الخميس، 21 مارس، 2013

العزول

أحيانا تجد نفسك مندفعا إلى مواقف شديدة الحرج ، وتحاول جاهدا أن تبحث عن سبيل للخلاص غير المبرر لذنب لم تقترفه بالضرورة ، وأنت لا ينقصك الحياء ولا سرعة البديهة النافذة عبر المصادفات ، ولكن لا تدري إن كنت السبب المباشر أو غير المباشر في امتعاض كل فتاة لحظة خلوتها العاطفية ، وكأنها تود لو أن الأرض تنشق وتبتلعك في جوفها السابع ، بعد تواجدك كضيف ثقيل الظل لم يكن مدعوا في أي حال من الأحوال على مأدبة عشقية أعدتها لحبيبها المفترض .
 
فحين كنت تغط في سبات عميق قبل أن تتأهب الشمس للغروب بعد يوم عمل شاق ، أيقظتك رسالة غير متوقعة على هاتفك المحمول شبه المهمل ، يستجديك فيها صديقك الصيدلي كي تحضر إليه مسرعا في مناوبته الليلة ، لعلك تزجي عليه وحدته في جوف الليل الراكد ، وعندما تطرق باب الصيدلية شبه المغلق ، يستقبلك وهو يحاول جاهدا أن يخفي ملامح توتره التي لم تعلل أسبابها على وجه الدقة ، حين كان يستدرجك من حديث ويمضي بك إلى حديث آخر ، دون توجيه دعوة صريحة لك بالدخول إلى الحجرة الخلفية المتوارية خلف الصفوف المكتظة بعلب الدواء ، وفجأة ينبعث من هناك صوت أنثوي بسعال مفتعل ، وهو لايزال يسألك عن أخبار لا تعنيك على كل حال ، ولكنها كانت كافية لك كي تفهم الرسالة المخفية بين سطور الكلام المتواتر هنا وهناك ، فتودعه على أمل لقاء قريب ، بعد استعانته بكل الجمل المسبوقة بصيغ بلاغية للإعتذار عن سهرة استحالت فيها وحدته إلى ليلة حب كان فيها عاشقا وكنت فيها أنت العزول .
 
وبعد يوم وشبه ليلة ، تذهب في زيارة عائلية لتبارك نجاح ابنة شقيقتك على تفوقها في التحصيل العلمي لامتحانات الثانوية العامة ، وتجتمع في رفقة عائلية شديدة الازدحام ، فتبحث عن مكان لك للجلوس ، وتستكين راضيا في زاوية مهملة غير بعيد عن أحاديث لا ترغب في المشاركة بها كمنصت أو متكلم ، ولا يزال المهنئون يتوافدون ، حتى جاء أصغر أبناء شقيقك الأكبر ، متأبطا ذراع زوجة المستقبل ، ولقد هرع إلى مصافحتك والجلوس في الجانب شبه الخالي من المقعد الذي لم يكن شاغرا بعد ، مما كان سببا يدعو لكظم غيظ خطيبته وهي تضطر للجلوس على المقعد المقابل له ، وحينها تحاول جاهدا أن تقفل كل الأبواب المؤدية إلى أحاديث مشتركة بدافع الإشتياق غير المتبادل بينكما منذ أيام العيد المنصرم ، فنظرات خطيبته المشتعلة بنيران الغضب أحرقت بلهيبها الأرض من تحتك ، وأنت أصبحت في هذه الأيام معتادا على دور العزول الذي يرغمك عليه أقرانك من الرجال ، فتنسحب بهدوء غير مكتمل الحدوث ، وأنت تتعثر بأقدام تلك الفتاة وهي تنهض مسرعة للجلوس في مكانك ، ثم تخرج مودعا شقيقتك دون الالتفات خلفك ، ولا تدري أتضحك أم تبكي على دور العزول الذي يلازمك في هذه الأيام ؟   

الأربعاء، 13 مارس، 2013

إلكترا العربية

في حالة من الارتباك المفتعل ، دلفت بكعبها العالي على المنصة المهترئة لحافلة النقل العام ، المقاعد كلها شاغرة إلا من مقعدين في الزوايا الخلفية ، أحدهما كان بجواري ، والآخر كان بجوار رجل في ضعف عمري ، تقدمت بخطوات مضطربة وهي تدرك أن عليها الجلوس بجانب ذلك الرجل العجوز ، على الرغم من رائحة عرقه التي تكفي اختناقا من كان يجلس في الصفوف الاولى ، ورائحة قدميه المتحررتين من نعليهما ، بعد عزلة مائية عن الاغتسال منذ اسبوع على أقل تقدير ، نعم جلست بجانبه واختارت رفيقا من القذارة لطريقها ، على ان تجلس بجانب شاب أهدر نصف قارورة عطر على ثيابه قبل أن يغادر منزله ، وذلك كي لا تذهب به الظنون بعيدا ويعتقد أنها وقعت في مصيدة الإعجاب الاول بعد أن تقاطعت عيونها بعيونه وهي تبحث عن مكان في الحافلة للجلوس . 

ذهبت إلى وظيفتي الاولى كأمين صندوق في مصلحة الهواتف ، وألقيت تحية الصباح على زميلي الذي يفصله عن سن التقاعد للشيخوخة غير المبكرة زهاء عام أو عامين ، وبدأ المراجعون يتوافدون إلينا كغيث السماء المتقطع ، إلى أن مزقنا أوراق الصحف ونحن نقاتل الوقت الذي لا يمضي من قلة العمل ، وفجأة أطلت علينا امرأة في ربيع العمر ، واتجهت بخطوات لا يشوبها التلكؤ نحو زميلي الهرم ، والذي كان يغط في سبات عميق على الهاتف مع زوجته حول احتساب تكاليف رحلة الحج المزمع عليها في هذا العام ، ولا يزال يناقش معها عروض الأسعار المعلنة عنها في الصحيفة التي حفظها عن ظهر قلب ، ولا تزال المرأة تنتظره كي يدمغ فواتير هاتفها الشهرية  بمنتهى الصبر ، دون أن تلتفت نحوي وتجعل المرض يتداعى في قلبي بين أوهام واحتمالات تخطىء الصواب بقدومها إلى نافذتي الخاوية من الزبائن ، فهي أنثى لها من الحياء مقام ، ولن تخاطر بسمعتها بالحديث مع شاب مثلي إلا في ظروف استثنائية تدفعها اليها الأقدار .  

كنت أقف على قارعة الطريق ، في حي من أحياء المدينة التي لا يعرف معالمها الجغرافية رجل مثلي ، ولقد طالت لحظات الانتظار التي أقحمني فيها صديق لا تجمعني به سوى المناسبات الحزينة ، وكان يقف غير بعيد عني ، رجل تجاوز عقودا خمسا من حياته على وجه الدقة ، وعلى ما يبدو أنه كان في محطة انتظار لا تختلف في ظروفها كثيرا عن محطتي ، ولكن وبنظرات فضول خاطفة تمكنت من الاستنتاج أنه غريب عن هذه المنطقة المزدحمة بالسكان ، تقترب من كلينا سيارة شديدة السواد ، وتتوقف كلية عند ذلك الرجل ، وتنزلق نافذتها غير المرئية المقابلة لسائقها آليا ، وينبعث صوت أنثوي يستفسر عن معلم بارز في ذلك الحي ، وإذ بعقدة تلو عقدة لا تنفرج بلسانه وهو يحاول جاهدا الادعاء بمعرفته للمكان ، تتجاهل السائلة وجودي ، وتشكر ذلك الرجل على محاولاته اليائسة في مساعدتها ، وتنطلق تائهة بين الطرق المتعرجة في ذلك الحي ، كي تقطع كل السبل المؤدية للحديث مع شاب في عمرها سيعتقد أنها تعمدت الوقوف من أجل التحرش غير المباشر  به .  


في المساء أجلس بقليل من الاهتمام لمتابعة مقابلة تلفازية لعصبة من النساء يتحاورون حول أسرار العلاقة بين ادم وحواء ، وإذ بي أدون في ذاكرتي مجموعة من الملاحظات وبشكل لا إرادي ، فكلما كان المتصل رجلا في أوج شبابه ، يحاولون إنهاء المكالمة وتجنب الخوض في نقاش منطقي لتساؤلاته ، وحين يكون المتصل رجلا أكل عليه الدهر وشرب بأفكاره القادمة من زمن الابيض والأسود ، أي أنه كان في عمر الشباب قبل دخول ألوان الطيف للتلفاز ، يحتدم النقاش ويتفاعلن بغبطة غير مسبوقة مع كل كلمة يقولها ، ففي عالمنا العربي هنالك دوما رموز وأساطير لا تتكرر قط ، وفي حالة هذا الرجل على وجه التحديد ، فإن الرجولة قضت نحبها من بعده ، ومن المستحيل أن يجيد شاب في عمر أبنائه التحاور مع النساء ، ولكن الوجه الخفي لذلك كله ، أن المراة العربية تعاني من عقدة إلكترا ، فهي لا تجد في صدرها حرجا من الحديث مع رجل في عمر أبيها في أي موقف يستدعي التفاعل بين الجنسين ، ولكنها تخشى أقرانها من الشباب ، معللة ذلك بالعبث والاستهتار الذي هو من سماتهم ، بعكس العجزة الهرمين والطاعنين في أرذل العمر ، فهناك تجتمع الحكمة والتجارب والخبرة التي لا تتكرر ، ولا زلنا نسأل أنفسنا معشر الشباب عن سبب اتساع الفجوة بين عالم الذكور والإناث ؟ 

الخميس، 7 مارس، 2013

حالي كحالك يا "رامي"

وكأنني أسمع صوت الآهات القادمة من زمن الفن الجميل ، كتبها " رامي " ولحنها " القصبجي " وأطالت فيها " أم كلثوم " نشوة عاشق مشتاق لحبيب قد تمادى في الغياب ، " رق الحبيب وواعدني " نعم ، ها هي تطل بكامل زينتها من خلف الجموع المحتشدة أمام باب المقهى ، وتلتفت ذات اليمين وذات الشمال ، حتما هي تبحث عني ، في الزوايا الخافتة الأضواء ، حيث كنا نتبادل التهام الحب على موائد من أوراق الشعر وكلام الغزل ، ونحتسي كؤوسا من العهود المنسكبة بشراب من الأمنيات حتى ثملنا بنشوة من طول الأمل ، كلامك لا يزال يتردد كأغنية كلاسيكية لا أتمنى توقفها في أرشيف ذكرياتي ، يا من ابتدأت بالتعريف عن هويتك الموشومة بالبياض والمغتسلة بضوء القمر ،  بعد أن أجزلت الشكر للذي جعل السماء تمطر بحضور غيمة كانت تائهة لا تعرف لها وطن . 

بالغت في الادعاء أنك سترفضين إغلاق مروري من أوراق ذاكرتك ؛ وأنشدتني نغما يمشي بين غياهب الزمن ،  ثم قررت الصمت كي لا يعتقد من في قلبه مرض أنك تجيدين الغزل ، و عندها اغتال الصمت حواسنا فغدونا عاجزين عن البوح ، ورحلت على كتف السحاب محصنة بالغموض بعيدا عن محراب الكلمات وهي تتوارى عن الاعتراف بالحب ، وحين سألتك عن الحروف التي تنتسب لرجل في حضرة الغياب ،  حدثتني عن أحلامك التي وأدها الواقع مضغة في رحم الأمنيات . 


أنت الأنثى التي استصرخت صبرا فيما جرت به المقادير ، وتاهت في حشرجات صدرها رسائل الأحلام الممزقة على منضدة القسمة والنصيب ، لم أكن لك شعاعا يشرق فجر الأمل من خلف هضاب الحب المستحيل ، ولم أروي شفتيك برضاب العشق المنهمر كقطرات الندى على عناقيد الياسمين ، وتوالت الأيام في عداد الزمن كي تكتمل دورة اليأس وتشيخ الأحلام في عمر الشباب ، فظلت رسائلنا تعانق بريد الانتظار ، حتى تراكمت الثلوج في حروف الشوق وكلمات الحنين ، وعلى جدر الفراق لعزلة عاطفية اخترتها لنفسي ، ارتد الصدى المنبعث من آهات " ام كلثوم " على مكابرة " رامي " بهجرها طمعا في النسيان ، فوجد الروح في أوج الجفاء ، تفكر بها كلما كان يهذي بغيرها . 


ها أنت تقاربين الخطى من العودة إلى طاولة جمعت كل تفاصيل قصتنا التي هاجت وماجت كبحر لا مداد لطيفه الأزرق ، فينهض رجل يجلس على طاولة محاذية لجواري ، ويأخذك بين ذراعيه كفارس لا يخشى عدوا يتربص به من خلف أسوار المستقبل البعيد ، فبكيت دما قبل الدمع ، وغنيت على ما بقي من أطلال الذكريات " يا فؤادي لا تسل أين الهوى ... كان صرحا من خيال فهوى " .   

السبت، 2 مارس، 2013

لو كنت أنثى

يا للهول ، كنت قبل الشروع بكتابة هذا الإدراج ، أغط في سبات عميق من الدهشة أمام المرآة ، فبعد أن كنت دؤوبا في الحديث عن النساء اللاتي ألفيت فيهن معاركي العاطفية بين هزيمة ونصر ، أقف اليوم وقد تبدلت ملامحي إلى امرأة بكر لا تفقه شيئا في تجارب الحب ، ولكنني أشعر بالغبطة لتقمص هذا الدور ، فهذه فرصتي كي أغوص في أعماق النساء ، واكتشف قليلا من أفكارهن المستعصية على الفهم عند الحديث عن الحب .

لو كنت أنثى ، فلن يستهويني التوقف أمام رجل يجلس وحيدا في زاوية مهملة عند طرف المقهى الذي لا أتردد عليه إلا بحكم السأم ، وقد أطال التحديق بي مستجديا نظرة قبول قد تؤنس وحدته ، ولكنني سأراقب باهتمام متواتر تلك اللهفة الساكنة في عيون رجل يجلس في الركن المحاذي لطاولتي ، وهو يتحدث مع امرأة أخرى ، ولا يجد في قلبه حرجا من الإذعان المطلق لها في الوفاء ، فيشعل الإهانة في حطب أنوثة امرأة وحيدة مثلي .

لو كنت أنثى ، سأحسم الصراع بين واقعة العقل والقلب ، وأختار ذا المال والجاه والسلطان ، أحقق معه بذخ الأحلام ، وأنبذ وراء ظهري كل الفرسان الحالمين بلحظة حب لن أجد فيها قوت أمنية صغيرة من أمنياتي في الحياة . 

لو كنت أنثى ، فلن تغريني كلمات رجل في الحب ، بل سأظل أطارد ذلك الرجل الذي أجد معه الحب في كل ما يفعله من أجلي ، دون أن تنطق شفتيه في يوم كلمة الحب .

لو كنت أنثى ، سأجد الراحة والثقة في الحديث مع رجل خبير في الحياة بمنطقها المعاكس ، يشعرني بحنان الأبوة ، ويطويني تحت ذراع تجاربه كي يوجهني إلى الطريق القويم في تصريف شؤوني المتباينة بين المشاعر الإنسانية المتضادة الأثر ، فأكون تلميذته الصغيرة التي ذابت شموعا من الهوى في قلبه .

لو كنت أنثى ، فلن التفت إلى رجل يتباهى بزخم مغامراته العاطفية من قبلي ، فهذا دليل دامغ على فشله الذريع في ميدان الحب ، فالقلب حين يكثر ساكنيه ، تتصدع شرايينه وتهترىء أوردته ، فيغدو غير قابل للنبض بالحب .

لو كنت أنثى ، سأبحث عن التحدي مع رجل يدعي كراهيته المفرطة لمعشر النساء ، ويبالغ في الحديث عن ضلعهن الأعوج  ، وحكمتهن التي ينقصها الكثير من العقل والدهاء ، وحين ينبري تحت أقدامي كالطفل العابث من فرط الحب ، سأسخر من غروره المنكسر تحت وطأة أنوثتي ، وهو يكفر بكل المذاهب الفكرية التي اعتنقها من قبلي ، ويقسم أن الحكمة لم تولد من قبلي ولن تكون لأحد من بعدي .

لو كنت أنثى ، فلن أختار العيش مع رجل يكره الحياة ، يجعلني أعيش في دوامة من عقده وأحزانه وقصص أحلامه التي اغتالها على الدوام سوء الحظ والطالع ، لا أريد لأنوثتي هرما مع شيوخ أفكاره السلبية لمجتمعات التخلف والقهر ، أريده رجلا يأخذني بعيدا إلى عالم من الأحلام الوردية حتى ولو كانت كذبا ، فالحب لا يعيش بين المآسي والآلام ، إلا مع أشخاص لم يفهموا في يوم سر الحياة . 

وا رأساه ، ما الذي أصابني ؟ استيقظت من غفوة أفكار بلا تساؤلات ، وعدت الآن رجلا كسابق عهدي ، ولكنني لا زلت أبحث عن امرأة تجيد المبارزة العشقية عند الحديث عن الحب .                 

الجمعة، 22 فبراير، 2013

معلمة الحب

كتلميذ نجيب في يوم الامتحانات الدراسية ، استيقظت قبل صياح الديك حين تتشقق عتمة السماء بخيوط الفجر ، وبالغت في الوقوف غير المبرر امام المرآة ، إذ كنت أخشى خسارة بضع علامات على المظهر و (( الهندام )) ، وحينها لن يجدي حفظي لكل قصائد الغزل الموزونة على شتى بحور الشعر ، فمعلمتي صارمة في تقييم تفاصيل الأداء العشقي ، ولديها من الأسباب ما يعجل في رسوبي المبكر قبل اكتمال الإجابات العاطفية في كراسة القلب والروح ، وحينها لن تجدي الحيرة أمام تساؤلاتها في التعريف المجازي لكلمة الحب . 

معلمتي تبالغ في الادعاء عن خيبتها بتلميذ توقعت من قلبه الكثير ، فهو حين أنشدها نغما يمشي بين غياهب الهوى ، جعلت أصابعها في أذنيها خشية الاعتراف بالحب ، وعندما أعرب جمل الايام من قبلها بالعشق الناقص ، سخرت من بلاهته في قواعد الحب عند النساء ، ولما أسهب في كتابة قصة رومانسية تتفرد فيها بدور البطولة ، أشاحت بقلبها ولم تعقب ، وعزمت أمرها على تمزيق الاوراق قبل قراءة التفاصيل . 

كيف إذن سأرضى بالتوقيع على شهادة دونت فيها رسوبي المبهر في مبحث الحب ، بعد أن رفضت السير معي في أي درب من دروبه المرئية او المسموعة ؟ 

هل الحب يخلق من العدم ؟ 

إذا كنت حقاً معلمة في الحب ، دعيني إذن اخلع دور التلميذ ، وهلمي كي نتناظر في مفاهيم العشق الممنوع من الصرف ، حين يكون الحبيب نائب فاعل مجهول ، تقديره ضمير مستتر الظهور ، وتعالي إلى مواجهة مباشرة تلتقي فيها عيناك بعيوني المحمومة بالشوق المتداعي في حضرة الغياب ، وإياك ثم إياك أن تتراجع مواقفك الحازمة عن الحب الكاذب والفراغ العاطفي الذي يشغله قلب عابر ، فحين تلتف ذراعي حول خصرك النحيل الممتلىء ، ويحترق صدري بتنهيدات تعترفين في كل نفس منها ، بقدرتي على احتوائك في أجمل قصص الحب ، سيغفر لك القلب ما جنيت عليه من ظلم الهجر والجفاء . 

أنا المعلم الآن ، وأنت ستكونين تلميذتي الصغيرة ، ودرسنا الأول في منهاج الحب على طريقتي ، أن تختاري الإجابة الصحيحة بين هذه الكلمات : 

- أحبك 
- أعشقك 
- أتنفس هواك 
- جميع ما ذكر أعلاه 

فأي الإجابات ستختارين يا حبيبتي ؟   

السبت، 16 فبراير، 2013

اشتاقك ... وكفى

لماذا تحرشت بأوراق الكتابة ؟ هل هي ابتسامتك التي تداعت فيها نكهة الكبرياء ؟ ام انني أخطأت في تقدير انوثتك وانت ترتدين اللون الاسود ؟ بل لعلها اناملك التي كانت تداعب ذلك البيانو الابيض ، في حد الاشتهاء ذاته ، لحروف الحب وهي تتشكل على كراسة القصة التي اعتقدت انني بطلها في يوم من الايام .  

نعم شاءت مصادفات النسيان ان تستفز قلبي قبل ذاكرتي ، بعد ان أقسمت في البارحة كباقي العشاق على الحب والوفاء ، ولكن أطفأت الشموع وحدي ، وتمنيت لو عاد بي الزمان الى الوراء ، الى منتصف نوفمبر ببضعة ايام ، حين كان قلبي برسم الأمانة العشقية ، فأودعته بغضب انثى في صندوق الهجر والجفاء ، وضاع المفتاح في لجة بحر من الاشتياق ، فغرق الحب ومات الهوى . 

ما يدهشني بعد عبور كل هذه الايام ، انك لا تزالين امرأة استثنائية في الحب ، في حضرة بوحك اجدني كطفل يتيم اعتاد البكاء حتى ينام على وسادة من القهر ، وعلى الأمل الزائف اصحو في الفجر الذي لا تنبعث فيه شمسك من خلف نافذة الأمنيات المستحيلة ، وهي تتوسل عودتك الى قلبي في كل يوم وفي كل حين . 

كم وددت سماعك وانت تعزفين على ذلك البيانو ، أتجيدين التلاعب بالسلالم الموسيقية كما تجيدين التلاعب بالحروف والكلمات ؟ فأعتقد أنني أرقص على نغمات الحب ، ثم أجدني هالكا داخل صندوقه الخشبي بعد أن تتوقف أناملك عن العزف ، تماماً كما يحدث لي في كل قصة تكتبيها وتنتهي مع نقطة في اخر السطر .

لا بد من الاعتراف بهزيمتي العاطفية معك ، كي لا أسخر من نفسي ، وأبالغ في الادعاء الكاذب بأنك خسرت الكثير برحيلك عني ، بل أنا من خسرت وتألمت ، فشجرة الحب لا تتشابه أوراقها بين النساء ، منها ما تتساقط وتذبل مصفرة في أول خريف للنسيان ، ومنها ما يظل دائم الخضرة في القلب برائحته التي يفوح منها عبير اللهفة والشوق ، فهل أنوثتك تستعذب عشقا غير عشقي كي يرويها ؟ 

أكاد اسمع زحف قدميك العاريتين من الجفاء نحوي ، وحينها لن أعاتبك على الغياب الذي طال ، بل ستتوارى لهفتي بين ذراعيك ، كي أقبل أناملك التي داعبت الموسيقى والأدب ، لتعقد قرانهما على منصة الحب ، وقلبي يغني لك (( اشتاقك وكفى )) .

لا تنامي في هذا اليوم ، قبل أن تمسدي الحنين في قلب محارب توارى في حصان طروادة كي يأتي للقائك يا كليوباترا ، فالتاريخ العشقي يعيد نفسه ، والحب لا يفنى حين يولد من رحم الرغبة التي استحالت فيها الدروب ، فهل عندك شك في ذلك ؟ 

كم يتوجب على رجل مثلي ، أن ينتظر امرأة تكابر في عشقها وتدعي عدم الاكتراث ؟ هل هي لذة سادية تجدين فيها نشوتك حين يطوقني الهوى بأغلال الشوق إليك ؟ إذن سأتحدى منذ اليوم صمودك أمام كلماتي ، وهذه دعوة للمبارزة العشقية مع كل عشاقك يا سيدتي ، فكما هي بلقيس نزار ، أنت بلقيسي ...  

الجمعة، 1 فبراير، 2013

المرأة اللعوب

يمكنك الآن أن توجز في القول ، وتروي دون إسهاب أو اختزال ، كلاما وضعت فيه كل النقاط فوق الحروف ، كي تنثر أوراق اعترافك على طاولة الحب ، في ضيافة " إمرأة لعوب " كل المقاعد لديها شاغرة بالقلوب إلا منك .
 
مذ جمعت المصادفات القدرية بينكما في ذات عزلة عاطفية ، كانت حديثة العهد بالحب ، ومن فرط براءة كانت تليق بأنوثتها المتوارية خلف الكلمات ، جعلت من خيالها مسرحا لتفاصيل قصة حب مستحيلة ليس فيها من بطل سواك ، وأنت كرجل شرقي ساذج ، اعتقدت أنك فارس أحلامها القادم على ظهر خيله الأبيض ، وانتظرت يوما تأتيك فيه عارية القدمين على ضفاف اليم الأزرق ، ويسير بكما الزورق على أضواء النجوم في ليلة اكتمل فيها البدر ، وهي تغني لك وتتمايل بضفائرها الكستنائية كحورية هبطت من الفردوس الأعلى ، وتحدثك بالشعر والنثر عن حب لم يولد من قبلك ولن يعيش من بعدك .
 
ولكن الغيوم الرمادية حملها بالأمطار يكون دوما كاذب ، فبعد أن ضجت سماؤها بغربان من الرجال ، ألقت وراء ظهرها حمولة الماضي الصادق وتنكرت له ، تماما كحال الكثير من أثرياء العرب " محدثي النعم " ، لا يعترفون بسكنى الخيم قبل القصور .
 
هي اليوم في برج عاجي من الشهرة ، وأنت تقف وراء الستار ، تتلصص عليها ، ولا تدري أتكرهها أم تحبها أكثر ؟ 
 
هل تبرر لها خيانة لم تكن في يوم مشروعة ؟ 
 
ليس في خاطرك الآن سوى مشهد " نيللي " وهي تتلذذ في تعذيب " محمود يس " في فيلم " العذاب امرأة " ، وتغرق في صمت طويل ، وتحدث نفسك عن كلمات حتما سيكون لها من بقية ، كي تسرد تفاصيل قصتك مع تلك " المرأة اللعوب " ، في عشق لن يموت إلا في معركة الحب ، فهل من خصم سيضاهي قوتك العاطفية في هزيمة قلبها ؟ 

الجمعة، 25 يناير، 2013

قلم على قيد الكتابة




ضجيج الكلمات لا يتوقف عبثا بأفكارك ، ولهذا فهي اليوم تنشطر كمربعات الكلمات المتقاطعة في خطوط عمودية وأفقية في ذاكرتك ، ولكنك تقف حائرا أمام التساؤلات التي قد تعينك على كتابة الإجابات الملائمة في فراغاتها البيضاء ، وكأنك تتمنى لو كانت كل الخانات سوداء ، كي تلقي بقلمك على الأرض ، وتعلل انسحابك من لعبة الاعتراف أمام الذات .

من أين ستبدأ ؟ وكل سؤال ستجد في نهايته علامة استفهام مبللة بالدمع والدم !! 

فمنذ قدومك إلى الدنيا باكيا ، وأنت تتمنى لو كنت في زمان غير زمانك ، ولهذا ضاعت منك بوصلة التأقلم مع العالم من حولك ، وتوالت عليك الهزائم والخيبات في شتى ميادين الحياة منذ ثلاثة عقود مضت في مشوار عمرك على هذه الأرض . 

ليس هنالك ما يبرر الفرح الطارىء في أيامك ، وعلى وجة الدقة في وصف حالك ، فإن الحزن يليق بك أكثر ، ولا تزال تسأل نفسك مندهشا عن السبب ؟!!

قال لك أحدهم في ذات يوم : (( لا تلقي بأسباب فشلك على الآخرين ، فمواجهة الحياة لا تكون إلا بمقدرتك على الصمود أمام لكمات مصائبها دون أن تتعثر أو تنكسر أو تنحني مذعنا لليأس )) . 

ومع أن الصمت أبلغ مقالا في هذا المقام من الإحباط ، إلا أن قلمك سيظل على قيد الكتابة . 

الجمعة، 11 يناير، 2013

حبيبها ... متى أكون ؟


ذهبت في رحلة من الأمنيات العاطفية ، وتمادى الخيال في تصوير مشاهد رومانسية حرجة عند كل لقاء عابر مع امرأة واقعية أو افتراضية ، فعندما مشيت في السوق ، داعبتني كل النساء بنظرة ثم ابتسامة ثم صفعة على الوجه عند الرد على تحية الإعجاب الأول ، وحين ذهبت إلى المستشفى إثر نوبة عاطفية حادة ، تجهمت الطبيبة الحسناء في وجهي وغرزت حقنة مضاعفة من الجفاء في أوردة قلبي ، ولما عزمت أمري على التسول العاطفي في صفحات الدردشات الالكترونية ، تصدقت قلوب لا تعد ولاتحصى على قلبي ، إلا أنها لم تكن من قلوب " الجنس اللطيف " . 

وبحثت في دفاتر الذكريات العاطفية ، عملا بقاعدة التاجر المفلس ، فوجدت أن معلمة الرياضة قد أهملتني بسبب ضمور عضلة القلب عند الجري خلفها ، وأن معلمة اللغة الإنجليزية قد وبختني بعد أن كتبت لها رسالة غرامية باللغة العربية ، لتنتهي هزائمي العاطفية في المرحلة الإبتدائية بطردي من حصة معلمة الرياضيات بعد أن أكدت لها  أن الكسور العاطفية لا تقبل الجمع إلا إذا كانت هي البسط وكنت أنا المقام .

وفي المرحلة الثانوية ، تقصيت أثر فتيات بمساقات متباينة الاتجاهات ، فطالبة الفرع العلمي كانت تسخر من جهلي لقوانين الفيزياء العاطفية ، فهي سمراء وانا مثلها أسمر ، والمرء لا ينجذب إلا لنقيضه ، وكذلك فقد مزقت طالبة الفرع الأدبي كل قصائدي الموزونة على بحرها العاطفي ، معللة تأثرها بشعر " عمر بن أبي ربيعه " ، رجل تجري من ورائه النساء ، أما طالبة الفرع التجاري ، فقد شطبتني من دفاتر حساباتها العاطفية بعد أول نزهة لنا في الحديقة التي يرتادها عشاق الدخل المحدود .

في الجامعة لم تكن لدي الشجاعة الكافية لمواجهة طالبات الطب والهندسة والصيدلة ، فأنا أكره منظر الدم ولا أجيد الرسم ولا أتطبب إلا بالأعشاب والمستحضرات الطبيعية ، ولم اجتهد كذلك في تعلم الحضارات الإنسانية والعلوم التربوية وتقنيات الحاسوب ، ورسبت في امتحان مستويات اللغة العربية والإنجليزية ، فلم أكن موضع اهتمام أي طالبة تبحث عن جسر عبور عاطفي لتحصيلها الأكاديمي حتى سنوات التخرج .

وخرجت إلى العمل ، وطرقت كل أبواب الرزق العاطفي ، فاندثرت أحلامي في العشق ، وتبين بعد كل فحص عاطفي أن قلبي غير لائق كي يحظى بوظيفة الحب ، وعدت أدراجي إلى الوحدة والبطالة العاطفية ، ونشرت إعلانا في الصحف الرومانسية ، ودونت فيه كل قصائد غزلي العذرية ، فهاتفتني امرأة من رقم مجهول ، وأغلقت الخط قبل أن تجيبني على سؤال كان ينتظرها منذ الأزل ، فحبيبها متى أكون ؟ ولا زلت أبحث عن عنوانها المستحيل ، بين الماضي والحاضر والمستقبل ، مع أنني أجزم باستحالة وجود صيغة توافقية بين الجغرافيا والتاريخ العاطفي .

الجمعة، 4 يناير، 2013

طباخة الحب

كنت مثابرا على الدوام في متابعة كل برامج الطبخ منذ عصر القنوات الأرضية الغابر ، حين كانت تطل علينا في القناة الرسمية الأولى ، مذيعة مشتق اسمها الأول من الوفاء ، وينتهي مقطعه الأخير بحرف نداء متصل بكناية لفظية من اسم المحامي الشهير الذي عجز " عادل إمام " عن حفظه في مسرحيته الشهيرة " شاهد ماشفش حاجه " ، بعد أن كانت تستضيف في كل يوم رمضاني قبل موعد الإفطار ببضع ساعات ، طهاة الفنادق بنجومها الخمس ، فيسيل لعابي وتتمادى معدتي في البكاء ، وهي تتمنى تذوق تلك الأطباق الشهية بلحومها الحمراء والبيضاء ، مشوية كانت أم مقلية ، وتغوص حتى آخر نفس بين أطباق الأرز والمعكرونة حتى التخامه ، ثم لتتلاعب بعناقيد المحاشي ومشتقاتها من ورق العنب والكوسا والباذنجان ، وتختمها بمسك الحلويات التي لن تسبب السكري بقليل منها أو حتى كثير ، وعندما تبتسم لي من وراء الشاشة وتعيد تلقين المقادير ، تودعني متمنية لي الصحة والعافية ، وأنا في الواقع لم أتذوق شيئا من كل ما شاهدته عيوني ، بل اكتفيت بالتحديق في المذيعة والطعام ، وخسرت الرهان بعد موعد الإفطار مع أصدقائي الذين اجتهدوا في تفسير شخصية الشاب المقصود من ابتسامة المذيعة التي ذاع صيتها في تلك الحقبة الزمنية المنغلقة على ذاتها بـ " حسناء الشاشة " .

ثم جاء عصر الفضائيات ، وأصبح يسيرا مشاهدة برامج الطبخ على مدار العام دون انتظار شهر رمضان ، ولم يعد لزاما التقيد بمتابعة مطبخ بلد بعينها ، فكبسة زر واحدة ، كانت تكفي لرحلتي بين مطابخ العالم من مشرقها إلى مغربها ، وحسناء الشاشة قديما ، هرمت أمام مذيعات الفضائيات المتفق عالميا على كفاية حضورهن أمام أي مائدة طعام ، لتكون كفيلة بفتح شهية المرء إلى أجل غير مسمى ، ولكن ظل التساؤل قائما ، وغيوم الحيرة لم تبددها شمس التجارب الفعلية بتذوق كل هذه الأطباق المعدة بحرفية ومهارة تزيغ بالأبصار ذهولا وبالمعدة لهفة على قضمها حتى آخر لعقة بالأواني الفاخرة التي تزينها وتبهر كل من يواجهها في حالة جوع أو حتى في حالة شبع . 

أنت يا عزيزتي تشبهين هؤلاء الطباخين تماما ، كل من يراك ينبهر بطريقتك في الحديث عن الحب ، توهمين العشاق بهيئتك الرومانسية ، وقلبك الحساس ، ومشاعرك المرهفة المتداعية بين حروف العشق ، تصورين مشاهد المرأة الأسطورية المنبعثة من بين دفاتر شعر نزاري ولحن كاظمي يجعلك كحلم اجتهد في وصفه جحافلة الأدب الرومانسي ، وتنامين قريرة العين ، حين تحتشد القلوب التي تعاني من مجاعات عاطفية ، لتتذوق معك لحظة حب ، وأنا أعترف اليوم أنك تجيدين طبخ الحب ووضعه في قوالب كلامية فاخرة ، ولكن يظل التساؤل عن مذاقه إن كان شهيا ، أم أن القلب سيلفظه بعد أول قضمة عاطفية ؟ تماما كالطعام الذي كنت أتوق لتذوقه في كل برامج فنون الطبخ التلفازية .

الجمعة، 28 ديسمبر، 2012

هزيمة حب فيسبوكية

كان نافد الصبر في كل زيارة تصفحية له على موقع التواصل الإجتماعي الأول " فيس بوك " ولعل ما كان يبرر الإفراط في السأم ، ارتفاع منسوب التخلف الديني والعربي فيما كان يتعثر به من صفحات نالت إعجاب أصدقائه في ملخص أخبارهم على صفحة " Home " فمن صور لإطفال يعانون من مجاعات وويلات بشرية ، تستدعي في نفسه مبادرات الدعم والتضحية والإيثار، والتي لم تكن لتجدي نفعا لو كان سبيلها بالمال أو الكلمة الطيبة ، بل بتحفيز سبابته للضغط على كلمة في أسفل الصورة " Like " كي يؤدي بذلك واجبه الإنساني المقدس .

ولربما كان ينقص عقيدته التوكيد بضغطة " Like " أخرى ، كي يشارك في حصد أكبر تجمع للموحدين بالله عز وجل ، بعدما تلقى رسالة تحذيرية من المشرفين على تلك الصفحة بارتداده عن دين الإسلام وانضمامه المعنوي لجماعة الإخوان العلمانيين في حال امتناعه عن ضغطة الـ " Like " ، حتى أنه توجس في نفسه خيفة من دعوة صفحة عابرة ظهرت على حين غره ، بعد أن طالبته بضغطة " Like " خاطفه ، ثم الصلاة على الحبيب المصطفى ، كي لا يتهم بمساندة الصفحات المحرضة على الإساءة للرسول الكريم .

وكم تغيرت قناعاته عند الدعاء بأمنيات كان يود لو أنها تتحقق ، فصور الأطفال الملائكية ، كان يتتبعها من صفحة بادرت بالإلحاح عليه كي يضغط "Like " أولا ، ثم يدعو المولى عز وجل بذرية تشبه في جمالها هؤلاء الإطفال ، ولكي لا يغفل عن التسبيح بعظمة رب العباد ، ظل يتفكر بكل صور عجائب الخلق التي أبدعها الرحمن ، والتي كان يتشاركها الأصدقاء وأصدقاء الأصدقاء من صفحات فيسبوكية لا تعد ولا تحصى ، ولكن شريطة الضغط بـ " Like " كي ينال الأجر والثواب .

وبعد أن تشنجت مفاصل ذراعه ونفرت العروق كأسلاك شائكة في كف يده ، من ضغطة " Like " هنا وأخرى هناك ، يقرأ عبارة على حائط امرأة تبكي حبا لم يأت في الساعة الواحدة بعد منتصف القهر ، لم يضغط " Like " ، فلقد كانت يده ترتعش بعد قراءة كلماتها التي ظلت متتابعة بالظهور على صفحة " Home " ، فهو رجل لا تغويه إلا امرأة تجيد التعبير عن مشاعر الحب ، يجد في هذا النوع من النساء فتنة استثنائية ، تمضي بروحه إلى دروب ممهدة للعشق .

وبعلامات استفهام عبرت أفكاره وتساؤلاته ، لم يجد سبيلا للحديث معها ، إلا بإدراج تعليق في متن واحدة من كتاباتها ، " الحب يأتي دوما من وراء أبواب موصدة لا نسعى لإيجاد مفاتيح قلوبها " ، لا تعقب على كلماته إلا بعلامات تعجب ، يؤوب مجددا إلى أزرار حاسوبه ، ليكون أكثر وضوحا ، " حين تلتقي القلوب بعد فراغ عاطفي ، لابد أن تتحرر من ذكريات الماضي بكل هزائمه وخيباته ، كي لا تبكي حبا قد يأتي الآن ويرحل غدا " .

تنقضي الساعات ولا يجد ردا على كلماته إلا بالصمت ، ثم يختفي اسمها من قائمة الأصدقاء ، يثني على حظه الذي يعاكسه على الدوام في العثور على امرأة تتناسب مع مقاسات أحلامه ، ويختم هزيمته العاطفية بعبارة يدونها على حائطه الفيسبوكي المهمل " إذا كان الاعتراف بالذنب فضيله ... فإن الاعتراف بالحب لامرأة في هذا الزمان قد أصبح أكبر خطيئه " ، ليجدها وقد بعثت له بضغطة " Like " بعد أقل من ثلاثين ثانية ، إلا أنها لم تكن كافية لاستجداء الأمل عنده في محاولة الحديث إليها مجددا .

الجمعة، 21 ديسمبر، 2012

أحلام وردية بالنساء

بعد قيام الخبراء المحليين باعداد مسودة جغرافية لخطوط الطول ودوائر العرض في منطقة الشرق الأوسط ، تبين أن العاصمة الأردنية " عمان " هي بمثابة خط جرينتش للمنطقة ، وهكذا جاء القرار الحكيم بإلغاء التوقيت الشتوي ، وانتظار ضوء النهار حتى الساعة السابعة والنصف كي أقتنع أن الوقت قد حان لمغادرة الفراش والذهاب إلى العمل ، وكما هي عادتي ، أقف أمام المرآة وأتحدى الرجل القابع خلفها في إظهار زينتي ، ثم أخرج من باب المنزل ساخرا من عناقيد الياسمين والورود في حديقتي ، فرائحة عطري تزكم بها الأنوف من مسيرة مزدوجة لعدة أقدام .

بالكاد عبرت خطوة خارج محيط المنزل ، وإذ بفتاة ترتدي " مريول المدرسة الأخضر " تقترب نحوي بخجل وفي عيونها لهفة ورجاء ، وفورا نشب صراع داخلي بين قلبي المتعطش لامرأة تؤنس وحدتي ، وبين عقلي الغاضب من نشوتي في الانقياد إلى رغبات شاذة بفتاة في سن المراهقة يكون حاصل مجموع عمري يساوي مجموع عمرها ولكن بعد قسمته على اثنين ، ومع هذا استقبلتها بفم فاغر ولعاب يسيل بالأمل لقصة حب غير عاديه ، ولكن الأحلام الوردية سرعان ما انقلبت إلى كوابيس مرعبة ، وهي تبدأ حديثها معي بمنادتي " عمو " ، حاولت تدارك الموقف والعبث مجددا في لعبة البحث عن الحب ، فقلت لها " نعم يا حبيبتي " ، وإذ بها تخبرني أنها أضاعت مصروفها المدرسي وتتوسلني لإعطائها دينارا عوضا عن ذلك الذي فقدته في الطريق .

ركبت السيارة وحاولت نسيان صدمة الصباح العاطفية التي ارتطم بها قلبي ، حتى وصلت عند إشارة ضوئية تفصلني ببضع كيلومترات عن مكان عملي ، وفجأة وبدون سابق انذار ، أنظر إلى يساري فأجد امرأة تبدو في منتصف العقد الثالث من عمرها ، وكأنها غارقة في التحديق نحوي ، حاولت بدءا أن أتجاهل المشهد بكل تفاصيله كي لا تزل قدمي في الفخ العاطفي الكاذب الذي وقعت فيه لتوي ، ومع هذا فلم أتمكن من المراوغة والمقاومة وبادلتها على الفور بالتحديق مع بعض الابتسامات والغمزات ، وما بين طرفة عين وأختها ، تتجهم ملامحها وتستحيل كغيمة سوداء ظهرت في كبد سماء زرقاء صافية ، وتنهال كصوت الرعد بشتائم استدعتني على الفور لتجاوز الشاخصة المرورية الحمراء والنجاة بأعجوبة من حادث شبه مؤكد .

أدخل مكان عملي ، وأقف مرغما في طابور طويل لانتظار المصعد الكهربائي ، فلياقتي البدنية لا تسعفني لصعود ثمانية طوابق بأدراج مزدوجة ، تقف أمامي فتاة شقراء بملامح شبه غربية ، ولست أدري لماذا كانت ما بين لحظة وأخرى ، لا تنفك عن الالتفات نحوي ، ثم لا تلبث أن تهمس ضاحكة في أذن زميلتها ، وهذا جعل فأر الحب يعود للجري سريعا ما بين شرايين جوعي العاطفي وأوردة قلبي الباحثة عن العشق ، حتى قرع جرس المصعد إيذانا بوصوله ، لندخل أفواجا تلو أفواج ، حتى فار تنور المساحة المتبقي فيه للهواء ، وقد كانت مصادفة لم أتعمد حدوثها ، بعد ان التصق كتفها بكتفي ، مما جعل قلبي ينبض في جوفي ، وأنا أنتظر اللحظة الحاسمة للهمس في أذنها بمشروع عاطفي محتمل ، يتوقف المصعد في الطابق الثالث وتضطر هي للخروج كي تتيح الفرصة للقابعين خلفها بالعبور ، وقبل عودتها إلى المصعد ، تغلق أبوابه وهي تهم بالدخول ، مما دفعني لشد ذراعها كي أسحبها إلى الداخل ، وعندها انقلب الحلم الوردي إلى كابوس مجددا بعد قيامها بصفعي على إثر ذلك السلوك الأرعن .

في طريق عودتي إلى المنزل ، أعرج على الصيدلية لشراء حبوب تعينني على النوم المبكر دون التفكير بالنساء ، وما أن أشاهد تلك الصيدلانية الحسناء بملامحها السمراء اللاتينية ، حتى تجددت الأحلام الوردية ، محدثا نفسي بالأقدار التي تبتسم للمرء بعد عدة عثرات ، وحين سألتني عن طلبي ، قلت لها " أنت الداء وحبك الدواء " فأشارت بإصبعها الملون بطلاء أخضر نحو الباب ، فطالبتها بمزيد من التوضيح ، لتصرخ في وجهي وتطالبني بالرحيل قبل أن تستدعي رجال الأمن .

عدت إلى المنزل ، ورقدت في سريري بحلم وردي لفتاة المدرسة والسيارة والعمل والصيدلية ، وأنا أزف إليهم عريسا في ليلة واحدة ، ثم تأتي زوجتي وتضرم النار بقاعة الإحتفال ومن فيها ، ولا أزال أصرخ حتى أيقظتني زوجتي من المنام وهي تسمي بالرحمن وتناولني كوبا من الماء كي تخمد نيران روعتي ، وحين سألتني عن الحلم ، استعذت من الشيطان الرجيم وأخبرتها بضرورة التكتم عن الحديث في الأحلام السيئة كي لا تتحقق .       

الجمعة، 14 ديسمبر، 2012

أفكار وتساؤلات في الحب

أن تعشق امرأة في هذا الزمن المجنون ، يعني أن تسافر نحو المجهول ، تضع قدما أمامك وبالأخرى تتأرجح إلى الخلف ، ولا تدري أيهما سيقودك إلى قلبها ، فعودتك تعني أن يظل حبك مختبئا بين حقائب قلبك ، وذهابك إليها قد يكون سببا في إغلاق معابر حدودها العاطفية في وجهك .

المرأة لا تعشق بعيونها ، بل تعشق بأذنيها ، ولهذا فهي تختار دوما رجلا يقول ما لا يفعل .

موهبة الرجل وتفوقه في مجال علمي أو أدبي أو رياضي أو فني ، يجعل المرأة في أوج دهشتها منه ، ولكن إذا وقع في براثن حبها ، تتعجب من لهفتها في الماضي على الحديث معه ، فقد اكتشفت أنه كغيره من الرجال ، يذوب قلبه سريعا كقطعة السكر في الشاي ، بعد حركة خفيفة من ملعقة أنوثتها .

كلما أظهر الرجل سخريته وعدم اكتراثه بالنساء ، كلما زاد ذلك من إصرارهن على ملاحقته والإيقاع به في كيد أنوثتهن ، وحين يستسلم قلبه وترفع شرايينه الراية البيضاء ، يبدأن بالبحث عن فريسة جديدة لمطاردتها .

المرأة تختار الرجل المفتول العضلات ولا تختار الرجل النافر بالعقل والذكاء ، لاعتقادها بأن الأول سيحفظها ، والثاني سيكون سببا في مذلتها .

النساء كقنوات التلفاز الفضائية ، منها من تشيح ببصرك عنها من أول ثانية ، ومنها من تتأملها قليلا ثم لا يستدعيك عندها البقاء ، ومنها من تعكف على متابعتها طيلة الليل والنهار ولا تسأم منها قط . 

المرأة التي تهاجم الرجال وتنادي بالمساواة وتشتكي الاضطهاد من المجتمعات الذكورية ، هي من أشد أنواع النساء لهفة على قلب رجل يناديها للحب .

حين يعيش الرجل في وحدة عاطفية يكون حكيما ، فإذا صادف امرأة وحاول التقرب منها أصبح حالما ، و حين تعده بالحب يغدو عاشقا ، وعندما تهجره وحيدا لا يعود إلى سيرته الأولى ، بل تكون ذكرياته معها سببا في تهجين مراحل دورة حياته السابقة ، ليعيش ضربا من الجنون .

إذا طمست اسمي من أوراق ذاكرتك ، فتذكري أن اسمك هو عنوان كتاب ذكرياتي في مصنفات أيامها التي تحدثت عن الحب . 

الجمعة، 7 ديسمبر، 2012

كيف تكون محبوب النساء

أخلاقك المادية قد تكون حجر الأساس في لعبة مصيدة الحب من النظرة الأولى ، ولا بأس حينها من بلاهتك المتعمدة أو المتوارثة في جينات عائلتك التي أنجبتك إلى الدنيا وفي فمك ملعقة من ذهب ودولارات ، هي تكفي كي تستوي في كفة ميزان الرجولة بين أقرانك الذين يتفوقون عليك بفيزياء الذكورة ، ويندحرون خلفك كالحشرات عند مضاهاة ملاءتك المالية مع أرصدتهم المفلسة في جيوب مهترئة من البطالة والفقر .

وإذا لم تهيئك الأقدار لذلك الثراء المتأتي في معظم الحالات من عمل والدك في منصب حكومي رفيع المستوى ، فالفرصة لا تزال متاحة أمامك للتسكع في الأسواق والبحث عن وظيفة في محل تجاري براتب زهيد وساعات عمل بخانات رقمية ثنائية التركيب ، وحينها سيكفيك أن تداعب كل امرأة تعبر من أمامك بكلمات تدغدغ أنوثتها المكبوتة خلف حياء زائف لا يبرره سوى سذاجة مجتمع لا يعترف بعفة المرأة وطهارتها إلا حين تخفي منه شعر رأسها فقط .

ولديك فرصة لايتوجب عليك هدرها إذا فشلت في تقمص ما سبق ذكره آنفا ، وذلك حين تنبعج في أجواء عمل مختلطة في مؤسسة كبرى ، وتنخرط بين النساء في أحاديثهن عن الموضة والأزياء أو برامجهن الغذائية المتنوعة لإنقاص الوزن الذي يتتابع في الارتفاع ، وقد تنطوي معهن في حوار سياسي أو اجتماعي يتلخص في كيفية شراء هاتف التفاحة بالتقسيط المريح ، وتناقش معهن جميع العبارات المكتوبة عن ضجرهن على حائط الفيس بوك بعد خروجهن من المقهى الذي يبدأ اسمه وينتهي بحروف لاتينية مبهمة المعنى والقصد .

ولكن أتدري ما هو الدور الذي أتمناه لنفسي ، امرأة أصادفها وتستمع إلى هذيان رجل يحدثها عن عالم افتراضي محرم فيه تناحر شرايين القلب الواحد . 

الجمعة، 30 نوفمبر، 2012

ما بين الأم وابنتها ... حكايات تروى

مندهشا ... محتارا ... متعجبا ... وكيف لا يكون ؟ وهو ينظر إلى شقيقته التي ما جفت الدموع من بين مقلتيها ، وهي تصرخ وتلطم وترتعش باكية فقدان أمها الغائبة عن المنزل منذ عشرة ساعات ، تتصل بكل الجيران والأقارب لعلها تسمع منهم خبرا عنها ، ولكن دون جدوى ، وكأن الأرض انشقت وابتلعتها ، ولكن لماذا كان هو مأخوذا بفزع شقيقته وخوفها غير المسبوق على والدتها ، والتي لم يمض يوم يذكره إلا وكان صوت شجارهما يسمع من مسافة سبعة أحياء وشوارعها ، ثم يفتح الباب وهو غارق في تأملاته لهذا المشهد ، وتدخل والدته التي كانت في منزل شقيقها بعد أن أصلحت ذات البين هناك ، لتركض شقيقته وترتمي في حضن والدتها وهي تبكي ، والأم تنظر إليه وهما يتبادلان نظرات الدهشة والاستغراب لما يحدث .

وتزوج بعدها ببضع أعوام ، وكانت زوجته دائمة الشكوى من سلوكيات والدتها وتفكيرها الأرعن ، بل إنها كانت في كل يوم تشكره بعدما كان سببا في عتق رقبتها من نيران المشاكل التي لم يكن من حدود لنهايتها في أيام عذريتها ، وكان لزاما عليه أن يصلح بينهما في كل مجلس يجتمعان فيه ، وما كانت تشرق عليه شمس أو تغيب ، دون أن يهرول ما بين المنزلين ويستمع لكل واحدة وهي تبث شكواها عن الأخرى ، ويعدها خيرا بالإجابة حتى تهدأ النفوس ، حتى جاء يوم ولم يقرع جرس هاتفه اللحوح حتى منتصف الظهيرة ، فتوجس خيفة من حدوث مكروه لإحداهما ، وحين اتصل بزوجته ، جاء صوت عويلها من خلف السماعة دون أن تتمكن من الكلام ، فهب إلى المنزل مسرعا ليجدها تقف مع الطبيب عند الباب وهو يطمئنها عن صحة والدتها مؤكدا أنها ستتعافى خلال بضعة أيام .

وظل سر هذه العلاقة الغريبة بتقلباتها ما بين الحب والكراهية متكررة المشاهدات في حياته ، وهو يراقب في كل يوم مشاجرات زوجته وابنته المتمردة على كل أوامر والدتها ، ولا يظل يسأل زوجته الصبر والهوادة في التعامل مع فتاة بدأت للتو في سن مراهقتها ، ثم لا يلبث أن يستفرد بابنته في حوار صباحي حين يأخذها إلى المدرسة وهو يرجوها أن تطيع أوامر والدتها ، حتى جاء يوم وجد فيه قصاصة ورقة على الثلاجة وهو يتناول وجبة الغداء ، مكتوب عليها بخط أحمر (( بحبك يا ماما )) ، فضحك وظل غارقا في حيرة لا تنتهي من ذلك الرابط العجيب ما بين الأم وابنتها .  

الجمعة، 23 نوفمبر، 2012

نتلي والهولوكوست وغزه

عند مدينة بولندية تقع على إحدى سواحل بحر البلطيق ، كان اللقاء ، هي مصادفة ، ربما ، ولكن الأقدار المكتوبة على جباه البشر ، قطعا هي من جعلت ذلك الشاب الفلسطيني يحتفظ بميراث آبائه وأجداده ، مفتاح وهوية لجوء ، يتشرد فيها بين بقاع الأرض منذ أكثر من أربعة وستين عاما ، ليجد نفسه عاملا في ميناء تلك المدينة البولندية ، ويلتقي بتلك الفتاة البولندية الشقراء ، وهي تقف شاردة أمام ذلك البحر المتجمد ، تذرف الدموع لأسباب جعلت الفضول يدفعه لإلقاء أوزار ما كان يحمله على ظهره من حمولة السفينة التي كان يعمل بها ، ويقترب منها بخطى مواربة ، كانت كافية لتوقظها من شرودها ، وتلتفت إليه مضطربة وخائفة من هيئته الغريبة عن شباب مدينتها .

اقترب منها أكثر ، وبعفوية العرب عند الحديث مع الغرباء ، سألها عن سبب بكائها ، و على الرغم من الدهشة التي كادت تفتك بها ، لجرأته على اقتحام خلوتها ، ولكن رغبتها في مشاركة الألم الذي كان يعصر قلبها حزنا وأسى على ما شاهدته في الجامعة التي تدرس بها ، والتي كانت تقيم حفلا تكريميا تحيي فيه ذكرى ضحايا معسكر اوشفيتز ، من خلال عرض فيلم وثائقي يسرد تفاصيل المذابح التي حصلت على أيدي النازيين بحق اليهود وبعض البولنديين والروس أثناء الحرب العالمية الثانية ، والذي أصبح ذكرى سقوطه فيما بعد مرتبطا بذكرى اليوم الدولي للهولوكوست ومافعله (( هتلر )) بيهود ألمانيا .

ابتسم الشاب الفلسطيني على الرغم من أنه كان يود البكاء ، أو الصراخ ، أو لطم تلك الفتاة على وجهها ، ولكنه وبأعصاب تماثل برودتها بحر البلطيق المتجمد ، قال لها : 

عندي حكاية قد تجعلك تحزنين أكثر ، نظرت إليه باستغراب ولكنها لم تعقب ، فتابع كلامه قائلا : 

انتهت الحرب العالمية في عام 1945 ، وبعدها بثلاثة أعوام ، شكل من بكيت عليهم في فيلمك الوثائقي هذا عصابات مسلحة (( الهاجانه ، ارجون ، شتيرن )) وبدأوا بذبح وتشريد وطرد شعب من دياره يسمى فلسطين ، واغتصبوا وقتلوا النساء والأطفال والشيوخ المعتكفين في بيوت الله ، وعلى سيول تلك الدماء البشرية التي شربوا منها ، أقاموا دولتهم غير الشرعية على أرض مدينة الأنبياء والمرسلين ، والتي تعتقدين أنت وأمثالك من الساذجين أنها أرضهم وبلادهم .

وبعد مضي أربعة وستين عاما ، لا يزال شغفهم في إرهاق الدماء مشتعلا وخصوصا على الأطفال ، عملا بوصية زعيمتهم الملهمة (( جولدا مائير )) التي كانت تتمنى أن تصحو في كل يوم ولاتجد طفلا فلسطينيا واحدا على قيد الحياة .

ولاتزال مندهشة من كلامه ولا تجد من العبارات ما يعينها في الرد أو التبرير أو التعليل على موقفها المغاير تماما لكل ما حدثها به ، ولكنه أدرك ماهي فيه من حيرة واضطراب  ، فسألها عن اسمها ، فأخبرته متلعثمة (( نتلي )) ، فقال لها : أتعرفين يا نتلي البحر الأبيض المتوسط ؟ هناك مدينة تقع على إحدى سواحله تدعى (( غزه )) ، تعقبي أخبارها في هذه الأيام وستدركين حينها لمن يتوجب عليك أن تذرفي الدموع .    

الجمعة، 16 نوفمبر، 2012

رسالة من الحنين


في إحدى ليالي نوفمبر ، وحبات المطر بالكاد تداعب نافذة حجرتها شبه المتوارية خلف ستائر مزركشة بألوان الطيف ، تنبعث أضواء الكريستال العنقودية المتدلية من سقف الحجرة ذي القبة المزخرفة بنقوش جبسية ، ليخترق ظلها ويستكين بين أسوار حديقتها المتراصة في البنيان ، وقد اتكأت برسغها على إحدى دفتي خازنة ثيابها المصنوعة من الخشب المعتق ، وأناملها تلامس ببطء متعمد ضفائرها التي تشبه لون السماء في ليلة يكتمل فيها البدر .

تقف حائرة وقد خانها تعدد البدائل والاختيارات ، فلكل ثوب حكاية تسطر ذكريات أناقتها وأنوثتها حين يتجدد موعد هذه الحفلة بالذات ، ولكنها قررت أن تختار الثوب الأسود المنسدل إلى أخمص قدميها ، وتهذب عري أكتافه وظهره بوشاح من حرير الساتان ، ثم لتقف أمام المرآة وترتدي كامل زينتها من أقراط اللؤلؤ والياقوت ، وتحيط معصمها بسوار ماسي يخطف سنا برقه بالألباب قبل العيون ، وقلادة من الذهب الأبيض تحجب ما ظل منكشفا من عري صدرها ، وخواتم بعدد أصابع يديها وقد اجتمعت في محيطها كل صنوف الأحجار من كريمها ونفيسها ، ولأنها لا ترغب بالمبالغة في زينة وجهها ، اكتفت بقليل من أحمر الشفاه وكحل العيون ، ورسمت أصابع كفيها وقدميها بلون مشتق يليق بفتنة ثيابها ، وربطت حبال الحذاء الأسود ذي الكعب العالي حول ساقيها الممشوقتين كغزالة حين تسير مزهوة في البريه ، وهمت نحو باب الحجرة تتهيأ للنزول إلى الطابق السفلي لاستقبال الضيوف .

سمعت صوت طرقعة على النافذة وهي تضع خطوتها الأولى خارج حجرتها ، فتراجعت بخطوة مماثلة إلى الوراء والتفتت مذعورة وهي تصرخ : (( من هناك ؟ )) ، ولكن الصوت تلاشى بين بندول ساعة الحائط والرياح التي كانت تعوي من خلف النافذة في سكون الليل ، فاقتربت تجر قدميها بحذر وخوف ، لتجد رسالة معلقة على مزلاج النافذة وقد شد وثاقها بخيط رفيع .

تبدأ بقراءة الرسالة ، والأصوات تناديها في الأسفل كي تستعجلها لبدء الاحتفال ، ولكنها تسخر حواسها الخمس في تلك اللحظات مع كل سطر وكلمة وحرف جاء في متن رسالة عاشق تعمد أن يكتب إليها في هذا التوقيت بالذات .

سافرت وسافرت بين مدن النساء ، ولكن حنيني ظل يشدني إليك ، حاولت أن انتزع قلبي بيدي كلما أصر على الهذيان بحروف اسمك ، و أقسمت على نسيانك وشطب أوراقك من ذاكرتي ، ولكن كيف السبيل إلى ذلك وأنت وطني الذي أقسمت أن لا أنتمي في يوم لسواه ؟   

ولا يزال باب حجرتها الموصد يتداعى بطرقات من ينتظرها لحفلة نوفمبر ، وقلبها يكاد يفتح بابه لمن ينتظرها في الحديقة لحفلة لا تنتهي من العشق  ، وإذ بخطوة إلى الأمام وأخرى إلى الخلف ، ونظرة إلى الحديقة وأخرى إلى باب حجرتها ، أتذهب إليه وتلقي من ورائها كل ما هي فيه من نعيم ؟ 

تمزق الرسالة وترمي بها في سلة المهملات ، وتهبط أدراج قصرها بخيلاء ، ليبدأ الاحتفال بتصفيق حار وهتافات من المدعوين ، وآلات تصوير تتسابق عدساتها في التقاط ضحكتها التي اندثرت فيها كل كلمة قرأتها للتو في رسالة من الحنين .         

الجمعة، 9 نوفمبر، 2012

القفص الذهبي

لا تسألني يا صديقي الأعزب مبادلة الأدوار ، فأنت عصفور يطير في فضاء الحرية الرحب ، وأنا أكتفي بالطيران من خلف حدود قضبان قفص ذهبي دخلت إليه طوعا قبل عقد من الزمان ، ولازلت تخالني أسدي إليك نصيحة كنت أولى بها لنفسي ، أم تعتقد أن الحكمة تولد مع التجارب والخبرات حين تجد نفسك في معترك معها ، وأنت لا تدري كيف تمضي بك الأيام في حرب لم تكن لتحسب أنها ستشتعل في أرضك التي لم يبارحها في يوم حمام السلام الأبيض وأكاليل الغار والزيتون .

وإليك أصل الحكاية حتى لا تتهمني بالكذب والخداع ، ولكي لا تساورك الظنون بأنني كباقي أصدقائك المتزوجين ، لا أعترف بالخطأ ولا أجلد ذاتي وأنتقص من قدرها حين تصر على السير في درب يخالف تماما ما كانت تحلم به وتتمناه .

فأنا بدأت حياة الزوجية بمبدأ (( رفعت راسنا )) وألقيت بملاءة السرير المضرخة بالدماء بعد ليلة الزواج الأولى وأودعتها في صندوق صك البراءة والعفة أمام وجهاء عائلاتنا حتى تطمئن قلوبهم وينامون قريري العيون والأنفس ، وظلت حياتي بعدها في ترقب والأنفاس لا ترتد منها شهقتها طيلة شهرين متتابعين حتى جاءت البشرى بحمل زوجتي بمولودها الأول ، وحين وضعتها أنثى ، ظل الأهل ينخرون رأسي بضرورة عدم المباعدة بين الأحمال والاطمئنان لقدوم ولي العهد مع أنني لم أكن قد تجاوزت الخامسة والعشرين من عمري ، لتعود الأنفاس حبيسة في الصدور حتى أنعم الله علينا بما كنا نخشى أن لا يأتي قط .

وتبدلت الأهتمامات في منحنيات مغايرة من بعدها ، ولكن أرجوك لاتذهب بخيالك بعيدا ، فتعتقد أننا كنا نريد تعويض ما فاتنا من أوقات رومانسية وأجواء شاعرية تبدد عتمة الفراغ العاطفي الذي لم يجد نورا يهتدي إليه عند الانشغال بموضوع الإنجاب ما بين الذكور والإناث ، فقد كان الوقت من ذهب ولابد من عدم هدره بمثل هذه التفاهات ، وكان لابد من التفرغ التام لايجاد وظيفة مسائية أخرى لتحسين مستوى الدخل والتحوط لقادم الأيام قبل دخول الأولاد للمدارس .

واليوم تجدني وقد اشتعل الرأس والوجه بالمشيب المبكر ، إذ كان لابد من التفكير بشراء منزل قبل تطبيق قوانين المالكين والمستأجرين ، وكان لابد من شراء سيارة أخرى تنتهي لوحتها برقم زوجي حتى نتمكن من استخدامها فيما إذا تم تطبيق سياسات التقشف لسير المركبات ذات اللوحات المنتهية برقم فردي ، وكان لزاما علينا أن نحسن التدبير والتفكير بطرق تجنبنا زمهرير الشتاء بأقل التكاليف ، ثم كان علينا جدولة الديون والالتزامات وتحرير شيكات لأجل غير مسمى ، لنجد قوت يومنا نحن والأولاد وننفق على تعليمهم في مدارس تتجاوز أقساطها السنوية تكاليف دراستي الجامعية بأكملها ، وكان علينا أن نكون مواطنين صالحين فنلتزم بكل الضرائب والرسوم التي تفرضها علينا الدولة ، ودوما كان علينا أن ننعش ذاكرتنا بجميع المناسبات الاجتماعية من مآتم وأفراح ، فلا نهمل واجباتنا تجاه عائلاتنا قط .

وأخيرا وليس آخرا يا صديقي الأعزب ، فلا ضير في المساهمة بمساعدة الزوجة في الأعمال المنزلية بين حين وآخر ، ولكن إياك أن تبدي امتعاضك ، إذا وجدت زوجتك في منتصف الليل وقد ضج شخيرها في أرجاء المنزل من فرط التعب والإرهاق ، وقد كنت تتمنى لو أنك تدعوها لرقصة رومانسية على أضواء الشموع .

أتدري يا صديقي الأعزب ما هو عزاؤك من هذا كله ، أولادك الذين تتمنى أن يكبروا وقد جنبتهم تكرار تجاربك الحياتية ، فالعصافير الكيسة لا تدخل القفص الذهبي إذا كان الهواء فيه ملوثا بعادات وتقاليد بالية ، ورتابة وروتين ، وضنك عيش يلازمه تقشف يستنفد الأوكسجين الصالح للحب من قلوب الأزواج .     

الجمعة، 2 نوفمبر، 2012

لا ترفع صوتك

يمكنك أن تلخص حياتك في اقتباس مقتضب تختزله ببضع كلمات (( لا ترفع صوتك )) ، وأنت لا تنقصك اللباقة ولا بديهتك المتأهبة دوما لتلتقط ما وراء الكلام ، بل عليك أن لا تخرج عن نطاق مروءتك التي تعرف قدرها جيدا ، فتذعن بصدر رحب وأنت تبتسم بعد أن تفرط في الاعتذار ، ثم تسارع لتقبيل الرؤوس والأيادي والأرجل ، لتنام في ليل طويل لا تؤرقه كوابيس ذكريات محاولاتك اليائسة في الإعتراض .

فأنت حين تصحو مفزوعا قبل موعد عملك الصباحي بساعتين على أقل تقدير ، لتتمكن من القفز فوق الطرقات الإسفلتية المزدحمة كيوم الحشر ، وتصل قبل بدء الدوام الرسمي الموحد في كافة مؤسسات الدولة ومدارسها وجامعاتها ، يلزمك أن لا ترفع صوتك في وجه زوجتك وهي تنهال عليك بالشتائم بسبب الضوضاء التي أحدثتها وأنت ترتدي ملابسك بسرعة البرق خشية أن تتأخر نصف دقيقة عن موعد عملك ، فتستحق عقوبة تأديبية من مديرتك التي تحضر بعد بدء الدوام بساعة أو ساعتين .

وأنت أيضا يلزمك أن تكون حليما حين يحرر شرطي السير مخالفة مرورية بحق مركبتك التي عبرت طريقا فرعيا ممنوعا للفرار من الأزمة المرورية الخانقة في الصباح ، وتتبسم في وجهه وتشكره لحرصه على سلامتك ، ثم عليك أن تتأسف من موظف الأمن المرابط على بوابة مكان عملك ، حين يستدرجك في تحقيق لمعرفة هويتك وسبب دخولك للمبنى ، وعندما تشهر في وجهه البطاقة التي تثبت أنك موظف ، سيمازحك في خبث ويدعي أنه كان يود التعرف عليك لا أكثر ، وستظل طوال النهار بلاصق وهمي على شفتيك كي لا ترد جوابا لمديرتك المنزعجة من عدم إتمامك لمشروع ينتهي جدوله الزمني المقدر في الخطة السنوية بعد بضع شهور ، وتحاول مع ذلك التبرير لا الاعتراض ، متذرعا بالأعمال اليومية التي تستنفد وقتك وجهدك ، لتطالبك بالتأخر لساعات غير مدفوعة الأجر بعد ساعات العمل الرسمي .

وفي طريق عودتك عند المساء إلى منزلك ، لن تصرخ في وجه امرأة اصطدمت في سيارتك وأنت تقف على الإشارة الضوئية بسبب انزلاق قدمها عن كوابح سيارتها وهي تقبل طفلها الجالس في المقعد الخلفي ، ولن تعاتب صاحب دكانة الخضروات الذي أخطأ متعمدا في محاسبتك على مشترياتك التي دفعت ضعفي ثمنها بعد أن يتوعدك بالذبح بالمدية التي يقطع بها الموز إذا لم تخفض صوتك وهو يراجع فاتورك .

وحين تصل إلى منزلك سيلزمك أن تصمت مجددا أمام زوجتك التي ستشتمك بسبب تأخرك عن الحضور كي ترعى الأولاد لحين ذهابها إلى السوق برفقة صديقاتها ، وبعد أن يحطم الأولاد نصف المنزل أثناء لعبهم بالكرة ، ستحاول أن تصرخ في وجههم ، ولكن أصغرهم سيقف أمامك متجهما ويطالبك بأن لا ترفع صوتك ، فتصمت وتهرب منهم إلى شاشة التلفاز ، لتجد المذيع في نشرة الأخبار الرسمية يتحدث عن المواطنين الصالحين وهو يبتسم في وجهك أنت بالذات

الأربعاء، 24 أكتوبر، 2012

حوار مع خاروف العيد

في حديقة جاري المحاذية لشرفة منزلي الخلفية ، حضر ضيف خفيف الظل يمشي متثاقلا إلى الأرض ، وقد التفت من ورائه جموع الأطفال المتزاحمة بفضول يسبقها لمشاهدة ذلك الحيوان الأليف في بث حي ومباشر ، بعد أن كانوا دوما يكتفون بمشاهدته من خلال أفلام كرتونية متحركة على شاشات التلفاز أو من خلف نوافذ السيارات في أثناء عبورهم لطريق ريفي في رحلة عابرة مع الأهل ، أو عند مطالعة كتب المناهج المدرسية وتفاصيلها النظرية التي لا تخلو من الضجر .

يرفع الجار يده بحركة حازمة تشبه حركات حكام مباريات كرة القدم حين يشهرون البطاقة الحمراء في وجوه اللاعبين ، فيبتعد الأطفال برؤوس تكاد تلامس الأرض من فرط الخيبة ، ويتابع مسيره برفقة ضيفه الذي لا يعلم ما سيؤول إليه مصيره بعد بضع أيام ، ثم يتركه وحيدا في الحديقة بعد أن اطمأن لقيد عنقه بحبل غليظ إلى جذع الشجرة ، وعلى الرغم من هذه الضيافة المستهجنة إلا أنه لم يبدي ردة فعل تثير الإعتراض ، بل ارتسمت على وجه علامات الغبطة والسرور ، وذلك حين وجد من حوله مساحات شاسعة من الأعشاب الخضراء الطازجة التي لن يشاركه خاروف في أكلها ، فطرق بحوافره الأرض وراح يثغو بايقاعات متضاربة الألحان ، ثم ليلمحني وأنا أتلصص عليه وأراقبه بغيظ لم أفلح بكتمانه والتحايل عليه بابتسامات زائفة كرجال السياسة حين يلتقون بأفراد الشعب البائسين ، فلم يكترث ولم يلقي بالا لحركات يدي التي كانت تتوعده بالذبح ، وتابع التهام طعامه وظل يثغو دون كلل أو ملل .

وحينها فقدت أعصابي وارتفعت نسبة الضغط والسكري فوق معدلاتها الطبيعية في الدم ، وصرخت على ذلك الخاروف المتعجرف ، بسؤال عن سبب سعادته المفرطة تلك وهو سيغادر هذه الدنيا بعد يومين على أبعد تقدير ؟ 

فأخبرني الخاروف أنه سعيد لأن المساكين والفقراء والمحتاجين الذين يبكون طوال العام و ينامون بحثا عن كسرة خبز جاف ، سيبتسمون بعد أول قطرة دم تبارح عنقه على الأرض ، أنهم سيأكلون من لحمه ويشكرون الله خالقه وموجده ، فأي سعادة ستضاهي سعادته حين يجد كل هؤلاء سعداء ؟

فكرت في كلمات هذا الخاروف وسألت نفسي حائرا : (( لو فكر البشر بطريقة هذا الخاروف ، فهل سيظل على وجه هذه الأرض من شقي أو محروم ؟ )) ، ثم أغلقت نافذتي ورتبت أوراقي ودفاتري وكتبت بضع كلمات من حروف للتمني بأن يمضي كل يوم وليس كل عيد والجميع بألف خير ، فكم أصبحت أخشى من مثل كان يردده جدي قديما : (( البارحة أفضل من اليوم ، واليوم أفضل من غدا )) ، ولكن لعل لكل قاعدة شواذ وتكون الأيام القادمة من زماننا هذا أفضل .

الجمعة، 19 أكتوبر، 2012

لماذا تهتم بشكلي ؟



في الجهة الشمالية الغربية عند زاوية مهملة لمكتبة لا يتردد إليها إلا كعابر سبيل ، تتخطف المصادفات خطواته كي يتقدم عبر أدراجها الرخامية ويدفع بابها الحديدي الأسود قبل هروب الشمس إلى مخدعها لحظة الغروب ، وكم كان غريبا أنه ذهب وبدون تخطيط مسبق ، إلى ركن كتب علم النفس التي كان قد سئم من مطالعتها ، أو لعله كان يخشى من مواجهتها ، كي لا تتكشف له الحقائق والأدلة المؤيدة لما يعانيه من (( شيزوفرينيا )) قد تأصلت في عقله منذ طفولته بعد أول يوم تعلم فيه النطق .

جلس على الكرسي المقابل لها ، بعد أن استسلم كعادته لسطوة كتاب من كتب (( فرويد )) ، وألقى إليها بنظرة لم يتبعها بنظرة لاحقه ، ومع هذا فما كانت لتجد اكتراثا ولو من باب الفضول من عينيها القابعتين خلف عدسات نظاراتها المربعة التكوين ، حاول أن يتسلق ببصره سلالم المساحة التي تفصل بينهما على منضدة المطالعة ، بغية معرفة اتجاهات الثقافة التي قد عزلتها عن محيط مطارداته المتداعية كلما دارت عقارب الساعة في دورتها ، وهو يتفحص جمالها بنظراته شبه المختبئة وراء نظريات (( فرويد )) ، ثم ما لبث أن بدأ بسعال جاف مفتعل ، ولكن دون جدوى ، إذ أن نظراتها ظلت تتدحرج بين سطور الكتاب الذي تمكن أخيرا من التقاط الحروف الأولى من عنوانه ، وذلك بعد أن ارتفعت إحدى دفتيه قليلا بحركة عفوية من كفيها عن السطح الخشبي للمنضدة ، والتي بدورها استحالت إلى حاجز حدودي يفصل جيوش رغبته المتأهبة لاحتلال أرضها الصامتة وجرها إلى حرب من الحديث والكلام .

(( ما الذي سيدفع بتلك الحسناء الغجرية لتحب شخصا قبيح الوجه محدودب الظهر لايسمع ولايتكلم ؟ )) ألقت بالكتاب في ذعر ورفعت رأسها إليه ، وهي لا تزال في حالة من الذهول ، فسارع إلى الاعتذار عن اقتحام سؤاله لخلوتها ، ولكنها ظلت في صمت وهي تنظر في عينيه ولا تعقب ، ثم تداركت شرودها المفاجىء ، وبادرته بسؤال ما كان ليتوقعه (( فرويد )) نفسه ، (( وهل تعتقد أنك كنت ستجلس إلى جواري وتترك كل طاولات المطالعة المترامية عن اليمين وعن الشمال ، وتختلق الأعذار الواهية للحديث معي، لو كنت قبيحة المظهر كأحدب نوتردام ؟! )) .

الجمعة، 12 أكتوبر، 2012

العتاب في يوم الزفاف

بموكب مهيب ، استدعى وصوله إغلاق الطريق العام وخمسة شوارع فرعية ، يخرج (( عريسنا الزين )) من السيارة ، وقد أحاطت به الجموع التي تجمهرت من حوله بين قريب وصديق وجار وزميل ، وعلى دفوف الأيادي وتصفيقها الحار ، ثم هتافها بصوت رجل واحد ، لإكثار الصلاة على النبي الحبيب ، بنبرة حماسية متتابعة التكرار لرد عين الحاسدين التي سيقتلعها العود ، يدق باب عروسه ، وتفتح له أبواب نعيم الدنيا وفردوسها ، فيقبل يد والديها ويتبارك بهما ، كمحاولة للتعبير عن خالص مودته وامتنانه بجزيل عطائهما في ترشيحه لمنصب رفيع المستوى ، فهو من سيحفظ عرضهم من دمث الطامعين في كريمتهم المصون ، بعد أن تم اعتماده بمهر مؤجل الدفع ، و نفقات زهيدة لتجهيز العروس وتأمين انتقالها بيسر لا يتبعه عسر إلى بيت زوجها .

ويسير الموكب مجددا قاصدا فندقا لا تقل نجومه عن الخمس ، وتنقضي الليلة الأولى بعتاب خفيف الظل على جودة الطعام وعدم كفايته للمدعوين الطارئين من أهل العروس ، ويبتسم هو في وجهها والغيظ يلتهم أعصابه كلما تذكر أنها لم تقبل يد والدته بعد أن زينت عنقها بعقد ماسي ، وتبالغ هي في وصفها لقلة ذوق بعض أفراد عائلته الذين أصروا على اصطحاب أولادهم إلى العرس رغم تأكيد بطاقات الدعوة لهم بأن جنة الأطفال في منازلهم .

وهذا جعل باب الحوار ينشرع على مصراعيه كي يذكرها ببعض المواقف التي يتحفظ عليها من اليوم الأول في أسلوب كلامها مع شقيقاته حين رفضت مساعدتهن لها في حمل ذيل فستانها عند دخولهما إلى قاعة الاحتفال ، مما أثار حفيظتها من نساء عائلته واحتلالهن لمنصة الرقص بأجسادهن البدينة التي زاحمت (( هزات الوسط )) الرشيقة لأقربائها وصديقاتها ، فبادر إلى مقاطعتها من باب التذكير والتحذير ، كي لا تنسى أنه من دفع تكاليف هذا الزفاف ، وكان ذلك سببا كافيا لها لتقرع أبواب ذاكرته بالأيام الخوالي التي قضاها وهو يتوسلها كي توافق على الزواج منه .

لم يتوانى هو حينها بعد أن صعدت فقاعات الدم المتداعية في الغليان إلى أعلى نقطة في رأسه ، ليستعرض لها قائمة من الأسماء المرتبة على الحروف الأبجدية لفتيات  رفض الزواج منهن رغم إشعالهن لشموع الحب في أصابعن العشرة ، وبادرت هي عند شدة وطأة هذا الحوار ، لتسخر من ثقته بنفسه وتبالغ في الإفراط والتفريط بأن الأنوثة لم تولد من قبلها ، وأن عتبة بيتها كانت تتكسر في كل يوم تحت أقدام العرسان المتأهبين لإحضار (( لبن العصفور )) لها .

 ولا تزال تسأله أن يرطب لسانه بالشكر لرب العالمين على مشيئته بأن تكون من قسمته و نصيبه ، ويلهمها كي تتزوجه بعد أن استبدلت الأدنى بالذي هو خير ، ولكن هي ساعة القدر التي يعمى فيها البصر ، ظلت ترددها وتقلب كفيها ما بين حسرة وندم على هذا العريس (( الغفله )) الذي دفع الثمن البخس في سوق النخاسة معتقدا أنها ستكون كجارية تحت قدميه ، أو أنه سيقطع رأس الهرة في ليلة دخلتها كي لا تموء في حضرة مجلسه من بعدها ،  وهكذا ظلت تحذره من عواقب غضبها حتى دقت نواقيس كبرياء رجولته و صفعها على حين غره ، فكانت القشة التي قصمت ظهر هذا الزواج السعيد في يومه الأول . 

الجمعة، 5 أكتوبر، 2012

بين البصلة وقشرتها


استيقظت في هذا الصباح مبكرا وعلى غير أوانك ، ولكن ضجيج الأصوات وارتداد ذبذباتها وهي تخترق الجدر العازلة لمنزلك ، كانت كصفارات الإنذار المنبعثة في الحروب ، فنهضت مفزوعا واستعذت من الشيطان الرجيم ، وطمأنت نفسك بطلب الستر من الخالق الكريم ، وتوجهت مسرعا تقرع باب الجيران ، وزاد اضطرابك بعد أن استحالت الأصوات من صراخ وعويل إلى اشتباك غير مرئي ، ترجح فيه الاستعانة بمواد زجاجية كانت تتحطم تباعا على الجبهة الداخلية للباب ، وهذا كان يستدعي إلحاحك بالضغط على الجرس بكلتا يديك ، وركل الباب الخشبي المتأهب للسقوط بكلتا قدميك ، ولا يزال تقاذف الشتائم التي انتهكت جميع الأعراض ، الأحياء منها والأموات ، يقترب من مسامعك أكثر ، حتى انكشف المستور ، وشرع الباب على مصراعيه ، وقد وقف خلفه رجل ضخم بثياب عارية من نصفه الأعلى ، وقد سكنت على وجهه علامات مخالب قطة كانت على مايبدو جائعة منذ أيام ، وقبل أن تبادر بسؤاله عما يحدث ، ينبعث الصراخ والعويل مجددا من وراء الباب ، وتنهمر الشتائم بغزارة لتغرق شرف كل نساء عائلتك ، أنت وذلك الرجل الضخم الذي لا يلبث أن يرد على تلك الشتائم بما هو أشد وطئا وأعظم قيلا ، ولازلت تسأله بصلاة على الحبيب المصطفى كمحاولة لإخماد ثورة غضبه ، حتى بادرك بلكمة أفقدتك البصر مؤقتا في عينك اليسرى ، وإغلاق الباب في وجهك كي يستأنف معركته الضروس مع قطته ، عفوا ، زوجته التي ظلت شتائمها تقرع طبلة أذنك حتى غادرت مهرولا إلى ناصية الطريق العام . 

ولكن هذا اليوم المشؤوم جعلك أسيرا لظروف تدفع بك إلى التدخل في اشتباك بدأ للتو بين سائقي سيارة عمومية و أخرى خصوصية ، وذلك بعد أن ارتطم الأول بسيارة الثاني عند توقفها المفاجىء من أمامه ، فهرولت لفض الاشتباك بين الرجلين ، ولكن وقوفك كدرع بشري بينهما ، جعل كل اللكمات والرفسات والصفعات من نصيب جسدك الذي تكلم قبل يوم القيامة ، ليس ليكون شاهدا على ذنوبك ، بل ليلعن الساعة التي وافقك فيها الرأي للذهاب والإصلاح بين هذين الثورين الهائجين .

وتوجهت إلى مكان عملك ، وكم كنت تتمنى لو أن إجازة طارئة منعتك من الذهاب في ذلك اليوم ، فزميلتك التي اكتمل نصاب حملها بشهوره التسع ، كانت تتوسلك للذهاب معها إلى غرفة المدير الغاضب من تأخرها عن موعد الدوام الرسمي بخمس دقائق ونصف ، لعله يسمع منك ويقتنع بعذر المخاض الذي زارها طوال الليل ثم تراجع بعد الفجر عند وقت الضحى ، فذهبت وأنت على ثقة بأنه لن يردك عن بابه خائبا ، وحين شاهدكما معا ، اكفهر وجهه وامتعض وعقد حاجبيه وصفق الباب في وجهك ووجه زميلتك قبل أن تتفوه بالكلام ، وقبل أن تعود إلى مكتبك ، تناديك السكرتيرة المتصابية في الهرم ، لتبلغك بقرار المدير بخصم مغادرة زميلتك من رصيد إجازاتك السنوية ، وعندها ضحكت قليلا وبكيت كثيرا ، إذ أنك تذكرت بعد كل هذه الأحداث ، مثلا شعبيا ذائع الصيت ، كانت والدتك تردده بسخرية بحق كل وجوه الخير التي تتدخل فيما لا يعنيها : (( يا داخل بين البصلة وقشرتها ... مارح ينوبك منها إلا ريحتها )) .

الجمعة، 28 سبتمبر، 2012

يوم الجمعة ... في دفاتر أيامي


قبل بلوغنا موعد التكليف الشرعي في مواقيت أعمارنا ، كنا نتسابق في إتمام ركعتي السنة بعد سلام الإمام في صلاة الجمعة ، وكنا نزاحم المصلين عند أبواب المسجد كي يفسحوا لنا طريقا للخروج الذي ينقصه الكثير من الخشوع ، ثم ننطلق عدوا على الطرقات الإسفلتية كخيول جامحة بلا لجام يوقفها ، قاصدين السور الحجري الذي يرقد بجوار دكان الحارة ، لتكون جائزة السباق مشروب غازي لأولنا بنقود آخرنا ، ثم نتبادل الخطط في كيفية التملص من نزهة إجبارية مع أهلنا في موعدها الثابت من كل يوم جمعة ، لعلنا بذلك نتمكن من إقامة مباراة في كرة القدم مع أولاد الحارة المجاورة ، وما أن تجتمع الحشود وهي تتهيأ لصافرة البداية ، حتى نفر إلى منازلنا بعد أول نداء من أمهاتنا ، كي نساعد آباءنا في نقل متاع الرحلة إلى صندوق السيارة .

وبعد بضع أعوام ، وجدنا أنفسنا نطير مع الإمام إلى سقف قبة المسجد ، وهو يسرد لنا أمجاد تاريخ أمتنا ودولتها العظيمة التي طرقت أوروبا من أوسع أبوابها ، فلم نجد حينها في صدورنا حرجا بعد انقضاء الصلاة من السير برؤوس عالية الجبين ، فقد اتخمتنا الكلمات زهوا وغرورا وكبرياء ، وأصبحنا نعود إلى سور الحارة كالطواويس ، ولا نكترث إلى نداءات أمهاتنا ولو تتابع فيها التهديد والوعيد ، فنحن منذ الآن على موعد مع التاريخ ، وهو ينتظرنا لكتابة أسمائنا بين دفتيه ونحن نحرر فلسطين .

وزاد ميزان العمر بمثقال من أعوام أخر ، وانتصف بنا عمر الشباب إلى أول أرباع القرن ، وكبرنا خلف الإمام بعد تكبيرة الإحرام والقيام ، ونحن على ثقة بالنصر على أعدائنا في العراق ، وخرجنا في جماعة من المسجد نهتف بتراب بغداد ونخيل دجلة والفرات ، وحين وصلنا إلى سور الحارة ، كتبنا على جدرانه عبارات تشتم أمريكا واسرائيل ، وأحرقنا أعلامهما و داست أقدامنا بهما نواصي الشوارع الإسفلتية الثائرة ، ولما سمعنا نداءات أمهاتنا وهي تتوسلنا بالعودة إلى المنزل وتجنب الانزلاق في وديان السياسة السحيقة ، رفضنا الإذعان وطأطأة الرؤوس ، حتى أكملنا تكبيرات العيد ، واحتفل الأعداء بأضحية الرئيس العراقي المخلوع . 

ثم ابتعد بنا العمر في دروب السنين والأيام ، وتعددت المنعطفات التي نسير بها إلى الصلاة ، فتفرقنا بين المساجد ، وعدنا إلى سور الحارة ، ليردد كل منا كلمات الإمام الذي ولاه أمره في التفكير والتدبير ، و شطرنا أنفسنا إلى شيع ومذاهب ما أنزل الله بها من سلطان ، وصافحنا أعداءنا ، وأعلنا الحرب على أنفسنا ، لنصبح في زمن الأخوة الأعداء ، وتتابع نحيب أمهاتنا في جنازات صنعناها بأيدينا في كل يوم جمعة ، فعذرا من عقوقنا لك يا دين الإسلام ...