الخميس، 21 مارس، 2013

العزول

أحيانا تجد نفسك مندفعا إلى مواقف شديدة الحرج ، وتحاول جاهدا أن تبحث عن سبيل للخلاص غير المبرر لذنب لم تقترفه بالضرورة ، وأنت لا ينقصك الحياء ولا سرعة البديهة النافذة عبر المصادفات ، ولكن لا تدري إن كنت السبب المباشر أو غير المباشر في امتعاض كل فتاة لحظة خلوتها العاطفية ، وكأنها تود لو أن الأرض تنشق وتبتلعك في جوفها السابع ، بعد تواجدك كضيف ثقيل الظل لم يكن مدعوا في أي حال من الأحوال على مأدبة عشقية أعدتها لحبيبها المفترض .
 
فحين كنت تغط في سبات عميق قبل أن تتأهب الشمس للغروب بعد يوم عمل شاق ، أيقظتك رسالة غير متوقعة على هاتفك المحمول شبه المهمل ، يستجديك فيها صديقك الصيدلي كي تحضر إليه مسرعا في مناوبته الليلة ، لعلك تزجي عليه وحدته في جوف الليل الراكد ، وعندما تطرق باب الصيدلية شبه المغلق ، يستقبلك وهو يحاول جاهدا أن يخفي ملامح توتره التي لم تعلل أسبابها على وجه الدقة ، حين كان يستدرجك من حديث ويمضي بك إلى حديث آخر ، دون توجيه دعوة صريحة لك بالدخول إلى الحجرة الخلفية المتوارية خلف الصفوف المكتظة بعلب الدواء ، وفجأة ينبعث من هناك صوت أنثوي بسعال مفتعل ، وهو لايزال يسألك عن أخبار لا تعنيك على كل حال ، ولكنها كانت كافية لك كي تفهم الرسالة المخفية بين سطور الكلام المتواتر هنا وهناك ، فتودعه على أمل لقاء قريب ، بعد استعانته بكل الجمل المسبوقة بصيغ بلاغية للإعتذار عن سهرة استحالت فيها وحدته إلى ليلة حب كان فيها عاشقا وكنت فيها أنت العزول .
 
وبعد يوم وشبه ليلة ، تذهب في زيارة عائلية لتبارك نجاح ابنة شقيقتك على تفوقها في التحصيل العلمي لامتحانات الثانوية العامة ، وتجتمع في رفقة عائلية شديدة الازدحام ، فتبحث عن مكان لك للجلوس ، وتستكين راضيا في زاوية مهملة غير بعيد عن أحاديث لا ترغب في المشاركة بها كمنصت أو متكلم ، ولا يزال المهنئون يتوافدون ، حتى جاء أصغر أبناء شقيقك الأكبر ، متأبطا ذراع زوجة المستقبل ، ولقد هرع إلى مصافحتك والجلوس في الجانب شبه الخالي من المقعد الذي لم يكن شاغرا بعد ، مما كان سببا يدعو لكظم غيظ خطيبته وهي تضطر للجلوس على المقعد المقابل له ، وحينها تحاول جاهدا أن تقفل كل الأبواب المؤدية إلى أحاديث مشتركة بدافع الإشتياق غير المتبادل بينكما منذ أيام العيد المنصرم ، فنظرات خطيبته المشتعلة بنيران الغضب أحرقت بلهيبها الأرض من تحتك ، وأنت أصبحت في هذه الأيام معتادا على دور العزول الذي يرغمك عليه أقرانك من الرجال ، فتنسحب بهدوء غير مكتمل الحدوث ، وأنت تتعثر بأقدام تلك الفتاة وهي تنهض مسرعة للجلوس في مكانك ، ثم تخرج مودعا شقيقتك دون الالتفات خلفك ، ولا تدري أتضحك أم تبكي على دور العزول الذي يلازمك في هذه الأيام ؟   

الأربعاء، 13 مارس، 2013

إلكترا العربية

في حالة من الارتباك المفتعل ، دلفت بكعبها العالي على المنصة المهترئة لحافلة النقل العام ، المقاعد كلها شاغرة إلا من مقعدين في الزوايا الخلفية ، أحدهما كان بجواري ، والآخر كان بجوار رجل في ضعف عمري ، تقدمت بخطوات مضطربة وهي تدرك أن عليها الجلوس بجانب ذلك الرجل العجوز ، على الرغم من رائحة عرقه التي تكفي اختناقا من كان يجلس في الصفوف الاولى ، ورائحة قدميه المتحررتين من نعليهما ، بعد عزلة مائية عن الاغتسال منذ اسبوع على أقل تقدير ، نعم جلست بجانبه واختارت رفيقا من القذارة لطريقها ، على ان تجلس بجانب شاب أهدر نصف قارورة عطر على ثيابه قبل أن يغادر منزله ، وذلك كي لا تذهب به الظنون بعيدا ويعتقد أنها وقعت في مصيدة الإعجاب الاول بعد أن تقاطعت عيونها بعيونه وهي تبحث عن مكان في الحافلة للجلوس . 

ذهبت إلى وظيفتي الاولى كأمين صندوق في مصلحة الهواتف ، وألقيت تحية الصباح على زميلي الذي يفصله عن سن التقاعد للشيخوخة غير المبكرة زهاء عام أو عامين ، وبدأ المراجعون يتوافدون إلينا كغيث السماء المتقطع ، إلى أن مزقنا أوراق الصحف ونحن نقاتل الوقت الذي لا يمضي من قلة العمل ، وفجأة أطلت علينا امرأة في ربيع العمر ، واتجهت بخطوات لا يشوبها التلكؤ نحو زميلي الهرم ، والذي كان يغط في سبات عميق على الهاتف مع زوجته حول احتساب تكاليف رحلة الحج المزمع عليها في هذا العام ، ولا يزال يناقش معها عروض الأسعار المعلنة عنها في الصحيفة التي حفظها عن ظهر قلب ، ولا تزال المرأة تنتظره كي يدمغ فواتير هاتفها الشهرية  بمنتهى الصبر ، دون أن تلتفت نحوي وتجعل المرض يتداعى في قلبي بين أوهام واحتمالات تخطىء الصواب بقدومها إلى نافذتي الخاوية من الزبائن ، فهي أنثى لها من الحياء مقام ، ولن تخاطر بسمعتها بالحديث مع شاب مثلي إلا في ظروف استثنائية تدفعها اليها الأقدار .  

كنت أقف على قارعة الطريق ، في حي من أحياء المدينة التي لا يعرف معالمها الجغرافية رجل مثلي ، ولقد طالت لحظات الانتظار التي أقحمني فيها صديق لا تجمعني به سوى المناسبات الحزينة ، وكان يقف غير بعيد عني ، رجل تجاوز عقودا خمسا من حياته على وجه الدقة ، وعلى ما يبدو أنه كان في محطة انتظار لا تختلف في ظروفها كثيرا عن محطتي ، ولكن وبنظرات فضول خاطفة تمكنت من الاستنتاج أنه غريب عن هذه المنطقة المزدحمة بالسكان ، تقترب من كلينا سيارة شديدة السواد ، وتتوقف كلية عند ذلك الرجل ، وتنزلق نافذتها غير المرئية المقابلة لسائقها آليا ، وينبعث صوت أنثوي يستفسر عن معلم بارز في ذلك الحي ، وإذ بعقدة تلو عقدة لا تنفرج بلسانه وهو يحاول جاهدا الادعاء بمعرفته للمكان ، تتجاهل السائلة وجودي ، وتشكر ذلك الرجل على محاولاته اليائسة في مساعدتها ، وتنطلق تائهة بين الطرق المتعرجة في ذلك الحي ، كي تقطع كل السبل المؤدية للحديث مع شاب في عمرها سيعتقد أنها تعمدت الوقوف من أجل التحرش غير المباشر  به .  


في المساء أجلس بقليل من الاهتمام لمتابعة مقابلة تلفازية لعصبة من النساء يتحاورون حول أسرار العلاقة بين ادم وحواء ، وإذ بي أدون في ذاكرتي مجموعة من الملاحظات وبشكل لا إرادي ، فكلما كان المتصل رجلا في أوج شبابه ، يحاولون إنهاء المكالمة وتجنب الخوض في نقاش منطقي لتساؤلاته ، وحين يكون المتصل رجلا أكل عليه الدهر وشرب بأفكاره القادمة من زمن الابيض والأسود ، أي أنه كان في عمر الشباب قبل دخول ألوان الطيف للتلفاز ، يحتدم النقاش ويتفاعلن بغبطة غير مسبوقة مع كل كلمة يقولها ، ففي عالمنا العربي هنالك دوما رموز وأساطير لا تتكرر قط ، وفي حالة هذا الرجل على وجه التحديد ، فإن الرجولة قضت نحبها من بعده ، ومن المستحيل أن يجيد شاب في عمر أبنائه التحاور مع النساء ، ولكن الوجه الخفي لذلك كله ، أن المراة العربية تعاني من عقدة إلكترا ، فهي لا تجد في صدرها حرجا من الحديث مع رجل في عمر أبيها في أي موقف يستدعي التفاعل بين الجنسين ، ولكنها تخشى أقرانها من الشباب ، معللة ذلك بالعبث والاستهتار الذي هو من سماتهم ، بعكس العجزة الهرمين والطاعنين في أرذل العمر ، فهناك تجتمع الحكمة والتجارب والخبرة التي لا تتكرر ، ولا زلنا نسأل أنفسنا معشر الشباب عن سبب اتساع الفجوة بين عالم الذكور والإناث ؟ 

الخميس، 7 مارس، 2013

حالي كحالك يا "رامي"

وكأنني أسمع صوت الآهات القادمة من زمن الفن الجميل ، كتبها " رامي " ولحنها " القصبجي " وأطالت فيها " أم كلثوم " نشوة عاشق مشتاق لحبيب قد تمادى في الغياب ، " رق الحبيب وواعدني " نعم ، ها هي تطل بكامل زينتها من خلف الجموع المحتشدة أمام باب المقهى ، وتلتفت ذات اليمين وذات الشمال ، حتما هي تبحث عني ، في الزوايا الخافتة الأضواء ، حيث كنا نتبادل التهام الحب على موائد من أوراق الشعر وكلام الغزل ، ونحتسي كؤوسا من العهود المنسكبة بشراب من الأمنيات حتى ثملنا بنشوة من طول الأمل ، كلامك لا يزال يتردد كأغنية كلاسيكية لا أتمنى توقفها في أرشيف ذكرياتي ، يا من ابتدأت بالتعريف عن هويتك الموشومة بالبياض والمغتسلة بضوء القمر ،  بعد أن أجزلت الشكر للذي جعل السماء تمطر بحضور غيمة كانت تائهة لا تعرف لها وطن . 

بالغت في الادعاء أنك سترفضين إغلاق مروري من أوراق ذاكرتك ؛ وأنشدتني نغما يمشي بين غياهب الزمن ،  ثم قررت الصمت كي لا يعتقد من في قلبه مرض أنك تجيدين الغزل ، و عندها اغتال الصمت حواسنا فغدونا عاجزين عن البوح ، ورحلت على كتف السحاب محصنة بالغموض بعيدا عن محراب الكلمات وهي تتوارى عن الاعتراف بالحب ، وحين سألتك عن الحروف التي تنتسب لرجل في حضرة الغياب ،  حدثتني عن أحلامك التي وأدها الواقع مضغة في رحم الأمنيات . 


أنت الأنثى التي استصرخت صبرا فيما جرت به المقادير ، وتاهت في حشرجات صدرها رسائل الأحلام الممزقة على منضدة القسمة والنصيب ، لم أكن لك شعاعا يشرق فجر الأمل من خلف هضاب الحب المستحيل ، ولم أروي شفتيك برضاب العشق المنهمر كقطرات الندى على عناقيد الياسمين ، وتوالت الأيام في عداد الزمن كي تكتمل دورة اليأس وتشيخ الأحلام في عمر الشباب ، فظلت رسائلنا تعانق بريد الانتظار ، حتى تراكمت الثلوج في حروف الشوق وكلمات الحنين ، وعلى جدر الفراق لعزلة عاطفية اخترتها لنفسي ، ارتد الصدى المنبعث من آهات " ام كلثوم " على مكابرة " رامي " بهجرها طمعا في النسيان ، فوجد الروح في أوج الجفاء ، تفكر بها كلما كان يهذي بغيرها . 


ها أنت تقاربين الخطى من العودة إلى طاولة جمعت كل تفاصيل قصتنا التي هاجت وماجت كبحر لا مداد لطيفه الأزرق ، فينهض رجل يجلس على طاولة محاذية لجواري ، ويأخذك بين ذراعيه كفارس لا يخشى عدوا يتربص به من خلف أسوار المستقبل البعيد ، فبكيت دما قبل الدمع ، وغنيت على ما بقي من أطلال الذكريات " يا فؤادي لا تسل أين الهوى ... كان صرحا من خيال فهوى " .   

السبت، 2 مارس، 2013

لو كنت أنثى

يا للهول ، كنت قبل الشروع بكتابة هذا الإدراج ، أغط في سبات عميق من الدهشة أمام المرآة ، فبعد أن كنت دؤوبا في الحديث عن النساء اللاتي ألفيت فيهن معاركي العاطفية بين هزيمة ونصر ، أقف اليوم وقد تبدلت ملامحي إلى امرأة بكر لا تفقه شيئا في تجارب الحب ، ولكنني أشعر بالغبطة لتقمص هذا الدور ، فهذه فرصتي كي أغوص في أعماق النساء ، واكتشف قليلا من أفكارهن المستعصية على الفهم عند الحديث عن الحب .

لو كنت أنثى ، فلن يستهويني التوقف أمام رجل يجلس وحيدا في زاوية مهملة عند طرف المقهى الذي لا أتردد عليه إلا بحكم السأم ، وقد أطال التحديق بي مستجديا نظرة قبول قد تؤنس وحدته ، ولكنني سأراقب باهتمام متواتر تلك اللهفة الساكنة في عيون رجل يجلس في الركن المحاذي لطاولتي ، وهو يتحدث مع امرأة أخرى ، ولا يجد في قلبه حرجا من الإذعان المطلق لها في الوفاء ، فيشعل الإهانة في حطب أنوثة امرأة وحيدة مثلي .

لو كنت أنثى ، سأحسم الصراع بين واقعة العقل والقلب ، وأختار ذا المال والجاه والسلطان ، أحقق معه بذخ الأحلام ، وأنبذ وراء ظهري كل الفرسان الحالمين بلحظة حب لن أجد فيها قوت أمنية صغيرة من أمنياتي في الحياة . 

لو كنت أنثى ، فلن تغريني كلمات رجل في الحب ، بل سأظل أطارد ذلك الرجل الذي أجد معه الحب في كل ما يفعله من أجلي ، دون أن تنطق شفتيه في يوم كلمة الحب .

لو كنت أنثى ، سأجد الراحة والثقة في الحديث مع رجل خبير في الحياة بمنطقها المعاكس ، يشعرني بحنان الأبوة ، ويطويني تحت ذراع تجاربه كي يوجهني إلى الطريق القويم في تصريف شؤوني المتباينة بين المشاعر الإنسانية المتضادة الأثر ، فأكون تلميذته الصغيرة التي ذابت شموعا من الهوى في قلبه .

لو كنت أنثى ، فلن التفت إلى رجل يتباهى بزخم مغامراته العاطفية من قبلي ، فهذا دليل دامغ على فشله الذريع في ميدان الحب ، فالقلب حين يكثر ساكنيه ، تتصدع شرايينه وتهترىء أوردته ، فيغدو غير قابل للنبض بالحب .

لو كنت أنثى ، سأبحث عن التحدي مع رجل يدعي كراهيته المفرطة لمعشر النساء ، ويبالغ في الحديث عن ضلعهن الأعوج  ، وحكمتهن التي ينقصها الكثير من العقل والدهاء ، وحين ينبري تحت أقدامي كالطفل العابث من فرط الحب ، سأسخر من غروره المنكسر تحت وطأة أنوثتي ، وهو يكفر بكل المذاهب الفكرية التي اعتنقها من قبلي ، ويقسم أن الحكمة لم تولد من قبلي ولن تكون لأحد من بعدي .

لو كنت أنثى ، فلن أختار العيش مع رجل يكره الحياة ، يجعلني أعيش في دوامة من عقده وأحزانه وقصص أحلامه التي اغتالها على الدوام سوء الحظ والطالع ، لا أريد لأنوثتي هرما مع شيوخ أفكاره السلبية لمجتمعات التخلف والقهر ، أريده رجلا يأخذني بعيدا إلى عالم من الأحلام الوردية حتى ولو كانت كذبا ، فالحب لا يعيش بين المآسي والآلام ، إلا مع أشخاص لم يفهموا في يوم سر الحياة . 

وا رأساه ، ما الذي أصابني ؟ استيقظت من غفوة أفكار بلا تساؤلات ، وعدت الآن رجلا كسابق عهدي ، ولكنني لا زلت أبحث عن امرأة تجيد المبارزة العشقية عند الحديث عن الحب .