الجمعة، 27 يناير، 2012

لك أنت


كم هو غريب ما يحدث معي في هذه الأيام ، فكلما عزمت على الكتابة ، أجد أناملي ترتجف وكأنها في لقائها الأول مع القلم ، فهل الخوف يسكنني ؟ أم هي فرحة أخشى على قلبي من خسارتها كما اعتاد في منتصف الطريق ؟ لنعود أنا وإياه من حيث مشينا بالأمس ، لا نملك سوى الخيبة والحسرة ، على ضياع أحلام أودعت دوما في القلب الخاطىء .

قصتي مع النساء معقدة جدا وليس من سبيل أمامي للكتابة عن خلاصتها ، ولكن لست أدري لماذا وأنا أسير اليوم تحت رذاذ الأمطار وحيدا إلا من مظلتي السوداء الحزينة ، وجدت الذكريات و قد تلاعبت برأسي كحجارة النرد حين تهوي على رقعة طاولة اللعب ، والعيون تراقبها وهي تتدحرج في غياهب الأرقام ، وحينها يظل الفكر شاردا بما ستؤول إليه احتمالات وجوه مكعباتها حين تستقر وتتوقف عن الدوران ، فإما سيكون الفوز وصيحة الانتصار وإما الوجوم والشتيمة للحظ العاثر المؤدي للانهزام .

أنا شخص تعب من التفكير والتحليل والتفسير لكل علاقة عاطفية فاشلة كنت قد خضتها في ميادين الحب ، وربما هذا ما جعلني شخصا غريب الأطوار ، تتداخل فيه كل المتناقضات التي عرفتها البشرية ، ففقدت التوازن والانسجام مع محيط الناس من حولي ، ولم أعد مكترثا لمواضيعهم واهتماماتهم وأفكارهم ومعتقداتهم وفلسفتهم في هذه الحياة ، وليس هذا انتقاصا من قدرهم بل على العكس ، فهو اعتراف بأنني فشلت في إيجاد من يحتويني بعالم لا أتمنى في يوم مغادرته قط .

كانت وجوه النساء تتكشف لي تماما كما هي حال حجارة النرد بعد سكونها ، وخسارة تلو خسارة تتعاقب على قلبي، كما يحدث لفريق العاصمة الإسبانية لكرة القدم كلما كان في مواجهة مباشرة مع فريق الكتلونيين في هذه الأيام ، فتلك امرأة هجرتني للزواج من رجل يعمل في بلد نفطية ، وأخرى دعتني للزواج وأنا لا أزال على مقاعد الدراسة ورفضت أية مبررات للانتظار حتى يتغير لقبي من معال إلى عائل ، وهناك من ادعت أن وجودي في حياتها يشبه السوار الضيق حين يلتف بقسوة حول المعصم وأنها تريد خلعه مهما كان الثمن .

و توالت الحكايات مع نساء في حالة فراغ عاطفي ، لم يتعد وجودي في حياتهن سوى تزجية أوقات انتظارهن لفرسان أحلامهن الواقعية ، وحتى عندما ألمت بي عقدة (( أوديب )) وبحثت عن الحب مع نساء من أجيال قد سبقتني بعقود ، وجدت قلبي ملزما بعطاء ليس له من حدود ، وكأنني والدهن الذي أعادهن لسنوات مراهقتهن البائدة ، مما استدعى قراءتي لكتب (( فرويد )) مجددا كي أتعمق في معرفة تتمة نظريته عن عقدة (( الكترا )) .

وشاءت الأقدار أن ألتقي بنساء قد تلبدت في سماء حياتهن غيوم حزن عابر ، فانحصر دوري حينها في مواساتهن والوقوف إلى جانبهن في لحظاتهن النفسية العصيبة التي أمطرت أيامهن بالدموع ، وحينما تبددت الغيوم وأشرقت شمس السعادة وتحققت أمنياتهن ، رحلن بعيدا عني كي لا أكون فتيل اللهب الذي قد يشعل ذكريات تلك الأيام السوداء .

الآن و للمرة الأولى في حياتي أجد أنني قد كشفت كل أوراقي أمام امرأة ونحن لا نزال نسير في بداية الطريق ، ربما لأنني أتمنى أن تكوني أنت القصة الحقيقية الوحيدة في حياتي ، ولهذا أكتب اليوم لك أنت ، وأمد يدي لك أنت ، وأبتسم لك أنت ، وينبض قلبي لك أنت ، فهل تقبلين أن تمضي معي كي نكتب سطور خاتمة هذه الحكاية ؟ فالحب ليس للحبيب الأول بل هو للحبيب الأخير .

الجمعة، 20 يناير، 2012

متى ترجح كفتي في ميزان إعجابك ؟

كنت دوما أراهن على الفرس الخاسر ، وأبني قصورا من الرمال لا يلزمها أكثر من موج هادر ، لتزول وتتلاشى أحلام طارئة قد أشرعت نوافذها لفرح عابر ، فلم يسبق أن بددت غيوم قلب حائر ، وأفلحت في استدراجه لأرض قلبي بعد بلوغي العاطفي أو حين كنت قاصر ، وهذا كان يستدعي اللجوء لمسببات حظي العاثر ، والوقوف عند تحليلها مطولا ، لعلي أستكشف حرز المفاتيح لأبواب النساء الموصدة أمامي ، وانفراج مزلاجها دون عناء لرجال تقف بمحاذاتي ، وكم حاولت أدراك السبيل الذي يقودني لدهاليز الإعجاب الخفية ، ولكن الأقدار أصرت على بقائي في صومعة التمني ومهدت لغيري كل دروب النساء التي كانت تلتف من حولي .

في البدء كان صديقي الأشقر يخطف من أمامي قلب كل انثى لا يستهويها الشاب الأسمر ، فقررت أن أتنكر في ملامحه و أستبدل لون شعري الأسود وأضع مساحيقا على وجهي كي تبدد عتمته ، ولقد استدعى المظهر الجديد أن أسدل خصلات شعري من خلال جلسات حمام الزيت ومواد التمليس في العصر الذي سبق ثورة (( الواكس )) ، وكان لا بد أيضا من وضع نظارات شمسية تكون عدساتها زيتية ومحفور عليها بالطبع ماركة شهيرة تدعى (( ريبان )) ، وارتداء حذاء رعاة البقر ذو المقدمة الرفيعة كالأبرة والذي ذاع صيته بمسمى حذاء (( تكساس )) ، ومع كل تلك التغييرات الجوهرية ، إلا أنني كنت دوما أرتطم بجدران قلوب حواء والتي كانت تبدو أمامي أقسى من الفولاذ أو الحديد المسلح .

وفي المرحلة الجامعية وجدت الإناث يلتفون حول الشاب ذو النظارات المقعرة والذي كان لا يغادر المكتبة في أوقات فراغه و لا تخلو يديه من مجموعة الكتب والمراجع التي ترافقه أينما حل ووطئت أقدامه ، فحلقت شعري وارتديت قميصا وأغلقت ياقته ، وأقسمت على طبيب العيون أن يؤكد ضعف نظري وحاجتي لنظارة بعظم أسود ، كتلك التي يرتديها كبار السن منذ منتصف القرن الماضي ، وذهبت إلى المكتبة وتعاركت مع أمينها بعد إصراري على استعارة كتب تفوق الحد المسموح به للاستعارة ، ومشيت بين ممرات الكليات بخطوات خجولة وعيوني لا تبصر إلا الأرض ، ودخلت محاضرات وخرجت من امتحانات ولم تطرق أي فتاة بابي ولو حتى على سبيل الخطأ أو الصدفة .

وحين دخلت سوق العمل من بوابته الضيقة ، وانقضت فترة البطالة التي امتدت لحسن حظي لسبعة شهور فقط ، كنت قد قضيتها في عزلة بالمنزل في أرشفة الصحف وأنا انقبها يوميا للبحث عن وظيفة تتلاءم مع الشهادة التي عانيت أربعة سنوات للحصول عليها ، فوجدت نفسي في مؤسسة مالية ضخمة ، وكيفما وليت وجهي فثمة نساء عن يميني وعن شمالي ، من أمامي ، ومن ورائي ، وفي كل بقعة يمتد إليها بصري بنظرة بريئة أو عن سبق إصرار وترصد ، ولكن الحكاية ما انفكت تكرارا لفصولها التي سئمت قراءتها ، فأنا كنت انطوائيا وافتقد لمهارات الاتصال الاجتماعية ، والتي كان يبرع بها زملائي الرجال ، من أحاديث المطبخ وتربية الأولاد مع المتزوجة ، وأحاديث الموضة والأزياء وقراءة الأبراج وحظوظها مع العزباء ، والتملق للمديرات العوانس ، والاستشارات المجانية للمخطوبة عن محلات بيع الاثاث والأجهزة الكهربائية ومحلات المجوهرات وصالات الأفراح ومايلزم من تجهيزات ليوم الزفاف ، مما جعلني أبدو كالأبله امامهن عند سؤالي عن كل ما اعتقدت أنه لا يلزمني معرفته لكي اتجاذب معهن أول أطراف الحديث المؤدي للإعجاب .

وعندما جاء اليوم الموعود ، ووصلت بعد معاناة لحدود الباءة الدنيا والتي قد تؤهلني للزواج ، طرقت كل الأبواب ، وتم طردي في كل محاولة من النوافذ لضرورات السرعة في التخلص من زيارتي المشؤومة لبيوت عروساتي المحتملات ، فأنا لم أكن أملك بيتا وراتبي لا يتكون من أربع خانات ، وهاتفي ليس فيه شعار التفاحة ، ووالدي تاجر مفلس ، وبورصة الذهب أقسمت أن لا تهبط مؤشراتها عن أرقام فلكية ، وليس بمقدوري إقامة حفل زفاف في فندق مدموغ بنجوم خمسة ، وسيارتي لم تولد في الألفية الثانية ، فكيف إذن يا حواء من الممكن أن ترجح كفتي في ميزان إعجابك ؟

الجمعة، 13 يناير، 2012

أنا وحبيبتي والمطر

كم من شتاء كان قد مضى وأنا أنتظر هذا اللقاء ، وكم مشيت تحت رذاذ الأمطار وحيدا بين أزقة الطرقات ، لعلي ألمح طيفك بتواطىء بين القدر والصدفة ، وأنت تقفين خلف النافذة تتأملين حبات المطر ، وهي تداعب كفيك دون أن تصافحهما تماما ، أتراك كنت تتوقعين حضوري ؟ أم هي لهفة الأمل بلقاء يحدثك به القلب دوما كلما أمطرت السماء ؟

أتذكرين لقاءنا الأول ؟

كان أيضا في الشتاء ، عندما كنت أجلس خلفك في الحافلة ، وأثير المذياع يهمس بالأغنية التي رافقت قصتنا على الدوام ، ولقد كنا نكتفي حينها بالإنصات والشرود ، فلا تتجرأ قلوبنا على الكلام ، وعندما كان ضجر الانتظار من المجهول يسكننا ، نزيح ستائر النوافذ ، فيفتضح صوت القيصر أمرنا : (( أخاف أن تمطر الدنيا ولست معي )) .

وتجدد لقاؤنا في مقهى لم نذهب إليه من قبل ، وكنت أراقب الحزن في عينيك وأنت تحركين الملعقة في قدح الشاي ، وكم تمنيت حينها لو أشحت برأسك ، كي تلمحين عيونا قد ذابت في قدحك قبل قطع السكر ، ولكنك تابعت الكتابة في كراستك عن عشق لم يأتي بعد ، وهربت من أمامي مجددا (( كاليمامة بين العين والبصر )) .

والتقينا بالسوق في يوم كذبت فيه شمس الشتاء كعادتها ، فأسرعت خطواتك في المسير ، وأنا من خلفك لا أدرك كم يلزمني من خطوات كي تجدينني من أمامك ، فركبت سيارتك واندفعت عجلاتها فوق الاسفلت المبتل ، والذي ظل يرافقني في ثنايا فراغك مع الأمطار وهي (( تجلدني على ذراعي ... على وجهي ... على ظهري ... فمن يدافع عني ؟ )) .

وشاءت الظروف بعد عواصف من اليأس أن أذهب إلى موقع عملك ، وأضغط على زر الانتظار في لعبة أرقام عشوائية ، ولكن صوت النداء الآلي ألقى برقم تذكرتي بعيدا إلى مكتب امرأة أخرى ، كانت نافذتها مفتوحة لريح تعوي ، وأنا لا أجدك كي تهمسين في أذني (( تمسك ... ها هنا شعري )) .

وفي ذات شتاء لجأت إلى مظلة بائع الكتب ، وبحثت بين رفوف منشوراته عن نبوءات العرافين الذين كذبوا في وعودهم عن حب قد يأتي في بداية الألفية العشقية ، وعندما هممت بتصفح ما توقعه المنجمون للقائنا الذي لايحدث إلا في المطر ، وجدتك تقفين إلى جانبي ، تتصفحين فهرس قصائد نزار ، وقد لامست سبابتك (( قارئة الفنجان )) ، فنظرت إلى السماء وكان قد اشتد فيها الهطول ، ثم التفت مضطربا كي أبحث عنك ، فلم أجدك في أي مكان ، فأخذت نسخة أخرى من ديوان نزار ورحت أردد بخيبة وانهزام (( فمنذ رحت وعندي عقدة المطر )) .

واليوم أجلس أمام نافذة وحدتي ، والأمطار لا يتوقف هطولها كلما اشتاقت الأوراق للكتابة عنك ، وأنت لا تزالين في غفلة عن عشقي ، تنامين على وسادة من حرير أنوثتك ، فهل سنلتقي مجددا في الشتاء ؟ أم يتوجب أن (( أمحوك من أوراق ذاكرتي )) مع أنك (( في القلب مثل النقش في الحجر )) .

الجمعة، 6 يناير، 2012

هذيان الثالثة والثلاثين

دعوني وأنا أتهيأ خلال ثمان وأربعين ساعة من الآن ، وقبل أن أطفىء الشمعة الثالثة والثلاثين من عمر بدأ حلوا كمكعبات السكر حين تفيض في فنجان قهوتي ، و غدا شديد المرارة كزجاجة دواء يتجرعها المريض مرغما ، كلما مضت به الأيام بتتابعها الرتيب من الألم ، لأستذكر زيارتي قبل عدة أيام للحلاق برفقة رجل تجاوز العقد الثمانين من عمره ، وقدماه تخذلانه بالوقوف ، فيتأبط ذراعي خافضا رأسه ، وعيونه قد اغرورقت بدموع غير مرئية لسواه ، فولده لم يشاهده يبكي إلا مرة واحدة فقط ، عند موت والدته وجدة طفله حينها .

إنه (( محيي الدين )) ، و الذي سأتجرد معه من كل الألقاب بين هذه السطور ، ولكن ذلك لن يغير من مسلمات الحياة التي تنسبني إليه كلما تم ذكر لقبي في ظروف رسمية أو شخصية ، هو ذلك الشخص الذي جاب بقاع الأرض كلها ، وعاصر كل التواريخ والأحداث التي مضت بعالمنا منذ نهايات العقد الثالث من القرن الماضي ، خرج حافي القدمين في عام (( 1948 )) من مدينته (( اللد )) بعد مذبحة راح ضحيتها كل من رفضت خطواته إخلاء الأرض من تحتها ، ليتسنى إقامة دولة من يعتقدون أنهم لا يزالون (( شعب الله المختار )) .

وعندما وصل شرق النهر ، قرر أن يحافظ على عهده ويعيش الحياة بمعايير شبه مؤقتة ، حتى يحين موعد عودته إلى غرب النهر من جديد ، فاستدعى ذلك منه أن يتزوج ثلاثة نساء ، وينجب منهن ثمانية أبناء على مدار ثلاثة عقود قد خلت عند نهاية سبعينيات القرن الماضي بميلادي في ليلة عاصفة بالثلوج ، كي أنال بذلك لقب آخر العنقود ، والذي لم تكن حياته كلما كبر سكرا معقود .

كان (( محيي الدين )) يسافر في الربيع لأوروبا وفي الخريف لشرق آسيا بحجج ظاهرها التجارة ، وباطنها محاولة يائسة لمعانقة أكبر قدر ممكن من المدن ، والتي قد تعينه على نسيان مدينته التي لم يعد باستطاعته معانقتها ، وواصل السفر من مكان إلى آخر مستعينا بكل وسائط النقل التي عرفها البشر ، فتارة يقود مركبته من (( عمان )) إلى (( بازل )) ، وتارة يمخر عباب البحور المختلف على ألوانها بالخرائط والمتفق على لونها الأزرق عند رؤيتها ، وتارة يطير في الجو إلى أقاصي القارة الصفراء ، ويتنقل بين مدنها تحت اشراف (( سور الصين العظيم )) في قطارات بالكاد تستطيع العين رؤيتها عند كل محطة عبور ، وكان عندما يعود إلى (( عمان )) يرفض تناول غدائه في كل يوم جمعة إذا لم يكن في (( القدس )) ولقد كانت جملته الشهيرة بعد كل وجبة هناك (( أكلة والوداع ... أكلة والوداع )) حتى تحققت نبوءته في عام (( 1967 )) وودع (( القدس )) للأبد ، فاستبدل مكان وجبة الغداء الأسبوعية لتصبح في (( بيروت )) وكان أيضا عند نهاية كل وجبة يقول جملة شهيرة أيضا (( كلو يا ولاد ... يا مين يعيش للجمعة الجاي ونتغدا في بيروت )) ولكنه عاش بعدها جمعا لا أتمكن من احتسابها على وجه الدقة ، ولكن (( بيروت )) أقفلت مطاعمها حزينة بعد اندلاع الحرب في عام (( 1982 )) .

وفي عام (( 1979 )) وتحديدا بعد ولادتي بشهور ، زار (( جده )) وعاد منها بسيارة ترتبط بعدها بأجمل ذكرياتي ، رحلة في عام (( 1984 )) إلى (( سويسرا )) ، لا أذكر منها إلا بعض خيالات ، كأس الكولا الذي قضمته بأسناني في (( أنقره )) ، سترة الكلب (( سنوبي )) التي اشتريتها وأنا على قمة برج ايفيل في (( باريس )) ، إطعامي للحمام في إحدى الساحات الأثرية في (( ميلانو )) ، جولتي على متن القارب في (( البندقية )) ، وتلك الغابة الخضراء العظيمة عند مداخل (( يوغسلافيا )) ، ووقوفي خلف النافذة أشاهد الناس في الشوارع وهم يرفعون مظلاتهم في يوم ماطر بالعاصمة (( بلغراد )) ، وأخيرا هجومي على الكلاب التي كانت ترتدي ملابس أنيقة في مطاعم سويسرا وتقريع أصحابهن المسنات لي ، وحفلة العرس التي شاركنا بها أنا ووالدتي في فندق بين جبال الألب دون دعوة مسبقة ، ورقصتنا العربية التي فرح بها العرسان حينها رغم دهشة الاستغراب .

وفي عام (( 1988 )) اختصرنا رحلتنا عند البوابة التي تفصل آسيا عن اوروبا ، وهي رحلة أذكرها بشكل أفضل ، فأذكر أننا خرجنا في اليوم الأول من (( عمان )) وتوقفنا لنتناول فطورنا في (( درعا )) ، وتابعنا المسير من (( دمشق )) ولكن مع وقوف إجباري لتجاوز والدي لشاخصة حمراء ، ومن ثم جلوسنا في أحد مطاعم (( حمص )) على ضفاف نهر العاصي ، ومبيتنا في (( حلب الشهباء )) بعد تخمة أصابتنا من تناول أصناف لا محدودة من (( الكبة )) ، ووصولنا في اليوم التالي لفندق (( كاميليا )) في أعالي جبال لواء اسكندرون ، وعبورنا لجبال طوروس ، قاصدين (( أنقره )) ، ولكي نعبر بعدها الجسر المعلق فوق بحر المدينة التي أشتاقها بجنون (( اسطنبول )) عروس البسفور ، وانطلاقنا منها إلى عدد لا محدود من الجزر التركية الخلابة في البحر الأسود وبحر (( ايجيه )) .

السيارة باعها والدي لسداد ديونه ، واكتفى بالسفر حاليا من خلال القنوات الفضائية ، مع تحيز واضح للفضائية الفلسطينية ، ولقد ماتت جميع نسائه باستثناء امرأة صابرة منذ نصف قرن على أداء واجباته الزوجية ، ولحسن حظي أنها والدتي ، وبالطبع فلقد كرهت أنا مشاهدة التلفاز كي لا أنزع من ذاكرتي مشهد المدن السورية التي أحبها بعدما تحولت في هذه الأيام إلى ساحة حروب ، ولكي أتلافى مشاهدة (( اسطنبول )) فيشتعل بداخلي حنين جارف إليها ، أو إلى مدن القارة العجوز والتي أدرك تماما أنني لن أتمكن من زيارتها في هذه الأيام إلا وأنا على وسادة الأحلام ، فهل يا والدي نتمكن حقا بعد تذكر تلك الأيام الجميلة من القول بأن الأعوام تمضي بنا ونحن بخير ؟ أم يتوجب علينا أن نعيد صياغة معايدتنا لبعضنا كي نقول : (( كل عام سنكون بخير ما لم تغب شمس الصحة من سماء أيامنا )) .