الجمعة، 28 ديسمبر، 2012

هزيمة حب فيسبوكية

كان نافد الصبر في كل زيارة تصفحية له على موقع التواصل الإجتماعي الأول " فيس بوك " ولعل ما كان يبرر الإفراط في السأم ، ارتفاع منسوب التخلف الديني والعربي فيما كان يتعثر به من صفحات نالت إعجاب أصدقائه في ملخص أخبارهم على صفحة " Home " فمن صور لإطفال يعانون من مجاعات وويلات بشرية ، تستدعي في نفسه مبادرات الدعم والتضحية والإيثار، والتي لم تكن لتجدي نفعا لو كان سبيلها بالمال أو الكلمة الطيبة ، بل بتحفيز سبابته للضغط على كلمة في أسفل الصورة " Like " كي يؤدي بذلك واجبه الإنساني المقدس .

ولربما كان ينقص عقيدته التوكيد بضغطة " Like " أخرى ، كي يشارك في حصد أكبر تجمع للموحدين بالله عز وجل ، بعدما تلقى رسالة تحذيرية من المشرفين على تلك الصفحة بارتداده عن دين الإسلام وانضمامه المعنوي لجماعة الإخوان العلمانيين في حال امتناعه عن ضغطة الـ " Like " ، حتى أنه توجس في نفسه خيفة من دعوة صفحة عابرة ظهرت على حين غره ، بعد أن طالبته بضغطة " Like " خاطفه ، ثم الصلاة على الحبيب المصطفى ، كي لا يتهم بمساندة الصفحات المحرضة على الإساءة للرسول الكريم .

وكم تغيرت قناعاته عند الدعاء بأمنيات كان يود لو أنها تتحقق ، فصور الأطفال الملائكية ، كان يتتبعها من صفحة بادرت بالإلحاح عليه كي يضغط "Like " أولا ، ثم يدعو المولى عز وجل بذرية تشبه في جمالها هؤلاء الإطفال ، ولكي لا يغفل عن التسبيح بعظمة رب العباد ، ظل يتفكر بكل صور عجائب الخلق التي أبدعها الرحمن ، والتي كان يتشاركها الأصدقاء وأصدقاء الأصدقاء من صفحات فيسبوكية لا تعد ولا تحصى ، ولكن شريطة الضغط بـ " Like " كي ينال الأجر والثواب .

وبعد أن تشنجت مفاصل ذراعه ونفرت العروق كأسلاك شائكة في كف يده ، من ضغطة " Like " هنا وأخرى هناك ، يقرأ عبارة على حائط امرأة تبكي حبا لم يأت في الساعة الواحدة بعد منتصف القهر ، لم يضغط " Like " ، فلقد كانت يده ترتعش بعد قراءة كلماتها التي ظلت متتابعة بالظهور على صفحة " Home " ، فهو رجل لا تغويه إلا امرأة تجيد التعبير عن مشاعر الحب ، يجد في هذا النوع من النساء فتنة استثنائية ، تمضي بروحه إلى دروب ممهدة للعشق .

وبعلامات استفهام عبرت أفكاره وتساؤلاته ، لم يجد سبيلا للحديث معها ، إلا بإدراج تعليق في متن واحدة من كتاباتها ، " الحب يأتي دوما من وراء أبواب موصدة لا نسعى لإيجاد مفاتيح قلوبها " ، لا تعقب على كلماته إلا بعلامات تعجب ، يؤوب مجددا إلى أزرار حاسوبه ، ليكون أكثر وضوحا ، " حين تلتقي القلوب بعد فراغ عاطفي ، لابد أن تتحرر من ذكريات الماضي بكل هزائمه وخيباته ، كي لا تبكي حبا قد يأتي الآن ويرحل غدا " .

تنقضي الساعات ولا يجد ردا على كلماته إلا بالصمت ، ثم يختفي اسمها من قائمة الأصدقاء ، يثني على حظه الذي يعاكسه على الدوام في العثور على امرأة تتناسب مع مقاسات أحلامه ، ويختم هزيمته العاطفية بعبارة يدونها على حائطه الفيسبوكي المهمل " إذا كان الاعتراف بالذنب فضيله ... فإن الاعتراف بالحب لامرأة في هذا الزمان قد أصبح أكبر خطيئه " ، ليجدها وقد بعثت له بضغطة " Like " بعد أقل من ثلاثين ثانية ، إلا أنها لم تكن كافية لاستجداء الأمل عنده في محاولة الحديث إليها مجددا .

الجمعة، 21 ديسمبر، 2012

أحلام وردية بالنساء

بعد قيام الخبراء المحليين باعداد مسودة جغرافية لخطوط الطول ودوائر العرض في منطقة الشرق الأوسط ، تبين أن العاصمة الأردنية " عمان " هي بمثابة خط جرينتش للمنطقة ، وهكذا جاء القرار الحكيم بإلغاء التوقيت الشتوي ، وانتظار ضوء النهار حتى الساعة السابعة والنصف كي أقتنع أن الوقت قد حان لمغادرة الفراش والذهاب إلى العمل ، وكما هي عادتي ، أقف أمام المرآة وأتحدى الرجل القابع خلفها في إظهار زينتي ، ثم أخرج من باب المنزل ساخرا من عناقيد الياسمين والورود في حديقتي ، فرائحة عطري تزكم بها الأنوف من مسيرة مزدوجة لعدة أقدام .

بالكاد عبرت خطوة خارج محيط المنزل ، وإذ بفتاة ترتدي " مريول المدرسة الأخضر " تقترب نحوي بخجل وفي عيونها لهفة ورجاء ، وفورا نشب صراع داخلي بين قلبي المتعطش لامرأة تؤنس وحدتي ، وبين عقلي الغاضب من نشوتي في الانقياد إلى رغبات شاذة بفتاة في سن المراهقة يكون حاصل مجموع عمري يساوي مجموع عمرها ولكن بعد قسمته على اثنين ، ومع هذا استقبلتها بفم فاغر ولعاب يسيل بالأمل لقصة حب غير عاديه ، ولكن الأحلام الوردية سرعان ما انقلبت إلى كوابيس مرعبة ، وهي تبدأ حديثها معي بمنادتي " عمو " ، حاولت تدارك الموقف والعبث مجددا في لعبة البحث عن الحب ، فقلت لها " نعم يا حبيبتي " ، وإذ بها تخبرني أنها أضاعت مصروفها المدرسي وتتوسلني لإعطائها دينارا عوضا عن ذلك الذي فقدته في الطريق .

ركبت السيارة وحاولت نسيان صدمة الصباح العاطفية التي ارتطم بها قلبي ، حتى وصلت عند إشارة ضوئية تفصلني ببضع كيلومترات عن مكان عملي ، وفجأة وبدون سابق انذار ، أنظر إلى يساري فأجد امرأة تبدو في منتصف العقد الثالث من عمرها ، وكأنها غارقة في التحديق نحوي ، حاولت بدءا أن أتجاهل المشهد بكل تفاصيله كي لا تزل قدمي في الفخ العاطفي الكاذب الذي وقعت فيه لتوي ، ومع هذا فلم أتمكن من المراوغة والمقاومة وبادلتها على الفور بالتحديق مع بعض الابتسامات والغمزات ، وما بين طرفة عين وأختها ، تتجهم ملامحها وتستحيل كغيمة سوداء ظهرت في كبد سماء زرقاء صافية ، وتنهال كصوت الرعد بشتائم استدعتني على الفور لتجاوز الشاخصة المرورية الحمراء والنجاة بأعجوبة من حادث شبه مؤكد .

أدخل مكان عملي ، وأقف مرغما في طابور طويل لانتظار المصعد الكهربائي ، فلياقتي البدنية لا تسعفني لصعود ثمانية طوابق بأدراج مزدوجة ، تقف أمامي فتاة شقراء بملامح شبه غربية ، ولست أدري لماذا كانت ما بين لحظة وأخرى ، لا تنفك عن الالتفات نحوي ، ثم لا تلبث أن تهمس ضاحكة في أذن زميلتها ، وهذا جعل فأر الحب يعود للجري سريعا ما بين شرايين جوعي العاطفي وأوردة قلبي الباحثة عن العشق ، حتى قرع جرس المصعد إيذانا بوصوله ، لندخل أفواجا تلو أفواج ، حتى فار تنور المساحة المتبقي فيه للهواء ، وقد كانت مصادفة لم أتعمد حدوثها ، بعد ان التصق كتفها بكتفي ، مما جعل قلبي ينبض في جوفي ، وأنا أنتظر اللحظة الحاسمة للهمس في أذنها بمشروع عاطفي محتمل ، يتوقف المصعد في الطابق الثالث وتضطر هي للخروج كي تتيح الفرصة للقابعين خلفها بالعبور ، وقبل عودتها إلى المصعد ، تغلق أبوابه وهي تهم بالدخول ، مما دفعني لشد ذراعها كي أسحبها إلى الداخل ، وعندها انقلب الحلم الوردي إلى كابوس مجددا بعد قيامها بصفعي على إثر ذلك السلوك الأرعن .

في طريق عودتي إلى المنزل ، أعرج على الصيدلية لشراء حبوب تعينني على النوم المبكر دون التفكير بالنساء ، وما أن أشاهد تلك الصيدلانية الحسناء بملامحها السمراء اللاتينية ، حتى تجددت الأحلام الوردية ، محدثا نفسي بالأقدار التي تبتسم للمرء بعد عدة عثرات ، وحين سألتني عن طلبي ، قلت لها " أنت الداء وحبك الدواء " فأشارت بإصبعها الملون بطلاء أخضر نحو الباب ، فطالبتها بمزيد من التوضيح ، لتصرخ في وجهي وتطالبني بالرحيل قبل أن تستدعي رجال الأمن .

عدت إلى المنزل ، ورقدت في سريري بحلم وردي لفتاة المدرسة والسيارة والعمل والصيدلية ، وأنا أزف إليهم عريسا في ليلة واحدة ، ثم تأتي زوجتي وتضرم النار بقاعة الإحتفال ومن فيها ، ولا أزال أصرخ حتى أيقظتني زوجتي من المنام وهي تسمي بالرحمن وتناولني كوبا من الماء كي تخمد نيران روعتي ، وحين سألتني عن الحلم ، استعذت من الشيطان الرجيم وأخبرتها بضرورة التكتم عن الحديث في الأحلام السيئة كي لا تتحقق .       

الجمعة، 14 ديسمبر، 2012

أفكار وتساؤلات في الحب

أن تعشق امرأة في هذا الزمن المجنون ، يعني أن تسافر نحو المجهول ، تضع قدما أمامك وبالأخرى تتأرجح إلى الخلف ، ولا تدري أيهما سيقودك إلى قلبها ، فعودتك تعني أن يظل حبك مختبئا بين حقائب قلبك ، وذهابك إليها قد يكون سببا في إغلاق معابر حدودها العاطفية في وجهك .

المرأة لا تعشق بعيونها ، بل تعشق بأذنيها ، ولهذا فهي تختار دوما رجلا يقول ما لا يفعل .

موهبة الرجل وتفوقه في مجال علمي أو أدبي أو رياضي أو فني ، يجعل المرأة في أوج دهشتها منه ، ولكن إذا وقع في براثن حبها ، تتعجب من لهفتها في الماضي على الحديث معه ، فقد اكتشفت أنه كغيره من الرجال ، يذوب قلبه سريعا كقطعة السكر في الشاي ، بعد حركة خفيفة من ملعقة أنوثتها .

كلما أظهر الرجل سخريته وعدم اكتراثه بالنساء ، كلما زاد ذلك من إصرارهن على ملاحقته والإيقاع به في كيد أنوثتهن ، وحين يستسلم قلبه وترفع شرايينه الراية البيضاء ، يبدأن بالبحث عن فريسة جديدة لمطاردتها .

المرأة تختار الرجل المفتول العضلات ولا تختار الرجل النافر بالعقل والذكاء ، لاعتقادها بأن الأول سيحفظها ، والثاني سيكون سببا في مذلتها .

النساء كقنوات التلفاز الفضائية ، منها من تشيح ببصرك عنها من أول ثانية ، ومنها من تتأملها قليلا ثم لا يستدعيك عندها البقاء ، ومنها من تعكف على متابعتها طيلة الليل والنهار ولا تسأم منها قط . 

المرأة التي تهاجم الرجال وتنادي بالمساواة وتشتكي الاضطهاد من المجتمعات الذكورية ، هي من أشد أنواع النساء لهفة على قلب رجل يناديها للحب .

حين يعيش الرجل في وحدة عاطفية يكون حكيما ، فإذا صادف امرأة وحاول التقرب منها أصبح حالما ، و حين تعده بالحب يغدو عاشقا ، وعندما تهجره وحيدا لا يعود إلى سيرته الأولى ، بل تكون ذكرياته معها سببا في تهجين مراحل دورة حياته السابقة ، ليعيش ضربا من الجنون .

إذا طمست اسمي من أوراق ذاكرتك ، فتذكري أن اسمك هو عنوان كتاب ذكرياتي في مصنفات أيامها التي تحدثت عن الحب . 

الجمعة، 7 ديسمبر، 2012

كيف تكون محبوب النساء

أخلاقك المادية قد تكون حجر الأساس في لعبة مصيدة الحب من النظرة الأولى ، ولا بأس حينها من بلاهتك المتعمدة أو المتوارثة في جينات عائلتك التي أنجبتك إلى الدنيا وفي فمك ملعقة من ذهب ودولارات ، هي تكفي كي تستوي في كفة ميزان الرجولة بين أقرانك الذين يتفوقون عليك بفيزياء الذكورة ، ويندحرون خلفك كالحشرات عند مضاهاة ملاءتك المالية مع أرصدتهم المفلسة في جيوب مهترئة من البطالة والفقر .

وإذا لم تهيئك الأقدار لذلك الثراء المتأتي في معظم الحالات من عمل والدك في منصب حكومي رفيع المستوى ، فالفرصة لا تزال متاحة أمامك للتسكع في الأسواق والبحث عن وظيفة في محل تجاري براتب زهيد وساعات عمل بخانات رقمية ثنائية التركيب ، وحينها سيكفيك أن تداعب كل امرأة تعبر من أمامك بكلمات تدغدغ أنوثتها المكبوتة خلف حياء زائف لا يبرره سوى سذاجة مجتمع لا يعترف بعفة المرأة وطهارتها إلا حين تخفي منه شعر رأسها فقط .

ولديك فرصة لايتوجب عليك هدرها إذا فشلت في تقمص ما سبق ذكره آنفا ، وذلك حين تنبعج في أجواء عمل مختلطة في مؤسسة كبرى ، وتنخرط بين النساء في أحاديثهن عن الموضة والأزياء أو برامجهن الغذائية المتنوعة لإنقاص الوزن الذي يتتابع في الارتفاع ، وقد تنطوي معهن في حوار سياسي أو اجتماعي يتلخص في كيفية شراء هاتف التفاحة بالتقسيط المريح ، وتناقش معهن جميع العبارات المكتوبة عن ضجرهن على حائط الفيس بوك بعد خروجهن من المقهى الذي يبدأ اسمه وينتهي بحروف لاتينية مبهمة المعنى والقصد .

ولكن أتدري ما هو الدور الذي أتمناه لنفسي ، امرأة أصادفها وتستمع إلى هذيان رجل يحدثها عن عالم افتراضي محرم فيه تناحر شرايين القلب الواحد . 

الجمعة، 30 نوفمبر، 2012

ما بين الأم وابنتها ... حكايات تروى

مندهشا ... محتارا ... متعجبا ... وكيف لا يكون ؟ وهو ينظر إلى شقيقته التي ما جفت الدموع من بين مقلتيها ، وهي تصرخ وتلطم وترتعش باكية فقدان أمها الغائبة عن المنزل منذ عشرة ساعات ، تتصل بكل الجيران والأقارب لعلها تسمع منهم خبرا عنها ، ولكن دون جدوى ، وكأن الأرض انشقت وابتلعتها ، ولكن لماذا كان هو مأخوذا بفزع شقيقته وخوفها غير المسبوق على والدتها ، والتي لم يمض يوم يذكره إلا وكان صوت شجارهما يسمع من مسافة سبعة أحياء وشوارعها ، ثم يفتح الباب وهو غارق في تأملاته لهذا المشهد ، وتدخل والدته التي كانت في منزل شقيقها بعد أن أصلحت ذات البين هناك ، لتركض شقيقته وترتمي في حضن والدتها وهي تبكي ، والأم تنظر إليه وهما يتبادلان نظرات الدهشة والاستغراب لما يحدث .

وتزوج بعدها ببضع أعوام ، وكانت زوجته دائمة الشكوى من سلوكيات والدتها وتفكيرها الأرعن ، بل إنها كانت في كل يوم تشكره بعدما كان سببا في عتق رقبتها من نيران المشاكل التي لم يكن من حدود لنهايتها في أيام عذريتها ، وكان لزاما عليه أن يصلح بينهما في كل مجلس يجتمعان فيه ، وما كانت تشرق عليه شمس أو تغيب ، دون أن يهرول ما بين المنزلين ويستمع لكل واحدة وهي تبث شكواها عن الأخرى ، ويعدها خيرا بالإجابة حتى تهدأ النفوس ، حتى جاء يوم ولم يقرع جرس هاتفه اللحوح حتى منتصف الظهيرة ، فتوجس خيفة من حدوث مكروه لإحداهما ، وحين اتصل بزوجته ، جاء صوت عويلها من خلف السماعة دون أن تتمكن من الكلام ، فهب إلى المنزل مسرعا ليجدها تقف مع الطبيب عند الباب وهو يطمئنها عن صحة والدتها مؤكدا أنها ستتعافى خلال بضعة أيام .

وظل سر هذه العلاقة الغريبة بتقلباتها ما بين الحب والكراهية متكررة المشاهدات في حياته ، وهو يراقب في كل يوم مشاجرات زوجته وابنته المتمردة على كل أوامر والدتها ، ولا يظل يسأل زوجته الصبر والهوادة في التعامل مع فتاة بدأت للتو في سن مراهقتها ، ثم لا يلبث أن يستفرد بابنته في حوار صباحي حين يأخذها إلى المدرسة وهو يرجوها أن تطيع أوامر والدتها ، حتى جاء يوم وجد فيه قصاصة ورقة على الثلاجة وهو يتناول وجبة الغداء ، مكتوب عليها بخط أحمر (( بحبك يا ماما )) ، فضحك وظل غارقا في حيرة لا تنتهي من ذلك الرابط العجيب ما بين الأم وابنتها .  

الجمعة، 23 نوفمبر، 2012

نتلي والهولوكوست وغزه

عند مدينة بولندية تقع على إحدى سواحل بحر البلطيق ، كان اللقاء ، هي مصادفة ، ربما ، ولكن الأقدار المكتوبة على جباه البشر ، قطعا هي من جعلت ذلك الشاب الفلسطيني يحتفظ بميراث آبائه وأجداده ، مفتاح وهوية لجوء ، يتشرد فيها بين بقاع الأرض منذ أكثر من أربعة وستين عاما ، ليجد نفسه عاملا في ميناء تلك المدينة البولندية ، ويلتقي بتلك الفتاة البولندية الشقراء ، وهي تقف شاردة أمام ذلك البحر المتجمد ، تذرف الدموع لأسباب جعلت الفضول يدفعه لإلقاء أوزار ما كان يحمله على ظهره من حمولة السفينة التي كان يعمل بها ، ويقترب منها بخطى مواربة ، كانت كافية لتوقظها من شرودها ، وتلتفت إليه مضطربة وخائفة من هيئته الغريبة عن شباب مدينتها .

اقترب منها أكثر ، وبعفوية العرب عند الحديث مع الغرباء ، سألها عن سبب بكائها ، و على الرغم من الدهشة التي كادت تفتك بها ، لجرأته على اقتحام خلوتها ، ولكن رغبتها في مشاركة الألم الذي كان يعصر قلبها حزنا وأسى على ما شاهدته في الجامعة التي تدرس بها ، والتي كانت تقيم حفلا تكريميا تحيي فيه ذكرى ضحايا معسكر اوشفيتز ، من خلال عرض فيلم وثائقي يسرد تفاصيل المذابح التي حصلت على أيدي النازيين بحق اليهود وبعض البولنديين والروس أثناء الحرب العالمية الثانية ، والذي أصبح ذكرى سقوطه فيما بعد مرتبطا بذكرى اليوم الدولي للهولوكوست ومافعله (( هتلر )) بيهود ألمانيا .

ابتسم الشاب الفلسطيني على الرغم من أنه كان يود البكاء ، أو الصراخ ، أو لطم تلك الفتاة على وجهها ، ولكنه وبأعصاب تماثل برودتها بحر البلطيق المتجمد ، قال لها : 

عندي حكاية قد تجعلك تحزنين أكثر ، نظرت إليه باستغراب ولكنها لم تعقب ، فتابع كلامه قائلا : 

انتهت الحرب العالمية في عام 1945 ، وبعدها بثلاثة أعوام ، شكل من بكيت عليهم في فيلمك الوثائقي هذا عصابات مسلحة (( الهاجانه ، ارجون ، شتيرن )) وبدأوا بذبح وتشريد وطرد شعب من دياره يسمى فلسطين ، واغتصبوا وقتلوا النساء والأطفال والشيوخ المعتكفين في بيوت الله ، وعلى سيول تلك الدماء البشرية التي شربوا منها ، أقاموا دولتهم غير الشرعية على أرض مدينة الأنبياء والمرسلين ، والتي تعتقدين أنت وأمثالك من الساذجين أنها أرضهم وبلادهم .

وبعد مضي أربعة وستين عاما ، لا يزال شغفهم في إرهاق الدماء مشتعلا وخصوصا على الأطفال ، عملا بوصية زعيمتهم الملهمة (( جولدا مائير )) التي كانت تتمنى أن تصحو في كل يوم ولاتجد طفلا فلسطينيا واحدا على قيد الحياة .

ولاتزال مندهشة من كلامه ولا تجد من العبارات ما يعينها في الرد أو التبرير أو التعليل على موقفها المغاير تماما لكل ما حدثها به ، ولكنه أدرك ماهي فيه من حيرة واضطراب  ، فسألها عن اسمها ، فأخبرته متلعثمة (( نتلي )) ، فقال لها : أتعرفين يا نتلي البحر الأبيض المتوسط ؟ هناك مدينة تقع على إحدى سواحله تدعى (( غزه )) ، تعقبي أخبارها في هذه الأيام وستدركين حينها لمن يتوجب عليك أن تذرفي الدموع .    

الجمعة، 16 نوفمبر، 2012

رسالة من الحنين


في إحدى ليالي نوفمبر ، وحبات المطر بالكاد تداعب نافذة حجرتها شبه المتوارية خلف ستائر مزركشة بألوان الطيف ، تنبعث أضواء الكريستال العنقودية المتدلية من سقف الحجرة ذي القبة المزخرفة بنقوش جبسية ، ليخترق ظلها ويستكين بين أسوار حديقتها المتراصة في البنيان ، وقد اتكأت برسغها على إحدى دفتي خازنة ثيابها المصنوعة من الخشب المعتق ، وأناملها تلامس ببطء متعمد ضفائرها التي تشبه لون السماء في ليلة يكتمل فيها البدر .

تقف حائرة وقد خانها تعدد البدائل والاختيارات ، فلكل ثوب حكاية تسطر ذكريات أناقتها وأنوثتها حين يتجدد موعد هذه الحفلة بالذات ، ولكنها قررت أن تختار الثوب الأسود المنسدل إلى أخمص قدميها ، وتهذب عري أكتافه وظهره بوشاح من حرير الساتان ، ثم لتقف أمام المرآة وترتدي كامل زينتها من أقراط اللؤلؤ والياقوت ، وتحيط معصمها بسوار ماسي يخطف سنا برقه بالألباب قبل العيون ، وقلادة من الذهب الأبيض تحجب ما ظل منكشفا من عري صدرها ، وخواتم بعدد أصابع يديها وقد اجتمعت في محيطها كل صنوف الأحجار من كريمها ونفيسها ، ولأنها لا ترغب بالمبالغة في زينة وجهها ، اكتفت بقليل من أحمر الشفاه وكحل العيون ، ورسمت أصابع كفيها وقدميها بلون مشتق يليق بفتنة ثيابها ، وربطت حبال الحذاء الأسود ذي الكعب العالي حول ساقيها الممشوقتين كغزالة حين تسير مزهوة في البريه ، وهمت نحو باب الحجرة تتهيأ للنزول إلى الطابق السفلي لاستقبال الضيوف .

سمعت صوت طرقعة على النافذة وهي تضع خطوتها الأولى خارج حجرتها ، فتراجعت بخطوة مماثلة إلى الوراء والتفتت مذعورة وهي تصرخ : (( من هناك ؟ )) ، ولكن الصوت تلاشى بين بندول ساعة الحائط والرياح التي كانت تعوي من خلف النافذة في سكون الليل ، فاقتربت تجر قدميها بحذر وخوف ، لتجد رسالة معلقة على مزلاج النافذة وقد شد وثاقها بخيط رفيع .

تبدأ بقراءة الرسالة ، والأصوات تناديها في الأسفل كي تستعجلها لبدء الاحتفال ، ولكنها تسخر حواسها الخمس في تلك اللحظات مع كل سطر وكلمة وحرف جاء في متن رسالة عاشق تعمد أن يكتب إليها في هذا التوقيت بالذات .

سافرت وسافرت بين مدن النساء ، ولكن حنيني ظل يشدني إليك ، حاولت أن انتزع قلبي بيدي كلما أصر على الهذيان بحروف اسمك ، و أقسمت على نسيانك وشطب أوراقك من ذاكرتي ، ولكن كيف السبيل إلى ذلك وأنت وطني الذي أقسمت أن لا أنتمي في يوم لسواه ؟   

ولا يزال باب حجرتها الموصد يتداعى بطرقات من ينتظرها لحفلة نوفمبر ، وقلبها يكاد يفتح بابه لمن ينتظرها في الحديقة لحفلة لا تنتهي من العشق  ، وإذ بخطوة إلى الأمام وأخرى إلى الخلف ، ونظرة إلى الحديقة وأخرى إلى باب حجرتها ، أتذهب إليه وتلقي من ورائها كل ما هي فيه من نعيم ؟ 

تمزق الرسالة وترمي بها في سلة المهملات ، وتهبط أدراج قصرها بخيلاء ، ليبدأ الاحتفال بتصفيق حار وهتافات من المدعوين ، وآلات تصوير تتسابق عدساتها في التقاط ضحكتها التي اندثرت فيها كل كلمة قرأتها للتو في رسالة من الحنين .         

الجمعة، 9 نوفمبر، 2012

القفص الذهبي

لا تسألني يا صديقي الأعزب مبادلة الأدوار ، فأنت عصفور يطير في فضاء الحرية الرحب ، وأنا أكتفي بالطيران من خلف حدود قضبان قفص ذهبي دخلت إليه طوعا قبل عقد من الزمان ، ولازلت تخالني أسدي إليك نصيحة كنت أولى بها لنفسي ، أم تعتقد أن الحكمة تولد مع التجارب والخبرات حين تجد نفسك في معترك معها ، وأنت لا تدري كيف تمضي بك الأيام في حرب لم تكن لتحسب أنها ستشتعل في أرضك التي لم يبارحها في يوم حمام السلام الأبيض وأكاليل الغار والزيتون .

وإليك أصل الحكاية حتى لا تتهمني بالكذب والخداع ، ولكي لا تساورك الظنون بأنني كباقي أصدقائك المتزوجين ، لا أعترف بالخطأ ولا أجلد ذاتي وأنتقص من قدرها حين تصر على السير في درب يخالف تماما ما كانت تحلم به وتتمناه .

فأنا بدأت حياة الزوجية بمبدأ (( رفعت راسنا )) وألقيت بملاءة السرير المضرخة بالدماء بعد ليلة الزواج الأولى وأودعتها في صندوق صك البراءة والعفة أمام وجهاء عائلاتنا حتى تطمئن قلوبهم وينامون قريري العيون والأنفس ، وظلت حياتي بعدها في ترقب والأنفاس لا ترتد منها شهقتها طيلة شهرين متتابعين حتى جاءت البشرى بحمل زوجتي بمولودها الأول ، وحين وضعتها أنثى ، ظل الأهل ينخرون رأسي بضرورة عدم المباعدة بين الأحمال والاطمئنان لقدوم ولي العهد مع أنني لم أكن قد تجاوزت الخامسة والعشرين من عمري ، لتعود الأنفاس حبيسة في الصدور حتى أنعم الله علينا بما كنا نخشى أن لا يأتي قط .

وتبدلت الأهتمامات في منحنيات مغايرة من بعدها ، ولكن أرجوك لاتذهب بخيالك بعيدا ، فتعتقد أننا كنا نريد تعويض ما فاتنا من أوقات رومانسية وأجواء شاعرية تبدد عتمة الفراغ العاطفي الذي لم يجد نورا يهتدي إليه عند الانشغال بموضوع الإنجاب ما بين الذكور والإناث ، فقد كان الوقت من ذهب ولابد من عدم هدره بمثل هذه التفاهات ، وكان لابد من التفرغ التام لايجاد وظيفة مسائية أخرى لتحسين مستوى الدخل والتحوط لقادم الأيام قبل دخول الأولاد للمدارس .

واليوم تجدني وقد اشتعل الرأس والوجه بالمشيب المبكر ، إذ كان لابد من التفكير بشراء منزل قبل تطبيق قوانين المالكين والمستأجرين ، وكان لابد من شراء سيارة أخرى تنتهي لوحتها برقم زوجي حتى نتمكن من استخدامها فيما إذا تم تطبيق سياسات التقشف لسير المركبات ذات اللوحات المنتهية برقم فردي ، وكان لزاما علينا أن نحسن التدبير والتفكير بطرق تجنبنا زمهرير الشتاء بأقل التكاليف ، ثم كان علينا جدولة الديون والالتزامات وتحرير شيكات لأجل غير مسمى ، لنجد قوت يومنا نحن والأولاد وننفق على تعليمهم في مدارس تتجاوز أقساطها السنوية تكاليف دراستي الجامعية بأكملها ، وكان علينا أن نكون مواطنين صالحين فنلتزم بكل الضرائب والرسوم التي تفرضها علينا الدولة ، ودوما كان علينا أن ننعش ذاكرتنا بجميع المناسبات الاجتماعية من مآتم وأفراح ، فلا نهمل واجباتنا تجاه عائلاتنا قط .

وأخيرا وليس آخرا يا صديقي الأعزب ، فلا ضير في المساهمة بمساعدة الزوجة في الأعمال المنزلية بين حين وآخر ، ولكن إياك أن تبدي امتعاضك ، إذا وجدت زوجتك في منتصف الليل وقد ضج شخيرها في أرجاء المنزل من فرط التعب والإرهاق ، وقد كنت تتمنى لو أنك تدعوها لرقصة رومانسية على أضواء الشموع .

أتدري يا صديقي الأعزب ما هو عزاؤك من هذا كله ، أولادك الذين تتمنى أن يكبروا وقد جنبتهم تكرار تجاربك الحياتية ، فالعصافير الكيسة لا تدخل القفص الذهبي إذا كان الهواء فيه ملوثا بعادات وتقاليد بالية ، ورتابة وروتين ، وضنك عيش يلازمه تقشف يستنفد الأوكسجين الصالح للحب من قلوب الأزواج .     

الجمعة، 2 نوفمبر، 2012

لا ترفع صوتك

يمكنك أن تلخص حياتك في اقتباس مقتضب تختزله ببضع كلمات (( لا ترفع صوتك )) ، وأنت لا تنقصك اللباقة ولا بديهتك المتأهبة دوما لتلتقط ما وراء الكلام ، بل عليك أن لا تخرج عن نطاق مروءتك التي تعرف قدرها جيدا ، فتذعن بصدر رحب وأنت تبتسم بعد أن تفرط في الاعتذار ، ثم تسارع لتقبيل الرؤوس والأيادي والأرجل ، لتنام في ليل طويل لا تؤرقه كوابيس ذكريات محاولاتك اليائسة في الإعتراض .

فأنت حين تصحو مفزوعا قبل موعد عملك الصباحي بساعتين على أقل تقدير ، لتتمكن من القفز فوق الطرقات الإسفلتية المزدحمة كيوم الحشر ، وتصل قبل بدء الدوام الرسمي الموحد في كافة مؤسسات الدولة ومدارسها وجامعاتها ، يلزمك أن لا ترفع صوتك في وجه زوجتك وهي تنهال عليك بالشتائم بسبب الضوضاء التي أحدثتها وأنت ترتدي ملابسك بسرعة البرق خشية أن تتأخر نصف دقيقة عن موعد عملك ، فتستحق عقوبة تأديبية من مديرتك التي تحضر بعد بدء الدوام بساعة أو ساعتين .

وأنت أيضا يلزمك أن تكون حليما حين يحرر شرطي السير مخالفة مرورية بحق مركبتك التي عبرت طريقا فرعيا ممنوعا للفرار من الأزمة المرورية الخانقة في الصباح ، وتتبسم في وجهه وتشكره لحرصه على سلامتك ، ثم عليك أن تتأسف من موظف الأمن المرابط على بوابة مكان عملك ، حين يستدرجك في تحقيق لمعرفة هويتك وسبب دخولك للمبنى ، وعندما تشهر في وجهه البطاقة التي تثبت أنك موظف ، سيمازحك في خبث ويدعي أنه كان يود التعرف عليك لا أكثر ، وستظل طوال النهار بلاصق وهمي على شفتيك كي لا ترد جوابا لمديرتك المنزعجة من عدم إتمامك لمشروع ينتهي جدوله الزمني المقدر في الخطة السنوية بعد بضع شهور ، وتحاول مع ذلك التبرير لا الاعتراض ، متذرعا بالأعمال اليومية التي تستنفد وقتك وجهدك ، لتطالبك بالتأخر لساعات غير مدفوعة الأجر بعد ساعات العمل الرسمي .

وفي طريق عودتك عند المساء إلى منزلك ، لن تصرخ في وجه امرأة اصطدمت في سيارتك وأنت تقف على الإشارة الضوئية بسبب انزلاق قدمها عن كوابح سيارتها وهي تقبل طفلها الجالس في المقعد الخلفي ، ولن تعاتب صاحب دكانة الخضروات الذي أخطأ متعمدا في محاسبتك على مشترياتك التي دفعت ضعفي ثمنها بعد أن يتوعدك بالذبح بالمدية التي يقطع بها الموز إذا لم تخفض صوتك وهو يراجع فاتورك .

وحين تصل إلى منزلك سيلزمك أن تصمت مجددا أمام زوجتك التي ستشتمك بسبب تأخرك عن الحضور كي ترعى الأولاد لحين ذهابها إلى السوق برفقة صديقاتها ، وبعد أن يحطم الأولاد نصف المنزل أثناء لعبهم بالكرة ، ستحاول أن تصرخ في وجههم ، ولكن أصغرهم سيقف أمامك متجهما ويطالبك بأن لا ترفع صوتك ، فتصمت وتهرب منهم إلى شاشة التلفاز ، لتجد المذيع في نشرة الأخبار الرسمية يتحدث عن المواطنين الصالحين وهو يبتسم في وجهك أنت بالذات

الأربعاء، 24 أكتوبر، 2012

حوار مع خاروف العيد

في حديقة جاري المحاذية لشرفة منزلي الخلفية ، حضر ضيف خفيف الظل يمشي متثاقلا إلى الأرض ، وقد التفت من ورائه جموع الأطفال المتزاحمة بفضول يسبقها لمشاهدة ذلك الحيوان الأليف في بث حي ومباشر ، بعد أن كانوا دوما يكتفون بمشاهدته من خلال أفلام كرتونية متحركة على شاشات التلفاز أو من خلف نوافذ السيارات في أثناء عبورهم لطريق ريفي في رحلة عابرة مع الأهل ، أو عند مطالعة كتب المناهج المدرسية وتفاصيلها النظرية التي لا تخلو من الضجر .

يرفع الجار يده بحركة حازمة تشبه حركات حكام مباريات كرة القدم حين يشهرون البطاقة الحمراء في وجوه اللاعبين ، فيبتعد الأطفال برؤوس تكاد تلامس الأرض من فرط الخيبة ، ويتابع مسيره برفقة ضيفه الذي لا يعلم ما سيؤول إليه مصيره بعد بضع أيام ، ثم يتركه وحيدا في الحديقة بعد أن اطمأن لقيد عنقه بحبل غليظ إلى جذع الشجرة ، وعلى الرغم من هذه الضيافة المستهجنة إلا أنه لم يبدي ردة فعل تثير الإعتراض ، بل ارتسمت على وجه علامات الغبطة والسرور ، وذلك حين وجد من حوله مساحات شاسعة من الأعشاب الخضراء الطازجة التي لن يشاركه خاروف في أكلها ، فطرق بحوافره الأرض وراح يثغو بايقاعات متضاربة الألحان ، ثم ليلمحني وأنا أتلصص عليه وأراقبه بغيظ لم أفلح بكتمانه والتحايل عليه بابتسامات زائفة كرجال السياسة حين يلتقون بأفراد الشعب البائسين ، فلم يكترث ولم يلقي بالا لحركات يدي التي كانت تتوعده بالذبح ، وتابع التهام طعامه وظل يثغو دون كلل أو ملل .

وحينها فقدت أعصابي وارتفعت نسبة الضغط والسكري فوق معدلاتها الطبيعية في الدم ، وصرخت على ذلك الخاروف المتعجرف ، بسؤال عن سبب سعادته المفرطة تلك وهو سيغادر هذه الدنيا بعد يومين على أبعد تقدير ؟ 

فأخبرني الخاروف أنه سعيد لأن المساكين والفقراء والمحتاجين الذين يبكون طوال العام و ينامون بحثا عن كسرة خبز جاف ، سيبتسمون بعد أول قطرة دم تبارح عنقه على الأرض ، أنهم سيأكلون من لحمه ويشكرون الله خالقه وموجده ، فأي سعادة ستضاهي سعادته حين يجد كل هؤلاء سعداء ؟

فكرت في كلمات هذا الخاروف وسألت نفسي حائرا : (( لو فكر البشر بطريقة هذا الخاروف ، فهل سيظل على وجه هذه الأرض من شقي أو محروم ؟ )) ، ثم أغلقت نافذتي ورتبت أوراقي ودفاتري وكتبت بضع كلمات من حروف للتمني بأن يمضي كل يوم وليس كل عيد والجميع بألف خير ، فكم أصبحت أخشى من مثل كان يردده جدي قديما : (( البارحة أفضل من اليوم ، واليوم أفضل من غدا )) ، ولكن لعل لكل قاعدة شواذ وتكون الأيام القادمة من زماننا هذا أفضل .

الجمعة، 19 أكتوبر، 2012

لماذا تهتم بشكلي ؟



في الجهة الشمالية الغربية عند زاوية مهملة لمكتبة لا يتردد إليها إلا كعابر سبيل ، تتخطف المصادفات خطواته كي يتقدم عبر أدراجها الرخامية ويدفع بابها الحديدي الأسود قبل هروب الشمس إلى مخدعها لحظة الغروب ، وكم كان غريبا أنه ذهب وبدون تخطيط مسبق ، إلى ركن كتب علم النفس التي كان قد سئم من مطالعتها ، أو لعله كان يخشى من مواجهتها ، كي لا تتكشف له الحقائق والأدلة المؤيدة لما يعانيه من (( شيزوفرينيا )) قد تأصلت في عقله منذ طفولته بعد أول يوم تعلم فيه النطق .

جلس على الكرسي المقابل لها ، بعد أن استسلم كعادته لسطوة كتاب من كتب (( فرويد )) ، وألقى إليها بنظرة لم يتبعها بنظرة لاحقه ، ومع هذا فما كانت لتجد اكتراثا ولو من باب الفضول من عينيها القابعتين خلف عدسات نظاراتها المربعة التكوين ، حاول أن يتسلق ببصره سلالم المساحة التي تفصل بينهما على منضدة المطالعة ، بغية معرفة اتجاهات الثقافة التي قد عزلتها عن محيط مطارداته المتداعية كلما دارت عقارب الساعة في دورتها ، وهو يتفحص جمالها بنظراته شبه المختبئة وراء نظريات (( فرويد )) ، ثم ما لبث أن بدأ بسعال جاف مفتعل ، ولكن دون جدوى ، إذ أن نظراتها ظلت تتدحرج بين سطور الكتاب الذي تمكن أخيرا من التقاط الحروف الأولى من عنوانه ، وذلك بعد أن ارتفعت إحدى دفتيه قليلا بحركة عفوية من كفيها عن السطح الخشبي للمنضدة ، والتي بدورها استحالت إلى حاجز حدودي يفصل جيوش رغبته المتأهبة لاحتلال أرضها الصامتة وجرها إلى حرب من الحديث والكلام .

(( ما الذي سيدفع بتلك الحسناء الغجرية لتحب شخصا قبيح الوجه محدودب الظهر لايسمع ولايتكلم ؟ )) ألقت بالكتاب في ذعر ورفعت رأسها إليه ، وهي لا تزال في حالة من الذهول ، فسارع إلى الاعتذار عن اقتحام سؤاله لخلوتها ، ولكنها ظلت في صمت وهي تنظر في عينيه ولا تعقب ، ثم تداركت شرودها المفاجىء ، وبادرته بسؤال ما كان ليتوقعه (( فرويد )) نفسه ، (( وهل تعتقد أنك كنت ستجلس إلى جواري وتترك كل طاولات المطالعة المترامية عن اليمين وعن الشمال ، وتختلق الأعذار الواهية للحديث معي، لو كنت قبيحة المظهر كأحدب نوتردام ؟! )) .

الجمعة، 12 أكتوبر، 2012

العتاب في يوم الزفاف

بموكب مهيب ، استدعى وصوله إغلاق الطريق العام وخمسة شوارع فرعية ، يخرج (( عريسنا الزين )) من السيارة ، وقد أحاطت به الجموع التي تجمهرت من حوله بين قريب وصديق وجار وزميل ، وعلى دفوف الأيادي وتصفيقها الحار ، ثم هتافها بصوت رجل واحد ، لإكثار الصلاة على النبي الحبيب ، بنبرة حماسية متتابعة التكرار لرد عين الحاسدين التي سيقتلعها العود ، يدق باب عروسه ، وتفتح له أبواب نعيم الدنيا وفردوسها ، فيقبل يد والديها ويتبارك بهما ، كمحاولة للتعبير عن خالص مودته وامتنانه بجزيل عطائهما في ترشيحه لمنصب رفيع المستوى ، فهو من سيحفظ عرضهم من دمث الطامعين في كريمتهم المصون ، بعد أن تم اعتماده بمهر مؤجل الدفع ، و نفقات زهيدة لتجهيز العروس وتأمين انتقالها بيسر لا يتبعه عسر إلى بيت زوجها .

ويسير الموكب مجددا قاصدا فندقا لا تقل نجومه عن الخمس ، وتنقضي الليلة الأولى بعتاب خفيف الظل على جودة الطعام وعدم كفايته للمدعوين الطارئين من أهل العروس ، ويبتسم هو في وجهها والغيظ يلتهم أعصابه كلما تذكر أنها لم تقبل يد والدته بعد أن زينت عنقها بعقد ماسي ، وتبالغ هي في وصفها لقلة ذوق بعض أفراد عائلته الذين أصروا على اصطحاب أولادهم إلى العرس رغم تأكيد بطاقات الدعوة لهم بأن جنة الأطفال في منازلهم .

وهذا جعل باب الحوار ينشرع على مصراعيه كي يذكرها ببعض المواقف التي يتحفظ عليها من اليوم الأول في أسلوب كلامها مع شقيقاته حين رفضت مساعدتهن لها في حمل ذيل فستانها عند دخولهما إلى قاعة الاحتفال ، مما أثار حفيظتها من نساء عائلته واحتلالهن لمنصة الرقص بأجسادهن البدينة التي زاحمت (( هزات الوسط )) الرشيقة لأقربائها وصديقاتها ، فبادر إلى مقاطعتها من باب التذكير والتحذير ، كي لا تنسى أنه من دفع تكاليف هذا الزفاف ، وكان ذلك سببا كافيا لها لتقرع أبواب ذاكرته بالأيام الخوالي التي قضاها وهو يتوسلها كي توافق على الزواج منه .

لم يتوانى هو حينها بعد أن صعدت فقاعات الدم المتداعية في الغليان إلى أعلى نقطة في رأسه ، ليستعرض لها قائمة من الأسماء المرتبة على الحروف الأبجدية لفتيات  رفض الزواج منهن رغم إشعالهن لشموع الحب في أصابعن العشرة ، وبادرت هي عند شدة وطأة هذا الحوار ، لتسخر من ثقته بنفسه وتبالغ في الإفراط والتفريط بأن الأنوثة لم تولد من قبلها ، وأن عتبة بيتها كانت تتكسر في كل يوم تحت أقدام العرسان المتأهبين لإحضار (( لبن العصفور )) لها .

 ولا تزال تسأله أن يرطب لسانه بالشكر لرب العالمين على مشيئته بأن تكون من قسمته و نصيبه ، ويلهمها كي تتزوجه بعد أن استبدلت الأدنى بالذي هو خير ، ولكن هي ساعة القدر التي يعمى فيها البصر ، ظلت ترددها وتقلب كفيها ما بين حسرة وندم على هذا العريس (( الغفله )) الذي دفع الثمن البخس في سوق النخاسة معتقدا أنها ستكون كجارية تحت قدميه ، أو أنه سيقطع رأس الهرة في ليلة دخلتها كي لا تموء في حضرة مجلسه من بعدها ،  وهكذا ظلت تحذره من عواقب غضبها حتى دقت نواقيس كبرياء رجولته و صفعها على حين غره ، فكانت القشة التي قصمت ظهر هذا الزواج السعيد في يومه الأول . 

الجمعة، 5 أكتوبر، 2012

بين البصلة وقشرتها


استيقظت في هذا الصباح مبكرا وعلى غير أوانك ، ولكن ضجيج الأصوات وارتداد ذبذباتها وهي تخترق الجدر العازلة لمنزلك ، كانت كصفارات الإنذار المنبعثة في الحروب ، فنهضت مفزوعا واستعذت من الشيطان الرجيم ، وطمأنت نفسك بطلب الستر من الخالق الكريم ، وتوجهت مسرعا تقرع باب الجيران ، وزاد اضطرابك بعد أن استحالت الأصوات من صراخ وعويل إلى اشتباك غير مرئي ، ترجح فيه الاستعانة بمواد زجاجية كانت تتحطم تباعا على الجبهة الداخلية للباب ، وهذا كان يستدعي إلحاحك بالضغط على الجرس بكلتا يديك ، وركل الباب الخشبي المتأهب للسقوط بكلتا قدميك ، ولا يزال تقاذف الشتائم التي انتهكت جميع الأعراض ، الأحياء منها والأموات ، يقترب من مسامعك أكثر ، حتى انكشف المستور ، وشرع الباب على مصراعيه ، وقد وقف خلفه رجل ضخم بثياب عارية من نصفه الأعلى ، وقد سكنت على وجهه علامات مخالب قطة كانت على مايبدو جائعة منذ أيام ، وقبل أن تبادر بسؤاله عما يحدث ، ينبعث الصراخ والعويل مجددا من وراء الباب ، وتنهمر الشتائم بغزارة لتغرق شرف كل نساء عائلتك ، أنت وذلك الرجل الضخم الذي لا يلبث أن يرد على تلك الشتائم بما هو أشد وطئا وأعظم قيلا ، ولازلت تسأله بصلاة على الحبيب المصطفى كمحاولة لإخماد ثورة غضبه ، حتى بادرك بلكمة أفقدتك البصر مؤقتا في عينك اليسرى ، وإغلاق الباب في وجهك كي يستأنف معركته الضروس مع قطته ، عفوا ، زوجته التي ظلت شتائمها تقرع طبلة أذنك حتى غادرت مهرولا إلى ناصية الطريق العام . 

ولكن هذا اليوم المشؤوم جعلك أسيرا لظروف تدفع بك إلى التدخل في اشتباك بدأ للتو بين سائقي سيارة عمومية و أخرى خصوصية ، وذلك بعد أن ارتطم الأول بسيارة الثاني عند توقفها المفاجىء من أمامه ، فهرولت لفض الاشتباك بين الرجلين ، ولكن وقوفك كدرع بشري بينهما ، جعل كل اللكمات والرفسات والصفعات من نصيب جسدك الذي تكلم قبل يوم القيامة ، ليس ليكون شاهدا على ذنوبك ، بل ليلعن الساعة التي وافقك فيها الرأي للذهاب والإصلاح بين هذين الثورين الهائجين .

وتوجهت إلى مكان عملك ، وكم كنت تتمنى لو أن إجازة طارئة منعتك من الذهاب في ذلك اليوم ، فزميلتك التي اكتمل نصاب حملها بشهوره التسع ، كانت تتوسلك للذهاب معها إلى غرفة المدير الغاضب من تأخرها عن موعد الدوام الرسمي بخمس دقائق ونصف ، لعله يسمع منك ويقتنع بعذر المخاض الذي زارها طوال الليل ثم تراجع بعد الفجر عند وقت الضحى ، فذهبت وأنت على ثقة بأنه لن يردك عن بابه خائبا ، وحين شاهدكما معا ، اكفهر وجهه وامتعض وعقد حاجبيه وصفق الباب في وجهك ووجه زميلتك قبل أن تتفوه بالكلام ، وقبل أن تعود إلى مكتبك ، تناديك السكرتيرة المتصابية في الهرم ، لتبلغك بقرار المدير بخصم مغادرة زميلتك من رصيد إجازاتك السنوية ، وعندها ضحكت قليلا وبكيت كثيرا ، إذ أنك تذكرت بعد كل هذه الأحداث ، مثلا شعبيا ذائع الصيت ، كانت والدتك تردده بسخرية بحق كل وجوه الخير التي تتدخل فيما لا يعنيها : (( يا داخل بين البصلة وقشرتها ... مارح ينوبك منها إلا ريحتها )) .

الجمعة، 28 سبتمبر، 2012

يوم الجمعة ... في دفاتر أيامي


قبل بلوغنا موعد التكليف الشرعي في مواقيت أعمارنا ، كنا نتسابق في إتمام ركعتي السنة بعد سلام الإمام في صلاة الجمعة ، وكنا نزاحم المصلين عند أبواب المسجد كي يفسحوا لنا طريقا للخروج الذي ينقصه الكثير من الخشوع ، ثم ننطلق عدوا على الطرقات الإسفلتية كخيول جامحة بلا لجام يوقفها ، قاصدين السور الحجري الذي يرقد بجوار دكان الحارة ، لتكون جائزة السباق مشروب غازي لأولنا بنقود آخرنا ، ثم نتبادل الخطط في كيفية التملص من نزهة إجبارية مع أهلنا في موعدها الثابت من كل يوم جمعة ، لعلنا بذلك نتمكن من إقامة مباراة في كرة القدم مع أولاد الحارة المجاورة ، وما أن تجتمع الحشود وهي تتهيأ لصافرة البداية ، حتى نفر إلى منازلنا بعد أول نداء من أمهاتنا ، كي نساعد آباءنا في نقل متاع الرحلة إلى صندوق السيارة .

وبعد بضع أعوام ، وجدنا أنفسنا نطير مع الإمام إلى سقف قبة المسجد ، وهو يسرد لنا أمجاد تاريخ أمتنا ودولتها العظيمة التي طرقت أوروبا من أوسع أبوابها ، فلم نجد حينها في صدورنا حرجا بعد انقضاء الصلاة من السير برؤوس عالية الجبين ، فقد اتخمتنا الكلمات زهوا وغرورا وكبرياء ، وأصبحنا نعود إلى سور الحارة كالطواويس ، ولا نكترث إلى نداءات أمهاتنا ولو تتابع فيها التهديد والوعيد ، فنحن منذ الآن على موعد مع التاريخ ، وهو ينتظرنا لكتابة أسمائنا بين دفتيه ونحن نحرر فلسطين .

وزاد ميزان العمر بمثقال من أعوام أخر ، وانتصف بنا عمر الشباب إلى أول أرباع القرن ، وكبرنا خلف الإمام بعد تكبيرة الإحرام والقيام ، ونحن على ثقة بالنصر على أعدائنا في العراق ، وخرجنا في جماعة من المسجد نهتف بتراب بغداد ونخيل دجلة والفرات ، وحين وصلنا إلى سور الحارة ، كتبنا على جدرانه عبارات تشتم أمريكا واسرائيل ، وأحرقنا أعلامهما و داست أقدامنا بهما نواصي الشوارع الإسفلتية الثائرة ، ولما سمعنا نداءات أمهاتنا وهي تتوسلنا بالعودة إلى المنزل وتجنب الانزلاق في وديان السياسة السحيقة ، رفضنا الإذعان وطأطأة الرؤوس ، حتى أكملنا تكبيرات العيد ، واحتفل الأعداء بأضحية الرئيس العراقي المخلوع . 

ثم ابتعد بنا العمر في دروب السنين والأيام ، وتعددت المنعطفات التي نسير بها إلى الصلاة ، فتفرقنا بين المساجد ، وعدنا إلى سور الحارة ، ليردد كل منا كلمات الإمام الذي ولاه أمره في التفكير والتدبير ، و شطرنا أنفسنا إلى شيع ومذاهب ما أنزل الله بها من سلطان ، وصافحنا أعداءنا ، وأعلنا الحرب على أنفسنا ، لنصبح في زمن الأخوة الأعداء ، وتتابع نحيب أمهاتنا في جنازات صنعناها بأيدينا في كل يوم جمعة ، فعذرا من عقوقنا لك يا دين الإسلام ...      

الجمعة، 21 سبتمبر، 2012

المرأة الأفلاطونية


أن تكاشف امرأة بهذيان من الحنين قد تداعى ، كلما قيضت لك الأيام قرينا لا يسأم عبثا بذاكرتك ، ولعلك حينها تود لو أن الزمان يمضي بك إلى ذلك الوراء البعيد ، كي تجاهر عند مواجهة محمومة بعينيها المتواريتين خلف منصة الحب ، أنك ومنذ رحيلها قد تقطعت بك الأسباب ، وأوصدت في وجهك جميع الأبواب ، لتجد نفسك تسير في هذه الدنيا وكأنك تتقلص أو تتلاشى إلى خريف يقودك إلى أرذل العمر .

و في هذا الفراغ العاطفي ترتبط بزواج أبدي لا انفصام منه بطلاق بائن بينونة كبرى ، أو حتى صغرى ، ولا مخالعة رضائية تسرحك بمعروف وإحسان ، ولربما تتهاوى ما بين درجات اليأس ، وتخلع المواربة عن جسد حروفك كي تخاطبها بكلمات عارية من الكبرياء ، ثم لتسألها من الحب إلحافا ، وحين لا تكترث إليك ولا تلتفت ، ستتحرى جلوسك على ناصية الوحدة إلى أجل غير مسمى ، وستنادي بصوت قد أجهدته الخيبات ، لتجد أثره يتردد بين جميع حروف النداء ، ثم لا يلبث أن يقضي نحبه بأدوات النفي والنهي والجزم ، فلا يكون في صدرك عندها حرج ولاضيق ، حين تجد قلبك كجملة معترضة لا محل لها من الإعراب في مقدمة تلك الحكاية أو عند خاتمتها . 

وكأنك اليوم تعض أناملك ما بين حسرة وندم ، على خسارة امرأة أحببتها أكثر من نفسك ، ولكن غرورك كرجل يأبى أن يستجدي عودتها ، وانتظارك خلف الباب المهجور على أمل أن تأتي وتقرعه بلهفة من جديد ، قد لا يكون سوى حلم وردي سيراودك كل ليلة وأنت تلفظ أنفاسك الأخيرة بعد قبلة تكاد تلامس شفاه صامتة تنام إلى جوارك في السرير الأعزل من جسدها ، وحينها تدرك أنك ألفيت نفسك وحيدا ، تبكي كالأطفال عندما يستيقظون في منتصف الليل في حجرة لا يبدد وحشة عتمتها إلا نور ينبعث من صدور أمهاتهم الدافىء .

فلا غرو أنك اليوم تتمادى في استحضار نوبات الحنين ، ولربما لا زلت تقف أو تتأرجح ما  بين الشك واليقين ، ولكن كم سيلزمك أن تناظر أو تجادل في امرأة أفلاطونية ينقلب مزاجها ما بين الدقيقة وأنصاف ثوانيها ، تماما كالسماء التي تشرق فيها الشمس وقت الضحى ثم تمطرك بالغدر عند الظهيرة .

هل لا تزال ذاكرتك غائرة بكلماتها الأخيرة حين قالت : (( أن في الحب حدودا لا يمكن اختراقها )) ؟ 

ماذا كانت تقصد بذلك يا ترى ؟ 

لن يجدي التأمل والتفكير ، فأنت الآن لا يحتويك منها سوى الفراغ ، تنظر خلفك وتعقد عزما بخطوات قد تدفع بك إلى الأمام ، ثم تلتفت عن ميمنة وميسرة ، تتمنى أن تكر و لا تفر من هذا القدر الذي جعلك تعشق امرأة تخشى أن تجاهر بحبك حتى وهي في خلوة مع قلبها ، كم هو مؤلم أن تبكي امرأة تجد نشوتها في عالم من الخيال و (( الفنتازيا )) ، وتتجرد منه في عالمها المحسوس ، وأنت تقف هناك بين الوجود واللاوجود ، كدائرة لا يكتمل محيطها ، فكيف ستجد سبيلك للخلاص من هذه المرأة الأفلاطونية ؟ 

الجمعة، 14 سبتمبر، 2012

راديكالية الحوار العربي

في موقع العمل :

مكاتب متقابلة تفصل بينها جدران خشبية ، في حجرة بالكاد تتسع لأربعة أشخاص على أفضل تقدير ، تقترب عقارب الساعة من المكوث عند الخانة الثامنة في تعداد التوقيت الصباحي ، فتعج الحياة في الممرات الرخامية بموطىء خطوات الموظفين المرتبكة من خشية الوصول المتأخر عن موعد الدوام الرسمي ، يتخذ الجميع مواقعهم ، ويضغطون بشيء من التوتر على فأرة أجهزة الحاسوب إيذانا ببدء يوم عمل جديد ، تتصدر طقوسه وشعائره مطالعة ثلاثة مواقع إخبارية فأكثر ، بحسب ما يمليه حجم العمل المتراكم بفترات زمنية قيد الإنجاز والتسليم ، فيكون لكل موظف وجهة هو موليها بالأخبار التي تتواءم مع أفكاره ومعتقداته ، أو تلك التي تدحض كل ما يدور بعيدا عن فلك ما ينسجم مع آرائه وتوجهاته ، ويبدأ الحوار العقيم ، بين مؤيد ومعارض لجماعات دينية أو قومية أو علمانية ، أو عند استعراض أحداث رياضية أو اقتصادية أو اجتماعية ، ويحتدم الصراع هنا وهناك ، وتعلو الأصوات في محاولة لتهميش وتسفيه الرأي المغاير ، والمشهد النهائي في ذلك كله ، قول مأثور لاتزال حروفه في مجالس العرب رطبا جنيا ، بعد أن تواطأت عقولهم في الاتفاق على أن لا يتفقوا .

في المنزل : 

وأمام شاشة التلفاز ، رب الأسرة على أهبة الاستعداد بعد أن أجتمعت على المنضدة الخشبية كل صنوف المكسرات والفواكه والحلويات ، ولايزال بصوته الأجش يستعجل زوجته ذات الوظائف اللامنتهية في خدمة إجبارية له وللأولاد ، كي تناوله إبريق الشاي المعتق بالزنجبيل البري ، وذلك قبيل بدء البرنامج الحواري الذي يترقبه أسبوعيا بشغف كهل على الحياة كي تدوم ، وعندما تصدح عبارات المذيع اللاذعة كمطرقة القاضي في محكمة عدلية تجمهرت أدنى قبتها جموع المظاليم في انتظار حكم مصيري ، تبدأ الجلسة إذن ، بين ضيوفه من أطراف النزاع الأزلي ، الخير والشر ، الحق والباطل ، ولكن المذيع يغفل كلما اشتد وطيس الحوار ، أن الحق في القضايا العربية خل وفي للجميع ، فمن الظالم ومن المظلوم ؟ ومن يحتكر الصواب ومن هو معصوم عن الخطأ ؟ أسئلة تظل تدور في فلك تراشق التهم هنا وهناك ، حتى تأتي لحظة الحسم في اثبات علو الكعب ، وهذا ليس تعبيرا مجازيا في حوارات العرب ، لأن الحذاء هو سلاحهم في وجه من يعجزون عن الانتصار عليه في معركة الحكمة والذكاء ، وعلى ما يبدو أن للحذاء مآرب أخرى ، حين ألقى به رب الأسرة على زوجته أسوة بما فعله أحد المتحاورين على شاشة التلفاز ، لتأخرها في إحضار فنجان القهوة الذي كان يستعجله قبل انقضاء الفقرة الأخيرة من البرنامج . 

في النصح والإرشاد : 

حيث المتلقي مجهول الجانب ، والواعظ دور يرفض جميع الأطراف التنحي عن مقايضته بفضة الكلام إلى ذهب الصمت ، فالجميع له صولات وجولات في مختلف ميادين العلوم والسياسة والإقتصاد وعلم الإجتماع والأدب، وتجارب الحياة وشؤونها من صغائر التفاصيل إلى كبائرها ، و على الرغم من ذلك الكم المعرفي الهائل ، إلا أن قطار التقدم والإزدهار لا يزال يتأهب لإطلاق صافرة الإنطلاق ، فالركاب يتحاورون بأحقية كل منهم في القيادة ، ولايكترثون لكوابح القاطرة التي تنزلق بهم في الإتجاه المعاكس .   

في الحوار العربي ، الخلاف يفسد دوما قضية الود ، ويكون مدعاة لتفاقم الغل والحقد ، فتعسا لمن لا يؤيد محاوريه ، وهنيئا لمن يهتف ويثني على آراء الآخرين ، أيا كانت المنابر التي يتحدثون منها ، فمن يجادل أو يناقش ، هو شاذ وخائن لكل ما اتفق عليه التفكير الجمعي في مجتمعاتنا ، ولن أخوض في تفاصيل القصد من وراء هذه الكلمات ، فلو أردت الإيضاح أكثر ، سيهدر ذوو القربى حبر قلمي قبل بوحه بحرف صحيح أو معتل ، لأن كلامي سيكون ممنوعا من الصرف ولن يجدي إعرابه في قاموس لغة لا تبيح النطق إلا بالمديح والثناء والكلام الناعم حتى ولو كان كذبا ، أم أن لك رأي آخر في معشوقك يا نزار قباني ؟ 

الجمعة، 7 سبتمبر، 2012

مراحل العشق المفترض مع امرأة عربية



(( مرحلة الكيمياء )) :

ما أروع البدايات التي كان يرصدها في قصص عشقه المفترض مع امرأة عربية ، ويا لها من سيناريوهات محتملة كان يجزم بنجاعتها لحدوث شرارة الإعجاب الأول ، فاللقاء حتما سيكون عبر مواقع تواصل اجتماعية على الانترنت ، أو عبر مواقع العمل الرسمية ، أو في أحد المقاهي في ضواحي العاصمة الغربية ، أو قد يكون من خلال مصادفات أخطاء اتصال هاتفي في لعبة أرقام عشوائية ، أو في لحظة نخوة وشهامة عندما يدلي بدلوه في مساعدة فتاة تعطلت سيارتها على ناصية الطريق ، أو عند لقاءات متتابعة في حافلة النقل العام ، أو عند تكرار التسوق المشترك في أحد المولات ، أو بحظوظ قد تزكي معاكسته وملاحقته لفتاة تسير مزهوة على أرصفة شديدة الازدحام ،أو بطريقة تعارف تقليدية عبر أمه الباحثة له عن بنت الحلال .  

(( مرحلة الفيزياء )) : 

بعد أن تتفاعل عناصر الإعجاب وتنصهر بالقبول والرضا ، كتبادل عدد لا محدود من حركات الإبهام الوهمية على الفيس بوك عند كل تحديث على جداره أو جدارها ، أو بعد تلقي رسائل الكترونية على بريدهما الرسمي في العمل ما بين أمنيات بنهار سعيد أو رسوم كاريكاتورية خفيفة الظل إلى أسئلة مواربة تبحث عن إجابات محتملة بقبول الارتباط ، أو من خلال استراق النظرات والابتسامات الخفية في المقهى وخيوط دخانه تتعانق بدخان نرجيلتها حتى تستأذن صديقاتها بالذهاب إلى دورة المياه لإعادة ضبط زينتها ، فينقض عليها برقم هاتفه المحموم للحظة تعارف بهاتفها ، أو قد يكون بين الواقع والخيال وهو يحتضن وسادته في ليلة اكتمل فيها البدر ، فيقرع هاتفه برقم غريب ، ويأتي صوت أنثوي يجهز عليه لمرحلة إدمان عشقي ، من بعد كلمة الاعتذار بأنها قد أتصلت به عن طريق خطأ غير متعمد لرقمين تبادلا أماكنهما ، ولكنه لا يترك فرصة لخطوط هذا الاتصال العشوائي كي تنقطع قبل أن توافق على طلبه في إعادة الإتصال برقمها الذي لم يعد مجهولا في ذاكرة قلبه ، ويا لها من مصادفات قد تلقي به في طريق عام وفتاة تلوح له طلبا بمساعدتها في استبدال إطار سيارتها المشروخ إثر طعنة مسمار ، لتكون سببا في قصة عشق انتظرها منذ أمد بعيد ، ولكنه كان يراها دوما تجلس على ذلك المقعد المحاذي لنافذة الحافلة الخلفي وقد تجرأ أخيرا ليجلس بجانبها ويكتب على كف يده المعروقة بأن نيته إكمال نصف الدين ، ولعله على أنغام تلك الموسيقى الكلاسيكية المنبعثة من سقوف مول تجاري اعتاد التجوال فيه كل شتاء وخريف ، ليقحم نفسه بسؤال فضولي عن موقع ركن الكتب المهمل في زاوية عند طابق التسوية الأول ، بحثا عن رواية كتب منها سطورا لن تكتمل إلا بتوقيع من قلبها ، ولربما تعثرت به الأسباب فأتبعها بمسبب ثابت ، متأبطا ذراع والدته في زيارات لبيوت ذاع صيتها في مجالس النساء ، لا ترد من يبحث عن فتاة بكر لم يقبل شفتيها إنس ولا جان .

(( مرحلة الأطرش في الزفة )) : 

الكلمات ومن كتبها في الأعلى هو شخص كان يعبث في ليلة من الليالي ولا يعلم أن (( البلوغر )) قد تواطأ مع الأقدار كي ينشرها دون علمه ، وحين التقى قبل سويعات بصديق عمره (( نادر أحمد )) وهو يبارك له بعودته للتدوين ، جفلت عيناه وتلعثم بالكلام ، وحين أخبره بتعليقات أصدقاء المدونة الأعزاء ، وقرأها لتوه بأم عينيه ، كانت فرحته تضاهي كل المفاجآت ، ولكي يظل وفيا لكلماتهم ومحبتهم واحترامهم ، عقد العزم في هذه الليلة على إكمال هذه التدوينة التي لم يخطط البتة لنشرها في هذا التوقيت بالذات . 

(( مرحلة الأحياء )) : 

تزوج منها في ليلة صيفة صاخبة بالاحتفالات والمناسبات ، وحلقا كطيور الحب في رحلة الشهد والعسل ، وزفت إليه البشرى بعد عودتهما بشهر وعشرة أيام ، بأنها تحتضن بين أحشائها بذرة حبهما الأول ، وتغير لقب المناداة بينهما بعد عام على ذلك ، فمن حبيبتي إلى أم ولي العهد ، ولاتزال بعد الحمل والرضاعة والفطام ، تتنقل بين الألقاب حتى أصبحت بجدارة أم الأولاد ، واختلفت مقاييس العشق بينهما من مرحلة الأحلام إلى مرحلة الواقع ، فبعد أن كان جلوسهما في ركن هادىء عند زوايا ذلك المقهى المخصص للعشاق ، يحلمان ببيت يجمعهما وأولاد يملأون البيت ضجيجا في كل صباح ومساء ، لم يعد للمواعيد الغرامية من مواقيت بينهما ، إلا حين يخططان لاستقبال مولود جديد ، حتى تصل زوجته لمرحلة اليأس العاطفي قبل الجنسي ، وهو لا يعلم أن في الزواج أشياء أخرى للحب .

(( مرحلة التاريخ )) : 

  كهل يجلس في مواجهة مع التلفاز في كل يوم ، والضجيج يعج أركان البيت بأصوات الأحفاد ، والنداء متتابع لعدة مرات بالهمز واللمز ، فزوجته لم تعد تسمع أنين الإبرة كما في صباها ، وولده الأصغر يجلس إلى جانبه ، والذي سيتأهب بعد عدة أيام للزواج ، ولايزال يسرد له قصة حبه العظيمة لأمه ، ويتذكر مناقب لحظاته العشقية الخالدة في ذاكرة الزمن ، ويشد على أزره ويوصيه بزوجته خيرا ، وبخاصة في مرحلة الأحياء ، ولكن الولد يباغته بسؤال عن فراغ الروح الذي تمتد أطرافه على مدار الأيام ، فيضحك ساخرا ويصفعه بمودة من خبث النوايا ، وهو لايزال يردد على مسامعه جملة عشقية لا يفهمها إلا من عبر المراحل الآنفة الذكر ، (( الحب يا ولدي لا يجيد التعبير عن نفسه كما في لحظة التواصل الجسدي ، أما التواصل الروحي فهو وصمة عار للرجال بعد الزواج )) . 

الخميس، 14 يونيو، 2012

نهاية رجل (( دنجوان ))

كان يعتقد إلى زمن قريب أنه معشوق النساء حيثما بلغت به أسباب اللقاء الأول ، فلا امرأة في شرق العالم أو في غربه ، راودتها نفسها عن سواه ، ولأنه ذو حظ كان في العشق عظيم ، أحب مثنى وثلاث ورباع ، حتى ضاقت شرايين قلبه بما رحبت ، من فرط عهود كان يقسم فيها لكل امرأة أن النساء من بعدها ذرات رمال . 

هو لم يكذب في متوالية قصص غرامه ، وإنما كان يتراجع عن المسير في درب حب لن يجد في نهايته مستقرا ومستودعا لأحلامه ، فلا أدرك ضالته ، ولا تدارك أخطاء اندفاعه في رحلة البحث عن امرأة لا تؤمن بالحب كرواية شرقية بختامها يتزوج الأبطال .

ولأنه كان مرغما على النطق بمواثيق الارتباط المقدس كشرط مسبق لخوض تجربة عاطفية ، ولأنه كان يستكشف بعد ذلك فجوة تحول بين قلبه وقلوب النساء في نمطية علاقات تكرر ذاتها بمتغيرات الأسماء والأماكن ، ترك وراءه دموعا لم يستدرك سبيلا كي يكفكفها ويستجدي صفحها عند الهجران .

والدنيا بنواميسها تدين من أدان ، لتلقي به وحيدا بين العشاق ، لا امرأة من أمامه ولا من خلفه ، ترتضيه زوجا أو حبيبا ولا حتى صديق ، ولكنه يرفض الهزيمة ويقسم لكل أصدقائه أنه سيظل متربعا على عرشه كـ (( دنجوان )) ، حتى يسترد النساء لحكم قلبه أو يفنى دون ذلك ، ولكن هيهات هيهات ، فلا قول ولا عمل من الممكن أن يصلح ما أفسده قلب أحب فهجر فخان ، فالراعي أكله الذئب في يوم صدق بمجيئه بعد أيام من زور القول والبهتان .

النساء هجرنه واحدة تلو الأخرى دون أن يدركن أنه كان يبحث عن حبيبته التي ظلت تعارض حبه في كل وجه من وجوه قلوبهن ، فهي جاءت حين ذهب ورحلت في يوم عودته ، فلا أدركها ولا أدركته ، في اسم أو زمان أو مكان .  

الجمعة، 8 يونيو، 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الثالثة (( مارغريت )) 2

علمتني تجارب الحياة بمنطقها المعاكس ، قاعدة ذهبية في أسس العلاقات بين الرجال والنساء ، أطلقت عليها ما يعرف بقاعدة الاندفاع المضاد ، وهي قاعدة لا تحتاج إلى مسلمات أو نظريات ، لأنها ترتبط بطبيعة الإنسان ومفهومه لمتوالية الرغبات والاحتياجات ، فالرجل حين يظهر اهتمامه بامرأة ما ، يغفل عن رؤية امرأة قد تقف خلفه ، تسعى إليه ولا تتمكن من إدراكه ، فهو يسعى لغيرها في اتجاه معاكس و لا يلتفت وراءه قط ، وتكتمل دورة استحالة التلاقي ، حين تبتعد المرأة التي أمامه وهي تسعى لرجل يسير من أمامها ولا يلتفت إليها من وراءه ، فكم أنت غريب أيها الأنسان ؟

و ينبثق عن ذلك أيضا قاعدة فرعية يمكن تسميتها قاعدة هالة الارتباط ، وذلك حين يجذب انتباه المرأة رجل يسير برفقة امرأة أخرى ، فإذا سار وحيدا يفقد تلك الهالة ولا تنظر إليه بقصد أم بغير قصد ، مع مراعاة انطباق هذه القاعدة على الرجال أيضا ولكن بنسبة أقل ، وهذا ما جعلني دوما في حيرة وشك من طبائع البشر وسلوكياتهم العابثة عند الحديث عن الحب .

إن هذه المقدمة البسيطة تستكمل أحداث قصتي مع (( مارغريت )) ، فكم كنت أسير إليها ولا أدركها ، وكم كانت تحاول إغوائي بحبها كلما رمقت نظرات صديقتها لي ، وكم ابتعدت عني وخذلت كل آمالي بحبها ، حين كتبت سطور النهاية في قصتي مع صديقتها بعد اعترافي أمامها بعشقي لعيونها الخضراء حد الجنون ، فكانت الخاتمة بانتقام أنثوي مزدوج ، وكان الضحية ذكر مغرور سرعان ما اكتشف أنه لم يكن سوى شخص ساذج .

في الحقيقة أنني ومنذ نظرات (( مارغريت )) التي كانت عصية على الفهم والتفسير عند وداعي في تلك الحفلة ، ما كانت بصيرتي لتكشف لي خبث نواياها في التخطيط والتدبير لإجهاض ذلك الحب في رحم قلب صديقتها قبل ولادته ورؤيته للنور ، وهكذا كانت الأيام تمضي بتؤدة وأنا (( كالأطرش في الزفه )) كما يقولون في أمثالنا الشعبية ، أخرج برفقة صديقتي التي كانت تصر دوما على اصطحاب (( مارغريت )) وصديقها أينما ذهبنا وحيثما وطئت أقدامنا ، وفي كل نزهة لنا كانت (( مارغريت )) تتحرش بي في حين غفلة من صديقها وصديقتي ، وأنا في كل مرة يزداد ضعفي أمام إغواء نظراتها وابتساماتها ومداعباتها التي كانت تخفي في باطنها هيجانا عاطفيا يكاد يلقي بي في غياهب الإذعان المطلق لفتنتها ، فكنت كالماسوشي أتلذذ بتعذيبها وأنا مكتوف الأيدي ، وهي أمامي تقترب من شفتاي كالتفاحة الحمراء الشهية المعقودة بخيط رفيع ، ثم تبتعد دون أن أتمكن من قضمها.

لست أدري كيف تسارعت الأمور بعد ذلك ، وتحديدا بعد قرارها بهجر صديقها ، واكتشافي أنني المسبب الرئيس في انفصالهما ، بعد أن بدأ يلاحظ سلوكياتها التي تجاوزت الحدود الطبيعية في تعاملها معي ، وهذا جعلني أعيش حالة من انعدام التوازن وفقدان السيطرة على مشاعري المتأججة بعشقها ، مع أنني كنت أدرك تماما أن صوت الضمير في داخلي كان يعلو على كل نداءات الحب ، فكيف لي أن أهجر صديقتي لأجل صديقتها ؟

وفي يوم من الأيام وبينما كنا في طريقنا لمشاهدة فيلم في السينما ، قررت أن أعترف لـ (( مارغريت )) بحبي لها ، ولكن دون أن أتقدم لها بعرض علاقة عاطفية تجمعنا ، فقد كنت أفكر بالابتعاد عنها وعن صديقتي للأبد ، إذ لم يعد بمقدوري التظاهر والتحايل على صديقتي بمشاعري التي رفضت كل الدروب واختارت درب (( مارغريت )) ، وبالفعل نفذت ما كنت عازما على فعله ، وغادرت صالة السينما قبل بدء العرض ، دون أن تبدي (( مارغريت )) أية لهفة أو رجاء ببقائي ، ولكن الذي ما توقعت حدوثه بعد ذهابي للمنزل ، تلك المكالمة الهاتفية من صديقتي وهي تتوسلني كي نبقى أصدقاء ، وتعدني بمساعدتي في إقناع (( مارغريت )) لتكون معي ، دون أن يؤثر ذلك على صداقتهما قط .

لم أصدق ما سمعته ، أحقا لا يزال من البشر من يؤثر سعادة حبيبه على سعادة نفسه حتى ولو كان مع غيره ؟ 

اتفقنا على موعد لاحق في معرض يقام في الربيع في أحد نوادي طائفتهم ، فذهبت وقلبي يسابق خطواتي ، كنت سعيدا حد الجنون ، إنه اليوم الذي سأتمكن فيه أخيرا من مناداة (( مارغريت )) بكلمة (( حبيبتي )) دون أن أخشى الناس من حولي ، وعند وصولي مقر النادي ، شاهدت (( مارغريت )) وهي تقف خلف قضبان البوابة الحديدية الضخمة ، كانت تلوح لي وتبتسم وتنادي ، فاقتربت منها وانا ما زلت أعتقد أنني أحلم ، فنظرت لي نظرة ازدراء وصرخت بأعلى صوتها والحشود متجمهرة أمام البوابة (( أغرب عن وجهي أيها الحقير ... أنت لست مني )) ، وكأن صاعقا من السماء كان قد أصابني ، ارتعشت أقدامي وبدا رأسي ثقيلا ، فأوشكت أن أهوي على الأرض والدنيا تدور من حولي ، والأشخاص عند البوابة يقتربون مني وقد أدركوا من عبارة (( مارغريت )) أنني لست من طائفتهم ، فنظرت إليها ونظرت إليهم ، واستجمعت قوتي في لحظة من عزة النفس والكرامة ، وقد تناسيت الدفاع عن حبي الذي فقدته قبل لقائه ، كي أواجه هذه الحشود بقضيتي الكبرى كأنسان ولد كما ولدوا من أب وأم واحدة ، ولكن قبل النطق بأية كلمه ، تقف سيارة فارهة عند البوابة ، وتخرج منها صديقتي وبرفقتها شاب من طائفتها ، تنظر لي أيضا بازدراء ، فألوذ في جبة الصمت ، وابتعد عن المكان دون أن التفت لما ضاع خلفي من أوهام عشتها في قصة حبي لـ (( مارغريت )) .  

الجمعة، 1 يونيو، 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الثالثة (( مارغريت )) 1

لا تلهمني ذاكرتي على استحضار صاحب هذه المقولة : (( قد ترفض المرأة دينك لكنها لا ترفض حبك )) ، ولست أدري لماذا استعين بهذا الاقتباس قبل الشروع بسرد تفاصيل هذه الحكاية ؟ مع أنني أعلم تماما أن بطلة هذه القصة قد رفضت ديني وحبي معا ، بعد إغوائها لي بشتى المكائد النسائية ، وذلك كي تبعدني عن صديقتها التي ارتضت ديني وحبي ، فخنت عهدها مع أقرب الناس لقلبها ، في حين غفلة عن خبث النوايا التي أطاحت بقلبي وحيدا على ناصية القهر والحرمان .

الأحداث بدأت في حفلة تقيمها جمعية شبابية تعنى بالنشاطات الاجتماعية والثقافية لأبناء وبنات طائفة (( مارغريت وصديقتها )) ، وكان يحظر في مثل هذه الحفلات دخول أبناء الديانات والطوائف الأخرى ، خوفا من الاختلاط غير المبرر بين العقول وما تنضح به من أفكار ومعتقدات ، ومفاهيم مضادة قد تودي إلى درب التهلكة لشباب المستقبل الذين سيحملون على أكتافهم هذه الديانات والمعتقدات وسيحاربون من أجلها بالمال والنفس والولد ، وهذه الحروب الطاحنة بين الطوائف والأعراق والأديان المتباينة تكاد تنقرض إن لم تكن قد انقرضت في الدول الكبرى ، و التي يتفيؤ في ظلال قوانينها كل مواطن ينتمي إليها ، ويتساوى الجميع في الحقوق والواجبات ، فلا فضل لمواطن عن مواطن إلا بالقانون ، ولا حكم لدم أزرق أو أحمر أو أصفر ، ولا مهابة لمسؤول أو ثري أو صاحب نفوذ وسلطة ، فهم يعيشون بمبادىء لقوانين تستمد روحها من ذلك السوط الذي ضرب فيه العبد ابن الأكرمين في حمى الفاروق ، والذي مازلنا ننتظر له خليفة في هذا الزمان ، فالحقيقة المؤلمة التي نحاول دوما إنكارها ، تتلخص في القوة الكاسحة لأبناء الشعب الواحد في أي بلد عربي حين يتم تسخيرها في القتل والذبح والتنكيل فيما بينهم ، ومن ثم تقديمهم كقرابين على أطباق من الدم لأعداءهم . 

صديقي كان على علاقة غرامية بفتاة متواجدة في تلك الحفلة ، وهي من دعته إلى الحضور بعد أن يتخذ كافة التدابير الزائفة للتنكر كفرد من أفراد طائفتها ، والذي بدوره أقنعني بمرافقته رغم إنكاري الشديد للتظاهر باعتناق ديانة أخرى ، ولكن فضولي لاكتشاف هذا النوع من الحفلات ورغبتي في الاختلاط بالفتيات ولهفتي في سبر أغوار هذه الفئة من المجتمع ، والتي يضرب المثل بها دوما عند الحديث عن المدنية والحضارة والرقي ، جعلتني لا أتلكؤ في الموافقة على عرضه والسير معه في دروب المجهول ، دون احتراز لما قد يحف نواصيها من مخاطر لا يمكن تقدير عواقبها على وجه الدقة . 

وعند وصولنا إلى البوابة الرئيسة لقاعة الحفلة ، دخلنا بأسماء وهمية تنتسب لعائلات عريقة في تلك الطائفة ، وهذا جعلنا من أصحاب الحظوة لدى منظمي الاحتفال ، فاستقبلنا مدير الجمعية وقد تعاظمت أساريره بالانفراج ، وبدت عليه علامات الدهشة وهو يسألني عن والدي وأعمامي المهاجرين إلى بلاد الغرب منذ أمد بعيد ، فقد كانت تربطه بهم صداقة وزمالة منذ أيام الطفولة ، ثم انقطعت أخبارهم عنه منذ هجرتهم ،  فتلعثمت قليلا ولعنت حظي العاثر الذي جعلني أختار هذا الاسم ، ثم ما لبثت أن تداركت الموقف ووعدته بحرص شديد على نقل سلامه وعتابه لوالدي ، بمجرد زيارتي له في العطلة الصيفية ، فأنا ووفقا لخطة انتحال الشخصيات الوهمية ، عدت إلى الوطن لدراسة الأدب المقارن بين الشرق والغرب ، كمتطلب لاستكمال دراساتي العليا هناك ، ونجحت الخطة في النهاية و دخلنا الحفلة وجلسنا على طاولة رفيقة صديقي وصديقتها ، والتي تمكنت من الاسترسال معها في حديث تعارف مختصر ، ما أوقفته سوى أغنية لم أتردد إثر سماعها من بسط كفي لها ، كدعوة جريئة للصعود إلى منصة الحفلة والرقص سويا على أنغامها .

وفوق المنصة التي كانت تعج بالشباب والشابات المتلاصقة أجسادهم برقصة عاطفية ، وتحت الأضواء الخافتة التي تبرر حدوث قبلات خاطفة ، كان اللقاء بتلك الفتاة الشقراء ذات العيون الخضراء اللامعة ، وقد التف خصرها بذراعين غليظتين لشاب بدين أشقر ، فتلاقت عيوننا في لحظة لم تتجاوز بضع ثوان ، ثم تباعدت بعد سماع صوت رفيقتي وهي تنادي عليها : (( مارغريت ، أين كنت ؟ )) ، إذن هذا هو اسمها ، وذلك البدين بلا شك صديقها ، أتراها ترتبط به بعلاقة عاطفية ؟ أم أنها مجرد صداقة مجردة من الحب ؟ ولكن هل هناك حقا من رجل شرقي يرضى بدور فرعي في حكاية فتاة يرافقها إلى حفلة كهذه ؟ 

توقفت الأفكار والتساؤلات عن الدوران في رأسي عندما أزفت لحظة التعارف بهذه الفتاة الشقراء ورفيقها ، والتي أشرفت رفيقتي على كافة تفاصيلها ، وهنا تكرر حظي العاثر مجددا حين سألني ذلك البدين عن شخص يفترض أن يكون من أبناء عمومتي ومتواجد في الحفلة للأسف ، فما كان من خيار أمامي حينها سوى الاستئذان منهم وطلب رفيقتي لحديث خاص ، والاعتراف لها بالحقيقة ، ولكن علامات الدهشة والاستغراب لم تظهر على محياها ، بل ابتسمت ابتسامة صفراء ، وأكدت لي أنها تعلم كل شيء من رفيقة صديقي قبل حضورنا ، ولكنها من باب الحيطة والحذر لم تخبر (( مارغريت )) بالحقيقة بسبب عدم ثقتها برفيقها ، فتنفست الصعداء وعدنا إلى مقاعدنا ، ولكن حالة التوتر ظلت تلازمني بعد حضور (( مارغريت )) وصديقها وجلوسهم معنا على الطاولة ، وخصوصا بعد أن همست رفيقتي في أذن (( مارغريت )) بسري ، والذي جعل عيونها الخضراء تزداد لمعانا ، وكأنني أقرأ فيهما رسالة خفية بمشروع حب محرم سيجمعنا قريبا . 

وتأكدت هواجسي سريعا حين دعتني (( مارغريت )) للرقص معها ، فلم أتردد بتلبية طلبها ، وأمسكت يدها وقفزنا إلى المنصة ، وعيوني تطاردها من رأسها وحتى أخمص قدميها مع كل إيقاع للموسيقى ، وبدأت عمليات مقارنة التفاصيل بينها وبين رفيقتي ، ((مارغريت )) طويلة ورشيقة بعكس صديقتي القصيرة والبدينة ، ومع أنني لا أؤمن بالمظاهر الخارجية عند تقييم اندفاعي للنساء ، ولكنني لا أنكر أن جمالها كان مدهشا بكل المقاييس ، من بشرة حليبية إلى شعر أشقر مموج بخصل سوداء ، وعيون تشبه خضرتها أوراق الأشجار حين تتمايل فوق الأغصان في نيسان ، وهذا كان كافيا ليبعدها عن أية مقارنات مع رفيقتي التي أحضرت رفيق (( مارغريت )) لترقص إلى جانبنا ، وقد بدا عليها الخوف واضحا وهي تراقب نظراتنا التي فضحت قلوبنا بقصة عشقية ستكتبها الأيام لنا بلا أدنى شك .

حين تخشى الأنثى أن تفقد رجلها  ، تستدعي مكائدها بشتى الوسائل لاسترداده حيا أو ميتا ، فالغاية أن لا يكون لامرأة سواها ، وهذا ما فعلته رفيقتي عندما أخبرت رفيق (( مارغريت )) بسري ، والذي كانت نيران الغيرة قد التهمت قلبه منذ أول خطوة في رقصتي مع (( مارغريت )) ، فانطلق مسرعا نحو البوابة ، وحشد جميع أصدقائه لتمزيقي إربا على مرأى من عيون (( مارغريت )) حين أغادر الحفلة ، فأصاب رفيقتي الذعر وهي تشاهد تلك الحشود المتأهبة لذبحي ، وشعرت بالذنب يفطر قلبها ، وتوسلت (( مارغريت )) كي تتدخل في إنقاذي ، أما أنا وفي تلك اللحظات العصيبة ، ذهبت للجلوس بجانب صديقي والذي أدرك ما نحن فيه من مصيبة ستفتك بنا ، فبلغت القلوب الحناجر ، وذهبنا برفقة (( مارغريت )) نحو البوابة ، وأقدامنا بالكاد تحملنا من فرط الخوف ، ولكن (( مارغريت )) كانت تتقدمنا بشجاعة وجسارة لشخصية مهيبة الجانب ، وهذا عزز من درجة إعجابي بها ، وذلك حين صرخت بوجه صديقها كي يتنحى عن البوابة هو وأصدقاؤه ، فخرجنا أنا وصديقي ونحن لا نكاد نصدق أننا نجونا ، وأيدينا تلوح لـ (( مارغريت )) ورفيقتي ورفيقة صديقي ، ولكن سرا دفينا في نظرة (( مارغريت )) لم أتمكن من اكتشافه وهي تودعني في تلك اللحظات ، لم تكن تشبه نظراتها لي في أثناء رقصتنا ، ماذا تخفي هذه الفتاة لي يا ترى ؟ 

الخميس، 24 مايو، 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الثانية (( حسناء الفوازير ))

لا زلت أذكر تلك القصة وتفاصيلها ، والتي حدثت مع بزوع هلال شهر رمضان ، في سنة أعجز عن احتساب خاناتها الميلادية وتقاطع الأرقام المقابلة لها في التقويم الهجري على وجه الدقة ، ولكن أعتقد أنني كنت صبيا عابثا حينها ، يقف على عتبات نهاية العقد الأول له في هذه الحياة ، وهي فترة زمنية لم تفلح في ترسيخ معالمها ، وانقرضت كلمح البصر فور اندلاع ثورة التكنولوجيا الرقمية و ما يعرف بعصر العولمة .

إن رمضان في ذلك الأمس القريب ، كان صبيا مثلي تماما ، فهو ما كان ليشابه نفسه مع عقود قد خلت قبل ولادتي ، إلا بصدى قرع طبول (( المسحراتي )) في جوف الليل الراكد ، وتوقف المدينة عن الحياة لحظة هروب الشمس إلى مخدعها وقت الغروب ، أما نهار الصيام فيقسم به الآباء والأجداد بأغلظ الأيمان ، لزمان كان قد مضى ولن يعود قط ، فالطرقات ضاقت بعابريها مع كل موسم رمضاني متعاقب ، ولربما كان ذلك حال  الوطن أيضا حين ضجر من أبنائه الأولين ، وباع نفسه بأبخس الأثمان لحفنة من المرتزقة ومصاصي دماء المساكين والفقراء ، فأصبح كل شيء فاسدا وملوثا ، حتى الماء والهواء .

ولقد كانت سطوة التلفاز ومسلسلاته منذ أحداث هذه القصة وحتى أيامنا في هذا الزمان ، هي القاسم المشترك لكل علامات السنين المتوالية للشهر الفضيل ، و ظل زخم الحشد في المنافسة منحصرا في نجوم لم تأفل من سماء الشاشة رغم هرمها ، بل إنها أكدت وفي مناسبات عديدة مصداقية المثل القائل بأن (( فرخ البط عوام )) ، فورث أبناؤهم وبناتهم مواهبهم الفذة ، وكأن الفن في بلادنا كغيره من المهن ، من الممكن توريثه جيلا بعد جيل ، لسلالات لا تندثر فيها جينات المواهب قط .

وبالرجوع في أرشيف الذاكرة لتلك الأيام ، كانت (( الفوازير )) وقصص (( ألف ليله وليله )) هي المسلسلات الشهيرة المتكررة في كل عام ، ولكن مع اختلاف الفنانين المتعاقبين على أدوار البطولة فيها ، وهنا بدأت حكايتي مع حسناء الفوازير التي جابت بقلبي أرجاء الدنيا ، برقصاتها وحركاتها وخفة ظلها ، فعشقتها في كل يوم بجنسية وشخصية جديدة ، فتارة تكون عربية وتارة تكون اوروبية ، ثم لا تلبث أن تصبح أمريكية أو أفريقية وحتى آسيوية ، وأنا مع كل حلقة أتعلم فنون العشق بكل اللغات ، لفتاة مصرية سمراء لا تتكرر إبداعاتها في التمثيل والرقص والغناء مهما توارثت أجيال متعاقبة من مواهب جيناتها ، فالاستثنائيون لا يأتي من بعدهم إلا من كان استنساخا مشوها لهم ، فالتميز هو أن تتعلم من تجارب من سبقوك في ميادين الحياة كي تعبد دربا تسير فيه وحدك ، لا أن تسير حيث انتهت بهم الدروب .

لماذا يتعلق الأطفال بنجوم في التمثيل والغناء ؟ على الرغم من عدم تعمد أعمالهم لمحاكاة الصغار ، بينما ينفرون من أعمال فنية تكون متخصصة في استهدافهم ؟ هل السر يكمن في جودة العمل وقدرته على دخول قلوب الأطفال بعيدا عن أساليب الترهيب والعقاب المتعارف عليها في بلادنا ، تماما كما يحدث في الرسائل السياسية  ، وهنا للحديث شجون ، حين نستذكر المشاهد التي يتم فيها حشد الأطفال الأبرياء من المدارس ، والوقوف بهم في الميادين والطرقات العامة للهتاف بحياة قادة الأوطان والبلاد ، وكأن ذلك يمنحهم صك البراءة والعفة على عدلهم وحرصهم على أبناء شعبهم ، في حين أن اللجوء لمثل هذه الأساليب إنما هو دليل فاضح على عجزهم وإفلاسهم السياسي ، فمن أراد أن يقيم نفسه كحاكم محبوب في بلاده ، فليتنكر بزي شعبي و يجوب البلاد من شرقها إلى غربها كي يتحرى عن رأي وتقييم كافة أطياف المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدينية لإدارته في تسيير شؤون البلاد ، دون محاباة أو خوف من بطشه وبطش أعوانه .

وكما يقولون في الأمثال : (( ما زاد عن حده ينقلب لضده )) ، فلقد ارتفعت وتيرة الإعجاب والتعلق بـ (( شيريهان )) لأذهب بعيدا في خيالي ، وأتقدم لخطبتها ، بعد أن رسمت  تفاصيل علاقتنا على كراسات ممهورة بعشقها حد الجنون ، لأنتظرها خلف الكواليس في استديوهات التصوير  ، وأراقب سعادتها بحضوري ، ولهفتها لعناقي بعد كل مشهد تنجزه في فيلم أو مسلسل ، بل إن أحلامي جاوزت المدى المسموح به للإمنيات التي قد تتحقق ، بعد أن لعبت دور البطولة أمامها بشعري الأبيض حين كانت عذراء ، وعندما كنت طبيبا يحارب من أجلها جميع البشر لأثبت رجاحة عقلها ، ولم أكترث لفضيحة العمر وهي تتهمني بالاعتداء عليها ، فمن أجل عينيها عشقت بكل جوارحي ، بعد زمان قضيته في زيارة القبور قبل تغيير وظيفتي من معلم في مدرسة إلى مدير لـ (( كابريه )) ، برفقة نجمة استعراضية كانت الأروع ، بشهادة خشبات المسرح وعميدها الراحل (( فؤاد المهندس )) .

وفي يوم من الأيام قررت البوح بأسراري العشقية لوالدتي ، وتوسلت إليها كي تسافر إلى مصر لتخطب لي (( شيريهان )) ، فابتسمت والدتي وربتت على كتفي وقد انحنى رأسها إذعانا بالموافقة على طلبي ، شريطة أن اجتهد في المدرسة وأتفوق على جميع أقراني ، وأذهب إلى الجامعة كي أنال شهادة تؤهلني للعمل في وظيفة تعينني على شراء ملابس (( شيريهان )) الاستعراضية ، معللة ذلك بأنها ستهجرني إن لم أتمكن من تلبية طلباتها ، ففكرت قليلا ، ثم راودتني الهواجس والظنون في حسابات زمنية قد تطول لحين بلوغي محطة التخرج من الجامعة والعمل ، ولكن والدتي أكدت لي بأنها ستتصل بـ (( شيريهان )) على الهاتف وتأخذ منها ميثاقا وعهدا كي تنتظرني وترد جميع العرسان المحتملين خائبين ، فاطمأن قلبي ونمت ليلة بعد ليلة ، و (( شيريهان )) لا تفارق أحلامي قط .

ومضت الأيام والسنين ، وأدركت جميع محطات الحياة التي وعدت والدتي بالوصول إليها كي تخطب لي (( شيريهان )) ، ولكن حلمي لم يتحقق ، لأنني عشقت قبيلة من النساء ، وأنا أسير في دروب محطات العمر المتتالية بتعاقب السنين ، حتى غدت (( شيريهان )) شبح امرأة من ماض لم ألتفت إليه قط ، كي لا تذكرني بطفولة ساذجة قضيتها بين أحلام وأمنيات ضاقت مساحاتها في عقلي وقلبي مع كل يوم تتلمذت على ساعاته ودقائقه في تعلم تجارب وخبرات الحياة بتشعباتها ومنطقها المعاكس للإرادة والرغبة حين لا تقترن بالواقع .

(( شيريهان )) ترقد اليوم في بقعة ما على هذه الأرض ، وكم مضى من الأيام قبل لقائي الأخير بها على إحدى شاشات الفضائيات بعد ثورة يناير ، بملامحها الشاحبة وأنوثتها الطاعنة في الهرم قبل أوانها ، أحقا هذه هي المرأة التي لم تبارح أحلام قلبي قبل بلوغه سن الرشد العاطفي ؟

لماذا تذكرت والدتي وقصتي مع حسناء الفوازير ، وأنا أسترق السمع على حديث دار في ليلة من الليالي بين ولدي وزوجتي ، وهو يفشي بسره العشقي لـ (( سلمى )) التي لا يدرك أن اسمها الحقيقي هو (( مي عز الدين )) ؟ 

ولماذا تألمت من موقف زوجتي العدائي في إقصاء أحلام ولدي البريئة حين لطمته على وجهه ، وسحقت دماغه بقبضة يدها وهي تهدده وتتوعده بحرمانه من المصروف والخروج من المنزل إذا ردد على مسامعها مثل هذا الكلام السخيف مجددا ؟ 

هذه هي الحكمة التي نستخلصها من هذه القصة بالتحديد ، إذ لا يتوجب علينا إجهاض أحلام الآخرين ، وإنما تهذيبها وضبطها  وترويضها بما ينسجم مع مصالحهم على المدى البعيد في المستقبل ، فاحترام رغبات الأفراد حق مشروع لهم ، ما لم تكن لتؤذي حريات الآخرين ، أو كانت لتتجاوز خطوط التحريم في العقائد والأعراف السائدة في المجتمعات ، لأن حدوث ذلك يعني شذوذا وليس تمردا مشروعا على رتابة الواقع المفروض .  

الجمعة، 18 مايو، 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الأولى (( المعلمة جميله )) 3

مضت أيام وأنا أخطط وأفكر ، حتى شاهدت في المكتبة مرادي في يوم من الأيام وأنا أشتري بعض القرطاسية والكراسات ، مدية صغيرة ، كانت معروضة بجانب الأدوات الهندسية ، فسألت البائع عن ثمنها ، فأجابني أنها بنصف دينار ، أنه مبلغ باهض الثمن ، كيف سأستطيع الحصول على مبلغ كهذا ، وأنا مصروفي الأسبوعي لا يتجاوز العشرة قروش ، عدت إلى المنزل أجر وراءي أذيال خيبتي في الحصول على مخلصي من ((توفيق )) ، ولكن حزني ما كان ليطول مع الخطة المحكمة التي أشار بي عليها صديقي ، حين التقيته في المخبز بالمساء ، وذلك بعد أن رجوته ليقرضني المبلغ المطلوب ، فما كان منه إلا أن أخبرني بطريقة يفعلها دوما حين يحتاج لمبلغ كبير من النقود ، وهي طلب المال من مجموعة أشخاص على أجزاء صغيرة ، بحيث تشكل بمجموعها المبلغ المطلوب ، وبالفعل نجحت الخطة في يوم واحد ، وذلك بعد أن طلبت عشرة قروش من والدي في الصباح وعشرة قروش من والدتي في الظهيرة ، وعشرة قروش من أخي  بعد الظهر ومن أختي وقت الغروب ، ومن جدتي في الليل ، وانطلقت مسرعا إلى المكتبة واشتريت المدية التي ستجعلني أسترد قلب معلمتي الحبيبة (( جميله )) .

و في اليوم التالي ، ذهبت إلى المدرسة وأخفيت المدية خلف خاصرتي بعد أن عقدت العزم على قتل (( توفيق )) في ساحة المدرسة أثناء خروجنا لتناول الطعام بعد الحصة الدراسية الثالثة ، و لقد كان العرق يتصبب مني وجسمي يرتعش دون هوادة ، كلما كانت الدقائق تقترب من قرع جرس اللحظة الموعودة ، ولا أنكر أن الصراع بين الخير والشر كان قد احتدم بين عقل ينكر ما بنيتي فعله ، وبين قلب يبيح كل الوسائل المؤدية إلى قلب المحبوب ، فكانت الغلبة للقلب ، وخرجت إلى الساحة أراقب خطوات (( توفيق )) ، وأترصد ذهابه إلى صنبور المياه كي يشرب ، لأنقض عليه من الخلف ، وأرديه قتيلا بضربة من نصل مديتي المتعطشة لدمائه ، وما كانت إلا دقائق معدودة ، حتى اقترب (( توفيق )) من صنبور المياه ، وانحنى كاشفا ظهره لي كي يشرب ، اقتربت منه بخطوات مواربة يعتريها الحذر والترقب من تواجد إحدى المعلمات في محيط الجريمة ، وأخرجت المدية من وراء خاصرتي ، ووجهتها إلى جسد (( توفيق )) ، ولكنها لم تصل إليه ، فقد توقفت يدي بفعل قوة يد رهيبة كانت تضغط على معصمي ، حتى خارت قواي وهوت المدية على الأرض ، ماذا ؟ لا أصدق ما أرى ، إنها المعلمة (( جميله )) ، ولكن أين كانت ؟ وكيف غفلت عن رؤيتها ؟ يا للهول ، ماذا سأفعل ؟ 

لم تكن هناك أية فرصة للتفكير ، (( فجميله )) لم تبادر بالاستفسار أو الاستغراب أو الدهشة ، بل توحشت كلبؤة جائعة وجدت فريستها ، وانهالت بصفعي في كل مكان وصلت إليه كفوف يديها ، وهي تجرني كالدابة العاصية  حين تأبى حوافرها المسير ، باتجاه غرفة مديرة المدرسة ، لم أكن في تلك اللحظات متأثرا بالضرب ، ولم أكن خائفا مما قد يحدث لي من عقوبات تأديبية من قبل المديرة ، بل كل ما كان يشغلني هو خسارتي الأبدية لقلب معلمتي (( جميله )) .

لا جدوى من اختيار القلب للحبيب ، فأنت لن تتمكن من استدراجه لمصيدة الحب ، إذا كان قلبه مشغولا بمصيدة أخرى ، ولذلك لا تحاول اعتراض طريقه ، ولا تتحاذق بخوض حرب عاطفية لاختطاف قلبه، فهو ما كان من نصيبك يوما ، ولن يكون ، مهما حاولت التحايل على الأقدار المكتوبة .

وهذه ليست الحكمة التي نستخلصها من هذه القصة وحسب ، إذ أن للخيبات والهزائم القلبية من بقية تأتي ،  طالما كان المعيار في الاختيار دوما يخطىء درب الصواب ، و نواميس هذا الكون عصية على التفسير مهما اجتهدت في التفكير بمسبباتها ، فقد تتعمد العبور في الزمان والمكان المفترضين ، للإلتقاء بشخص تلهفت لرؤيته ، فيتخلف عن موعده ولا يأتي قط ، وحين تبحث عن الأسباب التي أدت إلى غيابه ، تعتقد أنها ظروف طارئة قد أحاطت بعزمه على الحضور ، كحادث أو مرض أو تلقي أنباء سيئة ، ولكن التفسير الخفي لذلك ، تضافر الكون لحدوث النفور بين قطبي لهفتك لحضوره ورغبته في رؤيتك ، فالغلبة دائما للرغبة السلبية وليست للهفة الإيجابية بالعموم  .

والعناوين المكتوبة في أقوال وأفعال الأشخاص من حولنا ، تلخص ما في متنها من تفاصيل ، فلا مسوغ للاسترسال في التأويل والاجتهاد والبحث عما وراء الكلام ، ففنون المراوغة والتملص من الحقائق الواضحة كقرص الشمس في كبد السماء ساعة الظهيرة ، ليست سوى ذرائع لنا كي نفسر بها ما نرغب بحدوثه ، والذي قد لا يكون إلا ضربا من خيالاتنا وأحلامنا في يقظة الواقع ، فقد تعتقد أن ابتسامة شخص تتمنى الاقتراب منه ، دليلا على قبوله المبدأي لك ، ولكنك لا تدري أنها قد لا تكون سوى ابتسامة بريئة لا تخفي في طياتها أية مشاعر ، وخصوصا مع علمك المسبق بارتباطه بشخص آخر ، ولكن أمنياتك به تجعلك تفسر كل ما يفعله بما يتوافق وينسجم مع أهوائك ، كي تواسي نفسك وتعزيها بما سيظل دوما عالقا في حدود وهمك وخيالك ، دون أن تملك تأشيرة عبوره إلى أرض الحقيقة والواقع .

وقد يحدث أحيانا أن يكون الشخص مرتبطا ، ولكنه يتعمد اجتذاب صفوف المعجبين من حوله ، وذلك لإشباع رغبات لا تنتهي من الغرور والأنانية ومفاضلة الذات على سواها ، وكأنه مركز الكون الذي تدور في فلكه جميع الكائنات ، فلا تشرق الشمس أو تغيب ، ولا تهب الرياح أوتنهمر الأمطار ، ولاتغرد الطيور أو تتمايل أغصان الأشجار ، إلا بمقاييس جنونه المفرط بتعاظم مكانته وعلو كعبه على البشر من حوله ، فكم يعج زماننا بأمثال هؤلاء السفهاء ؟