السبت، 29 يناير، 2011

المال وقلب المرأة

كان صباحا رتيبا باعثا على الكسل ، وبما أنه يوم عطلة ، فذلك كان سببا كافيا لي للبقاء في فراشي الدافىء ، وعدم تركه مرغما كما أفعل في أيام العمل ، ومع أن أجواء الهدوء التي تخيم أركان المنزل تكاد تقتلني ، إلا أنني لا أنكر مدى حاجتي للعزلة والخلوة بنفسي ، كي أتمكن من حسم أمر تلك الأحجية المكدرة لصفو مزاجي منذ عدة أيام .

بدأت عيناي تسارع الدوران في محجريهما ، مخترقتان فراغ الغرفة شبه المظلم ، وراقبت بصمت ولوج طرقات قلبي إلى بوابات حنجرتي ، كنت خائفا ، مضطربا ، قلقا ، تحاصرني الهواجس ، وتضيق الخناق على عنق راحتي ، فقدت الإحساس بالدفء ، وتجلدت أطرافي ، وباغت جسدي هجوم مفاجىء من نوبات الإرتعاش .

ركلت ملاءة الفراش ، وحاولت النهوض مسرعا ، لكنني لم أغادر السرير تماما ، بل جلست على حافته ، أتأمل وجهي في المرآة ، دون اكتراث لجولات المصارعة الرومانية التي انطلقت منافساتها للتو بين ركبتي ، وجهت سبابة يدي اليمنى صوب الشخص المتواجد في إطار المرآة ، فبادرني بالحركة ذاتها مستعينا بسبابة يده اليسرى ، صرخت في وجهه قائلا : (( أنت السبب )) ، فتحركت شفتاه بكلمتين لم أتمكن من سماعهما ، مسدت شعري بيدي اليسرى ، فمسد شعره بيده اليمنى ، قطبت حاجبي ، فقطب حاجبيه ، حدقت به وعيوني تقدح شررا ، فحدق بي بطريقة مطابقة تماما ، إنه بلا شك يتحدى صبري على أخطائه المتكررة ، ابتعدت عن السرير ، واقتربت منه أكثر ، وبدأت أصرخ في وجهه ودون توقف : (( أنت السبب )) ، حتى اختفت ملامحه وراء البخار المندفع من فمي ، وإذ بيدي التي كانت ترتجف قبل هذه المواجهة ، تتحول فجأة إلى أفعى تتضور جوعا ، وقد وجدت أخيرا فريستها ، فتشرع بعفر ذلك البخار بشراسة بحثا عن غريمها ، وتنقض بأنياب قبضتها على عنقه ، إلا أن أشلاء الزجاج هبت لنجدة من هو في حماها ، لترد تلك الأفعى خائبة ومضجرة بدمائها .

سالت قطرات الدماء على الأرض كصنبور ماء غفل طفل صغير أن يحكم إغلاقه ، فالتقطت منديلا وضغطته على موضع النزيف ، وطوقت يدي بمنديل آخر ، ثم ما لبثت أن تأبطت رواية كنت قد بدأت بقراءتها في الليلة الماضية ، وسرت بخطوات متثاقلة إلى المطبخ ، بغية إعداد قدحا من القهوة ، أشعلت الغاز بيد مرتبكة ، وتفرست الرفوف بحثا عن البن والسكر ، وبعد معاناة طويلة في إيجادهما ، أعددت قهوتي ، وجلست على منضدة المطبخ ، أقلب صفحات الرواية بتباطىء متعمد ، وكأنني أحاول تجنب قراءة السطر الذي توقفت عنده البارحة ، ولكن عيوني اتجهت وبمحض إرادتها إلى جحر الكلمات ذاته ، لتنبطح أرضا وتلدغ منه مرتين متتاليتين وأكثر ، وما طفقت تصر بعد كل لدغة ، على تكبد ألم مطالعته مجددا : (( ما أصعب أن تحب امرأة تعشق جيوبك لا قلبك )) .

كان كل شيء قد حدث عندما التقيتها بمحض صدفة قدرية في أحد المقاهي ، و جلست على طاولة محاذية لطاولتها ، ومنذ وهلة المشاهدة الأولى لها ، لم أتمكن من مقاومة رغبتي في إمعان النظر بكل تفاصيلها ، أصابتني حالة من الارتباك والفوضى ، إذ لم يحدث مسبقا أن أجد نفسي في حالة إذعان تام ، أنا وحواسي الخمس ، لجمال أنثى قط ، ولقد كانت نظراتي تطاردها من أعلى إلى أسفل ، ومن أسفل إلى أعلى ، بدءا بعينيها المدهشتين في اكتمال استدارتهما ، وقد توشحتا برموش كثيفة ، وحدقتين واسعتين من لون العسل الداكن ، ومرورا بوجنتيها المتوردتين بالفطرة ، وثغرها الخجول الممتلىء ، وصولا إلى خصلات شعرها البنية اللون ، والمنسدلة على كتفيها كالحرير ، وبشرتها الحنطية التي كانت تؤكد على أنوثتها المثالية .

تسارعت نبضات قلبي باطراد مذهل ، وهي تعبر أمامي إلى ركن هادىء لإتمام محادثة هاتفية ، فقد كان جسدها متناسقا كعارضات الأزياء المحترفات ، وعندها فقط ، حزمت أمري لإيجاد طريقة ملائمة في التحدث معها ، ومحاولة جس نبض قلبها فيما إذا كان مشغولا برجل غيري .

يقولون : (( الحب كالحرب ، من السهل أن تشعلها ، ومن الصعب أن تخمدها )) ، ولكنني وجدت أن معركة النظرات التي دارت بيني وبين تلك الفتاة ، لم تكن إلا من طرف واحد ، وهذا كان مبررا كافيا لي للإنسحاب والتراجع من تلك الحرب بأقل الخسائر ، إلا أن الغريب في الأمر ، والذي ظل كأحجية باتت تؤرقني في كل ليلة ، هو أنني وعندما أخرجت من جيبي محفظة النقود المتخمة برزم الدولارات كي أدفع الحساب ، اكتشفت أن تلك الفتاة قد أفرطت في التحديق بي بطريقة مستعصية على الفهم ، وعلى الرغم من هذا الإكتشاف ، غادرت المقهى دون أن ألتفت ورائي ، وأنا أجلد ذاتي بسياط الندم لوقوعي مجددا في فخ سوء تقدير الأشخاص من حولي ، وأتمتم بسؤال نفسي : (( هل المال حقا هو أقصر الدروب إلى قلب المرأة ؟ )) .

هناك 20 تعليقًا:

  1. أنا ما عندي فكرة إنو قصصك واقعية كلها ولا نص نص ولا خيال!!!
    إذا آآه ةجرحت اصبعك سلامات بالأول وما في شي بستاهل :-)
    تاني شي , واقعنا الحالي بقول إنو في كتير بنات نعم والأغلب يمكن كمان ، المصاري بتكون الدافع الأول لإنهم يقبلوا بالشخص ....
    بس لهدول الناس أنا بحكي : يا ماخد القرد على ماله راح المال وضل القرد على حاله ...لووول
    ولي عودة أخرى للتعليق إن شاء الله لإنو هلأ عيوني مسكرة من النعس بس حبيت أسجل أول تعليق هههه :))

    ردحذف
  2. الكلمه الحانيه, النظره الدافئه,الشهامه,الشخصيه القويه,القلب الحنون........
    هذا ما يدخل قلب الفتاه ويصيبه بالصميم باجمل الدقات والنبضات

    لكن في عصرنا الحالي مع شرور النفوس ماتت 'بعض' القلوب وبقيت المطامع و المصالح حب النفس وكره الخير للغير هم من يسيطرون على خطوات الحياه
    واي غذاء لكل ذلك غير حب المال وعشق تملكه!!!

    ردحذف
  3. مع ما نراه و نعيشه من عالم مادي و وسائط تعزز هذا الهوس التسوقي + التسويقي فالإنسان عاجز عن التصدّي بالقوة التي يريد.. ذكرا ً أم أنثى ، صغيرا ً أو كبيرا .

    بعض النساء "بعضنا؟" يضعف و يهتم بالمال و يصبح هو الطاغي على كل شيء، و هذا ليس بعيب و لكن أظن من يردع نفسه و لا يذعن بالكلية و يرجع للأمور البسيطة و الحقيقية الموجودة في العلاقات الإنسانية كلها سيكون أسعد من أسعد مهووس بالمال

    ردحذف
  4. هل المال حقا هو أقصر الدروب إلى قلب المرأة ؟

    بالتأكيد

    surely

    certainement

    Sicherlich

    certamente

    當然

    كتبت الإجابة باللغة العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والصينية

    فالإجماع عالمي على الإجابة

    كل الود أشرف

    ردحذف
  5. orangee

    في البداية وبخصوص تساؤلك عن قصصي مابين الواقع والخيال ... فجوابي تجديه في هذه المقولة للأديب التركي المبدع أورهان باموق : (( الأدب هو موهبة أن نحكي حكايتنا الخاصة كما لو كانت تخص آخرين ، وأن نحكي حكايات الآخرين كما لو كانت حكاياتنا الخاصة )) .

    اصبعي ما انجرح بس عن جد بشكرك والله يسلمك :)

    أنا رح اتوقف عند المثل الشهير اللي ذكرتيه ورح اردده معاكي : (( يا ماخد القرد على ماله ... راح المال وضل القرد على حالو )) .

    في انتظار عودتك دائما :)

    كل الود لحضورك

    ردحذف
  6. ويسبر

    بالفعل المواصفات التي ذكرتها هي التي كانت تحتل قلوب الفتيات دون استئذان في ماض ليس ببعيد ... أما في هذه الأيام وبدون تعميم بالطبع وكما قلتي فقد ماتت بعض القلوب وسادت المصالح والمطامع على حد سواء وأصبحت الأولوية لحب النفس وكره الخير للآخرين وحب بلا حدود للمال وحسب .

    كل الود لحضورك

    ردحذف
  7. هيثم

    هو بالفعل أصبح هوسا ويروج له بطريقة تجعل من الانسان عاجزا عن التصدي له ... ناهيك بالطبع عن الأوضاع الاقتصادية المتردية والتي تلعب دورا جوهريا في تعميق حالة الهوس تلك .

    الحل المناسب أو أقل الخسائر ( ان جاز التعبير ) هو في عدم الاذعان الكلي كما قلت لسلطة المال ، فهنالك بالفعل العديد من الأمور البسيطة والحقيقية الموجودة في العلاقات الإنسانية والتي تحقق السعادة أكثر من المال ... معك كل الحق .

    كل الود لحضورك

    ردحذف
  8. نادر

    بما أن الاجماع عالمي على إجابة ذلك التساؤل ... فليس لي أي كلام بعدها :)

    بس منيح إني عرفت إنك بتحكي لغات عشان قاصدك بمشوار مع جماعه سواح ع البترا ... وبراتب مفتوح ... معلش ضربت عندي اسلاك الواقع والخيال مجددا ... فوج سياحي من وين يا حسره :)

    كل الود لحضورك

    ردحذف
  9. الله يسامحك يا أشرف

    عجقتني أول ما قرأت الرد، فكرت انو في عنجد وفد سياحي، بعدين طلع هذيان!!

    حسابي معك عسير الليلة لما اشوفك

    تحية لأبداعك وطريقة سردك الرائعة في التدوينات والردود على التعليقات أيضا
    :)

    ردحذف
  10. نادر

    من بعض ماعندكم أيها المبدع الكبير :)

    رح أنسيك الحساب لما نسمع برنامجنا اليوم بمشيئة الله تعالى وخصوصا إذا كانت حلقة اليوم عمرانه بأصدقائنا اللي بنستنى تواجدهم دائما :)

    يسعد صباحك

    ردحذف
  11. نادر: هوه قصده إنو في جروب شيشاني عنصري جاي كمان شي شهرين.. فاستعد :))))))
    + إنت بتزاكر من ورانا لغات حديثة و اللا إيه؟

    أنا -للعلم- باخذ 1$ على النص ساعة بالنسبة للغة الشيشانية :P - interested?

    ردحذف
  12. هيثم

    بانتظار الجروب الشيشاني على أحر من الجمر :)

    بس بصراحه ما كان العشم تاخد من نادر حق حصص اللغة الشيشانية ( وقف مذهولا مما قرأ ) :)

    يسعد صباحك

    ردحذف
  13. عشان بالعملة الصعبة يعني!
    طب مااااااااااشي ، و لا يهمك يا أشرف

    71 قرش يا نادر
    و بدون مفاصلة

    ردحذف
  14. بل أنت المبدع الكبير يا أشرف

    قمت بسرد نهوضك من النوم بطريقة إحترافية تأخذ القاريء إلى غرفة نومك،

    (أنصحك أن تنام بكامل قيافتك في المرة القادمة)

    سردك تعدى الحروف إلى صور تأخذنا إلى الأماكن التي تدور فيها أحداث قصصك

    لذلك أنصحك في المرة القادمة أن تستعد لاستقبال القراء في كل مكان تدور به أحداث إدراجاتك

    والله لا أقول هذا لأنك صديق طفولة وعمر

    بل لأنني جد استمتعت بحروفك الرائعة وصورك التي لا يقوى عليها إلا كاتب مبدع بحق

    شيشاني

    انتظر بفارغ الصبر مجيئك إلى الأردن

    مش عشان نسوي فيك مقالب بس عشان نتعلم شوية شيشاني

    لأنو كتير السعر مناسب، يعني بريزة على النص ساعة كتير منيح

    ردحذف
  15. بصراحه هيثم ...

    هيك صار العرض مغري ... أنا لو مكان نادر بقبل وأنا مغمض :)

    ردحذف
  16. نادر

    ماذا سأقول أمام هذه الكلمات العظيمة ... صدقا لست أدري ... لربما أستطيع الآن أن أنام قرير العين ليس بسبب النصائح التي أسديتها لي للتو وحسب ... بل لأنني نلت اليوم شهادة كبيرة من استاذ مبدع تعلمت منه الكثير ... ألف ألف شكرا يا صديقي

    ردحذف
  17. Mar7ba ashraf

    Love the story, you know what? Your so good telling a story because to be honest with you, until know and look how long I have been reading your blog I cant tell when your telling the story about you for real or if it all out of your imagination, and by the way that goes for Nader too lol .mash Allah both of you are so good at what you guys are doing.

    As for you question sadly it is true about 80% of the time a women would choose to go for the man with money. I know it's sad to think that way (and am women saying it) but its true .I
    So agree with Nader with that lol. Come on lets be honest money dose make us happy men or women maybe not happier but at least happy enough don’t you think?lol

    Thank you ashraf
    Have nice day.

    ردحذف
  18. نوارة المدونة

    في البداية أنا بالفعل سعيد أن القصة قد نالت إعجابك :)

    شهادتك غالية جدا على قلبي و لها وبكل تأكيد مكانة خاصة عندي فهي كانت ولازالت الحافز الذي يشجعني ويحمسني على بذل المزيد من الجهد والعطاء وبالفعل فأنا اعتبرك انت ونادر وانا معكم فريقا واحدا بدأ العمل معا ولايزال مستمرا ومتماسكا وهذا حقا أمر رائع جدا .

    بخصوص الادراج فإنني أحييكي على موضوعيتك الرائعة في إجابة التساؤل وأتفق معك في كل ماقلته وبخاصه السطر الأخير :

    ( money make us happy ... maybe not happier but at least happy enough)

    كل الود لحضورك

    ردحذف
  19. لعـــل هناك جوابـــا قرأته اليوم في كتاب ذاكرة الجسد لتساؤلي المسبق هنا في هذا المقال عن ما اذا كان موضوعك هنا وقصصك هناك هي ضرب من الخيال أم من الحقيقة :) فوجدت جوابا جميلا في كتابها يقول : الكاتب انسان يعيش على حافة الحقيقة , ولكنه لا يحترفها بالضرورة , ذلك اختصاص المؤرخين لا غير ...انه في الحقيقة يحترف الحلم ....أي يحترف نوعا من الكذب المهذب , و الروائي الناجح هو رجل يكذب بصدق مدهش أو هو كاذب يقول أشياء حقيقية .
    :)

    ردحذف
  20. orangee

    بالفعل الروائي الناجح هو رجل يكذب بصدق مدهش أو هو كاذب يقول أشياء حقيقية ... هو لايحترف كتابة الحقيقة أبدا لأن ذلك كما قالت سيدة الأدب العربي اختصاص المؤرخين وكتاب التاريخ ... في الرواية هناك الحقيقة وهناك مايتمناه الكاتب لو كان حقيقه وعندما تتبعثر تلك الحقائق معا تكون الرواية ...

    دوما لحضورك وكلامك ونقاشك رونق خاص ومميز :)

    ردحذف