الأربعاء، 24 أكتوبر، 2012

حوار مع خاروف العيد

في حديقة جاري المحاذية لشرفة منزلي الخلفية ، حضر ضيف خفيف الظل يمشي متثاقلا إلى الأرض ، وقد التفت من ورائه جموع الأطفال المتزاحمة بفضول يسبقها لمشاهدة ذلك الحيوان الأليف في بث حي ومباشر ، بعد أن كانوا دوما يكتفون بمشاهدته من خلال أفلام كرتونية متحركة على شاشات التلفاز أو من خلف نوافذ السيارات في أثناء عبورهم لطريق ريفي في رحلة عابرة مع الأهل ، أو عند مطالعة كتب المناهج المدرسية وتفاصيلها النظرية التي لا تخلو من الضجر .

يرفع الجار يده بحركة حازمة تشبه حركات حكام مباريات كرة القدم حين يشهرون البطاقة الحمراء في وجوه اللاعبين ، فيبتعد الأطفال برؤوس تكاد تلامس الأرض من فرط الخيبة ، ويتابع مسيره برفقة ضيفه الذي لا يعلم ما سيؤول إليه مصيره بعد بضع أيام ، ثم يتركه وحيدا في الحديقة بعد أن اطمأن لقيد عنقه بحبل غليظ إلى جذع الشجرة ، وعلى الرغم من هذه الضيافة المستهجنة إلا أنه لم يبدي ردة فعل تثير الإعتراض ، بل ارتسمت على وجه علامات الغبطة والسرور ، وذلك حين وجد من حوله مساحات شاسعة من الأعشاب الخضراء الطازجة التي لن يشاركه خاروف في أكلها ، فطرق بحوافره الأرض وراح يثغو بايقاعات متضاربة الألحان ، ثم ليلمحني وأنا أتلصص عليه وأراقبه بغيظ لم أفلح بكتمانه والتحايل عليه بابتسامات زائفة كرجال السياسة حين يلتقون بأفراد الشعب البائسين ، فلم يكترث ولم يلقي بالا لحركات يدي التي كانت تتوعده بالذبح ، وتابع التهام طعامه وظل يثغو دون كلل أو ملل .

وحينها فقدت أعصابي وارتفعت نسبة الضغط والسكري فوق معدلاتها الطبيعية في الدم ، وصرخت على ذلك الخاروف المتعجرف ، بسؤال عن سبب سعادته المفرطة تلك وهو سيغادر هذه الدنيا بعد يومين على أبعد تقدير ؟ 

فأخبرني الخاروف أنه سعيد لأن المساكين والفقراء والمحتاجين الذين يبكون طوال العام و ينامون بحثا عن كسرة خبز جاف ، سيبتسمون بعد أول قطرة دم تبارح عنقه على الأرض ، أنهم سيأكلون من لحمه ويشكرون الله خالقه وموجده ، فأي سعادة ستضاهي سعادته حين يجد كل هؤلاء سعداء ؟

فكرت في كلمات هذا الخاروف وسألت نفسي حائرا : (( لو فكر البشر بطريقة هذا الخاروف ، فهل سيظل على وجه هذه الأرض من شقي أو محروم ؟ )) ، ثم أغلقت نافذتي ورتبت أوراقي ودفاتري وكتبت بضع كلمات من حروف للتمني بأن يمضي كل يوم وليس كل عيد والجميع بألف خير ، فكم أصبحت أخشى من مثل كان يردده جدي قديما : (( البارحة أفضل من اليوم ، واليوم أفضل من غدا )) ، ولكن لعل لكل قاعدة شواذ وتكون الأيام القادمة من زماننا هذا أفضل .

الجمعة، 19 أكتوبر، 2012

لماذا تهتم بشكلي ؟



في الجهة الشمالية الغربية عند زاوية مهملة لمكتبة لا يتردد إليها إلا كعابر سبيل ، تتخطف المصادفات خطواته كي يتقدم عبر أدراجها الرخامية ويدفع بابها الحديدي الأسود قبل هروب الشمس إلى مخدعها لحظة الغروب ، وكم كان غريبا أنه ذهب وبدون تخطيط مسبق ، إلى ركن كتب علم النفس التي كان قد سئم من مطالعتها ، أو لعله كان يخشى من مواجهتها ، كي لا تتكشف له الحقائق والأدلة المؤيدة لما يعانيه من (( شيزوفرينيا )) قد تأصلت في عقله منذ طفولته بعد أول يوم تعلم فيه النطق .

جلس على الكرسي المقابل لها ، بعد أن استسلم كعادته لسطوة كتاب من كتب (( فرويد )) ، وألقى إليها بنظرة لم يتبعها بنظرة لاحقه ، ومع هذا فما كانت لتجد اكتراثا ولو من باب الفضول من عينيها القابعتين خلف عدسات نظاراتها المربعة التكوين ، حاول أن يتسلق ببصره سلالم المساحة التي تفصل بينهما على منضدة المطالعة ، بغية معرفة اتجاهات الثقافة التي قد عزلتها عن محيط مطارداته المتداعية كلما دارت عقارب الساعة في دورتها ، وهو يتفحص جمالها بنظراته شبه المختبئة وراء نظريات (( فرويد )) ، ثم ما لبث أن بدأ بسعال جاف مفتعل ، ولكن دون جدوى ، إذ أن نظراتها ظلت تتدحرج بين سطور الكتاب الذي تمكن أخيرا من التقاط الحروف الأولى من عنوانه ، وذلك بعد أن ارتفعت إحدى دفتيه قليلا بحركة عفوية من كفيها عن السطح الخشبي للمنضدة ، والتي بدورها استحالت إلى حاجز حدودي يفصل جيوش رغبته المتأهبة لاحتلال أرضها الصامتة وجرها إلى حرب من الحديث والكلام .

(( ما الذي سيدفع بتلك الحسناء الغجرية لتحب شخصا قبيح الوجه محدودب الظهر لايسمع ولايتكلم ؟ )) ألقت بالكتاب في ذعر ورفعت رأسها إليه ، وهي لا تزال في حالة من الذهول ، فسارع إلى الاعتذار عن اقتحام سؤاله لخلوتها ، ولكنها ظلت في صمت وهي تنظر في عينيه ولا تعقب ، ثم تداركت شرودها المفاجىء ، وبادرته بسؤال ما كان ليتوقعه (( فرويد )) نفسه ، (( وهل تعتقد أنك كنت ستجلس إلى جواري وتترك كل طاولات المطالعة المترامية عن اليمين وعن الشمال ، وتختلق الأعذار الواهية للحديث معي، لو كنت قبيحة المظهر كأحدب نوتردام ؟! )) .

الجمعة، 12 أكتوبر، 2012

العتاب في يوم الزفاف

بموكب مهيب ، استدعى وصوله إغلاق الطريق العام وخمسة شوارع فرعية ، يخرج (( عريسنا الزين )) من السيارة ، وقد أحاطت به الجموع التي تجمهرت من حوله بين قريب وصديق وجار وزميل ، وعلى دفوف الأيادي وتصفيقها الحار ، ثم هتافها بصوت رجل واحد ، لإكثار الصلاة على النبي الحبيب ، بنبرة حماسية متتابعة التكرار لرد عين الحاسدين التي سيقتلعها العود ، يدق باب عروسه ، وتفتح له أبواب نعيم الدنيا وفردوسها ، فيقبل يد والديها ويتبارك بهما ، كمحاولة للتعبير عن خالص مودته وامتنانه بجزيل عطائهما في ترشيحه لمنصب رفيع المستوى ، فهو من سيحفظ عرضهم من دمث الطامعين في كريمتهم المصون ، بعد أن تم اعتماده بمهر مؤجل الدفع ، و نفقات زهيدة لتجهيز العروس وتأمين انتقالها بيسر لا يتبعه عسر إلى بيت زوجها .

ويسير الموكب مجددا قاصدا فندقا لا تقل نجومه عن الخمس ، وتنقضي الليلة الأولى بعتاب خفيف الظل على جودة الطعام وعدم كفايته للمدعوين الطارئين من أهل العروس ، ويبتسم هو في وجهها والغيظ يلتهم أعصابه كلما تذكر أنها لم تقبل يد والدته بعد أن زينت عنقها بعقد ماسي ، وتبالغ هي في وصفها لقلة ذوق بعض أفراد عائلته الذين أصروا على اصطحاب أولادهم إلى العرس رغم تأكيد بطاقات الدعوة لهم بأن جنة الأطفال في منازلهم .

وهذا جعل باب الحوار ينشرع على مصراعيه كي يذكرها ببعض المواقف التي يتحفظ عليها من اليوم الأول في أسلوب كلامها مع شقيقاته حين رفضت مساعدتهن لها في حمل ذيل فستانها عند دخولهما إلى قاعة الاحتفال ، مما أثار حفيظتها من نساء عائلته واحتلالهن لمنصة الرقص بأجسادهن البدينة التي زاحمت (( هزات الوسط )) الرشيقة لأقربائها وصديقاتها ، فبادر إلى مقاطعتها من باب التذكير والتحذير ، كي لا تنسى أنه من دفع تكاليف هذا الزفاف ، وكان ذلك سببا كافيا لها لتقرع أبواب ذاكرته بالأيام الخوالي التي قضاها وهو يتوسلها كي توافق على الزواج منه .

لم يتوانى هو حينها بعد أن صعدت فقاعات الدم المتداعية في الغليان إلى أعلى نقطة في رأسه ، ليستعرض لها قائمة من الأسماء المرتبة على الحروف الأبجدية لفتيات  رفض الزواج منهن رغم إشعالهن لشموع الحب في أصابعن العشرة ، وبادرت هي عند شدة وطأة هذا الحوار ، لتسخر من ثقته بنفسه وتبالغ في الإفراط والتفريط بأن الأنوثة لم تولد من قبلها ، وأن عتبة بيتها كانت تتكسر في كل يوم تحت أقدام العرسان المتأهبين لإحضار (( لبن العصفور )) لها .

 ولا تزال تسأله أن يرطب لسانه بالشكر لرب العالمين على مشيئته بأن تكون من قسمته و نصيبه ، ويلهمها كي تتزوجه بعد أن استبدلت الأدنى بالذي هو خير ، ولكن هي ساعة القدر التي يعمى فيها البصر ، ظلت ترددها وتقلب كفيها ما بين حسرة وندم على هذا العريس (( الغفله )) الذي دفع الثمن البخس في سوق النخاسة معتقدا أنها ستكون كجارية تحت قدميه ، أو أنه سيقطع رأس الهرة في ليلة دخلتها كي لا تموء في حضرة مجلسه من بعدها ،  وهكذا ظلت تحذره من عواقب غضبها حتى دقت نواقيس كبرياء رجولته و صفعها على حين غره ، فكانت القشة التي قصمت ظهر هذا الزواج السعيد في يومه الأول . 

الجمعة، 5 أكتوبر، 2012

بين البصلة وقشرتها


استيقظت في هذا الصباح مبكرا وعلى غير أوانك ، ولكن ضجيج الأصوات وارتداد ذبذباتها وهي تخترق الجدر العازلة لمنزلك ، كانت كصفارات الإنذار المنبعثة في الحروب ، فنهضت مفزوعا واستعذت من الشيطان الرجيم ، وطمأنت نفسك بطلب الستر من الخالق الكريم ، وتوجهت مسرعا تقرع باب الجيران ، وزاد اضطرابك بعد أن استحالت الأصوات من صراخ وعويل إلى اشتباك غير مرئي ، ترجح فيه الاستعانة بمواد زجاجية كانت تتحطم تباعا على الجبهة الداخلية للباب ، وهذا كان يستدعي إلحاحك بالضغط على الجرس بكلتا يديك ، وركل الباب الخشبي المتأهب للسقوط بكلتا قدميك ، ولا يزال تقاذف الشتائم التي انتهكت جميع الأعراض ، الأحياء منها والأموات ، يقترب من مسامعك أكثر ، حتى انكشف المستور ، وشرع الباب على مصراعيه ، وقد وقف خلفه رجل ضخم بثياب عارية من نصفه الأعلى ، وقد سكنت على وجهه علامات مخالب قطة كانت على مايبدو جائعة منذ أيام ، وقبل أن تبادر بسؤاله عما يحدث ، ينبعث الصراخ والعويل مجددا من وراء الباب ، وتنهمر الشتائم بغزارة لتغرق شرف كل نساء عائلتك ، أنت وذلك الرجل الضخم الذي لا يلبث أن يرد على تلك الشتائم بما هو أشد وطئا وأعظم قيلا ، ولازلت تسأله بصلاة على الحبيب المصطفى كمحاولة لإخماد ثورة غضبه ، حتى بادرك بلكمة أفقدتك البصر مؤقتا في عينك اليسرى ، وإغلاق الباب في وجهك كي يستأنف معركته الضروس مع قطته ، عفوا ، زوجته التي ظلت شتائمها تقرع طبلة أذنك حتى غادرت مهرولا إلى ناصية الطريق العام . 

ولكن هذا اليوم المشؤوم جعلك أسيرا لظروف تدفع بك إلى التدخل في اشتباك بدأ للتو بين سائقي سيارة عمومية و أخرى خصوصية ، وذلك بعد أن ارتطم الأول بسيارة الثاني عند توقفها المفاجىء من أمامه ، فهرولت لفض الاشتباك بين الرجلين ، ولكن وقوفك كدرع بشري بينهما ، جعل كل اللكمات والرفسات والصفعات من نصيب جسدك الذي تكلم قبل يوم القيامة ، ليس ليكون شاهدا على ذنوبك ، بل ليلعن الساعة التي وافقك فيها الرأي للذهاب والإصلاح بين هذين الثورين الهائجين .

وتوجهت إلى مكان عملك ، وكم كنت تتمنى لو أن إجازة طارئة منعتك من الذهاب في ذلك اليوم ، فزميلتك التي اكتمل نصاب حملها بشهوره التسع ، كانت تتوسلك للذهاب معها إلى غرفة المدير الغاضب من تأخرها عن موعد الدوام الرسمي بخمس دقائق ونصف ، لعله يسمع منك ويقتنع بعذر المخاض الذي زارها طوال الليل ثم تراجع بعد الفجر عند وقت الضحى ، فذهبت وأنت على ثقة بأنه لن يردك عن بابه خائبا ، وحين شاهدكما معا ، اكفهر وجهه وامتعض وعقد حاجبيه وصفق الباب في وجهك ووجه زميلتك قبل أن تتفوه بالكلام ، وقبل أن تعود إلى مكتبك ، تناديك السكرتيرة المتصابية في الهرم ، لتبلغك بقرار المدير بخصم مغادرة زميلتك من رصيد إجازاتك السنوية ، وعندها ضحكت قليلا وبكيت كثيرا ، إذ أنك تذكرت بعد كل هذه الأحداث ، مثلا شعبيا ذائع الصيت ، كانت والدتك تردده بسخرية بحق كل وجوه الخير التي تتدخل فيما لا يعنيها : (( يا داخل بين البصلة وقشرتها ... مارح ينوبك منها إلا ريحتها )) .