الجمعة، 29 أكتوبر، 2010

الكرامة والحب

لماذا يا صديقي لا تتوقف عن التفكير بها ؟ لماذا يشتعل الحنين في قلبك إليها كلما شاهدت عناقيد الياسمين التي تعانق نوافذ شرفة منزلك ؟

أحقا تتظاهر بالقوة والصلابة وعدم الاكتراث ؟

أم أنك ضعيف وجدا أمام طيف ذكراها ؟

في مراهقتك كنت لا تعترف بكلمة الكرامة أمام سلطان الحب ، وكنت على تأهب واستعداد لاقتفاء آثار أقدام فتاة ترفضك ، معللا ذلك بأن (( التقل صنعه )) وأن ما يأتي مهرولا يرحل راكضا .

أما في ريعان شبابك فلقد كنت تعيش في أجواء متقلبة من طقوس متناقضة في المفاهيم والأفكار ، فبدءا تطرفت في ملاحقة الفتاة التي يرسم لها الشباب صورة القلعة المنيعة الأسوار ، وكنت تشعر بلذة التحدي في وضع الخطط العسكرية لاحتلالها ، و لكنك وبعد عبور بوابة القلعه ، كنت تلوذ من أقرب نافذة بالفرار .

ثم انحصرت اهتماماتك في المظهر الخارجي وحسب ، ولم تعد تكترث لمتانة الحصون والأسوار ، بل كنت معنيا فقط بتناغم المواصفات الشكلية لذوقك وهواك ، ولكنك اقتنعت بعد ذلك أن من الفتيات من تفقد جمالها إذا بدأت بالكلام .

وعندما بدأت تبحر في أعماق عقول الفتيات ، وأصبحت تتأثر بطريقة طرحهن للأفكار المعبرة عن فلسفتهن في هذه الحياة ، كنت تصطدم في صراع تبعثر القناعات التي تغلب عليها سمة الانحياز للعقل وليس للقلب .

لقد كنت بعد تلك المرحلة أكثر نضجا ووعيا في الاختيار ، ولكن عصر العولمة كان كعاصفة رعدية تمكنت من اقتلاع أوتاد خيمة قناعاتك مجددا من أرض السعادة والاستقرار ، ومضيت في رحلة لامنتهية من المقارنات بين فتيات مجتمعك وفتيات الغرب الذي كان يفصلك عنهن شاشات الواقع غير المحسوس ، ولكن غرقهن في الجانبي المادي لحياة الإنسان كان كفيلا برحيلك مسرعا عن ذلك العالم الذي لا يسمو بروحك بعيدا عن مستنقع الرغبة الزائله .

وبعد أن التقيت بأجمل ياسمينة في بلاد الشام ، قررت أن تسقط كل نظرياتك وفلسفاتك في الحب ، واكتشفت أن الحبيبة تشبه المرآه ، فكلما نظرت إليها تجد نفسك أجمل وأجمل ، ولكن كيف كانت تتحكم في انعكاسات صورتك على المرآه ؟ إنها يا صديقي طريقتها المذهلة في إظهار محبتها لك ، بل إنني على قناعة تامة بأن جميع الناس من حولنا يشبهون المرايا ، فتجد أنك تحب طريقة انعكاس طيفك في بعضهم وتكره صورة ذلك الانعكاس في البعض الآخر ، ولذلك فأنا أدرك كم أنت تتألم بعد أن حجبت عنك صورتك في مرآتها يوم قررت الرحيل .

ولكن لماذا عزمت أمرك على تجاهل أول بصيص من الأمل بعودتها ؟

ألم تكن فيما مضى لا تؤمن بالكرامة أمام سلطان الحب ؟

حقا أسقطت كل النظريات وتحصنت خلف متراس الكرامة وعزة النفس ؟

أيوجد في الحب كرامه ؟

أم أنك تعترف بحقيقة كنت ترفضها دوما ، بأن من يبيع أول مره من السهل عليه أن يبيع بعدها ألف مره ؟

الثلاثاء، 26 أكتوبر، 2010

أي الرجال تفضلين ؟

إنها أخيرا جلسة النطق بالحكم الذي انتظرته بفارغ الصبر ، هي لحظات وتحلق بعدها في طائرة الحرية ، لعلها تنسى تلك السنوات القاسية التي كانت في كنف زوج لا يعرف قلبه الرحمه .

مطرقة القضاء تفتتح الجلسة ، ليتم سؤالها عن سبب رغبتها في الانفصال ؟

(( إنه لايتوقف عن ضربي يا سيدي القاضي ، بل إنه يجد متعته ولذته في ألمي ودموعي )) .

يطالع القاضي التقرير الطبي المقدم من محامية تلك المرأة والذي يؤكد على وجود كدمات ورضوض في أنحاء متعددة من جسدها ، ويحكم بطلاقها من ذلك الزوج المتوحش .

لحسن حظها فهي لم تكن قد رزقت بالأولاد من ذلك الرجل وهذا ساعدها كثيرا لكي تخرج من أحزان تلك الذكريات سريعا وتبدأ حياتها من جديد .

مضت الأيام وتزوجت من رجل كان على النقيض التام لشخصية زوجها السابق ، كان هذا الرجل استثنائيا في حنانه وعطفه ، بل كانت ملامح الهدوء والسكينة لا تفارق محياه ، وكأن من ينظر إلى وجهه يعتقد أنه يشاهد صورة فوتوغرافية ، و كم كانت ابتسامته تبعث الطمأنينة والسكينه ، كابتسامة طفل بريء لا تروع ناظرها أبدا ، أما صوته فكان كهمسات الموسيقى الكلاسيكية التي تسافر بمستمعها إلى بلاد من الهدوء وراحة الأعصاب .

وفي ذات ليلة ، تمثل لها طيف زوجها السابق في المنام ، كانت تقف في شرفة بيتها الجديد وهي ترتدي قميص النوم ، فهرول نحوها كالثور الهائج ، وأحكم قبضته على ضفيرة شعرها ، وقذف بها بعنف شديد إلى الداخل وهو يزمجر قائلا : (( كيف تجعلين عورتك عرضة للمشاهدة من قبل الآخرين ؟ )) و بدأ بلطمها دون أدنى شفقة وهي تصرخ بكلمة واحدة : (( كفى ... كفى )) ، فاستيقظ زوجها على ذلك الصراخ وتمكن بصعوبة بالغة من إيقاظها ، ثم وضع رأسها على صدره الدافىء وبدأ بمداعبة خصلات شعرها بكل رقة وحنان ، أما هي وفي تلك اللحظات الدافئه ، فقد أبحرت في وجدانها وأحاسيسها بعيدا عن أرض تلك الرومانسية الجميله ، لتتذكر أن هذا الحلم كان قد حدث فعلا بكل تفاصيله قبل عدة أيام ولكن مع زوجها الحالي الذي لم يحرك ساكنا عند مشاهدتها واكتفى بابتسامة صورته الفوتوغرافية المعتادة .

زوجها الثاني لم يكن رقيقا وحسب ، بل كان لديه مهارات متميزة في الأعمال المنزلية وبخاصة في الطهي والخياطة ، لدرجة أنه كان في كثير من الأحيان يفرط في رجائه وتوسلاته لها بالراحة والاستجمام لكي يمارس هواياته المتنوعة في أعمال المنزل ، ولقد كان لايفارقها أبدا ولايخرج إلى أي مكان إلا برفقتها ، وهذا ما كان يجعلها دائما تتذكر زوجها السابق الذي لم يكن لديه أدنى استعداد لخدمة ذاته في المنزل ، لدرجة أنه لم يكن يحضر كوبا من الماء لنفسه إذا شعر بالعطش ، بل هي من كانت تلبي نداء ظمئه على جناح السرعة قبل أن يستشيط غضبا ، فلقد حدث في أحد الأيام وبسبب ضجيج صوت محرك الغسالة أنها لم تسمع طلبه باحضار كوب من الماء ، مما أدى إلى اصابة رسغ يدها اليسرى بالتواء حاد بسبب إهمالها في تلبية طلباته .

زوجها السابق لم يكن يخرج برفقتها إلا في حالات نادرة جدا ، ولقد كان دائما يسهر كثيرا برفقة أصدقاء الليالي غير البريئه ، وإذا كانت تحاول الإتصال معه في تلك الأوقات لسبب طارىء ، يتهمها بعقوبة التجسس على خصوصياته ويبرحها ضربا عند عودته .

ولكن الأمر المحير أنها لم تكن تشعر بالسعادة مع زوجها الحالي ، وكانت دائما تشعر بأشواق خفية تسري فوق جسدها لتلك الأيدي الغليظة التي كانت تتلذذ في تعذيبها وإيذائها ، فما هو ذلك السر العجيب ؟

أحقا تشعر المرأة دون أن تدري أنها تميل إلى الرجل الغليظ وليس إلى الرجل الرقيق ؟

السبت، 23 أكتوبر، 2010

رفعت راسنا ؟

أرق ... أرق ... أرق ...

مابين الدقيقة والدقيقة ، تهب زفرات تأففه التي تدفع به على السرير ذات اليمين وذات الشمال ، ثم لايلبث أن ينظر إلى ساعته ، ليجد عقاربها تحبو في حركتها كالطفل الخائف من تعلم المشي بمفرده ، فيتأفف مجددا وينهض من فراشه ، ليبدأ السير في غرفته جيأة وذهابا ويداه متشابكتان خلف ظهره ، والعرق يتصبب من جسده ، وصوت أنفاسه تتسارع كلما بدأ قلقه يعدو في مضمار عقله أكثر ، أما نبضات قلبه فغدت تشبه الإيقاع السريع الذي تقرع به قبائل آكلي لحوم البشر طبولها قبل هنيهات من ذبح وليمتها .

يقترب من زوجته التي تغط في سبات لايشوب سكونه وهدوء حركته إلا سمفونية الشخير المزعجة التي تنطلق مع كل شهقة من شهقاتها ، فيغبطها على هدوء أعصابها وراحة بالها ، فكيف لها أن تدرك خطورة ذلك الأمر الذي لايعاني منه إلا الرجال ، بل إن نجاح الرجل أو فشله في تلك اللحظة المصيرية قد تتوقف عليها حياته بأكملها ، فعلا كم هو امتحان صعب .

((ما العمل ؟ الساعة لا تزال الثالثة صباحا ، إنني قلق جدا ، بل إن رأسي يكاد ينفجر من كثرة التفكير في هذا الموضوع )) ، صدى صوت هذه الكلمات كان كأجراس ساعة المنبه المزعجة ، التي أيقظت زوجته مذعورة من سباتها العميق ، لتنظر إليه بعينين شبه مغمضتين ، وتخاطبه بصوت يشوش نقاء موجته ذبذبات بحة مزعجة أصابتها من كثرة الصياح في تلك الليلة : (( ماذا دهاك أيها الرجل ؟ لماذا لاتزال مستيقظا ؟ ألا تشعر بالتعب بعد عناء هذا اليوم الطويل ؟ )) .

- (( اصمتي يا امرأه ، فأنت لاتعلمين مدى أهمية هذه الأمور في حياة الرجال )) .

- (( ولكني لا أجد تبريرا لإفراطك في القلق إلى هذا الحد ؟ أهي مسألة حياة أو موت ؟ )) .

- (( بالطبع يا امرأه ، أتريدين أن يسخر منا الجميع ؟ كيف سننظر في وجوههم إذا فشلنا ؟ )) .

- (( أنت لاتدركين أن نجاحنا في هذا الأمر هو فخرنا وعزنا وأمجادنا ولايهمنا من بعده أي نجاح )) .

- (( إذن أنت تعترف أن فشلك في حسن معاشرتي لا يهمك )) .

- (( بل وإنني أفهم من كلامك أن فشلك في عملك أيضا لايعنيك )) .

- (( ومشاكلك التي لا حصر لها مع الجيران والأقارب والأصدقاء هي أيضا لا تكترث لها ؟ )) .

- (( أنا لست الآن في مزاج جيد لمناقشتك والخوض في غمار ملاحظاتك التافهة تلك ، أتفهمين ؟ )) .

تنسحب من تلك المبارزة الكلامية التي قد تودي بحياتها ، لتتحصن خلف متراس شخيرها مجددا ، أما هو فعاد لممارسة طقوس قلقه اللااعتيادية على وهج شموع الصبر التي ينحسر نورها سريعا كلما تأمل ظلام السماء الحالك .

كيف يتخلص من لعنة ذلك الانتظار ؟

خيوط ذلك التساؤل لم تكتمل في رأسه ، إذ افترس صوت دراجة نارية فراغ ليلته المشؤومة تلك ، فتنفس الصعداء ، فذلك موزع الصحف قد جاء ، فخرج مسرعا ليأخذ الصحيفة ويبدأ بالتهام أخبارها وعنوانيها ليزجي الوقت الذي يمتنع عن ملاقاة الصباح .

وثبت عيونه مبتعدة عن بعض العناوين التي تبدأ بإحدى التاءات الثلاث : (( تطوير ، تقدم ، تنمية )) ، وتوقفت عيونه مطولا عند العناوين التي تبدأ بكلمات ثلاث : (( جريمة ، فقر ، جهل )) .

وأشرقت الشمس أخيرا ، ليقفز باتجاه الهاتف ، ولكن توتره الشديد تسرب إلى أصابع يده التي ما فتئت الارتعاش أثناء الضغط على خانات الأرقام ، مما جعله يخطىء وجهة الاتصال عدة مرات ، وبعد انقضاء حزمة من المحاولات الفاشلة ، تمكن أخيرا من إصابة الخط الصحيح ، ولكن الرنين لم يقطعه سوى الرنين ، ليتابع المحاولة دون كلل ولا ملل ، وهاهو في النهاية صوت ولده الذي بالكاد كان يسمعه قد لبى النداء .

- (( ألو ، أسعد الله صباحك يا عريس ، كيف سارت الأمور ؟ " رفعت راسنا ؟ " )) .

- (( بالطبع يا والدي ، أنا رجل ومن صلب رجل )) .

- (( أحسنت .... أحسنت )) .

- (( بالمناسبة لا تنسى أن تحضر ملاءة السرير حتى نضعها في الصندوق الخاص بشرف العائلة )) .

يضع سماعة الهاتف ، يصعد إلى غرفة النوم ، يبدأ بعزف سمفونية الشخير الخاصة به ، وهو يهذي في منامه قائلا : (( ولدي رجل ... ولدي رجل ... ولدي رجل )) .

الثلاثاء، 19 أكتوبر، 2010

زوجي لا يحبني

أعترف الآن أنني قد أحرقت عقدين من عمري في محبة زوج أناني ومغرور ومتغطرس ، وأفرطت في تكريس أيامي وبكل إخلاص له وللأولاد ، ولكن ماذا جنيت بعد هذه الأعوام من زواجنا ؟

الإجابة شديدة الوضوح وبكل أسف ، فزوجي لم يعد يحبني ، وأنا مقتنعة تماما بهذه الحقيقة ، فاحساس المرأة لا يخطىء أبدا في الحب ، ولكن لماذا خسرت محبته ؟ وأنا الوفية التي شاطرته أتراحه قبل أفراحه ، وبؤسه قبل نعيمه .

من أي نافذة تسلل قلبه بعيدا عن قلبي الذي اوصدت بوابته بأقفال حبه منذ زواجنا الذي كان مثاليا بكل المقاييس ؟

هل السبب في ذلك هو مظهري الذي اختلف قليلا عما كان عليه في الماضي ؟

(( تنظر إلى المرآه و إلى صورة زفافهما المعلقة على الجدران الموارب لسريرها المهجور منذ خمس سنوات من دفء ذلك الشريك الذي لا تزال رائحة جسده تعبق وسادته التي باتت خاليه )) .

ولكن وجهي لايزال كجدول الماء الراكد على الرغم من تموجه قليلا بالتجاعيد ، وعيناي في أحداقهما العسل المصفى من شموع الدهر ، وليس تهدل الأجفان والانتفاخات الطفيفة إلا نقطة في بحر حلاوة هذي العيون ، وأنا قليلة الانفعال والغضب ، فهل كان حقا يحتسب سنوات عمري التي بدأت تقف على الحد الفاصل مابين شبابي وهرمي من خلال تلك الخطوط الرفيعة التي انغرزت بفعل خنجر الزمان فوق جبهتي ومحيط فمي وعنقي الممشوقة كالزرافة ؟

أليس هو من كان يتغزل بهاتين الشفتين المتورمتين الورديتين ؟ ألم يلاحظ أن غياب أمطار عواطفه هي السبب الوحيد في جفافهما وتشققهما في هذه الأيام ؟ أم أنه اعتقد أن انبساط عضلات جسدي الطفيفة هي ترهلات شيخوخة أنوثتي ؟

إنني كمدينة مهجورة رحل عنها سكانها ، بل أنا كجبل بركاني خامد تنصهر في أعماقه حمم الرغبة التي لاتجد من يحررها بانفجار عاطفي تهتز من قوته أيام حياتي ، أريد أن أعيش ، لن أضيع سنوات أخرى في إنكار ذاتي المتعطشة لقلب رجل بحجة أن حياتي يتوجب أن تتكرس لأولادي وحسب ، فبعد زواجهم ورحيلهم عني سأبقى وحيدة مثل جذع نخلة خاويه .

ولكن من سيكون فارس أحلامي الذي سيختطفني من هذا المكان الذي سئمت كل مافيه من ذكريات تعتصر في داخلي الألم والحسرة على تلك الأيام الجميلة التي رحلت دون أدنى أمل في عودتها ؟

لا أريد أن يكون قريبا من عمري ، فعطشي لا يرويه إلا شاب في مقتبل العمر ، ولكن كيف سأجده أو بالأحرى كيف سأقنعه بأن يصرف أنظاره عن أزهار الأنوثة التي أينعت للتو ، ليقبل على زهرة بدأت دورة ذبولها ؟

بالمال ؟ ولكن من أين لي به ، وأنا لست فاحشة الثراء ؟

بالجمال ؟ ولكنني لا أملك فتنته مذ كنت في ربيع العمر .

بالدفء والحنان ؟ نعم هذا هو سبيلي للشباب ، ففتيات هذا العصر لايدركن خطورة هذا السلاح في اصطياد الرجال الذين يبحثون دوما عن صور أمهاتهم في من يحبون ، فهم يجدون أنفسهم قد انزلقوا في هاوية ممارسة دور الأبوة لهن طوال الوقت ولا يجرؤن على مطالبتهن بممارسة دور الأمومة بشكل واضح وصريح حتى لا يتم نعتهم بالأطفال .

(( تطرق ابنتها الباب لتستعجلها بالحضور لمقابلة أهل خطيبها ، فتستيقظ من غفوة تلك الأفكار وتترحم على زوجها الذي تركها تواجه وحدها مسؤوليات هذه الحياة التي لم تعد قادرة على تحمل أعبائها أكثر )) .

السبت، 16 أكتوبر، 2010

فتاة الملح وفتاة السكر

(( يبحث الرجال عن فتاة تتمكن وبكل براعة من وضع مكعبات السكر في كل ما يقولون ، ويبتعدون عن الفتاة التي تنثر حبيبات الملح مع كل رأي فيه لا يتفقون ))

كلما بادرته بالسؤال عن الموعد الذي سيتقدم فيه لخطبتها ، تصدم بجدران صمته وأعذاره الكاذبة ، فهي تعتقد أن السبب الجوهري في تأجيل مشروع الارتباط بينهما هو تواضع جوانب حياته المادية ، ولكن الحقيقة كانت بخلاف ذلك تماما ، فهو وعلى الرغم من سعادته بخضوعها المطلق له ، وعدم معارضتها لأقواله وأفعاله التي كانت في بعض الأحيان تبتعد جدا عن درب الصواب ، إلا أن ذلك كان ينذر باقتراب الموعد الذي ستقرع فيه أجراس النهاية المؤكدة لتأجج نيران رغباته الجامحة في الإرتباط بها .

هو يريدها أن تكون قوية كاللبؤة تفترس كلامه بالنقد اللاذع عند كل خطأ ، بل وتمزق بمخالبها أفكاره المتمردة على نظام المنطق والعقلانية والواقع ، ولكنها لم تكن أكثر من هرة صغيرة تقفز بكل براءة بين أحضان كلماته ولاترفض مداعبات أكاذيبه وادعاءاته المبالغ في دقة صحتها بل تثني عليها دائما وبكل سعادة .

قرر أن يمنحها الفرصة الأخيرة قبل أن ينسحب من حياتها نهائيا ، فأعد لها فخا كلاميا لاينقصه المكر والدهاء ، وذلك ليستفز كلماتها المؤيدة له دائما ويجعلها من أكبر معارضيه ، فقال لها : (( طيور الشؤم كانت تحوم حول رأسي منذ صبيحة هذا اليوم ، فاستيقظت متأخرا عن موعد عملي ولكن المدير وبعد حضوري لم يتفوه بكلمة واحدة وذلك بعد أن رمقته بنظرة غاضبة )) ، وقبل أن يكمل حديثه تقاطعه بابتسامة رقيقة ، وتقول : (( بالطبع لن يستطيع الكلام فمن يجرؤ على مواجهة نظرات عيونك القوية التي يهابها أقوى الرجال ويذوب من حلاوتها أجمل النساء )) .

ينظر إليها وقد بدأ الغضب يتملكه ولكنه يكمل حديثه على أمل أن تعارضه في بقية كلامه ، فيستطرد قائلا : (( وبعد انتهاء موعد العمل خرجت مسرعا لأتمكن من اللحاق بموعد مباراة كرة المضرب المرتقبة بين البطل الإسباني ( رافئيل نادال ) وغريمه التقليدي البطل السويسري ( روجر فديرير ) فتجاوزت الإشارة الضوئية الحمراء لأصطدم بسيارة كانت قد همت بالانطلاق من الجهة المقابلة بمجرد هبوط الضوء الأحمر إلى الضوء البرتقالي )) ومجددا تقاطعه ولكن بتعابير غاضبة اجتاحت ملامح وجهها ، لتقول : (( فعلا كم هو شخص غبي ، فلقد كان يتوجب عليه انتظار الضوء الأخضر قبل الإنطلاق والتأكد من انقطاع سيل السيارات القادمة من الجانب الآخر للطريق ، كيف يتم منح رخص قيادة المركبات لأمثال هؤلاء ؟ صدقا أستغرب وجدا ! )) .

ضبط أعصابه كما يضبط الميقاتي عقارب الساعات التي فقدت مسار خانات التوقيت الصحيح ، واردف قائلا : (( عند عودتي للمنزل ومشاهدتي لمباراة كرة المضرب قررت الاستحمام قبل الحضور لموعدنا ، ولكنني فوجئت بجفاف صنابير المياه ، فاستغفرت ربي وسألته الصبر وتعجيل فرجه علينا بتفجير ينابيع مياه من جوف الأرض لعل المياه تزور بيوتنا في كل يوم وليس في كل أسبوع ، ولذلك استميحك عذرا على رائحة العرق التي تعطرت بها ، فلقد قضيت تحت لهيب الشمس وقتا طويلا وأنا أنتظر قدوم الشرطة لمكان الحادث )) وبسرعة فاقت البرق تقول : (( مطلقا فرائحتك كالمسك والعنبر )) .

وهنا كان قراره النهائي بالابتعاد عنها ، فثار في وجهها وبدون أية مقدمات قائلا : (( ألا تعارضين ؟ ألا تجادلين ؟ ألا تنتقدين أي كلمة من كلامي ؟ )) فتقول له وملامح الاضطراب لم تعرف طريقا لتعابير وجهها التي أصرت على التماسك : (( أنا سكر حياتك )) ، فيصرخ في وجهها قائلا : (( كرهت هذا السكر وأخشى على نفسي من الإصابة بداء السكري )) .

بعد ذلك قرر أن يوافق على طلب والدته ويتقدم لخطبة إحدى الفتيات بطريقة تقليدية ، وفعلا تم ذلك بعد فترة قصيرة جدا ، ولكن في اليوم التالي لخطبتهما كانت المفاجأة التي بدت سارة في بدايتها وأصبحت جحيما لايطاق فيما بعد ، فبينما كانت جلستهما تحمل في ظاهرها بشائر سعادته القادمة ، دار بينهما نقاش طويل مالبث أن تعمقت جذور حديته في نبرات أصواتهما التي انتقلت من مرحلة الهمس إلى مرحلة الصراخ .

موضوع النقاش كان حول أعداد المدعوين لحفلة الخطبة من أهلها وأهله ، فهو يصر على أن عدد أهلها كان أكثر وهي تؤكد عكس ذلك ، وكلما حاول أحدهما تغيير مجرى الحديث معللا بأن هذه الأيام هي الأجمل ولابد من عدم إضاعتها في نقاشات أفلاطونيه ، يرفض الطرف الآخر الانصياع لهذا الاقتراح ويشعل فتيل النقاش مجددا .

لم تكن تلك الحادثة عرضية أبدا لأنها أصبحت نهج أيامهما اللاحقه ، فإذا قال لها أن الطقس اليوم حار ، تقول له فورا بأنه ليس كذلك ، وإذا اقترح عليها الذهاب إلى مكان ما ، تقترح عليه الذهاب إلى مكان آخر ، لدرجة أنها كانت تجادل وتعارض حقائق لايختلف في الاتفاق عليها اثنين .

وفي أحد الأيام وبينما كان يزورها للإطمئنان على صحتها بعد إجرائها لعملية جراحية بسيطة ، أحضر معه باقة من ورد التوليب ، وبمجرد دخوله ابتسمت قائلة : (( ما أجمل ورود الأوركيد التي أحضرتها )) فتنفجر براكين الغضب فيه بطريقة غير مسبوقة ويصرخ في وجهها قائلا : (( إنها توليب وليست أوركيد )) ، فترد عليه بنبرة صراخ لاتقل في شدتها وغلاظتها لتؤكد كلامها : (( بل أوركيد )) .

- توليب
- أوركيد
- توليب
- أوركيد

ليوقف تلك الاسطوانة التي تسمرت عند ذلك المقطع قائلا : (( ألا تتوقفين عن معارضتي ومجادلتي حتى وأنت مريضه ؟ )) ، فتجيبه : (( أنا ملح حياتك )) ، فيقول : (( كرهت هذا الملح وأخشى على نفسي من الإصابة بمرض الضغط )) .

ثم يرفع كلتا يديه عاليا ويخرج من المستشفى وهو يهتف بأعلى صوته : (( فليحيا السكر ... فليحيا السكر )) .

الاثنين، 11 أكتوبر، 2010

أنا وأبو بدر

لا أدري لماذا تمثل أمامي في الأمس طيف (( أبو بدر )) وهو يقف مذعورا أمام صراخ زوجته (( فوزيه )) في مسلسل باب الحاره ؟ هل السبب في ذلك هو أنني تبادلت الأدوار مع زوجتي لبضع ساعات قضتها لدى (( الكوافيره )) وقضيتها أنا بصحبة الأولاد ؟

هل حقا هذه الساعات القليلة كانت كفيلة بقلب كل الموازين بهذه السرعة المذهلة ؟

قبل محاولة الإجابة على هذه التساؤلات أعدت شريط تفاصيل الأحداث في ذلك اليوم والتي بدأت عندما كنت أجلس أنا والأولاد على مأدبة الإفطار بينما هي تستعد للخروج ، صدى خطوات سريعة تتجه نحو الباب وفجأة ضربة هائلة بكف يدها على باب المطبخ ، فقفزنا أنا و (( عمر )) و (( ياسمين )) من فوق مقاعدنا والتفتت عيوننا بسرعة البرق إليها لنستمع إلى وصاياها أو بمعنى أصح أحكامها العرفية التي سيكون عقابها المقصلة حتما إذا مالم نتقيد بها ، فرمقتني أنا والأولاد بنظرة نارية ورفعت يدها اليمنى ، فاعتقدت لوهلة أنها ستصفعنا ، تماما كما يحدث في بعض الأنظمة الدكتاتورية التي ليس للمرء فيها من حرية للتفكير أو الاختيار ، ولكنها لم تكن حازمة إلى ذلك الحد بل اكتفت بتحريك سبابتها سريعا كحركة سكين بدأت تقطع للتو شرائح لحم قاسيه ، لتنطلق الأوامر والأحكام والتوجيهات واحدة تلو الأخرى : (( لا أريد حدوث أية فوضى في المنزل ، عندما أعود أريد أن أرى المنزل نظيفا كما تركته ، ولاتنسى إرضاع عمر وتبديل حفاضته كلما اتسخت ، وبالتأكيد فلن أذكرك بالإشراف على واجبات ياسمين المدرسية ، و ..... و ..... و ..... و )) ، ولاتزال مع كل أمر تحرك سباباتها النحيلة المشابهة لعنقود فاصولياء خضراء وعيوننا تلهث وراءها من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى كمحاولة للتأكيد لها على مدى التزامنا وحسن اصغائنا لكل كلمة تصدر منها متلازمة مع حركة تلك السبابة ، لدرجة أنني بدأت أتخيل أن السبابة هي من يتكلم ويصدر تلك الأحكام .

وبرسالة اطمئنان شفوية نطقنا بها بصوت واحد كرد على كل تلك الأوامر : (( حاضر )) ، خرجت من المنزل وهي لاتزال تتمتم بأننا لن نحسن التصرف وستعود لترى المنزل في حالة مزريه ، وبمجرد ابتلاع كل طابق من طوابق العمارة التي نسكنها لصدى صوت أقدامها التي كانت تهبط بخطوات عسكرية منتظمة عند كل ملامسة لكعب حذائها مع سلسلة الدرجات السبعة والستين التي تفصل منزلنا عن الأرض ، محدثة صوتا بايقاع لم يتغير (( طيق ... طاق ... طيق ... طاق )) ولا أعرف لماذا وأنا أسمع ذلك الصوت عادت بي الذاكرة إلى أيام المدرسة وتحديدا الطابور الصباحي الذي لم أكن أتقيد بمواعيده إلا ببضع مناسبات ، عندما كان أستاذ الرياضة يصرخ بكل جدية وحزم وهو يقول : (( استرح ... استعد )) وصدقا لغاية الآن لم أتمكن من استيعاب الهدف من تلك الحركات التي كنا نضرب بها الأرض ونثير من خلالها غبار ساحة المدرسة التي قلما كنت أشاهدها نظيفه ، هل هذه الحركات كانت تؤكد مدى كفاءة مؤسساتنا التربوية في إعداد أجيال منضبطة تحترم النظام في كافة شؤون حياتها ؟ أم هي كانت وبكل أسف مجرد حركات بهلوانية نستعرض من خلالها أننا أفضل من يقوم بدور المهرج في سيرك الحياة ؟

ثلاثة أرباع الساعة كانت الوقت اللازم للأولاد ليجعلوا معالم المنزل تنقلب رأسا على عقب ، ولأن أطرافي تصاب بالشلل دائما أمام أولادي فلا أملك الشجاعة على ضرب أي منهما وأكتفي بالصراخ الذي لا يردعهم أبدا عن التحول السريع لجنيين شريرين بمجرد استفرادهما بي ، بعكس الدور الملائكي البريء الذي يتقنانه ببراعة أمام والدتهما ، مما جعلني دوما عرضة للإنتقاد من زوجتي بأن الأولاد لايهابونني ولايتعاملون معي كأب بل يعتبرونني دائما صديقهم وقريبا من عمرهم ، لدرجة أن ابنتي ياسمين التي أكملت عامها السادس تناديني بإسمي مجردا من كل ألقاب ، وأنا في الواقع لاتنقصني الغلاظة والشدة والقوة إذا أردت استعمالها في أي أمر من أموري ولكنني وطوال حياتي كان مبدأي الوحيد الذي تمكنت من الحفاظ عليه لغاية هذا اليوم (( أن لا أتجبر أو اعتدي على أي شخص أعلم أنه لايوازيني في القوة حتى ولو أخطأ في حقي )) .

مما لاشك فيه أنني كنت أقف أمام مسؤولية مزدوجة في ذلك اليوم ، فأنا الأب و الأم في الوقت ذاته ، ولكنني لم أتمكن مسبقا من تقمص صورة الأب العربي الشديد ذي الشاربين الغليظين الذي بمجرد أن يسمع الأولاد خطى أقدامه وراء الباب حتى تبدأ حالة الاستنفار لديهم والهروب إلى غرفهم من كثرة الخوف والرعب ، أنا أكره تلك الصورة بل وأثور عليها وأرفض أن أتعامل مع أولادي بتلك الطريقة ، ولكن أعتقد أيضا أنني أفرطت من الجانب المقابل وجعلت الأولاد يعتقدون أنني صديقهم وليس والدهم ، ومع كل هذا الصراع في الدور الأبوي لي في هذه الحياة فلقد وجدت نفسي مطالبا بذلك اليوم بأن أتقن دور الأم لبضع ساعات وأحافظ على النظام في المنزل والذي كانت زوجتي تتقنه ببراعة مطلقة ، ولكن ما العمل ؟ فلقد شعرت أنني فقدت السيطرة الكلية على مجريات الأحداث وهما ينتقلان من غرفة إلى أخرى ويعبثون بكل مايصادفونه في طريقهم وأنا أركض وراءهم أحاول إنقاذ مايمكن إنقاذه من ملامح المنزل الذي كان عليه قبل خروج زوجتي ، ولكن وبكل أسف وعلى رأي كوكب الشرق أم كلثوم : (( فات الميعاد )) وأصبحت صورة المنزل عما كانت عليه بعيدة كل (( البعاد )) .

قررت الاستعانة بصديق ، أعلم أنه مشترك بأحد النوادي الراقية في أحياء عمان الغربية والذي كان يرجوني دائما على أن أحضر الأولاد وأذهب معه لقضاء بعض الوقت هناك ، ولا أنكر أنني كنت دائما أفضل التهرب من دخول ذلك المكان لأنني بصراحة لا أود أن أجعل أولادي يختلطون بمشاهدة تلك الطبقة من المجتمع ، حتى لاتبدأ لديهم ومنذ هذا العمر المبكر عمليات المقارنة التي أرهقت تفكيري على الدوام ، وإنني وبكل أمانة لا أحسد تلك الطبقات الفاحشة الثروة ولكن كنت دائما أسأل نفسي لماذا تتعدد وسائل ترفيه أطفال تلك الطبقة وتتنوع بينما لايجد أطفال الطبقات الأخرى سوى الشارع والحارات وبعض الحدائق العامة التي لا تتناسب أعدادها أصلا مع حجم أعداد الأطفال ، مما كان يضطرني دوما للوقوف أمام طابور طويل حتى أتمكن من وضع إبني أو ابنتي على (( المرجيحه )) بعد عراك طويل مع أهالي الأولاد الذين يرفضون ترك (( المرجيحه )) إلا بعد أن تكون أرواح الأطفال الذين ينتظرون دورهم قد شارفت على الصعود إلى بارئها من كثرة البكاء ، أليس من حق كل الأطفال في هذا المجتمع أن تتوفر لهم وسائل ترفيه بتكاليف معقولة تكون بمتناول الجميع ؟

ذهبت مع صديقي وبمجرد وصولنا إلى منطقة الألعاب وجدت أعدادا هائلة حقا من الأطفال ولكن لا توازي الاعداد الهائلة التي تتواجد في الحدائق العامة التي لايتجاوز عددها أصابع كف يدي الخمسة ، ولكن المظهر المخيف الذي كان ينتظرني هناك ، هو أنني وجدت نفسي محاطا بأعداد هائلة من فتيات الفلبين لدرجة أنني تخيلت نفسي في العاصمة الفلبينية (( مانيلا )) فسألت صديقي : (( أين أهالي هؤلاء الأولاد )) ، فابتسم صديقي وقال لي : (( يا عزيزي أنت هنا بين أطفال الطبقة الأغنى في المجتمع فهل تعتقد أن ( برستيج ) الأهالي سيسمح لهم أن يعفروا أنفسهم بالتراب مع أولادهم ويلاحقونهم كما تفعل أنت أيها المسكين )) ، فقلت له : (( إذن فهؤلاء الفلبينيات في الواقع هن الأمهات فكما يقولون الأم هي من تربي وليس من تلد )) ، فقال لي : (( أتفق معك فلقد ذكر لي أحد الأصدقاء قصة رحيل خادمتهم الفلبينية وكيف أن ولده لم يتوقف عن البكاء لرحيلها مما جعل الأب يتصل معها على الفلبين ويرجوها للعودة وبأي راتب تطلبه )) ، فضحكت حينها وقلت في سري : (( من الذي لايزال يفاخر بالعروبة ونشأة هذه الاجيال من صنع الفلبين وأندونيسيا )) .

عدت إلى المنزل ورأسي بالكاد يحملني من كثرة المشاهدات التي التصقت في ذاكرتي من ذلك النادي وبدأت صراعات الأفكار التي لاتنتهي ولكن قررت أن أعقد هدنة سريعة مع تلك الصراعات وأبدأ بترتيب المنزل قبل عودة زوجتي ولكن قبل ذلك صدرت أوامري الصارمة للأولاد بالاستحمام ، فتقمصت حينها دور صبية حمام (( أبو قاسم )) في فنون (( التكييس والتلييف )) حتى أصبحت أضواء الحمام تتلألأ على أجسادهم الصغيرة التي بدأ لونها يميل إلى الإحمرار وبمجرد خروجهم من الحمام وارتداء ثيابهم التي واجهت صعوبة في إيجاد أماكنها حتى غرق الأولاد في سبات عميق ، فلعبت دور (( أبو بدر )) مجددا ورتبت المنزل بسرعة البرق وجلست بجانب الأولاد ، وبينما كنت أتأمل وجوههم التي استعادت ملائكيتها ، شعرت بسعادة كبيرة لأنني لم أسلم عجينة نشأة أولادي لغرباء يشكلونها بعيدا عن ديني وأخلاقي وقيمي ومعتقداتي في هذه الحياة ، وبدخول زوجتي إلى المنزل انتهى دور (( أبو بدر )) بعدما شاهدت المنزل بحال أفضل مما تركته عليه والأولاد نائمون كالشمس والقمر في التقاء غير مسبوق في سماء سرير واحد ، فابتسمت زوجتي وتخلت هي أيضا عن دور (( فوزيه )) وانتهى ذلك اليوم بسلام .

الجمعة، 8 أكتوبر، 2010

إلى آدم : هكذا تريد عروسك ؟

التقيت قبل عدة أيام بصديقي العزيز (( آدم )) والذي كان يشبه إلى حد التطابق الممثل الأمريكي الوسيم (( توم كروز )) ، وما أن تعانقت أكفنا لتبادل السلام ، حتى شعرت بوخزة جسم معدني صلب تداعب أصابع يدي ، فضغطت وبشكل لا إرادي على كف يده ورفعتها عاليا ، فداهمني ذلك البريق الذهبي الذي كان يتوهج على طول محيط إصبع يده كتوهج الشمس في ظهيرة يوم صيفي ، وإنني ومن فرط دهشتي لم أشعر بأصابع يده التي بدأت تحاول يائسة التخلص من كف يدي ، كتلك المحاولة اليائسة لغزال بري اصطاده للتو نمر جائع ، مما دفع (( آدم )) لندائي مستغيثا أن أترك يده التي بدأت العروق تظهر فيها كأشجار امتدت غصونها بشكل عشوائي ، فاستيقظت حينها من غفوة دهشتي مذعورا كتلميذ اعتاد النوم في حصصه المدرسية ، وسحبت كفي من كفه الذي فاض عرقا كزجاج سيارة استقبلت رذاذ المطر بمساحات معطله .

ابتسم (( آدم )) محاولا التهدئة من روع إندهاشي ، فهو يدرك تماما معرفتي المسبقة بمواقفه التي ترفض مؤسسة الزواج وإيثاره لحياة العزوبية والتنقل بحرية بين أذرع النساء كعصفور شقي يتمكن من الهرب في كل مرة من كمين ذلك القفص الذي لم يقتنع يوما بأنه ذهبي .

اندفعت نحوه جملي المنتهية بعلامات الإستفهام والتعجب لمعرفة سبب ارتباطه المفاجىء ، كاندفاع طفل يركض صوب أبيه العائد من رحلة عمل طويلة مطالبا أياه بإجابات سريعة عن طبيعة الهدايا التي أحضرها ، فربت (( آدم )) كتفي بلمسة دافئة لم أشعر بها قط من خلال معرفتي القديمة بأطرافه التي كانت دوما متجلدة من كل الأحاسيس والعواطف ، وخاطبني بصوت بالكاد أسمعه وأنا الذي كنت دائما أطالبه في الماضي بخفض صوته الجهوري الغليظ كلما بدأنا نتجاذب أطراف الحديث ، فقال لي : (( أخيرا وجدت فتاة أحلامي يا صديقي )) .

فنظرت إليه باندهاش مجددا وقلت له بنبرة لا تخلو من التهكم والسخرية : (( و ما هي مواصفات تلك الفتاة التي تمكنت أخيرا من إدخالك للقفص الذي هربت منه طويلا ولم تقتنع يوما بقدرتك على العيش فيه ؟ )) .

فقال لي : (( ما جذبني إليها هو عدم انتمائها مطلقا لهذا الزمان )) .

فقلت له : (( أرجو أن توضح أكثر )) .

فقال : (( أنها فتاة رائعة بكل المقاييس ، فهي دائما تسعى لاكتساب مودتي و محبتي ، وتحرص على تجنب العبور من أية دروب قد تؤدي إلى غضبي ، تشعرني دائما بحاجتها إلي ، قليلة الشكوى والتذمر حتى عند تقصيري بحقوقها ، لديها ذكاء من طراز رفيع في إعادتي إلى مسار واجباتي نحوها من خلال معاتبة عاطفية تصهر من شدة حرارتها كل صخور إهمالي التي تكون قد تجمعت على شواطىء أيامنا بفعل أمواج ظروف تكون خارج سيطرتنا في معظم الأحيان )) .

صمت لثوان لم أتمكن من احتسابها واستطرد قائلا : (( عندما تقدمت لخطبتها لم تملي عليا أية شروط مادية ، فأصرت على أن يكون مهرها دينارا ورقيا أخضر اللون وليس من الذهب الخالص ، ورفضت أن تحدد السقف الأدنى لقيمة المجوهرات التي لابد من شرائها ، بل إنها كانت تود الإكتفاء بخاتم فقط ، حتى أنها عرضت عليا أن نقيم حفلة الخطوبة والزفاف بالتناوب بين منزلي أهلها وأهلي وكانت حجتها بذلك أن تلك النفقات من الأولى أن ندخرها لأيام قد تكون حالكة السواد في المستقبل القريب ، ولم تسألني أبدا أسئلة جغرافية عن طبيعة المكان الذي سنسكن فيه ولم تكترث أبدا بتصنيف تلك السكنى بين ملك أو إيجار ، بل إنها ومن فرط محبتها لي وإيمانها بقدراتي وثقتها بأنني قد يكون لي شأن عظيم في المستقبل ، استأذنتني لتحدث والدها لكي يدعمني ماديا في تجارتي التي لا تزال في مراحلها الأولى ، وأكدت لي حفاظا ومراعاة على كرامتي وعزة نفسي بأن تلك الأموال ستكون دينا قابلا للاسترداد بمجرد نضوج تجارتي وازدهارها )) .

في الواقع كنت أستمع له والشكوك تحوم في عقلي كالنسر قبل انقضاضه على الفريسة ، فقررت أن أبادره بهجوم سريع من خلال مخالب أسئلتي لأمزق سعادته ونشوته المفرطة بهذه العروس التي بدأت أتمنى حقا لو كانت عروسي .

- فقلت له : (( هل هي جميلة ؟ )) .
- فأجاب : (( أجمل من القمر في ليلة اكتماله )) .
- (( أعذرني يا صديقي آدم على هذا السؤال ولكن أهي عذراء ؟ )) .
- (( نعم ولم يقبلها من فمها إلا والدتها )) .
- (( أهي متعلمة ؟ )) .
- (( حاصلة على الشهادة الجامعية الأولى وقريبا ستمنح درجة الماجستير )) .
- (( وماذا عن ثقافتها ؟ )) .
- (( بحر واسع في مختلف العلوم والآداب والمعارف ومكتبة بيتها تصلح أن تكون مكتبة عامة )) .
- (( وما رأيها بالمساواة بين الرجل والمرأة ؟ )) .
- (( قاعدتها الثابتة في هذا الموضوع بأن المرأة هي ظل الرجل تتبعه ولاتقوده )) .
- (( ولكن أليس في ذلك تناقض كبير وأنت أقل شأنا منها في العلم والثقافة و الثروة ؟ )) .
- (( هي لا تكترث لكل ذلك لأنها وجدت معي الراحة والأمان والحب وهذا هو ماكانت تبحث عنه طوال حياتها )) .
- (( ولكن ما هو طبيعة عملها ؟ )) .
- (( والدها أنشأ لها مشروع دار حضانة للأطفال قبل عدة سنوات ولكنها وبمجرد زواجنا ستعين مديرة للحضانة لتتفرغ لبيت الزوجية وستكتفي بالاشراف على الحضانة بين الفينة والأخرى ، فهي تخشى أن يؤثر عملها على أنوثتها التي تود الحفاظ عليها دائما بأبهى صورها ، فهي تغار عليا كثيرا )) .
- (( وماذا عن أحلامها وطموحاتها ؟ ))
- (( أحلامها وطموحاتها يا صديقي تتلخص في محاربة الأنانية وحب الذات ، فهي وهبت نفسها لخدمة الأطفال الفقراء والمساكين ومساعدتهم على العيش الكريم ، وليست مهتمة أبدا لتقلد مناصب في شركات خاصة لتخدم ملاكها البرجوازيين ، فذلك لن يجعلها تشعر بالفخر أبدا ولن يؤدي بها لما تصبو إليه من تحقيق ذاتها المجبولة على التضحية والإيثار )) .

لم أجد نفسي بعد سماع كل هذا الكلام إلا وأنا أتوسل (( لآدم )) وأرجوه إن كان لعروسه شقيقة كي أتقدم لخطبتها فورا ولكن صوتي عندما تحدثت كان أشبه بهتاف جماهير عريضة في مباراة لكرة القدم ، فنظرت خلفي لأجد حشودا هائلة من الشباب الذين تجمعوا خلفي واستمعوا لحديثي مع (( آدم )) .

فضحك (( آدم )) ملء فمه ونظر إلينا بازدراء قائلا : (( كم أنتم ساذجون وهل هنالك من امرأة بمثل تلك المواصفات في هذا العصر )) .

ثم نظر إليا قائلا : (( هذا الخاتم لسائح أجنبي وقع منه في حافلتي قبل قليل وأنا في طريقي إلى الفندق لأسلمه أياه ، ولكن حقا أنت لا تتغير أبدا ، فأنا أتمكن دائما من جعلك تصدق حكاياتي الخيالية وبكل سهولة )) .

انفضت الجموع من حولي ونالني أنا و (( آدم )) من السب والشتم واللعن ما نالنا ، ولكنني تسمرت في مكاني وسافرت بعيدا في خيالي وحلمت بيوم أجد فيه (( حوائي )) بمثل هذه الموصفات .

الثلاثاء، 5 أكتوبر، 2010

منصة الأحلام

فوق منصة أحلامي الكبيره ، تراقصت أمنياتي دون توقف ، وكانت تلك الأمنيات دوما قبل دخولها لصالة العرض ، تسترق النظر من وراء الستار ، لتشحذ عزيمتها بمشاهدة الحشود الهائلة من الزوار ، ولكنها وعلى الرغم من محاولاتها لتعلم كل فنون الرقص من (( شرقي ولاتيني وفالس )) ، إلا أن الجماهير كانت دائما تفتح بداية كل عرض ، بإلقاء الطماطم في وجهها ، لتعلن استهجانها واستياءها من رداءة أداء تلك الأمنيات في تحقيق أي حلم على أرض الواقع .

ملاحظة : (( في آخر عرض فاشل لأمنياتي ، استخدم الجماهير البطاطا عوضا عن الطماطم بعد اختفائها من الأسواق )) .

الرقصة الأولى كانت في المجال الرياضي ، فحلمت في بداية طفولتي المبكرة أن أصبح (( كبروسلي أو جاكي شان أو فان دام )) وتماديت في الأحلام بعدها إلى نجوم (( هوليوود )) فتمنيت لو أكون (( كآرنولد شوازنجر أو سلفستر ستالون )) ، ثم مالبثت أن انجذبت لألعاب القوى وسحرني مشاهدة العدائيين في البطولات العالمية ولأنني كنت دائما أسرع شخص في الجري السريع بين أقراني ، تمنيت لو أصبح أسرع رجل في العالم وأنال شهرة (( بن جونسون أو كارل لويس )) ، ولكنني وبعد مشاهدتي لبطولة كأس العالم بكرة القدم في عام (( 1994 )) وقعت في حب اللاعب البرازيلي (( روماريو )) وتمنيت أن أكون مثله ، وبعد أن تجاوزت السابعة عشرة من عمري كان عصر التكنولوجيا قد بدأ يجتاح حياتنا بسرعة فائقة ، فبدأت أسطح المنازل تختلف معالمها رويدا رويدا ، لتختفي أعمدة (( الانتين )) التي كانت تمكننا في أحسن الأحوال من مشاهدة سبع محطات تلفازية ويحل مكانها أطباق لاقطة ، سافرت معها أمنياتي وأبحرت في فلك محطاتها التي لاتعد ولاتحصى لأقع في حب رياضة ((السنوكر )) فبدأت أطلق العنان لخيالي وحلمت أنني أقف هناك في مدينة (( شيفيلد )) الإنجليزية ، أنافس أبطال العالم في تلك اللعبة التي يفاخر الإنجليز بمن يتقنها بعكس مايحدث في مجتمعنا تماما ، فمن يمارس تلك اللعبة يعتبر من (( أصحاب الأسبقيات الإجراميه )) ، فأضعت من عمر طفولتي ومراهقتي سنوات وسنوات مابين ممارسة كل تلك الأنواع من الرياضات ، ولكنني فشلت في أول نزال لي عند محاولة ترجمتها إلى واقع وخرجت أجر ورائي أذيال هزيمتي وفشلي في تلك الرقصة التي لم أتقن فنونها الأساسية .

بدأت قصتي مع تعلم الرقصة الثانية في عامي الجامعي الأول ، وتحديدا بعد سماعي لرائعة قيصر الغناء العربي كاظم الساهر (( أنا وليلى )) ، فعشقت الشعر وتمنيت أن أرسم بالكلمات أجمل اللوحات ، فبدأت ألتهم دواوين الشعراء في مختلف العصور ، وتعلمت نظم القوافي وتقطيعها على مختلف البحور ، فحلمت تارة أني أنازل (( امرؤ القيس )) في سوق عكاظ ، وأنني أتسابق تارة مع (( المتنبي )) في انتزاع محبة (( سيف الدولة الحمداني )) ، بل وأنني تمكنت من الانتصار على (( عمر بن ربيعه )) كمعشوق للنساء لا عاشق لهن ، ومضيت إلى زمن الشعر الحر وهزمت فحوله وعلى رأسهم (( نزار قباني )) ، إلا أنني وفي أول مسابقة للشعر في كليتي سقطت كأوراق الخريف مع أول عاصفة استهزاء وسخرية من لجنة التحكيم .

قررت في الرقصة الثالثة أن أبالغ في واقعية أحلامي وأمنياتي ، وأن أتقن علم المحاسبة الذي اخترته كمهنة أقتات منها رغيف أيام حياتي ، ولكنني سرعان ماعدت إلى عادتي السيئة في محاولة اتقان رقصة جديدة لأكون عالما مرموقا ومشهورا في جامعة (( إلينوي الأمريكية )) ، فقضيت أياما طويلة في إعداد أطروحة غير مسبوقة ، تذهل أساتذتي الجامعيين ، فيرشحونني إلى بعثة أستكمل من خلالها دراساتي العليا في جامعة أحلامي ، ولكن كما هي العادة مع كل رقصاتي الفاشلة ، اتهمني أحد الأساتذة بأنني عار على أن أكون قدوة للأجيال من بعدي ، وخرجت مهزوما لا أملك سوى مرارة الإحباط والفشل .

والآن قررت أن أرغم نفسي على التنحي من فوق منصة الأحلام ، وسأحاول العودة إلى صفوف الجماهير ، وسأبدأ بشراء البطاطا ، وسأستمتع برميها في وجه كل عرض لأمنياتي فوق منصة الأحلام ، فهواة الرقص الذين هم على شاكلة أمنياتي لا تكفيهم بلاغة التعبير في وصف تفاصيل تحقيق الأحلام لكي يدخلوا عالم الاحتراف من أوسع أبوابه ، بل لابد أن يتم حقنهم بمنشطات الإرادة والعزيمة والصبر لإكمال طريق الخروج من صحراء الواقع إلى رياض جناتها الخضراء ، ولكن يبقى السؤال المحير : (( أين تباع تلك المنشطات ؟ )) .

الجمعة، 1 أكتوبر، 2010

( تاج ) المواقع الالكترونية


وقعت ضمن اختيار الأخ العزيز خالد أبجيك (( صاحب مدونة الفكر الحر )) للكتابة عن مواقع الشبكة العنكبوتية التي أطالعها بشكل دوري وأتجول في متن صفحاتها الالكترونية باستمرار ، وإنني أشكر الأخ خالد على هذا الواجب الجميل والمفيد بالفعل لنا لنتبادل من خلاله المعرفة والخبرات المختلفة لقراءاتنا الالكترونية .

1- ما هي المواقع المفضلة لديك (كِ) وتزورها باستمرار؟ ضع (ي) رابطها و ما تستفيده منها ؟

المواقع الإخبارية :

وفي الواقع تنحصر زياراتي لمواقع محلية فقط وهي :

-
جريدة الدستور
- جريدة الغد
- عمان نت
- صحفي

المواقع الأدبية :

-
الموسوعة العالمية للشعر العربي

المقالات :

-
كتاب العربية نت
- سواليف أحمد حسن الزعبي

أقوال المشاهير :

-
موقع اقتباس دوت كم

رسوم الكاريكاتير :

-
أبو محجوب

مواقع الاستعلام :

-
ويكيبيديا الموسوعة الحره
- محرك البحث جوجل

المواقع الاجتماعية :

-
الفيس بوك

مواقع أخبار الاقتصاد والبورصات العالمية :

-
كيتكو

مواقع أخبار الرياضه :

-
موقع قناة الجزيرة الرياضية

2- ارسال الدعوة إلى أربعة مدونين : (( والدعوة اختيارية بكل تأكيد ))

نيسان

جفرا

أم عمر

أحمد المحروق

وسأكون سعيدا جدا بمشاركة كل زوار مدونتي من غير المدونين ليشاركونا تبادل المعرفة بالمواقع الالكترونية التي يزورونها :)