الخميس، 24 مايو، 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الثانية (( حسناء الفوازير ))

لا زلت أذكر تلك القصة وتفاصيلها ، والتي حدثت مع بزوع هلال شهر رمضان ، في سنة أعجز عن احتساب خاناتها الميلادية وتقاطع الأرقام المقابلة لها في التقويم الهجري على وجه الدقة ، ولكن أعتقد أنني كنت صبيا عابثا حينها ، يقف على عتبات نهاية العقد الأول له في هذه الحياة ، وهي فترة زمنية لم تفلح في ترسيخ معالمها ، وانقرضت كلمح البصر فور اندلاع ثورة التكنولوجيا الرقمية و ما يعرف بعصر العولمة .

إن رمضان في ذلك الأمس القريب ، كان صبيا مثلي تماما ، فهو ما كان ليشابه نفسه مع عقود قد خلت قبل ولادتي ، إلا بصدى قرع طبول (( المسحراتي )) في جوف الليل الراكد ، وتوقف المدينة عن الحياة لحظة هروب الشمس إلى مخدعها وقت الغروب ، أما نهار الصيام فيقسم به الآباء والأجداد بأغلظ الأيمان ، لزمان كان قد مضى ولن يعود قط ، فالطرقات ضاقت بعابريها مع كل موسم رمضاني متعاقب ، ولربما كان ذلك حال  الوطن أيضا حين ضجر من أبنائه الأولين ، وباع نفسه بأبخس الأثمان لحفنة من المرتزقة ومصاصي دماء المساكين والفقراء ، فأصبح كل شيء فاسدا وملوثا ، حتى الماء والهواء .

ولقد كانت سطوة التلفاز ومسلسلاته منذ أحداث هذه القصة وحتى أيامنا في هذا الزمان ، هي القاسم المشترك لكل علامات السنين المتوالية للشهر الفضيل ، و ظل زخم الحشد في المنافسة منحصرا في نجوم لم تأفل من سماء الشاشة رغم هرمها ، بل إنها أكدت وفي مناسبات عديدة مصداقية المثل القائل بأن (( فرخ البط عوام )) ، فورث أبناؤهم وبناتهم مواهبهم الفذة ، وكأن الفن في بلادنا كغيره من المهن ، من الممكن توريثه جيلا بعد جيل ، لسلالات لا تندثر فيها جينات المواهب قط .

وبالرجوع في أرشيف الذاكرة لتلك الأيام ، كانت (( الفوازير )) وقصص (( ألف ليله وليله )) هي المسلسلات الشهيرة المتكررة في كل عام ، ولكن مع اختلاف الفنانين المتعاقبين على أدوار البطولة فيها ، وهنا بدأت حكايتي مع حسناء الفوازير التي جابت بقلبي أرجاء الدنيا ، برقصاتها وحركاتها وخفة ظلها ، فعشقتها في كل يوم بجنسية وشخصية جديدة ، فتارة تكون عربية وتارة تكون اوروبية ، ثم لا تلبث أن تصبح أمريكية أو أفريقية وحتى آسيوية ، وأنا مع كل حلقة أتعلم فنون العشق بكل اللغات ، لفتاة مصرية سمراء لا تتكرر إبداعاتها في التمثيل والرقص والغناء مهما توارثت أجيال متعاقبة من مواهب جيناتها ، فالاستثنائيون لا يأتي من بعدهم إلا من كان استنساخا مشوها لهم ، فالتميز هو أن تتعلم من تجارب من سبقوك في ميادين الحياة كي تعبد دربا تسير فيه وحدك ، لا أن تسير حيث انتهت بهم الدروب .

لماذا يتعلق الأطفال بنجوم في التمثيل والغناء ؟ على الرغم من عدم تعمد أعمالهم لمحاكاة الصغار ، بينما ينفرون من أعمال فنية تكون متخصصة في استهدافهم ؟ هل السر يكمن في جودة العمل وقدرته على دخول قلوب الأطفال بعيدا عن أساليب الترهيب والعقاب المتعارف عليها في بلادنا ، تماما كما يحدث في الرسائل السياسية  ، وهنا للحديث شجون ، حين نستذكر المشاهد التي يتم فيها حشد الأطفال الأبرياء من المدارس ، والوقوف بهم في الميادين والطرقات العامة للهتاف بحياة قادة الأوطان والبلاد ، وكأن ذلك يمنحهم صك البراءة والعفة على عدلهم وحرصهم على أبناء شعبهم ، في حين أن اللجوء لمثل هذه الأساليب إنما هو دليل فاضح على عجزهم وإفلاسهم السياسي ، فمن أراد أن يقيم نفسه كحاكم محبوب في بلاده ، فليتنكر بزي شعبي و يجوب البلاد من شرقها إلى غربها كي يتحرى عن رأي وتقييم كافة أطياف المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدينية لإدارته في تسيير شؤون البلاد ، دون محاباة أو خوف من بطشه وبطش أعوانه .

وكما يقولون في الأمثال : (( ما زاد عن حده ينقلب لضده )) ، فلقد ارتفعت وتيرة الإعجاب والتعلق بـ (( شيريهان )) لأذهب بعيدا في خيالي ، وأتقدم لخطبتها ، بعد أن رسمت  تفاصيل علاقتنا على كراسات ممهورة بعشقها حد الجنون ، لأنتظرها خلف الكواليس في استديوهات التصوير  ، وأراقب سعادتها بحضوري ، ولهفتها لعناقي بعد كل مشهد تنجزه في فيلم أو مسلسل ، بل إن أحلامي جاوزت المدى المسموح به للإمنيات التي قد تتحقق ، بعد أن لعبت دور البطولة أمامها بشعري الأبيض حين كانت عذراء ، وعندما كنت طبيبا يحارب من أجلها جميع البشر لأثبت رجاحة عقلها ، ولم أكترث لفضيحة العمر وهي تتهمني بالاعتداء عليها ، فمن أجل عينيها عشقت بكل جوارحي ، بعد زمان قضيته في زيارة القبور قبل تغيير وظيفتي من معلم في مدرسة إلى مدير لـ (( كابريه )) ، برفقة نجمة استعراضية كانت الأروع ، بشهادة خشبات المسرح وعميدها الراحل (( فؤاد المهندس )) .

وفي يوم من الأيام قررت البوح بأسراري العشقية لوالدتي ، وتوسلت إليها كي تسافر إلى مصر لتخطب لي (( شيريهان )) ، فابتسمت والدتي وربتت على كتفي وقد انحنى رأسها إذعانا بالموافقة على طلبي ، شريطة أن اجتهد في المدرسة وأتفوق على جميع أقراني ، وأذهب إلى الجامعة كي أنال شهادة تؤهلني للعمل في وظيفة تعينني على شراء ملابس (( شيريهان )) الاستعراضية ، معللة ذلك بأنها ستهجرني إن لم أتمكن من تلبية طلباتها ، ففكرت قليلا ، ثم راودتني الهواجس والظنون في حسابات زمنية قد تطول لحين بلوغي محطة التخرج من الجامعة والعمل ، ولكن والدتي أكدت لي بأنها ستتصل بـ (( شيريهان )) على الهاتف وتأخذ منها ميثاقا وعهدا كي تنتظرني وترد جميع العرسان المحتملين خائبين ، فاطمأن قلبي ونمت ليلة بعد ليلة ، و (( شيريهان )) لا تفارق أحلامي قط .

ومضت الأيام والسنين ، وأدركت جميع محطات الحياة التي وعدت والدتي بالوصول إليها كي تخطب لي (( شيريهان )) ، ولكن حلمي لم يتحقق ، لأنني عشقت قبيلة من النساء ، وأنا أسير في دروب محطات العمر المتتالية بتعاقب السنين ، حتى غدت (( شيريهان )) شبح امرأة من ماض لم ألتفت إليه قط ، كي لا تذكرني بطفولة ساذجة قضيتها بين أحلام وأمنيات ضاقت مساحاتها في عقلي وقلبي مع كل يوم تتلمذت على ساعاته ودقائقه في تعلم تجارب وخبرات الحياة بتشعباتها ومنطقها المعاكس للإرادة والرغبة حين لا تقترن بالواقع .

(( شيريهان )) ترقد اليوم في بقعة ما على هذه الأرض ، وكم مضى من الأيام قبل لقائي الأخير بها على إحدى شاشات الفضائيات بعد ثورة يناير ، بملامحها الشاحبة وأنوثتها الطاعنة في الهرم قبل أوانها ، أحقا هذه هي المرأة التي لم تبارح أحلام قلبي قبل بلوغه سن الرشد العاطفي ؟

لماذا تذكرت والدتي وقصتي مع حسناء الفوازير ، وأنا أسترق السمع على حديث دار في ليلة من الليالي بين ولدي وزوجتي ، وهو يفشي بسره العشقي لـ (( سلمى )) التي لا يدرك أن اسمها الحقيقي هو (( مي عز الدين )) ؟ 

ولماذا تألمت من موقف زوجتي العدائي في إقصاء أحلام ولدي البريئة حين لطمته على وجهه ، وسحقت دماغه بقبضة يدها وهي تهدده وتتوعده بحرمانه من المصروف والخروج من المنزل إذا ردد على مسامعها مثل هذا الكلام السخيف مجددا ؟ 

هذه هي الحكمة التي نستخلصها من هذه القصة بالتحديد ، إذ لا يتوجب علينا إجهاض أحلام الآخرين ، وإنما تهذيبها وضبطها  وترويضها بما ينسجم مع مصالحهم على المدى البعيد في المستقبل ، فاحترام رغبات الأفراد حق مشروع لهم ، ما لم تكن لتؤذي حريات الآخرين ، أو كانت لتتجاوز خطوط التحريم في العقائد والأعراف السائدة في المجتمعات ، لأن حدوث ذلك يعني شذوذا وليس تمردا مشروعا على رتابة الواقع المفروض .  

الجمعة، 18 مايو، 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الأولى (( المعلمة جميله )) 3

مضت أيام وأنا أخطط وأفكر ، حتى شاهدت في المكتبة مرادي في يوم من الأيام وأنا أشتري بعض القرطاسية والكراسات ، مدية صغيرة ، كانت معروضة بجانب الأدوات الهندسية ، فسألت البائع عن ثمنها ، فأجابني أنها بنصف دينار ، أنه مبلغ باهض الثمن ، كيف سأستطيع الحصول على مبلغ كهذا ، وأنا مصروفي الأسبوعي لا يتجاوز العشرة قروش ، عدت إلى المنزل أجر وراءي أذيال خيبتي في الحصول على مخلصي من ((توفيق )) ، ولكن حزني ما كان ليطول مع الخطة المحكمة التي أشار بي عليها صديقي ، حين التقيته في المخبز بالمساء ، وذلك بعد أن رجوته ليقرضني المبلغ المطلوب ، فما كان منه إلا أن أخبرني بطريقة يفعلها دوما حين يحتاج لمبلغ كبير من النقود ، وهي طلب المال من مجموعة أشخاص على أجزاء صغيرة ، بحيث تشكل بمجموعها المبلغ المطلوب ، وبالفعل نجحت الخطة في يوم واحد ، وذلك بعد أن طلبت عشرة قروش من والدي في الصباح وعشرة قروش من والدتي في الظهيرة ، وعشرة قروش من أخي  بعد الظهر ومن أختي وقت الغروب ، ومن جدتي في الليل ، وانطلقت مسرعا إلى المكتبة واشتريت المدية التي ستجعلني أسترد قلب معلمتي الحبيبة (( جميله )) .

و في اليوم التالي ، ذهبت إلى المدرسة وأخفيت المدية خلف خاصرتي بعد أن عقدت العزم على قتل (( توفيق )) في ساحة المدرسة أثناء خروجنا لتناول الطعام بعد الحصة الدراسية الثالثة ، و لقد كان العرق يتصبب مني وجسمي يرتعش دون هوادة ، كلما كانت الدقائق تقترب من قرع جرس اللحظة الموعودة ، ولا أنكر أن الصراع بين الخير والشر كان قد احتدم بين عقل ينكر ما بنيتي فعله ، وبين قلب يبيح كل الوسائل المؤدية إلى قلب المحبوب ، فكانت الغلبة للقلب ، وخرجت إلى الساحة أراقب خطوات (( توفيق )) ، وأترصد ذهابه إلى صنبور المياه كي يشرب ، لأنقض عليه من الخلف ، وأرديه قتيلا بضربة من نصل مديتي المتعطشة لدمائه ، وما كانت إلا دقائق معدودة ، حتى اقترب (( توفيق )) من صنبور المياه ، وانحنى كاشفا ظهره لي كي يشرب ، اقتربت منه بخطوات مواربة يعتريها الحذر والترقب من تواجد إحدى المعلمات في محيط الجريمة ، وأخرجت المدية من وراء خاصرتي ، ووجهتها إلى جسد (( توفيق )) ، ولكنها لم تصل إليه ، فقد توقفت يدي بفعل قوة يد رهيبة كانت تضغط على معصمي ، حتى خارت قواي وهوت المدية على الأرض ، ماذا ؟ لا أصدق ما أرى ، إنها المعلمة (( جميله )) ، ولكن أين كانت ؟ وكيف غفلت عن رؤيتها ؟ يا للهول ، ماذا سأفعل ؟ 

لم تكن هناك أية فرصة للتفكير ، (( فجميله )) لم تبادر بالاستفسار أو الاستغراب أو الدهشة ، بل توحشت كلبؤة جائعة وجدت فريستها ، وانهالت بصفعي في كل مكان وصلت إليه كفوف يديها ، وهي تجرني كالدابة العاصية  حين تأبى حوافرها المسير ، باتجاه غرفة مديرة المدرسة ، لم أكن في تلك اللحظات متأثرا بالضرب ، ولم أكن خائفا مما قد يحدث لي من عقوبات تأديبية من قبل المديرة ، بل كل ما كان يشغلني هو خسارتي الأبدية لقلب معلمتي (( جميله )) .

لا جدوى من اختيار القلب للحبيب ، فأنت لن تتمكن من استدراجه لمصيدة الحب ، إذا كان قلبه مشغولا بمصيدة أخرى ، ولذلك لا تحاول اعتراض طريقه ، ولا تتحاذق بخوض حرب عاطفية لاختطاف قلبه، فهو ما كان من نصيبك يوما ، ولن يكون ، مهما حاولت التحايل على الأقدار المكتوبة .

وهذه ليست الحكمة التي نستخلصها من هذه القصة وحسب ، إذ أن للخيبات والهزائم القلبية من بقية تأتي ،  طالما كان المعيار في الاختيار دوما يخطىء درب الصواب ، و نواميس هذا الكون عصية على التفسير مهما اجتهدت في التفكير بمسبباتها ، فقد تتعمد العبور في الزمان والمكان المفترضين ، للإلتقاء بشخص تلهفت لرؤيته ، فيتخلف عن موعده ولا يأتي قط ، وحين تبحث عن الأسباب التي أدت إلى غيابه ، تعتقد أنها ظروف طارئة قد أحاطت بعزمه على الحضور ، كحادث أو مرض أو تلقي أنباء سيئة ، ولكن التفسير الخفي لذلك ، تضافر الكون لحدوث النفور بين قطبي لهفتك لحضوره ورغبته في رؤيتك ، فالغلبة دائما للرغبة السلبية وليست للهفة الإيجابية بالعموم  .

والعناوين المكتوبة في أقوال وأفعال الأشخاص من حولنا ، تلخص ما في متنها من تفاصيل ، فلا مسوغ للاسترسال في التأويل والاجتهاد والبحث عما وراء الكلام ، ففنون المراوغة والتملص من الحقائق الواضحة كقرص الشمس في كبد السماء ساعة الظهيرة ، ليست سوى ذرائع لنا كي نفسر بها ما نرغب بحدوثه ، والذي قد لا يكون إلا ضربا من خيالاتنا وأحلامنا في يقظة الواقع ، فقد تعتقد أن ابتسامة شخص تتمنى الاقتراب منه ، دليلا على قبوله المبدأي لك ، ولكنك لا تدري أنها قد لا تكون سوى ابتسامة بريئة لا تخفي في طياتها أية مشاعر ، وخصوصا مع علمك المسبق بارتباطه بشخص آخر ، ولكن أمنياتك به تجعلك تفسر كل ما يفعله بما يتوافق وينسجم مع أهوائك ، كي تواسي نفسك وتعزيها بما سيظل دوما عالقا في حدود وهمك وخيالك ، دون أن تملك تأشيرة عبوره إلى أرض الحقيقة والواقع .

وقد يحدث أحيانا أن يكون الشخص مرتبطا ، ولكنه يتعمد اجتذاب صفوف المعجبين من حوله ، وذلك لإشباع رغبات لا تنتهي من الغرور والأنانية ومفاضلة الذات على سواها ، وكأنه مركز الكون الذي تدور في فلكه جميع الكائنات ، فلا تشرق الشمس أو تغيب ، ولا تهب الرياح أوتنهمر الأمطار ، ولاتغرد الطيور أو تتمايل أغصان الأشجار ، إلا بمقاييس جنونه المفرط بتعاظم مكانته وعلو كعبه على البشر من حوله ، فكم يعج زماننا بأمثال هؤلاء السفهاء ؟

الجمعة، 11 مايو، 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الأولى (( المعلمة جميله )) 2

وتحققت أمنيتي سريعا بعد قرع جرس الحصة الثانية ، فلقد حضرت إلينا وفي يديها كتب اللغة الإنجليزية ، وهذا كان كافيا للرقص وبث أهازيج لا تنتهي من الفرح والغبطة ، فمادة اللغة الإنجليزية لها نصيب يومي في جدول الحصص ، وتتكرر مرتين في يوم من أيام الأسبوع على الأقل ، ولكن خيوط مشاريع سعادتي ما لبثت أن انقطعت مع طرقات غليظة على باب الصف ، اتبعها ظهور خيال جثة ضخمة لوحش آدمي أشقر ، متأبطا ذراع المديرة التي كانت تبدو وهي ترافقه إلى المدخل وكأنها ابنته الصغرى ، وقفنا جميعا لأداء تحية الخوف ، عفوا أقصد تحية الاحترام للمعلم ، أسوة بقول الشاعر الشهير : (( قم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا )) ، واستمعنا إلى مداخلة غير مطولة للتعريف بالطالب الجديد (( توفيق )) ، والذي يكبرنا جسديا بعشر سنين ، ويصغرنا عقليا ببضع سنين ، إلا أن مشاعر الرأفة والشفقة والرحمة لم تراودني البتة وخصوصا بعد أن شاهدت اللهفة التي اختطفت عيني معلمتي وهي تنظر إلى عيون (( توفيق )) الزرقاء ، ثم ما لبثت أن انقلبت إلى حوار ثنائي بينهما للتعارف الأولي ، لتخبره وابتسامة عريضة قد ارتسمت على محياها (( أنا معلمتك جميله )) .

لا أنكر أنني أثناء مواكبتي لهذا المشهد الميلودرامي بأحداثه المثيرة ، أصابتني حالة من الخيبة والقنوط ، وأنا أقف مذهولا أمام أوراق طاولة أحلامي وهي تتهاوى على أرض اليأس ، فمعلمتي الجميلة (( جميله )) لم تكترث لعيوني التي ما أطبقت رموشها من فرط الانبهار بها ، بل آوت بسهم نظرة واحدة من عيون (( توفيق )) ، كالفريسة التي دخلت المصيدة بمحض إرادتها ، فلا صوت يعلو على صوت (( توفيق )) ، وليس لطالب أو طالبة في الصف حق في سؤال أو جواب ، إلا برضا (( توفيق )) وموافقته المسبقة على ذلك ، ومما كان يستدعي الحيرة والشك ، أن هذه المعاملة الاستثنائية لـ (( توفيق )) ، لم تكن لتظهر بكل هذا الوضوح الذي يبعث النفس على التقيئ ، إلا مع المعلمة (( جميله )) ، فلم تكن ممارسات التمييز العاطفية لـ (( توفيق )) على الرغم من مرضه العقلي ، والذي قد يكون مدعاة لتلك الممارسات ، ينعكس على سلوكيات المعلمات الأخريات ، ولا أعتقد أن السبب في ذلك ناجم عن عدم تعاطفهن مع (( توفيق )) ، بل هو خبرتهن كأمهات في البيوت ، والذي جعلهن على دراية وإلمام بنفوس الأطفال ، وكيف ينعكس ذلك بآثار سلبية على تكوين شخصياتهم وعبورها في مراحل من الحقد والعدوانية ، ونبذ الذات وعدم توازنها وانسجامها مع محيط المجتمع من حولها ، وفقدان الثقة بالنفس واهتزازها على الدوام ، وذلك حين يشعر الطفل بمحاباة أمه لشقيقه أو شقيقته في أي وقت أو مكان ، بظروف اعتيادية أو استثنائية ، فقد يغار الطفل من أخيه المريض إذا ما شاهد أمه تعتني به وتسهر إلى جانبه ، فهو لا يعتقد أنها تفعل ذلك بسبب ظروف استثنائية وطارئة ، بل يضع نصب عينيه أن فعلتها ليست سوى دليل دامغ على جرمها بحقه ، ونبذها له بسبب ميل قلبها إلى كفة محبة أخيه .

وفي ليلة من ليالي الأحلام والأمنيات ، شاهدت معلمتي (( جميله )) تسير على ناصية الطريق التي اعتدنا على لعب كرة القدم فيها ، كانت الشمس على وشك الغروب ، وشفقها الأحمر قد افترش على بساط السماء الأزرق ، أما الأشجار فقد كانت تتمايل أغصانها يمنة ويسرة ، وفقا لأهواء الرياح التي ما كانت شرقية ولا غربية ، ألقيت بالكرة بعيدا وركضت نحوها بأقصى مافي قدماي من قوة ، ومع أنه كان يخيل لي أنها تسير ببطء متعمد ، إلا أنني عجزت عن إدراكها ، حتى تعثرت على الأرض ، بعد أن فقدت توازني بفعل نتوءات بارزة في الأرضية الإسفلتية المهترئة ، والتي ما لبثت أن امتزجت بنزيف ذراعي وأنا أستعين بها كعمود ارتكاز للحد من وطأة سقوطي على الأرض ، فصرخت بصوت تداعى فيه الصدى حين يضج في أعماق بئر مظلم ، إلا أنها لم تلتفت وتابعت مسيرها باتجاه الناصية الأخرى من الطريق ، حيث كان (( توفيق )) ينتظرها وهو يضحك ضحكته الغبية المعتادة ، ويصفق ويغني ساخرا وأصابعه تشير نحوي باستهزاء ، امتلئت غيظا وكيدا ، ولكنني لم أتمكن من النهوض ، لتصل المعلمة إليه وتعانق كفها بكفه ، ثم يرحلان بعيدا عني ، وأنا لا يزال نحيبي مستمرا حتى سمعت صوت والدتي وهي تناديني ، فاستيقظت من المنام وأنا ألهث بأنفاس متقطعة كمن هو في سكرات الموت ، فما كان من أمي إلا أن هوت بصدرها على رأسي ، وأناملها تداعب صدغي ، في محاولة للتهدئة من روعي ، والتأكيد على أنه مجرد كابوس مزعج من أضغاث أحلام ، إلا أنني كنت على قناعة أن ما شاهدته ليس حلما بل هو الحقيقة المؤلمة ، فذلك الأبله الأشقر قد خطف مني أحلامي وأمنياتي  ، دون أن أتمكن من مجابهته كالفرسان الشجعان في رحى موقعة الحب .

وتتابعت الأيام بعدها ، وأنا أقف كشاهد عصر ، على كتابة سطور الأيام التي تزاحمت فيها لوعتي ، مترصدا معلمتي التي عشقتها من كل قلبي ، لا يشغلها من  الحنان والعطف والمودة إلا (( توفيق )) ، كم هو مؤلم هذا الشعور ، أن تجد من أحببت أسيرا في محبة شخص آخر ، ولربما أثناء كتابتي لهذه القصة بعد كل هذه السنين ، أستطيع أن أتفهم السبب في سلوكي العدواني الذي حدث بعد ذلك ، وخصوصا بعد ربطه مع أسطورة (( أوديب )) ، حين استغلها (( فرويد )) ليؤكد أن الولد يتعلق بأمه في صغره أشد التعلق ، و أن مشاعر الغيرة والكراهية تسيطر عليه تجاه والده ، وهو يظن أنه ينافسه في الاستئثار بقلبها ، وهذا هو ما حدث معي تماما في ذلك الوقت ، فأنا كنت متعلقا جدا بالمعلمة (( جميله )) ، وهي لا تبادلني تلك المشاعر ، بل إنها لم تكن تكترث لي قط ، بعكس سلوكها المفرط في الحب لـ (( توفيق )) ، وهذا كان مدعاة لبدء حرب نفسية كارثية في عقلي ، وما كانت  لتنتهي إلا بعزمي وإصراري على قتل (( توفيق )) ، لعل معلمتي حينها تدرك خطأها و تعود إلى رشدها وصوابها ، بالتمييز بين من أحبها وبين من لا يفقه شيئا في أبجديات الحب .

كان كل همي بعد قراري بقتل (( توفيق )) ، الحصول على سلاح لتنفيذ المهمة بنجاح ، ولكن ماذا سيكون ذلك السلاح يا ترى ؟

الجمعة، 4 مايو، 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الأولى (( المعلمة جميله )) 1

أشرقت شمس أيلول من خلف الهضاب المكسوة بحجارة الأبنية الصماء ، وتدافعت خيوطها الذهبية باستحياء فتاة بكر في خدرها ، لتعانق نوافذ البيوت الندية ، وتتلاعب بسبات طلاب المدارس المعتكفين في منازلهم من ورائها ، بعد ثلاثة شهور أكملت عدتها برتابة توالت عند هذا الوقت من الصباح تحديدا ، في ضيافة عطلة صيفية لفظت أيامها الأخيرة وتوارت خلف ليلة تود إدراك شقيقاتها في رحلة الزمان المتعاقب بميقات السماء .

كنت صبيا يقترب من إتمام العقد الأول له في هذه الحياة ، وكنت مزهوا بقامتي التي بدأت تطول كأغصان الأشجار حين تبالغ في نضوجها المبكر ، وكعادتي مع بداية كل سنة دراسية جديدة ، ذهبت إلى المدرسة والفضول يسابق خطواتي ، لاستكشاف زملائي الجدد والتعرف على معلمات الصف الرابع الابتدائي ، كان الطقس جميلا والسماء صافية إلا من غيوم بيضاء متناثرة ، تنذر باقتراب فصل الخريف وأجوائه الكئيبة التي ستحول بين الوقت والاستغلال الأمثل له في اللعب اليومي في شوارع الحارة بعد انقضاء الدوام المدرسي .

لم أكترث لتلك الهواجس ولم ألقي لها بالا ، وسارعت الخطى لاجتياز بوابة المدرسة الحديدية المشابهة تماما ، لتلك البوابات المستخدمة في السجون ، ولربما كان هنالك رابط عجيب بين تشابه البوابتين ، فالطلاب والمساجين في مدينتنا، يشتركون في بغضهم للمكان ، ويتوقون دوما إلى الدقائق التي تعتقهم  أحرارا إلى الحياة من جديد ، فالسجن ليس لتهذيب النفس واصلاحها ، والمدرسة ليست نبراسا يضيء ظلمة الجهل ، بل كلاهما وجهان لعملة تدعى الانحراف ، ولذلك نادرا ما نجد مجرما يرتدع بعد خروجه من السجن ، أو طالبا يحترم الآخرين ويصون حقوقهم بعد قراءة أول سطر له في مناهج التعليم .

وقفت في الطابور الصباحي وبدأت أراقب باهتمام شديد ، الجموع التي بدأت تتوافد من طلاب ومعلمات ، لم تختلف الوجوه كثيرا ، فمعظم الحاضرين يكادون يذكرونني بالمشهد ذاته ، قبل انقضاء السنة الدراسية المنصرمة ، مديرة تقف متجهمة الوجه وفي يدها قطعة خشبية غليظة ،معلمات بوجوه شاحبة وبائسة ، وكأنهن يقفن في حضرة المراسم الأولى لجنازة ميت ، عيون حمراء متورمة ، وشفاه أطبقها  العبوس ، ونظرات ازدراء للطلاب المبتسمين في وجوههن ، حفاظا على مظهر الهيبة والوقار ، والطلاب في الضفة المقابلة من الباحة المدرسية ، يقفون كجيوش العسكر ، ويخافون من مجرى النفس الخاطىء في مدارات المزاج السيء لأعضاء طاقم التدريس ، فلقد حدث في يوم من الأيام ، تواصل سعال أحد الطلاب أثناء إلقاء مديرة المدرسة لخطبة عصماء حول ضوابط الالتزام بكل أمر تمليه المعلمات على الطلبة دون مناقشة أو تفكير ، ولكن صوت السعال استفزها ، معتقدة أن الطالب قد تعمد فعلته كي يسخر من كلامها ، لتنهال عليه بضربات متتالية من أداة التعذيب الخشبية التي لا تبارح قبضة يدها ، في أنحاء عشوائية من جسده النحيل ، وما أوقفها إلا قطرات الدماء التي تدفقت كعين ماء جارية ، بعد ضربات توجهت في حين غفلة من الانفعال إلى الأنف والشفتين ، لتنتهي واقعة التعذيب تلك ، وتظل عبرة لكل من تسول له نفسه في تعكير مزاجها بقصد أم بغير قصد ، وهذا بالطبع حال العديد من الشخصيات النمطية المتعثرة بمبادىء الثقة في النفس بمجتمعاتنا ، فهم يعتقدون دوما  أن أي فعل أو كلمة أو حركة تصدر من حولهم ، لا يكون لها مسوغ سوى الاستهزاء بهم ، وأعتقد أن هذه الحالات تعللها اضطرابات عقلية تعود إلى فترات ما قبل البلوغ النفسي وليس الجنسي ، فمجتمعاتنا تعتمد دوما على مقياس ثابت في تشكيل الأطر الأساسية لشخصية الفرد فيها ، والتي ترتكز على عامل ثابت لا يتغير ، القدرة على اضطهاد الآخرين إذا ما هبت رياح مواتية لبث النفوذ والسيطرة ، سواء أكان ذلك في مواقع تعليمية أم حكومية أم اقتصادية ، وحتى في المنابر الدينية أو على عتبات حيز الأسرة الضيق . 

لم تكن آثار المظهر العام للطابور الصباحي لتحرك في نفسي  ساكنا ، لولا إطلالة تلك المعلمة السمراء من خلف البوابة الحديدية ، وهي تسير بخطوات واثقة إلى منصة المعلمات ، دون أن يستدعيها الفضول لاستطلاع الوجوه التي أشاحت عن جميع الحاضرين و استدارت كي تتأملها عن اليمين وعن الشمال عزين ، ولكن عينيها المشابهتين لعيون غزالة برية ، لم تلبث أن تداعت في لمعانها ، بعد أن كشفت شفتيها المتورمتين بأنوثة استثنائية ، عن ابتسامة بالكاد لمحها من تواجد بالصفوف الأولى من طوابير الطلاب ، وكم كنت من أصحاب الحظوة والحظ السعيد ، وأنا اتنشق الهواء الذي اختلط بعبق عطرها الساحر ، لتأخذني بعيدا إلى عالم جميل من المشاعر التي ماعرفتها في حياتي قط ، من تكون هذه المعلمة ياترى ؟ وهل ستكون من معلمات الصف الرابع ؟ كم تمنيت حينها أن تكون كذلك ، كي أتمكن من مشاهدتها في منأى عن هذه الجموع الغفيرة ، ولكي استأثر بمحبتها لي وحدي دون أن يشاركني في ذلك أحد .