الجمعة، 28 أكتوبر، 2011

نور


في منتصف الشهر الأخير من عام 2009 ، وبدعم ومساندة وتشجيع من صديق العمر النادر ( نادر أحمد ) الذي لا تزال قصة صداقتنا تكتب في كل يوم سطورها الخالدة ، بدأت رحلتي في عالم التدوين ، وكم كنت حينها خائفا من الخوض في غمار هذه التجربة ، ليس بسبب خوفي من الدروب المجهولة التي كنت على وشك المسير فيها ، بل لأنني كنت الرجل الصامت دوما أمام كل الأحداث التي مضت في حياتي كفيلم سينمائي كانت مشاهداته في عجلة من أمرها لحظة العرض .

عندما كتبت إدراجي الأول عن علاقة الأخ بأخته ، والذي تصادف يوم كتابته بذكرى مصرع شقيقتي الذي شهدت تفاصيله وأنا لم أكن حينها قد تجاوزت عامي الثالث ، بكيت ملء قلبي وراودني إحساس غريب ما شعرت به من قبل ذلك قط ، فكم كنت أتمنى في تلك اللحظات لو أنها كانت لا تزال على قيد الحياة ، أقسم أنني كنت لن أتردد في تقبيل الأرض تحت موطىء قدميها ، ولكنها رحلت قبل أن تكمل منتصف العقد الثاني من مشوارها القصير في هذه الحياة ، وعلى الرغم من مضي كل هذه السنين ، إلا أنني في كل ليلة أعتذر لها عن صغر سني الذي لم يمكني من مجرد محاولة إنقاذها وهي تختنق في الحمام من انبعاث سموم السخان ، ولذلك كتبت لها مرة أخرى بعد عشر شهور لعلي أجد لي مناصا بين الحروف والكلمات ، فلم أجد قلمي يبدأ إلا بعبارة واحدة (( عذرا يا أختاه )) .

وفي خضم الحالة النفسية السيئة التي أشعلها قلم الذكريات ، حضر أول زائر لمدونتي ، أو بمعنى أصح أول زائرة ، إنها من أطلقت عليها لقب (( نوارة المدونة )) ، إنها نور ما بعده نور ، ففي ذلك اليوم تحديدا وأنا ارتجف من برد أحزاني ، جاء تعليقها كوسادة دافئة غمرتني بالحنان واللطف ، واكتملت فرحتي بتشجيعها ومساندتها لي كي أكتب وأكتب ، فكانت المرأة التي حفزت قلمي للبوح بما يختلج صدري من كلام كنت قد ردمته بتراب اليأس بعد استهزاء وسخرية لجنة التحكيم من قلمي في سنتي الجامعية الأولى حين نظمت أول قصيدة شعر .

اليوم يا نور لابد من الاعتذار منك ، فهذا الإدراج كان يتوجب كتابته منذ أمد بعيد ، فوجودك إلى جانبي مع مرور كل هذه الأيام ، ووفاؤك لكتاباتي في زمن ضاع فيه الوفاء ، تضيق أمامه لغتي ولاتسعفها مفرداتها كي تعبر لك عن مكانتك عندي ، ولربما يكون أصدق القول ، أنك من جعلت لقلمي نبضا وروحا ، بل أنت من سهرت على تربيته وهو لايزال في المهد صبيا ، حتى بدأ ينضج ويشتد عوده ، ومع ذلك لم تفارقيه البتة ، وكأنه ولدك وأنت أمه .

أتذكرين يا نور سجالاتنا الفكرية ومناقشاتنا المطولة بعد كل إدراج ، كنت في كل يوم أتعلم منك درسا جديدا في تجارب الدنيا ومعارفها الحياتية ، وعلى الرغم من أنك أصغر مني بثلاثة أعوام ، ولكنك كنت دوما تبهرينني بثقافتك وسعة تجاربك ، وكأنك تكبرينني بثلاثين عام .

ومع أنك تقطنين في النصف الآخر من الكرة الأرضية إلا أن ذلك لم يقف حائلا لتكوني رفيقة مشواري الكتابي في السراء والضراء ، و كلماتك لم تتوانى عن رسم أجمل لوحات الوفاء عند نهاية كل تدوينة كنت أكتبها ، حتى مضت بنا فصول السنة وتعاقبت مناسباتها ، ونحن على حالنا ، قلم يكتب وحبر يسانده كي لا ينضب .

في النهاية لا يسعني إلا القول : (( أن الأشخاص الذين يحيطون بنا يشبهون الكتب ، فمنهم من يغريك مظهر تصميم غلافه و مقدمة حروفه المنمقة بعناية فائقة ، إلا أنه وبمجرد تقليبك لصفحات ذاك الكتاب ، تدرك كم كنت مخطئا في لهفتك على قراءته ، وهناك كتب تتوسطها عناوين عريضة ، تجذبك إليها كالمغناطيس ، ولكنك تندهش أن متوالية كلماتها بعد ذلك لا تمت لذلك العنوان بأية صلة ، وهناك كتب لا تسأم مرافقتها وتكرار قراءتها والتعلم منها والاحتفاظ بها في صدر مكتبتك حتى تجد نفسك وقد توحدت مع سطورها في أفكارك ومشاعرك وتصبح لك مرجعا في العديد من شؤون حياتك ، وأنت يا نور بالنسبة لي مثل ذلك الكتاب تماما )) .

الجمعة، 21 أكتوبر، 2011

حالي في غيابك


أجلس وحيدا أمام بحر أحلامي ، و أتأمل الأمواج وهي تزحف نحوي بخجل ، أرفع هامتي إلى السماء المتلبدة بالغيوم ، وألتفت من حولي إلى أغصان الأشجار العارية ، فأجد عصفورا يشاطرني صمت اللحظات ، وحينها أسأل الطبيعة بصوت تعتريه الخيبات ، عن سبب استحالة حضورك كلما ارتعش قلبي بمناجاتك .

أهوي بقبضتي على حبات الرمال وأستذكر معها قسمي عندما شبهتها بالنساء من بعدك ، ولا غرو أنه يخيل لي بين الفينة والأخرى أنك ستثبين أمامي كحورية قادمة من أعماق البحار ، بل لربما أتمادى في خيالي وأجد طائرا أسطوريا كالعنقاء يعينني على الإتيان بك قبل تتابع نبضتين من نبضات قلبي المحترقة شوقا إليك .

حالتي في عشقك عصية على الفهم والتفسير ، فكلما اغترف قلبي من مياه حبك ، أجده وقد اشتد به الظمأ أكثر ، فكم يلزم قلبي أن ترويه إذن ، كي يتخلص من تصحره العاطفي في غيابك ؟

كم أتمنى في كل ليلة لو كان باستطاعتي الوقوف أمام نافذة بيتك ، ومراقبتك وأنت غافية كالملائكة على وسادتك ، فاستنشق عبير أنفاسك ، وأقبل موضع كل أثر لامسته أناملك ، ولاضير إن تثاءب الفجر وتكاسل عن موعده في الحضور ، فكل دقيقة سيتأخرها تهبني ألف عام من نشوتي بقربك .

قولي لي ماذا أفعل بأشواقي المتداعية في بعدك ؟ ألا تدرين أنني في مرحلة متقدمة من الإدمان على حبك ؟ ولا يسعني إلا الجنون والهذيان كلما تباعدت الجرعات التي أنعم فيها بوصلك .

إن قلبي الآن يحتضر ، وأنت أقرب إليه من حبل الوريد ، فهبي لنجدته ولا تترددين ، فهو بقربك سيدخل جنة الحياة ويكون فيها من أصحاب اليمين ، وأما في بعدك فمصيره في هذه الحياة جهنم وبئس المصير .

الجمعة، 14 أكتوبر، 2011

أماه غني ... زغردي


قميصي ما قد من دبر ولا من قبل ، فلقد ادخرته ليوم كهذا ، خذوه لأمي ، وكفكفوا به دموع عينيها التي ابيضت وهي تنتظر عودتي ، وقولوا لها أن حلمها البارحة ما كان أضغاث أحلام ، فأنا بمشيئة الله تعالى قادم إليها ، وسأحطم قضبان سجونهم التي حجبت شمس لقائنا منذ ثلاثة عقود .

صبرك الجميل في غيابي سيكمل عدته ويرحل راضيا مرضيا ، فاخلعي ثوبك الاسود يا أمي وغني وزغردي وزيني باب الدار ، واشعلي الموقد لتطعميني بيديك ، ودقي البن بالهاون ، فكم أنا مشتاق لفنجان قهوتك يا أمي .

لا زلت أذكر يوم اعتقالي وكأنه حدث بالأمس ، ولازلت أذكر جسدك الذي حال بيني وبين أجسادهم المدججة بالسلاح ، ولازلت أسمع آهاتك وهم يدفعون بي مكبلا بأغلالهم خارج فناء الدار ، لم أتمكن ولأول مرة في حياتي من تلبية نداءك يا أمي وأنت بحرقة تصرخين : (( ولدي ... ولدي ... ولدي )) .

أعوام مضت وأنا في سجونهم ، وذاكرتي تتهالك فيها صور الزمن الجميل لأيام حريتي ، حتى كدت أنسى كيف يكون العالم خارج جدران السجن ، ولكن داء النسيان كانت تستقر أعراضه كلما تذكرت وجهك يا أمي وأنت تعدينني بالتضرع للرحمن بعودتي وأنت ساجدة في باحات المسجد الأقصى .

ابعثي بسلامي يا أمي لغزة هاشم ، وقبلي ثراها الذي ما استكان لطائراتهم ودباباتهم وبوارجهم الحربية ، فبرغم كل آلامها وجراحها ، ابتلعت شاليط في جوفها ورفضت أن تلفظه دون عتق رقابنا التي طال بها الأمد في الأسر .

انتظريني أماه فإن الغد لناظره لقريب ، ولكن أسألك بالله أن لا تبكي عندما تضميني لصدرك ، بل اضحكي وزغردي ، فولدك سيدخل بمشيئة الله تعالى آمنا إلى ذراعيك ، أما أمي الحبيبة فلسطين فلست أدري متى سيدخل أبناؤها المهجرون إلى ذراعيها آمنين ؟

هذا الإدراج إهداء ومباركة مني لعائلات الأسرى الفلسطينيين الذين سيتحررون من سجون الاحتلال الاسرائيلي بمشيئة الله تعالى ...

الجمعة، 7 أكتوبر، 2011

ما أسهل الشفاء منك


ما الذي دفعه للبحث عنها ؟ هل كان حقا يود الاطمئنان عليها ؟ أم أنه كان يقنع نفسه بذلك كي يخفي حقيقة ضعف مقاومته إزاء الفضول الذي كاد يفتك به وهو يحاول عابثا تقصي الحقائق عن حالها في غيابه .

نعم لقد هجرته وبملء إرادتها ولم تتعثر خطواتها التي عقدت العزم على الرحيل بمطبات الحنين أو الاشتياق ، و اختارت لنفسها حياة لا تبدأ أو تنتهي بحروف اسمه ، فأضحت غير قابلة للإلتقاط وكأن رياح حضوره كانت تهب دوما في الإتجاه المعاكس لسارية قلبها .

ولكن كيف حدث هذا ؟ وقد كان قاب قوسين أو أدنى من تسجيل أوراقه الثبوتية لدى وزارة الحب ، فصفحات سيرته كانت زاخرة بالأيام التي مضت في حياته وهو يتعلم كل المناهج العاطفية التي تؤهله لحبها ، وعندما تجاوز كل الاختبارات الأولية لمشاعرها بنجاح ، إذ به يهوي عند الاختبار الأخير في وديان الفشل .

لعلها كانت تنتظر باحتراق قدومه إليها ، و لابد أنها غارقة في بحر الندم ، ولكن كبرياء الأنثى في داخلها يمنعها من البوح بذلك ، فهي بلا شك كسائر النساء (( يتمنعن وهن الراغبات )) .

وعلى وقود تلك الكلمات ، انطلقت به سفينة الأمل للقائها مجددا ، معتقدا أنها كانت تعد نجوم السماء في حضرة غيابه ، تماما كنساء البحارة عندما يجلسن في كل ليلة أمام نوافذهن المطلة على البحر أملا بعودة سفينة رجالهن .

وحين أزف اللقاء ، لم يلاحظ تورم عينيها من تعاقب ليالي السهر عليها وهي تنتظر عودته ، ولم يطرأ أي تغيير جذري على ملامحها وكأنها صورة فوتوغرافية ملصقة في متن وثيقة رسمية ، ومع هذا تجاهل برودها الواضح ، و ظل يقنع ذاته بنظرية كبرياء الأنثى ، وأنها ليست سوى محاولات عابثة لاحتراف هيئة اللامبالاة الزائفة .

لم يمهد الطريق لسؤاله الذي ينخر رأسه منذ رحيلها ، وذلك بمحاولة استدراجها بدءا بتساؤلات فرعية ، ظنا منه أن ذلك مدعاة لاضطرابها ، تماما كتلميذ فوجىء بعد دراسة مستفيضة ، بامتحان الاستاذ الذي جاء بسؤال من خارج المنهاج .

(( أتزالين مريضة بحبي ؟ )) بادرها بذلك السؤال وابتسامة صفراء ترتدي ملامحه الطاغية في ثقتها ، ولكن ضحكتها التي دوت المكان ، كانت كإعصار اقتلع أوتاد خيمة غروره ، لتجيبه وبمنتهى البرود : (( ما أسهل الشفاء منك )) .