ليحفظ فيه سيرة حائطية أخرى ، تكون له عونا في تعلم حذاقة التلقين والسمع والطاعة العمياء ، لكل كلمة ينطق بها أصحاب الأسماء المسبوقة بحرف (( الدال )) .

وعندما بدأ سيرته العملية ، سلم رأسه لشقيقه الأكبر ، والذي وضع له منهجا (( حائطيا )) مدهشا ، يكون فيه طريق الفلاح والنجاح ، ويضمن له عدم التحليق كالغربان في سماء البطالة ، فيما إذا أغضب مديره المباشر ، إذ أن اندفاع الشباب يتوجب حصره في حراثة العمل المتراكم على مدرائهم دون تذمر ولا شكوى ، ولا بأس أبدا أن يكون الراتب أقل من راتب المدير بعشرين ضعفا ، كحد أدنى للأجور ، فمهام ومسؤوليات المدير والسياسات العامة التي يخطط لها ، تتطلب منه مجهودا خارقا ، وبخاصة عندما تكون في سهرات العمل المصيرية في صالات الملاهي الليلة وحانات الفنادق .

وبعد عقدين من سيرته (( الحائطية )) المذهلة ، وجد أنه مثقل بالديون ، ومطرود من عمله بسبب دخوله المفاجىء لغرفة المدير وهو في خلوة عاطفية مع السكرتيرة ، ويسكن في غرفة على سطح بناء يتجاوز عمره النصف قرن ، ومهدد بالإخلاء مع صدور القوانين التي سترد الظلم عن أصحاب العقارات والأملاك ، وليس لديه حزام يضبط فيه إيقاع رقصات نفقاته المتسارعة كل يوم ، فكيف سيتمكن من المشي بجانب (( الحيطان )) بعد اليوم ؟

هو الآن في أمس الحاجة لشطب كل ماتم تلقينه لرأسه منذ الصغر ، وأن يتمرد على تلك النقوش المحفورة فيه كالحجر ، ولذلك فقد أقسم أن لا يسلم رأسه بعد اليوم لأبطال (( السير الحائطية )) ، وأن لا يجعله بعد اليوم إلا غافيا بين يدي امرأته الأسطورية ، وهي تهمس في أذنه بأنفاس محمومة وملتهبة ، بكلمة تضاهي كل الكلام الذي جهد (( ابن منظور )) بتفسير معانيه في (( لسان العرب )) ، ولذلك فعندما قالت له : (( بحبك )) لم يسألها إن كان من ثمة بقية ستأتي ، فهي الوحيدة التي جعلته يحس بأنه إنسان ، حتى ولو كان ذلك للحظات .

الاثنين، 21 مارس 2011

If I were

كل الشكر (( نيسانة التدوين )) لتذكري في هذا الواجب التدويني ، ولا أخفيك أبدا أنه جاء في وقته ، لأن (( Beren )) كانت قد بعثت لي برسالة خاصة قبل فترة على (( Facebook )) تود فيها معرفة بعض التفاصيل عني :)

If I were a month , I'd be September

If I were a day of the week , I'd be Wednesday

If I were a time of day , I'd be Night

If I were a planet , I'd be Moon

If I were an animal , I'd be Wolf

If I were a kind of weather , I'd be Cloudy

If I were a musical instrument , I'd be Violin

If I were a color , I'd be Black

If I were an element , I'd be Oxygen

If I were a car , I'd be Audi TT

If I were a food , I'd be Hamburger

If I were a place , I'd be The Sea

If I were a material , I'd be Iron

If I were a taste , I'd be Sweet

If I were a scent , I'd be Beach Fragrance : Aqua

If I were an item of clothing , I 'd be Blue Jeans

If I were a facial expression , I'd be Mysterious

If I were a pair of shoes , I'd be Casual

If I were a song , I'd be Yesterday by Frank Sinatra

If I were a body part , I'd be The Heart

If I were an emotion , I'd be Sadness

If I were a fruit , I'd be Pomegranate

If I were a sound , I'd be Sea waves

If I were a direction , I'd be Irregular

If I were a piece of furniture , I'd be Wardrobe

If I were a liquid , I'd be Water

If I were a gemstone , I'd be Diamond

If I were a tree , I'd be Oak

If I were a tool , I'd be Pen

بيرين لا تنسي تأكدي على الحجز عشان آخر الاسبوع نطلع رحلة بحرية باليخت على (( Bodrum )) :)

السبت، 19 مارس 2011

رجل عانس وامرأة مطلقة

لابد له بين الفينة والأخرى من اللجوء إلى كهف الصمت والانعزال ، أو بالأحرى الفرار إلى محراب اليأس والانهزام ، فالمرء في كثير من الأحيان تصبح عزيمته كالريشة التي تتخطفها الأيام المجهولة المصير .

يسأل نفسه : (( ماذا أريد من النساء ؟ )) فيجد أنه لم يعد له فيهن أية أمنيات ، فقبيلة النساء التي أحبها رفضت مشاركته في أية تجربة عاطفية إلا في الخيالات والأحلام ، ولقد كانت هزيمته تتأكد في كل محاولة عندما كانت حبيبته المحتملة تعشق رجلا من محيط معارفه المقربين .

ونهاية حكاياته مع العشق ، كانت قد جمعت بينه وبين امرأة تجاوزت الأربعين ، ولكن ذلك لم يكن السبب في خسارته المعتادة للحب ، بل كانت والدته هي من تسبب في إقصاء أمنياته من بلوغ مرادها ، بعد أن أعلنت رفضها التام لفكرة ارتباطه من امرأة مطلقة .

احتدم الجدال مع والدته ، وأكد لها أحقية المرء في أن يحظى بفرصة أخرى في هذه الحياة ، وأن طلاق المرأة لا يعني أبدا أن ثوب سيرتها الأخلاقية قد دنس بالفحش الذي لايمكن طمسه ، ولكنها ظلت تردد على مسامعه المثل الشعبي الشهير : (( لو فيها خير ما رماها الطير )) .

وبين مد وجزر ، قرر أن يتزوجها دون موافقة والدته ، ولكنها لم تكترث البتة لقرار تمرده عليها ، بعد أن أكدت له أن أهل تلك المرأة سيرفضونه إذا أتاهم بمفرده .

ولكنه لم يجرب حظه في الذهاب إليهم ، وذلك بعد أن صارحته تلك المرأة وبكل حزم عن رفضها للزواج منه دون موافقة أهله ، فهي لم تقترف ذنبا يظل كوصمة عار تطاردها أينما ذهبت بسبب فشل زواجها السابق ، وأنه لا يشرفها الارتباط بعائلة تتشبث بمعتقدات بالية من عصور الظلام البائدة .

وعاد مهزوما كعادته إلى البيت ، واشتعلت ذكرياته مضرمة نيران كل علاقات حبه الفاشلة ، فتذكر ابنة الجيران التي تركته في الثانوية العامة بعد أن وعدته بانتظار قدومه مدى الحياة ، لتتزوج برجل يعمل في إحدى البلدان النفطية ويكبرها بعشرة أعوام ، وتذكر الفتاة التي عشقها في سنوات دراسته الجامعية ، وكيف أن والدتها اشترطت عليه ترك الجامعة والعمل في أية حرفة أو مهنة كي تزوجه منها .

وتذكر أول فتاة عرض عليها الزواج في مكان عمله ، وتذكر رفضها الفوري له ، بسبب راتبه الذي يقل عن راتبها ، وتذكر ابنة عمة وابنة عمته ، وابنة خاله وابنة خالته ، واللواتي رفضن جميعا الارتباط به بسبب التخوف من زواج الأقارب ، بينما هو كان يدرك تماما أن السبب الرئيس لرفضهن هو تواضع إمكانياته المادية .

إنه الآن رجل عانس ، ولم توافق على الزواج منه أية فتاة لم يسبق لها الزواج ، وعندما وجد القبول لدى امرأة مطلقة ، جاء الرفض من أهله الذين كانوا متلهفين لزواجه ، ثم أصبحوا غير مكترثين لعنوسته .

ومن هذه المعادلة المكونة من رجل عانس وامرأة مطلقة ، نشتق المجهول المتسبب في فشل حلها دوما ، فالمرأة ترتبط بالرجل الخاطىء بدءا ، وتستدرك خطأها عند الطلاق لتعاود البحث عن ذلك الرجل العانس الذي رفضته عندما كانت لا تزال عزباء ، فهل يا ترى هذا هو سبب خلل المعادلة حقا ؟

الثلاثاء، 15 مارس 2011

الأم الغافلة

عادة ما ترتبط أسباب انكسار قلب الإنسان بفجيعة ناجمة عن خسارات متتالية في ميدان الحب ، وقد يحدث أحيانا أن يلملم ذلك القلب أشلاء عواطفه المكسورة ، ويستعيد تجميع إطار لوحة قلبه مستعينا بلاصق ذي فعالية مضادة للكسر ، فالكراهية إذا وطأت القلب وطردت الحب ، فإنه سيكون حينها قاسيا عصيا على الخدش .

وهذا ما حدث مع ذلك الصبي الذي ملأت الكراهية الزائفة قلبه لأقرب الناس إليه ، فهي بالفعل كراهية زائفة ، إذ كيف من الممكن أن يكره الولد أمه التي لا يضاهيها في قلبه محبة نساء الأرض أجمعين ؟

ولكل من يعتقد باستحالة حدوث ذلك ، فإن هذا الصبي سيخبركم عن سبب شقائه وتعاسته ، وكيف أن قلبه أصبح أقسى من قلب (( الزير سالم )) عندما كان يشرب دماء أبناء عمومته دون شفقة ولارحمة ، كي يثأر لدم أخيه المهدور بسبب ناقة البسوس .

يقول الصبي : لقد كنت أنا وشقيقي الذي يكبرني ببضع أعوام ملتصقين في كل مكان ، ولانفترق إلا عندما نجتمع بوالدتنا ، والتي كنت دوما أراقب بريق عينيها باهتمام كلما نظرت إلى أخي ، وكيف أن ذياك البريق يسارع بالاختفاء عند تلاقي عيوني بعيونها ، فتسارع إلى استدراك موقفها بابتسامة مغتصبة من شفتيها ، كي تخفي وراءها سيل العواطف الجارف نحو مصب قلب واحد ، ولست أدري إن كان قلبي شديد الملوحة لدرجة أن تأبى محبتها الحقيقية أن تختلط فيه ولو لمرة واحدة ؟

أذكر في أحد الأيام عندما طالبنا المعلمون في المدرسة كي نكتب موضوع تعبير بمناسبة عيد الأم ، وأذكر حينها أننا استلمنا تلك الأوراق المكتوبة بحبر قلوبنا ، مغلفة ببطاقات معايدة جميلة ، كي نهديها لوالدتنا عندما نعود إلى المنزل ، ولقد هرولت سعادتنا عندما قرع جرس الانصراف المدرسي ، متجاوزة مسير أقدامنا ، كنا متلهفين لقراءة ملامح وجه أمي وهي تقرأ ما خطته أيدينا ، وبالفعل فقد كادت حرارة قبلات والدتي تحرق بطاقة أخي من فرط سعادتها وهي تقرأ حروفه ، ولكن تلك الحرارة التي وصلت إلى قمة الغليان العاطفي ، انقلبت إلى كتل كثيفة من الجليد ، وهي تقرأ بعجالة ما كتبته لها ، لتشكرني بعدها بعبارات مبتذلة من قاموس المجاملات اللغوي .

وعلى الرغم من ذلك الشعور الذي بدأ يقلب حياتي إلى جحيم لا يطاق ، كان لا يزال يراودني طيف أمل ، في أن تستدرك والدتي فظاظة فعلها ، مع أنني على يقين تام بعفوية سلوكها ، ولكنني في النهاية كائن بشري مجبول من طينة مشاعر وعواطف لابد لها من مراعاتها ، ولكنها ظلت تغمض عينيها غير آبهة بقلبي الذي داست عليه مرارا بكعب محبتها الأحادية لشقيقي ، وجفائها المتواصل لجميع محاولاتي في التقرب من قلبها .

وبدأت مياه الكراهية بالغليان في قلبي مع مرور الأيام ، وأنا أشاهد فخرها واعتزازها بشقيقي في أي تجمع لنا بين الأقارب والمعارف والأصحاب ، وتجاهلها المطلق لوجودي وكأنني لم أرقد في رحمها لتسعة شهور ، وكم هاجمتني الظنون بأنني لست ولدها ، وبأن الدماء التي تجري في عروقي لم تختلط يوما بدمائها ، وتأكدت كل هواجسي عندما جاهرت بين الجموع أنها تفتخر بندبة بطنها المنقوشة على جسدها ، كوشم مغال في محبتها لشقيقي مذ يوم ولادته ، وأنها ستظل ترفع هامتها به إلى أن تواري التراب .

ولأنني لا أريد أذيتها بكلمة عتاب ، قررت أن أهجر بيتها ، وأن لا أعود إليه قط ، وإنني أعلم أنها لن تكترث لغيابي ، ولن تفتقد لكلماتي التي لطالما جهدت في محاولة استرضائها ولكن دون أدنى جدوى ، لن أقول لها وداعا ، فليس لدي القدرة على مواجهة أغلى الأحباب في لحظة وداع ، سأظل دوما أراقبها من بعيد ، وسيكفيني أن أجدها سعيدة مع الأصدقاء والأحبة الذين يحيطون بها من كل جانب ، وسأكون مطمئنا على الدوام ، وهي بجانب شقيقي الذي آثرته بمحبتها وحنانها ، وفخرها واعتزازها ، فأنا على يقين تام بمقدار محبته وخوفه عليها .

يقولون أن محبة الآخرين لنا ، لا تختلف في مقاديرها ، تماما كما هو حال الرزق والأجل ، فهي محفورة على أوراق حياتنا من قبل أن يخلق أبونا آدم ، ولكن هل هذا يعني أن تفرط الأم في إظهار محبتها لأحد أولادها دون أن تراعي مشاعر إخوته المتعطشين لقطرة حنان من قلبها ؟

السبت، 12 مارس 2011

حماتك بتحبك

بدأت أشك في عبثية المصادفات التي تدفعني في مكان عملي عند كل صباح ، للنهوض المفاجىء عن كرسي مكتبي لأمر طارىء ، إذ لابد من عبوري أمام أربعة مكاتب للزملاء على الأقل ، ولابد أن تكون لحظة العبور تلك ، متزامنة مع موعد وجبة إفطارهم التي لا يتمكنون من ضبط مواعيدها في منازلهم ، ليرددوا بابتهاج مفتعل عند رؤيتي (( حماتك بتحبك ... تعال افطر معنا )) ، وكعادتي أسارع بشكرهم على دعوتهم لي بالانضمام إليهم في تلك الوجبة الصباحية ، والتي تكون بالعادة وجبة بقولية أعدت على موائد من أوراق الصحف ، ولاشك أن معدتي تشكرني دائما على ذلك التعفف الحكيم الذي سيمنحها الراحة من عمليات هضم شديدة التعقيد ، ولكنني في الواقع أظل منشغلا بالتفكير في ذلك الرابط العجيب بين مصادفة موعد عبوري وهم يأكلون ، وبين فرضيتهم بمحبة أم زوجتي لي .

وتتعمد المصادفات أيضا ، وأنا في طريق عودتي إلى المنزل بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية ، لتزج بي مكالمة هاتفية من زوجتي كي أعرج على (( دكانة الحارة )) لشراء مستلزمات بيتية أو تلبية لرغبات الأولاد اللامنتهية من (( الشوكولاته )) ، إذ أن محاولاتي الشيطانية بالتأثير عليهم من خلال أغنية فرقة (( طيور الجنة )) ، والتي لا انفك عن غنائها أمامهم (( يا بابا اسناني واوا ... وديني عند الطبيب ... ما عاد بدي شوكولاته ... بدي بس اشرب الحليب )) لم تجدي نفعا .

بالطبع وكما هي العادة ، فإن لحظة دخولي إلى (( دكانة الحارة )) تكون مضبوطة كمنبه الساعة ، على أول لقمة من غداء (( صاحب الدكانة )) ، وكعادته يبدأ بلعق أصابعه الممرغة (( بمرقة طبيخ زوجته )) ، ويحاول إخفاء ملامحه المستاءة من قدومي خلف ابتسامة مصطنعة قائلا : (( حماتك بتحبك ... تعال اتغدى معي )) ، ولا أدري لماذا في تلك اللحظات بالذات ، وأنا أراقب عينيه بكل اهتمام ، يخيل إلي أنه يردد في سره المثل الشهير : (( ما بقومك عن غداك ... غير ألد عداك )) .

أذهب في المساء إلى المقهى للإلتقاء برفاق لا تجمعني بهم إلا منضدة أوراق اللعب أو رقعة أحجار الشطرنج ، وكم استغرب من تلك المصادفات التي تلاحقني في كل مكان ، وتفرض وصولي عند اللحظة التي يتناول فيها الآخرون طعامهم ، وهذا ما حدث معي في مناسبات متتابعة مع أصدقاء المقهى ، وفي كل لقاء تتكرر العبارة ذاتها (( حماتك بتحبك ... تعال اتعشى معنا )) ، وبما أنني سأمكث لبضع ساعات خلف طاولات المقهى وهذا سيؤدي إلى تفاقم (( الكرش )) الذي بدأت أتمكن أخيرا من التخلص منه ، فإنني لا أشاركهم تلك الوجبات السريعة التي ليس فيها من فائدة للجسم سوى نفخه بالدهون ، وأكون بذلك ملتزما بنص المثل الشهير : (( اتغدى واتمدى ... واتعشى واتمشى )) .

لكنني وفي إحدى الليالي ، وبعد خروجي من المقهى ، ركبت السيارة وبدأت أفكر مليا بذلك السبب الذي جمع (( محبة الحماة )) مع مصادفات القدوم عند شروع الآخرين بتناول الطعام ، فمن المتعارف عليه أن (( الزوج وحماته )) في العادة لايتفقان ، وسأقولها خجلا ، إذ أن من الأصح القول أنهم في كثير من الأحيان تجمعهم العداوة المشتركة حتى ولو لم تكن معلنة ومجاهر بها .

إذن ليس هنالك من سبب لذكر هذا المثل الشعبي ، سوى أن الشخص الذي يتلفظه عند مباغتة أحدهم له في أثناء تناوله للطعام ، أن يفقد شهيته للأكل بمجرد تذكيره (( بحماته )) ، فهل من المعقول أن يكون ذلك هو السبب ؟

الثلاثاء، 8 مارس 2011

المقاعد الشاغرة

عندما كان ذلك الشاب الذي أصبح بلغة هذه الأيام كهلا وهو لايزال في الثلاثين ، يبدأ أولى خطوات حياته ، وقد تأبط الكراسة التي يجتهد معظم الناس بكتابة سطورها الرتيبة ، مستعينا بزجاجة سائل حبري أسود ، وبريشة قلم منهكة ومجهدة من كثرة ما تعاقب عليها من أجيال لأصابع بائسة .

وإذ كان في تلك الأثناء لا يلقي بالا لتوبيخ والده وتعنيفه لسلوكه الطائش ، ولايرد عن نفسه أصابع الاتهام بتقصيره المتواصل في بناء مستقبله ، على الرغم من أن أقرانه كانوا لا يكترثون مطلقا ، لمخطوطات البناء التي كان منكبا على الدوام بمحاولة رسمها ، فآباؤهم قد ادخروا لهم من (( الإسمنت الأخضر )) ما يكفي لبناء ناطحة سحاب دون أدنى مجهود يذكر ، في إطار ما يدعى بمشروع المستقبل المشرق والآمن .

وعندما تفوق عليهم جميعا في تحصيله الدراسي ، ليضمن بذلك مقعدا تنافسيا في جامعة حكومية ، و يكون بمقدور والده التكفل بمصاريفها ، لم يرواد أقرانه الغيرة من إنجازه قط ، إذ أن مقاعدهم في الجامعات الخاصة المحلية منها والأجنبية ، كانت رهن الحجز سلفا قبيل تقدمهم لامتحان الثانوية العامة .

ولقد ظلت المقاعد المحجوزة مقدما تنافس فرصه في بناء مستقبله بعد ذلك ، فلم تجدي ساعات دراسته المكثفة ، كي يتفوق على من كان يحصد علامات التميز بسبب مكانة والده المرموقة في المجتمع ، وإذ أن إجهاضه لحلمه الأول في الجلوس على مقعد أستاذ المستقبل ، كان يعلله دوما بأن المقاعد الشاغرة هناك ، هي حق حصري لأبناء العائلات الأكثر حظا .

وعندما تأبط شهادته الجامعية ، وقرر أن يغلق الباب في وجه أمنياته الأكاديمية ، وأقنع ذاته أن لاصوت يعلو على صوت الحياة العملية ، شرع حينها في طرق كل الأبواب بحثا عن وظيفة تكون ثمرة جهده المتتابع لسنوات دراسته المضنية ، ولكن المقاعد الفارغة هناك أيضا ، كانت تأبى جلوس من لايتكىء بظهره على سطوة ونفوذ أقاربه ومعارفه .

وبعد أن يأس من إيجاد وظيفة منسجمة مع شهادته ، قرر أن يعمل في أي مجال يضمن له الحق في مواصلة هذه الحياة ، ومع أنه كان يغض الطرف ويحجب السمع عن أخبار أقرانه الذين تخطاهم في المدرسة وتأخر عنهم كثيرا في مراحل البناء ، إلا أنه لم يعد يتمنى لمستقبله سوى بناء بطابق واحد ، وسقف يتسع لرأسين ليس إلا .

وهذا ما دفعه بعد أن توظف براتب زهيد بالكاد يكفي لنفقات مواصلاته وحاجاته الأساسية ، أن يبحث عن (( ابنة الحلال )) ، كي تشاركه في البناء دون الاكتراث لمخاطر الارتباط برجل ذي حظ عاثر ، طالما ستجمعهم المودة والألفة والعشرة الطيبة .

ولم يجد نفسه مجهدا في البحث عن مقاعد شاغرة للارتباط ، ولكن الذي حدث وبكل أسف ، أن المقاعد هناك كانت تدعي دوما أنها محجوزة لأشخاص لم يحضروا بعد .

وتمضي به الأيام والسنين ، وجميع مقاعد الحياة ترفض جلوسه عليها ، ولكنه ما عاد مكترثا لذلك قط ، بل كان خائفا أن لا يجد مقعدا شاغرا يرتاح فيه عند الموت ، إذ أنه وفي آخر زيارة له للمقابر ، لاحظ أن أراضي المدافن بدأ يستولي عليها أصحاب الحظوة في مقاعد الحياة ، من خلال تقسيم أراضيها لممتلكات احتكارية لموتاهم ، فهل سيأتي يوم ويستأثرون بمقاعد القبور أيضا فلا يتركون أدنى فرصة لغيرهم في الجلوس حتى على ذلك المقعد ؟

الجمعة، 4 مارس 2011

لا منتمي

إن قرع الطبول ودق المزامير في عالمنا العربي ، يكون مقترنا دوما بالفكر الجمعي المعشعش في عقول الناس منذ ولادتهم ، ولذلك فلا تثريب على من ينوء بنفسه وبأفكاره ، ليقف على الرصيف الخالي من المشاة ، ويبدأ بالهتاف معتقدا أن صوته سيدفع بالبعض إلى محاولة التخلي عن الرصيف المزدحم بالمارة ، وعبور الشارع مخاطرا بكتابة السطر الأخير في حياته بحادث سير ، تحت إطارات ما يدعى بمركبات الدفع الرباعية المقاومة للتغيير .

بل إن الخاروف الدسم الذي يفكر بالتمرد على القطيع ، والرحيل خارج نطاق حدود المرعى المحدد له سلفا بخطوط رملية من عصا الراعي السحرية ، حتما سيقضي نحبه على أيدي الذئاب المترصدة به خارج الحمى ، وهذا ما يحاول كبار الخراف دائما تلقيمه لصغارهم ، مقترنا بتذكيرهم أن هذا الإحتمال قد يحدث في حال نجاتهم بالبدء من قبضة كلب الراعي المتعطشة للقمع ، طمعا بنيل نصيب وافر من العظام التي سيتركها السيد الراعي بعد الانتهاء من أكل لحوم إحدى خرافه .

والعصفور الذي يستند على أسلاك الكهرباء القاتمة اللون ، كي يرتاح هنيهة من التحليق في السماء ، ويغرد بالقرب من نوافذ المسترسلين في سبات عميق ، سيعتقد أنهم سيستيقظون فرحين بسماعهم لصوته ، وسيستبشرون بيوم يبعث فيهم التفاؤل ، ولكن المسكين لا يدري أنه من وجهة نظرهم كالغراب الأسود ، الذي سيهز بنعيقه مضاجعهم المستسلمة سلفا لسيناريو حياة رتيبة .

ولذلك فإن العاقل الحكيم هو الذي يضع رأسه بين الرؤوس مرددا : (( الموت مع الجماعة رحمة )) ، وبما أن هذا الموت لا يعني بالضرورة الموت المتعارف عليه في قاموس البشرية ، إلا أنه موت لا بد من حدوثه لإحدى الخلايا الدماغية المتعطشة لاحتواء أية أفكار إيجابية بتغيير الواقع الذي تعض عليه جموع الناس بالنواجذ .

ومن هذه المنطلقات التي تشبثت بسارية العلم الأبيض إذعانا باستسلامها ، تتمحور (( كاريزما )) شخصيات باتت رموزا مجتمعية ومقدسات لا يجوز انتهاكها .

فالثوار والمثقفين لا بد أن يكونوا يساريين في أفكارهم ومعتقداتهم وحتى في عواطفهم ، ومن لايتخذ من (( ارنستو تشي جيفارا )) وسيرته النضالية القدوة والمذهب ، فهو لايحمل بين ضلوعه (( نزق الثوار )) .

أما من أراد أن يكون (( دنجوان )) عصره ، فهو أمام مفترقي طرق لابديل عنهما ، ويحومان في مدار الفكرة ذاتها ، فبالمال والجمال أنت معبود النساء ، حتى لو كان عقلك لا يعرف من هذه الدنيا سوى غرائزه الأساسية .

وهناك شخصية (( رجل الأعمال )) ، التي لا تتطلب منك سوى أن تؤثر بكلامك دوما على كل من تجالسهم ، من خلال أفكارك النيرة حول المشاريع في شتى القطاعات ، ولا بأس إن نلت لقب (( النصاب )) بعد فشل إحدى هذه المشاريع ، لأنك ستتمكن وبكل بساطة من اصطياد أغبياء جدد ، سيستمعون إليك باهتمام وأنت تسرد لهم أفكار المشاريع التي رأيتها في بلاد الغرب .

ولكن تبقى شخصية (( ابن البلد الأصيل )) هي المحببة والقريبة من عامة الشعب ، وأنت في سبيل تحقيقك لملامح هذه الشخصية ، لابد أن تثبت أنك حاذق و (( لهلوب )) عندما تتجول في سوق الخضار المركزي ، أو عندما تذهب إلى المسالخ لاختيار ذبيحتك التي ستطهى على مأدبة طويلة وعريضة في إحدى مناسبات الولائم العائلية ، ولامانع إن كانت لديك خبرة ذائعة الصيت في اقتحام مضارب الباعة المتجولين ، ولهثك وراء وسائط النقل العام ، والشكوى المستمرة من راتبك المهدور دمه على أسفلت المؤسسات الاستهلاكية وخصوصا في مواسم المنخفضات الجوية أو عند حلول شهر رمضان أو عند تأخر الحوالة التي سيرسلها لك أهلك المغتربون ، ولا تنس أحلامك البكر بامتلاك سكن كريم والتي تم وأدها فور ولادتها من رحم أمنياتك ، والأهم من ذلك كله أن تكون دوما قدوة يحتذى بها للمثل القائل : (( سبع صنايع والبخت ضايع )) ، ولكنك لن تتقلد أوسمة الشرف لهذه الشخصية إذا لم تردد في كل المحافل المجتمعية أنك (( ابن البلد وتفتخر )) .

وإذا كنت تريد أن تحظى بلقب (( الشيخ )) ، فيتوجب عليك تحديد مقصدك من هذه الصفة أولا ، فهناك (( الشيخ )) الذي يعتقد أنه يحظى بهذا اللقب بالفطرة ، كونه ينتمي إلى عشيرة ما ، وفي هذه الحالة لا يلزمك سوى أن ترفع لسانك كالسيف في وجه كل من يجهل بطولات وجهاء عشيرتك في حروبهم الأزلية مع العشائر الأخرى ، ولا تنس أن تستخدم إصبعيك (( السبابة والوسطى )) وأنت تتحدث ، استكمالا لشروط (( المشيخه )) .

أما إذا كنت تبحث عن لقب (( الشيخ )) بصبغة دينية ، فالأمر في غاية البساطة ، إذ ما عليك إلا أن تطلق لحيتك ، وترتدي (( دشداشة )) بيضاء ويحبذ أن تكون قصيرة وفضفاضة ، وتجلس في الصف الأول في المسجد ، ولاتخش شيئا من حفظك المتواضع لكتاب الله العزيز ، فعندما يرجوك المصلون كي تؤمهم في صلاة جهرية ، وتتلو عليهم في الركعة الأولى سورة الإخلاص بلكنة تقترب إلى اللهجة العامية ، ثم تتبع تلاوتك بسورة الناس في الركعة الثانية ، وهما في واقع الأمر ما جهدت بحفظه من القرآن الكريم ، سيفرح بك المصلون لاعتقادهم أنك تخفف عليهم بالصلاة ، أسوة برسولنا الأعظم عليه الصلاة والسلام .

ولأنني أسقطت كل هذه الرموز الأسطورية التي ستقودني إلى أن أكون من الشخصيات البارزة في هذا المجتمع ، أجاهر بأنني شخص لا منتمي لفصول هذه الرواية التي لن أتقمص في يوم من الأيام أي من أدوارها .

الاثنين، 28 فبراير 2011

مجنون (( Beren ))

عند منتصف كل ليلة ، لا تدق ساعة الحائط في منزلي ، بل قلبي هو الذي يدق ويرتجف ، ويدي هي التي ترتعش محمومة عندما أهجر كل أخبار الدنيا ، وأسارع بالانتقال عبر المحطات الفضائية ، كي أقابل البدر وهو يهبط من السماء ويظهر أمام شاشة تلفازي .

ستون دقيقة أنعزل فيها عن العالم بأسره ، وأنا أحدق بتلك القامة المدهشة بكل تفاصيلها ، فهي أنثى قادمة من كتب الروايات والأساطير ، وإنني أمام جمالها أعلن جنوني وهذياني ، واستسلامي وخضوعي ، ولن أكترث فيما إذا تم مناداتي بمجنون (( Beren )) .

كلما تقترب الشاشة من عيونها ، تتقطع أنفاسي وكأنني في لحظات احتضار ستنتهي حتما بموت عشقي ، وكلما ابتسم ثغرها العذب ليكشف عن صفوف اللؤلؤ المختبئة وراء أسواره ، تنقبض كفوف يدي المنبسطة للتو على وجنتي ، تود اقتلاع لحم وجهي من فرط الانفعال .

يا لحظك يا رياح البسفور ، لو أننا نتبادل الأدوار لدقيقة واحدة فقط ، كي أحظى بمداعبة لطيفة الملمس لخصلات شعرها ، وأسكنها شهيقا ثم لا تلبث أن تطردني زفيرا من بين أنفاسها ، بل يكفيني أن اتخذ من زغب يديها فراشا أغفو فيه ولو للحظات .

مذ رأيتك يا (( Beren )) أدركت السبب الذي جعل قلبي هرما قبل الأوان ، وأدركت المسبب الجوهري لعزوفي عن الزواج ، فأين سأجد لبؤة من طراز أنوثتك ، تجعل زئير رجولتي مفترسا ومرعبا طوال الليل والنهار ؟

أعتقد أنه يتوجب علي أن أعيش بشخصيتين ، شخصية حالمة وعاشقة لأنثى أسطورية كـ (( Beren )) ، وشخصية هزلية تقليدية مضحكة سائدة في هذا المجتمع تدعى (( أبو علاء )) ، الذي يبحث عن بنت الحلال ، ولايهتم إلا بالتفاصيل المتعلقة بعدد خانات راتبها (( لغايات قروض السيارة والشقة )) ، فإن كان عدد الخانات ثلاثيا ، فلا بأس حينها إن كان المنهج السلوكي لحياتها مشابها لسيرة شرطي في قوات الدرك ، أما إذا كان عدد الخانات رباعيا ، فلا مانع أبدا إن كانت برتبة ضابط مع عدد لا محدود من النجوم .

وإذا كان (( أبو علاء )) سعيد الحظ وعثر على فتاة في مجتمعه لديها جنسية بلاد (( العمو سام )) ، فلن يكترث حينها إن كانت رجلا متخفيا برداء أنثى ، فهي ستكون الخريطة التي ستقوده إلى جزيرة الكنز .

أما إذا كانت الأقدار معاكسة لطموحات (( أبو علاء )) فإنه سيضطر الرضوخ مرغما في النهاية لتهديدات سطوة رغبات والده ، والذي يمني النفس بمشاهدة حفيده قبل الممات ، وسيسارع بالزواج من دجاجة وطنية زهيدة الثمن مشهود لعائلتها بأنهم يبيضون في كل عام .

(( أم علاء )) ما سيشغل تفكيرها في سنوات الزواج السعيدة ، هو أن تركب سيارة ، وأن تتملك بيتا ، وأن تنجب علاء وإخوانه وأخواته ، وأن تقضي وقتها في بث الهموم لوالدتها وصديقاتها عن سوء معاملة أهل زوجها ومشاكل الأولاد وغيرها الكثير الكثير ، ولكن (( أم علاء )) لن يكون لديها في خضم كل هذه الأحداث وقت للإهتمام أو الاكتراث فيما إذا شاهدت (( أبو علاء )) متسمرا أمام التلفاز لمشاهدة (( Beren )) فمن وجهة نظرها أنه مهما أبحر في خيالاته وأحلامه ، فلن يصل في النهاية إلا (( لزنوبة أم علاء )) المزركشة ببقع (( الكلور )) ، وتعتقد (( أم علاء )) أن رائحة الثوم والبصل المنبعثتان من فمها عندما تأتي إلى فراش الزوجية في كل ليلة هو المسبب الرئيس لاستمرار التناسل والحب ، في حين أنها على ما يبدو لا تزور الصيدليات كثيرا لتلاحظ حجم الإنفاق الهائل على حبوب النشاط التي تكون لـ (( أبو علاء )) وأمثاله كحبوب المخدرات التي تساعدهم على تخيل (( أم علاء )) كـ (( Beren )) ، فالمشكلة ليست فقط بجسد (( أم علاء )) الذي يتضاعف أكثر من خمسة أضعاف على أقل تقدير بعد الولادة الأولى ، بل المشكلة الرئيسة في أن (( أم علاء )) تتقن كل الأدوار في هذه الدنيا إلا الدور الأهم لها في كيفية الهيمنة على قلب رجلها ، ولذلك يصبح (( أبو علاء )) في رتبة الحج الوقور وهو لايزال في ريعان الشباب .

وردود الأفعال لأمثال (( أبو علاء )) أمام هذا السيناريو المفترض تختلف من رجل إلى آخر ، فقد يسلم لنصيبه وقدره ويسير مع (( أم علاء )) إلى طريق السكري والضغط وغيرها من الأمراض السارية في هذا المجتمع ، أو قد يتمرد على درب الهلاك الذي لا تبذل (( أم علاء )) أي مجهود لتغييره ، ويتزوج عليها إن هبت رياح مادية مواتيه ، أو قد يكتفي بالبحث عن نزوات عابرة تجدد له شبابه المندثر منذ السنوات الأولى في حياته مع (( أم علاء )) ، أو سيظل هائما في بحر الخيال مع (( Beren )) الذي لن يكلفه الاستمتاع بحسنها سوى فاتورة الكهرباء .

(( أبو علاء )) الذي لم يرزق بـ (( علاء )) بعد ، يخاف من المصير الذي قد ينتظره ، ولذلك قرر أن يبحث بين العازبات على من لديها ربع أنوثة (( Beren )) ، لعل وعسى يتمكن من الفرار من ذلك السيناريو الأسود الذي ينتظره مع حبيبته (( أم علاء )) ، ولكنه عاد يجر وراء ظهره أذيال الخيبة والحسرة ، إذ اكتشف أن معظم الفتيات في مجتمعه ، مظهرا وفكرا وسلوكا وشخصية ، يرفعون سارية مستقبلهم منذ الآن وقد نقش عليها عبارة في غاية الروعة (( كلنا أم علاء )) .

السبت، 26 فبراير 2011

ماذا أفعل بلساني ؟

على ما يبدو أن ثورة باتت وشيكة الإندلاع على عاداتي الرافضة للتنحي عن سدة التحكم بمجريات حياتي ، وهذا ما تأكدت منه وأنا أغادر المسجد بعد صلاة يوم الجمعة ، إذ تمزق معطف الخشوع الذي كنت سعيدا بارتدائه ، بمجرد انطلاقي بالسيارة أمتارا قليلة ، عندما داهمتني سيارة مسرعة قادمة من طريق ممنوع ، وبرضا من الله و الوالدين ، نجوت من كارثة اصطدام محتومة الحدوث ، إلا أن لساني الذي كان يحاول جاهدا تعويض ميزان حسناته بكلمات الاستغفار والتسبيح والتكبير والتحميد ، والتي كان للتو يرددها في المسجد ، أضاعها بأقل من عشرين ثانية ، بعد أن استنفر كعادته مطلقا أكثر من خمسين شتيمة نابية .

أعود إلى المنزل ، وأحاول استعادة سكينتي مجددا قبل أن أتورط بمشاجرة قد تنشب مع زوجتي لأسباب تافهه ، وبالفعل أدخل وقد ارتسمت على ملامحي المضطربة ابتسامة مصطنعه ، أقبل الأولاد بشفتين باردتين ، وأنادي زوجتي بصوت رزين أجتهد بضبط أوتاره ، لترد على ندائي بصراخ تهتز جدران المنزل من قوته ، وعندها لا أتمالك السيطرة على لساني العزيز ، فأهرب إلى المطبخ وأغلق الباب ، إيذانا ببدء انطلاق حفلة غنائية من الشتائم ، والتي تفوق في مدتها ، سهرة الطرب الشهرية لسيدة الغناء العربي (( أم كلثوم )) في زمن الفن الجميل .

نذهب عند والدتي لتناول وجبة الغداء كما هي العادة في كل يوم جمعه ، وليس هنالك من ضرورة البتة كي أحدثكم عن ماهية الوجبة التي تكون في انتظارنا ، فهي وبكل تأكيد ، الوجبة الأزلية الخالدة (( المقلوبه )) ، نأخذ أماكننا على الطاولة المستديرة ، أتناول أول ملعقة من الرز الخالي من القرنبيط أو الباذنجان لأسباب تتعلق بمحبتي المعاكسة لهما ، وأتبعها بقطعة من اللحم التي تقفز برشاقة إلى شرخ طاحونتي المعطوبة منذ شهر رمضان المنصرم ، فأقفز من مكاني لشدة الألم ، ولكن ذلك لم يثني من عزائم لساني على شتائمه .

أتأهب لاصطحاب زوجتي وأولادي إلى نزهة يوم الجمعة ، والتي أصبح مقصدها لا يتغير في فصل الشتاء لأسباب اقتصادية بحته ، ولهذا فإن (( المول )) الذي يبعد عن منزلنا لمسافة لا تتجاوز العشرة كيلومترات ، يكون لنا المأوى والمستقر ، وما أن بدأت استرجع هدوئي واستجاب لساني السليط لرجائي ، كي يطمس شتائمه بمداعبات وملاطفات رقيقة للأولاد ، حتى تلاشى كل ذلك بمجرد وصولنا إلى الشارع العام ، فقد كان شرطي السير بانتظار كل من لم يطوق صدره بحزام الأمان ، فيحاول لساني وبكل ما أوتي من جلد وصبر ، التحدث مع الشرطي بأسلوب لطيف ، لعل وعسى أن يخلي سبيلي دون تحرير مخالفة سير ، ولكن هيهات هيهات ، فأذن من طين وأذن من عجين ، لأستلم المخالفة وأتابع مسيري إلى (( المول )) وقد فرض لساني بشتائمه الصمت المطلق على أفراد عائلتي .

ندخل (( المول )) ونتوجه إلى صالة الألعاب التي امتلأت عن بكرة أبيها بسبب تخفيضات الأسعار المذهلة المعلن عنها في الصحف ، أزاحم الصفوف عند كل لعبة يصر الأولاد على اللعب فيها ، ويجاهد لساني رغباته المعتادة للشتائم ، وخصوصا عندما يتصبب العرق من كافة أنحاء جسدي بعد أن أكون محاطا مع الأولاد من الأمام والخلف بجثث آباء ضخمة ، إذ نصبح عاجزين عن الحراك وتتوسل عيوننا قفص اللعبة كي يفتح قبل أن يقضى علينا بسبب حالة اختناق ، وقد وصلنا في ذلك اليوم إلى لعبة (( السفينة )) ونحن على شفا حفرة من الإغماء ، فتهم ابنتي للجلوس في المقعد الأمامي ويلحق بها شقيقها كي يجلس بجانبها ، ولكن السيد القبطان ، عفوا السيد المشرف على اللعبة ، يدفع بولدي كي يجلس في الخلف ، وعندها شرعت بمناداته بصوت مرتفع بسبب الضجيج الذي يعج به المكان ، فالتفت نحوي وعيونه تقدح شررا ، وأجابني بنبرة قاسية بحجة أنني لم أكن مهذبا على حد مزاعمه ، معللا ذلك بطريقتي الفظة بالنداء ، وهنا لم يتمكن لساني من التحمل أكثر ، وأمطر صالة الألعاب بشتائم تواصل هطولها دون توقف .

نعود إلى المنزل في المساء ، وأتسمر أمام التلفاز لمتابعة أخبار الدنيا وتحديدا بشقيها المحلي والعربي ، ومن صخب الأحداث التي لا تكون مفرحة قط ، أتوسل لساني الحبيب كي يحتسب ويستغفر ، ويبتعد عن التفوه بأية شتيمة من شتائمه المعتادة ، فبالإضافة إلى ما يتسبب به لساني من جراء ذلك بعجز مستمر في ميزان الحسنات والسيئات ، فإن ولدي الذي لم يتجاوز العامين ونصف العام بات يكرر كل كلمة تتردد لمسامعه ، وكالمعتاد فقدت زمام السيطرة على لساني أمام بعض الأخبار ، لينطلق حينها صوت طفولي يحبو بالنطق الصحيح للشتيمة الأخيرة التي أطلقها لساني ، وحدث ما كنت أخشاه ، واستمر ولدي بتكرارها طوال الليل والنهار ولغاية لحظة كتابة هذا الإدراج ، فماذا أفعل بلساني ؟

الثلاثاء، 22 فبراير 2011

أحفاد عمر المختار

أعتذر منكم يا قراء مدونة أفكار وتساؤلات الكرام ... دماء أحفاد شيخ الشهداء عمر المختار التي تراق في هذه اللحظات ... جعلت قلمي عاجزا عن الكتابة تماما ...

اللهم ارحمهم يا رب العالمين ...

السبت، 19 فبراير 2011

قصة مدون

كان ياما كان ، وفي ذات ربيع من نيسان ، كان هناك أشخاص يجتمعون في بيت إلكتروني يدعى (( Blogger )) ، يتبادلون فيه الآراء والأفكار ، ويسردون مشاهداتهم وملاحظاتهم اليومية ، أو يستعرضون تجاربهم الشخصية وخبراتهم الحياتية ، فأحيانا تجدهم يتشاركون في ذكريات جميلة من الماضي البعيد ، وتارة أخرى تجدهم يتحدثون عن أحلام وأمنيات مستقبلية ، أو عن مناسبات وأحداث لحظية ، فتجد أقلامهم تخط وفي كل لقاء يجمعهم ، أجمل معاني التواصل والتفاعل الإيجابي في مختلف الجوانب الإنسانية .

وفي يوم من الأيام ، طرق بابهم العنكبوتي أحد الأشخاص ، وقال لهم أنه كان يسكن في هذا البيت قبل مجيئهم ، ولكنه لم يكن يريد منهم أن يرحلوا ، بل أراد أن يكون واحدا منهم ، ويتشارك معهم في تلك اللقاءات الجميلة التي كانت تجمعهم .

مشرفة البيت (( Whisper )) وافقت على انضمامه ، ولكن شريطة خضوعه لفترة تجربة لا تقل مدتها عن ثلاثة شهور ، فإذا أثبت خلالها قدرته على اختراق قلوب الآخرين بكتاباته ، وبتواصله معهم ، فسيبقى ، وبخلاف ذلك ، سيتوجب عليه الرحيل والعودة من حيث أتى ، وليبحث حينها بين محركات البحث عن بيت إلكتروني آخر ، إذ أن مشرفة البيت وقتها لم تكن تعلم أنه إذا ما دخل بيتا إلكترونيا ، فالإبتسامة لن تفارق أهله أبدا .

في ذلك الوقت ، كنت قد تشاركت مع أصدقائي في الركن المخصص لي في بيتنا الإلكتروني ، بموضوع كان بعنوان (( خالفني يا سيدي )) ، ولم أنتظر يومها سوى تعليق واحد ، حتى حضر ذلك الشخص وبدأ يتحدث عن الموضوع ، بهرني بأسلوبه المختلف في الكتابة ومنذ اللحظة الأولى ، ولست أقصد هنا الحديث فقط عن جماليات العبارات اللغوية ، بل ما لفت انتباهي أنه زج ببضع كلمات في سطر كان يبدو فيه وعند وهلة القراءة الأولى في قمة الحزم والجدية ، ولكن تلك الكلمات التي دمجها بين السطور ، قلبت الموقف عندي رأسا على عقب ، فلم أجد نفسي إلا وأنا أضحك من أعماق قلبي وليس من أعماق حلقي وحسب ، كان السطر الذي كتبه يقول : (( تخوفي أن تتفاقم الأمور لحد الانفجار ويبدأ كل واحد بأخذ حقه بيده ... وأسنانه كمان )) .

وكانت تلك هي البداية ، فأينما ذهبت وأينما توجهت وأينما تجولت في أرجاء بيتنا الإلكتروني ، أجده في كل مكان ، وقد تغلغلت محبته في قلوب الجميع ، إذ كانت لديه قدرات مذهلة في التواصل معهم ، وكأنه يعرفهم منذ زمن بعيد .

والأجمل من هذا كله ، أنه كان استثنائيا بثقافته التي كان يملكها ، فهي لم تكن سببا في تشبثه بمنصة الغرور والتعالي على الآخرين كما هي حال العديد من المثقفين في هذه الأيام ، بل إن فهمه وإدراكه الصحيح للعلم والمعرفة والثقافة ، كانا دربه الممهد لإتقان فن محاكاة كل صنوف أهل بيتنا الإلكتروني ، وهذه موهبة ربانية لا تؤتى إلا لذي حظ عظيم .

سألني أحد الأشخاص في يوم من الأيام عن سر ذلك الشخص ، فأجبته : (( هو عبقري ، والسبب أنك عندما تتواصل معه سواء بقراءة مايكتبه في زاويته أو عند متابعة ما يكتبه في زوايا الآخرين ، تجده يتمكن من الإنتقال بمشاعرك وبعذوبة لا متناهية من رتابة السأم إلى مطلق الإثارة ، ومن كآبة الأحزان التي تعصف أيامنا إلى واحات الهدوء والراحة والإبتسام ، ومن حالات مستعصية لفقدان شهية الكلام والتواصل إلى نهم الحديث والحوار ، إنه كائن اجتماعي مع مرتبة الشرف والتميز )) .

ولقد كانت النتيجة الحتمية لذلك ، أنه لم يكمل فترة التجربة ، إذ هب الجميع وبصوت واحد : (( هيثم منحبك )) .

هذا الإدراج إهداء متواضع مني لأخي وصديقي وزميلي الحبيب (( المدون هيثم الشيشاني )) صاحب مدونة (( تأملات غير آمله )) ، وأحيطه علما أن غيرته لم تكن في مكانها أبدا ، لأن مكانته عندي غالية وجدا .

الثلاثاء، 15 فبراير 2011

يا حبيبي ... يا رسول لله

غطت في سبات عميق ، وإذ بها تسمع صوتا يناديها من بعيد (( لقد حملت يا آمنة بخير الأنام )) ، وعندما أكمل شهر ربيع الأول اثنتي عشرة ليله ، لم تشعر بثقل الحمل وآلام الولادة كغيرها من نساء الأرض ، فلقد بزغ نور الحق في يوم الإثنين من عام الفيل ، ليولد سيد الخلائق والبشر ، رافعا رأسه إلى السماء ، التي عجت بالشهب الطاردة لمسترقي السمع من وراء بوابات عرش الرحمان ، وحفت الملائكة البيت العتيق بأجنحتها ، ونكست أصنام الشرك رؤوسها ، وخمدت نيران فارس ، وتساقطت تيجان ملوك الدنيا وتلاشت ، فالعزة لن تكون إلا لله ورسوله والمؤمنين .

ولد صلى الله عليه وسلم يتيم الأب ، وما لبث أن أصبح يتيم الأم بعدها ببضع سنوات ، ولكن جده (( عبد المطلب )) سيد قريش وزعيم مكه ، وعمه (( أبو طالب )) من بعده ، كانا له الأب والأم في صباه وشبابه ، ليكبر ويترعرع ذلك الفتى القرشي الهاشمي العربي في بيوت الأصالة والشهامة ، ويكون استثنائيا في مكارم أخلاقه التي جعلت قومه يطلقون عليه لقب (( الصادق الأمين )) .

وما أن أتم الخامسة والعشرين من عمره ، حتى دون لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع القصص وأجملها في العلاقات الزوجية ، مع سيدة كانت تتقن كل الأدوار التي يتشوق لها الرجل في امرأته ، فلقد كانت حبيبته وأمه وصديقته ، وما أصعب أن تجد امرأة تجتمع فيها كل تلك الأحوال ، ولكن ذلك ليس غريبا على من تأصلت فيها خصال حميدة يعجز القلم عن سردها ، فبعفتها وعقلها وحزمها نالت لقب (( الطاهرة )) في الجاهلية ، وأضحت بعد ذلك سيدة الإسلام الأولى (( السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها )) .

وعندما أصبح عليه الصلاة والسلام في الأربعين من عمره ، تحين لحظة اللقاء الموعود مع سيد الملائكة (( جبريل عليه السلام )) ، لتنطلق بعدها رحلة الدعوة في إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، وقد ابتدأت بفعل أمر سيظل الإذعان له طريق النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة (( اقرأ )) .

لم يكن الطريق معبدا أمامه عليه الصلاة والسلام في دعوته إلى دين الإسلام ، ولقد لاقى الأذية من القريب قبل البعيد ، ومع هذا ظل صابرا محتسبا ، متمسكا برسالته ، لاتثني عزائمه كل وسائل الترغيب والترهيب ، ليدون للبشرية دروسا لن تتكرر في المثابرة والإصرار على إكمال طريقه للنهاية ، فيقول لعمه (( أبو طالب )) عبارة خالدة إلى قيام الساعة : (( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهر أو أهلك دونه )) .

ويأتي عام الحزن ، ويفقد صلى الله عليه وسلم أعز الناس إلى قلبه (( زوجته وعمه )) ، ويذهب إلى الطائف ، ويتعرض للأذية والسخرية من صغار أهلها وسفهائهم ، ولكن قلبه الكبير المتسامح ، وإخلاصه ووفاءه لرسالته ، ومحبته الخالصة لأمته ، جعلته يرفض دعوة (( ملك الجبال )) الذي كان ينتظر إشارة من النبي عليه الصلاة والسلام ، ليطبق الجبال على الطائف وأهلها ، فكان جواب الرسول العظيم له بالرفض معللا : (( بل أرجو أن يخرج الله تعالى من أصلابهم من يعبده ولايشرك به شيئا )) .

لتكون هدية الرحمان لحبيبه بعدها ، بلقاء استثنائي عند سدرة المنتهى ، من غير حجاب ولاحاجز ، وبمسافة كانت قاب قوسين أو أدنى ، ما وصلها ولن يصلها أحد غير الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ، بعد رحلة بدأت على ظهر الحصان الطائر (( البراق )) من مكة المكرمة إلى بيت المقدس الشريف ، ومن ثم إلى السماوات العلى ، ليسطر لنا عليه الصلاة والسلام في تلك الرحلة أحوال السماء وأهلها ، ويصف لنا طريق الجنة والنار ، ويسرد لنا لقاءه مع هادم اللذات ومفرق الجماعات (( ملك الموت )) ، ليذكرنا أننا مهما عشنا في هذه الدنيا ، فلا بد لورقة أعمارنا أن تصفر وتسقط ، معلنة لحظة الأجل التي لامفر منها ، وهكذا كانت رحلة الإسراء والمعراج العظيمة .

وتأتي بيعة أهل يثرب ، ويهاجر النبي عليه الصلاة والسلام برفقة صديقه (( الصديق )) رضي الله عنه ، تاركا وراءه لوعة الحنين والأشواق إلى مسقط رأسه وذكريات شبابه وصباه ، فلا يلتفت إلى الخلف قط ، بل تتجه أنظاره إلى مدينة ستعج بالنور لقدومه ، ويعلو فيها صوت التوحيد ، وتكون منبرا ينطلق منه الإسلام بعدها إلى كل بقاع الدنيا ، فيهلل أهل يثرب بقدوم البدر الذي سينير لهم عتمة سماء حياتهم .

ويآخي النبي عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار ، ويعلمهم أن هذا الدين يجمعهم ، ويألف بين قلوبهم ، ليكونوا كالبنيان المرصوص ، وأنهم إذا تنازعوا على عرض الدنيا ومتاعها ، حتما سيفشلون وتذهب ريحهم ، ولذلك كان يعلمهم دوما أن مثلهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .

وبهذه العقيدة الراسخة في القلوب قبل الجوارح ، بدأت الدولة الإسلامية بإرساء قواعدها ، وبدأت أعداد المسلمين بالتزايد ، وانطلقت جيوش الإسلام تحمل على كتفيها رسالة التوحيد ، وتحقق وعد الله عز وجل لرسوله الكريم ، ودخل مكة المكرمة فاتحا ، وحطم بيديه الشريفتين كل مظاهر الكفر والشرك وهو يردد قائلا : (( جاء الحق وزهق الباطل ... إن الباطل كان زهوقا )) ، ويحج بيت الله الحرام بعدها ، ويلقي خطبة الوداع الخالدة مبتدئا بعبارة أخشى أن يكون الكثير من المسلمين في هذه الأيام قد غفلوا عنها : (( إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا )) .

ويعود صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة بعدها ، ويذهب لزيارة شهداء غزوة (( أحد )) ويخاطبهم قائلا : (( السلام عليكم يا شهداء أحد ... أنتم السابقون ونحن انشالله بكم لاحقون )) ، ويشتد الوجع على الرسول الكريم بعد ذلك ، وقد كان يبيت عند السيدة ميمونة رضي الله عنها ، وهنا يعلمنا عليه الصلاة والسلام درسا رائعا في احترامه لزوجاته ، إذ يدعوهم جميعا في ذلك اليوم ، ليستأذنهم في المبيت عند السيدة عائشة رضي الله عنها ، ويشتد الألم بالرسول عليه الصلاة والسلام أكثر ، ويعجز عن النهوض ليقبل ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها من بين عينيها كما هي عادته ، وهنا درس آخر من الرسول الأب عليه أفضل الصلاة والسلام ، لينام بعدها على صدر زوجته عائشة وهو يردد قائلا : (( بل الرفيق الأعلى ... بل الرفيق الأعلى )) ، فتسقط يده الشريفة ويثقل رأسه على صدرها ، فتدرك أنه مات ، فتخرج من حجرتها لاتدري ماذا تفعل ، وتتوجه إلى المسجد وهي تصرخ منتحبة : (( مات رسول الله ... مات رسول الله )) ، فانفجرت المدينة المنورة بالبكاء ، إلا رجل واحد لم يظهر حزنه للناس مع أنه كان الأقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، إنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، ليتوجه إلى حجرة النبي الكريم ، يحضنه ويقبله ، ثم يخرج على الناس قائلا : (( من كان يعبد محمدا ، فمحمد قد مات ، ومن كان يعبد الله ، فإن الله حي لايموت )) .

وهكذا صعدت روحه الشريفة إلى بارئها في يوم الإثنين الموافق الثالث عشرة من شهر ربيع الأول عن عمر يناهز الثالثة والستين ، بعد أن علمنا بسيرته العطرة دروسا لن تتكرر أبدا في تاريخ البشرية ، ولذلك فإن ذكرى المولد النبوي الشريف التي تصادف في هذا اليوم هي وبكل تأكيد ذكرى لبزوغ فجر الإسلام ، ولكنها في الوقت ذاته ، مدعاة للبحث والتعلم والتأمل والتفكر في ذلك المنهج العظيم الذي دونه لنا عليه الصلاة والسلام بسيرة حياته التي ليس لها من مثيل .

اللهم صل وسلم وبارك على الحبيب المصطفى وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

الاثنين، 14 فبراير 2011

كل عام وانت مليكتي

يقولون أن اليوم هو عيد للحب ، وهذا ماكنت أعتقده قبل أن تشرق شمسك في سماء حياتي ، لم أكن أعلم أنه يدخر لقلبي في كل عام ، ما كنت أجزم أنه محض من خيال ، كل عام وأنت مليكتي .

نبذت وراء ظهري كل أساطير الغرام ، وكفرت بكل المذاهب العشقية والمناسبات العاطفية ، فهذا اليوم هو عيدي أنا ، وفرحتي أنا ، وكيف لايكون ؟ وهو الذي جعل حلمي بلقياك يتحقق ، كل عام وأنت مليكتي .

هل اعترفت لك قبل اليوم أنك امرأتي الأسطورية ؟

وهل غفل قلبي أن يقسم أنك (( ست النساء )) ؟

لا ... لا ... فأنت ملكة الملكات ، واليوم لابد أن أقبل البطن الذي حملك ألفا ، بعد أن جعل حضورك لحياتي حقيقة راسخة ، تتجدد كلما احتفل العشاق بعيدهم ، كل عام وأنت مليكتي .

لم أكن أتخيل أننا نرسم أقدارنا بأقلامنا ، وأن شرارة الحب الأسطوري لايشعلها إلا لقاء أرواح كانت تسبح في فلك الأحزان ، كل عام وأنت مليكتي .

سيحتفل بك اليوم الأقارب والأصدقاء ، ويطفئون معك شموع العيد ، وستتبادلين معهم التهاني والأمنيات بالعمر المديد ، وسيتهافت على قلبك الفرسان ، أما أنا فسأقف في الركن البعيد عن حياتك الواقعية ، ليس لي إلا القول ، كل عام وأنت مليكتي .

قد تمضي الأيام والسنين ، وأحتفل لعقود قادمة بهذا العيد على طريقتي ، فأنا قد لا أكون إلا بطلا من ورق لأسطورتك العشقية ، لكن سألتك بالله أن لا تكتبي خاتمة لها ، فحبر الأيام لن ينضب طالما نحن على قيد الحياة ، كل عام وأنت حبيبتي .

أترانا لو اطلعنا على الغيب هنيهة لاخترنا الواقع ؟ وأننا لو كنا ندرك أن أقسى الأوقات عسرا سيتبعها قطعا أوقات يسر حتى ولو بعد حين ، فهل كنا حقا سننتظرها ؟ أم أننا كنا سنمضي مع أول قطار عابر يأخذنا بعيدا عنها ، لكي ننسى آلامنا وأحزاننا التي مابرحت تطاردنا ، على الرغم من اعتقادنا أننا ابتعدنا عنها مذ رحلنا عن تلك المحطة ؟ قد لا أكون مكترثا اليوم بالإجابة على هذه التساؤلات ، لأنني أدركت سعادتي يوم هبت نسائم عطرك من فوق حواجز الكلمات ، كل عام وأنت مليكتي .

قلبي الآن كسفينة في عرض البحر ولن تعود أدراجها إلى الميناء الذي أبحرت منه ، بل ستمضي في رحلتها ، لعل الأقدار تكتب لها في يوم أن ترسو في ميناء عينيك ، وعندها ستكون فرحتي كفرحة طفل تائه عاد إلى صدر أمه ، وكدمعة شوق من طال غيابه عن أرض وطنه ، كل عام وأنت مليكتي .

السبت، 12 فبراير 2011

السبب والمسبب

من يوم الأحد وحتى يوم الخميس ، كل أربعة أسابيع ، وعلى مدار عشرين شهرا متتاليا ، أخرج من عملي ، وأركب سيارتي متجها إلى منزلي فورا ، كطالب نجيب لايتأخر عن موعد حصصه المدرسية أبدا ، وفي طريق عودتي التي لا تتجاوز مدتها الربع ساعة ، تضيق بي الأرض بما رحبت ، من مطاردة النظرات الفضولية لي ، ولكن لماذا تطاردني ؟ ليس بسبب جمالي الفتان طبعا ، وليس بسبب أنني أقود سيارة فارهة طبعا ، وليس بسبب هيبة مظهري وهندامي طبعا ، وليس بسبب أن امرأة حسناء تجلس بجواري طبعا ، وليس ... وليس ... وليس ... كفاك (( رغيا كالصابون )) ، لماذا ينظرون إليك إذا ؟

السبب هو أنني أعاني ومنذ صغري من عادة كنت أعتقد أنها تتسبب في مرض نفسي خطير ، وحتما تودي بمن يفرط في ممارستها إلى عالم الجنون ، ألا وهي عادة الحديث مع النفس ، ولكن بعد قراءتي مؤخرا ، لعدة مقالات طبية متخصصة في علم النفس على الشبكة العنكبوتية ، حول هذا الموضوع ، تبين أن مخاوفي لم تكن في مكانها ، إذ أثبتت دراساتهم أن أسلوب الحديث مع النفس ، هو علاج فعال للحد من وتيرة الضغوطات النفسية ، ولذلك سأشكر والدي الذي أورثني هذه العادة ، التي ما ينفك عن ممارستها كلما اختلى بنفسه فجرا في دورة المياه ، ولابد أن ابنتي (( ياسمين )) ستشكرني أيضا في المستقبل ، بعد أن بدأت ألاحظ ظهور الأعراض الأولية لهذه العادة عندها كلما كانت في خلوة مع ألعابها ، ومما لاشك فيه أنني لن أتعرض بعد اليوم للنقد اللاذع من زوجتي ، كلما استيقظت مذعورة من نومها صباحا على صوتي ، في أثناء النقاشات المحتدمة مع نفسي ، وأنا أصفف شعري أمام المرآة .

لن أكترث بعد اليوم لروايات سائقي (( التاكسي والسرفيس )) وهم يشرحون لركابهم حالتي ، ويعزونها إلى الأوضاع المعيشية الصعبة ، فلقد حدث في أحد الأيام أنني قررت الذهاب في (( السرفيس )) المتجه من جبل الحسين إلى وسط البلد ، ولقرائي الذين لا يعيشون في الأردن ، (( فالسرفيس )) هو سيارة أجرة لها خط مسير ثابت ، وحمولتها أربعة أشخاص ، ولقد كنت في ذلك اليوم قد صادفت السائق الذي ركبت معه على إشارة ضوئية أثناء عودتي إلى المنزل ، ولاحظت قبيل سطوع الضوء الأخضر للإشارة ، أن ذلك السائق قد أطال التحديق بي ، إذ أن لفتة فجائية مني لليمين ، كانت سببا كافيا له لإشاحة وجهه مسرعا ، أعتقد أنه أصيب بالهلع والخوف ، فالمجانين لايمكن التنبؤ بمخاطر سلوكياتهم أبدا ، لاشك أن ذلك ما كان يدور في خلده حينها .

وتشاء المصادفات وبعد ثلاث ساعات ، أن أكون أحد رفاق رحلته الذين سيروي لهم حكاية ذلك الشاب ، وبما أنني كنت أجلس خلفه ، واستبدلت ثياب عملي الرسمية بثياب (( casual )) ، فلم يلاحظ أن بطل روايته سيكون حاضرا بشحمه ولحمه على المقعد الخلفي .

وقبل أن أحدثكم عن روايتي بلسانه ، فقد نسيت أن أصفه لكم ، فهو على مايبدو بالعقد السادس من عمره ، ويرتدي (( كوفية وعقال )) ، لون بشرته سمراء ، وكثافة شاربيه تكاد تطمر حفرتي أنفه ، وشعر لحيته كرؤوس المخرز ، وملامح وجهه القاسية تذكرني تماما بمدير مدرستي الإعدادية عندما كان يرتدي (( الكوفية )) في الشتاء ، ولست أدري لماذا خيل إلي أنه ضخم جدا ، على الرغم من أن مقعده يكاد يكون ملتصقا بمقود السيارة ، هل السبب أن ضخامته تتركز في نصفه الأعلى فقط ، ولاتنطبق على نصفه الأسفل ؟ ربما .

كان يعبث بإبرة المذياع بحثا عن نشرة الأخبار ، وما أن تحقق مراده ، حتى بدأنا جميعا بسماع النشرة على الدرجة القصوى لإمكانيات المذياع الصوتية ، لدرجة أنني شعرت لوهلة أن السماعات من خلفي تكاد تنفجر وبفاصل زمني قصير جدا عن انفجار يتبعها في طبلة أذني ، وخصوصا أن رداءة الارسال كانت سببا في مرافقة أهازيج التشويش ، ككورال لصوت المذيعة .

تبدأ النشرة بالحديث عن أخبار التشكيلة الوزارية المتوقعة ، والعمل الدؤوب لرئيس الحكومة الجديدة وما يبذله من عناية حثيثة في اختيار وزراء أكفاء قادرين على تحقيق الأمل المنشود بالإصلاح ، وفي هذه الأثناء يتدخل السائق بخبرته الطويلة في المجال السياسي : (( هاظي الحكومة يا إخوان رح تقضي على الفساد وبكره بتشوفو )) ، يتدخل الراكب الذي يجلس إلى جواره وعلى طريقة أبو محجوب : (( هلا عمي )) ، تنتقل المذيعة للخبر التالي ، والذي يتحدث عن آخر التطورات في العالم العربي ، وتأكد أن جامعة الدول العربية ستعقد اجتماعا طارئا تبحث فيه سبلا جديدة لقمع شعوبها المتمردة على سياسات حكوماتها الرشيدة وبدون اللجوء إلى العنف ، كي لا يتكرر ما حدث في تونس ومصر ، فهناك اتفاقيات مع أمريكا واسرائيل ولايجوز خرقها ، فالمواطن العربي يجب أن ينحصر تفكيره في الأكل والشرب والنوم فقط ، وهنا يتدخل السائق مجددا : (( إحنا شو بدنا غير هيك ، وعلى رأي المثل : طعمي التم تستحي العين )) ، الركاب لايبدون أية رغبة في التعقيب على كلامه .

الخبر التالي كان مفاده اكتظاظ وسط البلد القديم بأعداد هائلة من المجانين ، وهنا ضرب السائق بكف يده التي تضاهي بضخامتها على ما أعتقد عشرة أضعاف كف قدمه ، فخذ الرجل الجالس بجواره ، كمحاولة لإخضاع سمعه للرواية التي سيسردها عن ذلك الشاب الذي كان يتحدث مع نفسه ، مبتدئا كلامه بالقول : (( صدقني يا خال ، كثير صار عندنا مجانين في البلد ، اليوم مثلا ... )) وقبل أن يتابع حديثه ، ينظر نظرة خاطفة إلى المرآة ويحدق بالركاب الجالسين في الخلف ، ثم يردف قائلا : (( والحكي للجميع )) ، فيرد الركاب عليه وبصوت واحد : (( ولاتهون عمي )) ، ويشرع بالحديث متأثرا وحزينا لما رآه من ذلك الشاب الذي كان من وجهة نظره كوردة جورية أينعت في ربيع العمر ، ويسأل مستنكرا عن السبب الذي أودى به ليصل إلى تلك الحالة المؤسفة ، فيتدخل الراكب الجالس إلى جواره : (( أكيد كان بحب بنت وتركتو لأنو مش قادر يشتريلها بيت )) ، ويعقب الراكب الذي يجلس على يميني بقوله : (( أنا بعتقد إنهم استغنو عن خدماتو في العمل وانضم إلى طابور البطالة )) ، المرأة التي تجلس إلى يساري تشترك في النقاش بقولها : (( يمكن يا جماعة متزوج وراتبو مابكفي طلبات مرتو و أولادو )) ، ينظر السائق مجددا إلى المرآة ، وتتقاطع عيوننا معا ، ثم لايلبث التوجه لي بسؤال كنت في انتظاره : (( وانت يا شب شو رأيك ؟ )) ، فأجيبه وبكل هدوء : (( مش مهم السبب يا خال ، المهم المسبب )) ، السائق جافلا : (( شو يعني المسبب ؟ )) ، استطرد قائلا : (( المسبب هو الذي يؤدي إلى حدوث السبب )) ، السائق يتمتم مع نفسه همسا بعد أن انتقلت عدوى المرض إليه : (( هاظا شكلو الشعب كلو رح يصير مجنون )) .

الثلاثاء، 8 فبراير 2011

ما جهلته عن العشق

لم أكن أدري قبل اليوم أن العشاق كاذبون كرجال السياسة ، فهم حين يطمئنون لمحبتنا لهم ، يجافون ، وحين نعزم أمرنا على الثورة ونطالبهم بالتنحي عن عرش قلوبنا ، يتوسلون .

لم أكن أدري قبل اليوم أن في معادلة العشق متغير تابع ومتغير مستقل ، وإذا شاءت الظروف العاطفية لأحبائنا ، باحتلال موقع المتغير المستقل ، فحتما بنتائج انفعالاتنا العاطفية ، سيتلاعبون .

لم أكن أدري قبل اليوم أن لذة العشق تولد من رحم الرغبة المستحيلة ، عندما يكون الحب مندفعا في اتجاه واحد ، مخالفا قوانين الفيزياء العاطفية ، التي أكدت أن لكل محبة متأججة بثورة العشق ، محبة مساوية لها في القوة ، ومطابقة لها في الاتجاه .

لم أكن أدري قبل اليوم أن التاريخ العشقي لايعيد نفسه ، وأن أساطير الحب في القرون البائدة لا تتكرر ، فنحن في عصر المعتقلات الأنانية ، مباح فيها سفك دماء القلوب ، إذا ما راود نبضها أية هواجس في التمرد على محبة الذات .

لم أكن أدري قبل اليوم أن الخارطة العشقية قد تغيرت معالمها ، فالقريب من مدن العيون ، يبتعد عن عواصم القلوب ، والبعيد عن وديان الأجساد ، يلتصق بجبال الروح .

لم أكن أدري قبل اليوم أن قوانين الحياة قد أعيد صياغتها ، وأن جميع نصوص بنودها ، تعاقب كل من تسول له نفسه بالعشق ، وتحكم عليه بالاشغال الشاقة المؤبدة في سجن البلاهة والتفاهة .

لم أكن أدري قبل اليوم أن الحب لايخلق فينا إنسانا أفضل ، إذ أن سلم أولويات المفاضلة قد تغير ، فالمال أولا ، والسلطة ثانيا ، والجاه والعز ثالثا ، عندها فقط تكتمل صورة الإنسان في هذا الزمان .

لم أكن أدري قبل اليوم أنني أخطأت في قراءة الواقع ، وكنت أهيم في عالم الأحلام ، متأثرا بالروايات والأفلام ، فالحب ليس إلا مخدرا ، نحقن به قلوبنا كلما شعرنا بالفشل في تلبية متطلبات حياتنا الرتيبة .

لم أكن أدري قبل اليوم أن العشاق لايلتقون في الدرك الأسفل من بقاع الحرية ، فكيف يمكن لمن يتشبث بدفة رحى الأيام في مسار لايتغير ، أن يتجرأ على انتزاع الأغلال من عنقه ، دون اكتراث لجلدات سياط الكبت المهيمنة على حياته ؟

لم أكن أدري قبل اليوم أنني عشقت امرأة تفرض سطوتها بسيف أنوثتها ، ولاتخاف من يوم ينفجر فيه قلبي مجاهرا برفض سياستها ، ومطالبا باسقاطها عن عرشه أو الموت دونه .