الجمعة، 30 سبتمبر، 2011

حبيبتي وتشرين

منذ ثلاثة عقود ، والأيام والشهور والسنين تمضي في حياتي دون أن أراعيها الكثير من الاهتمام ، وتعاقبت الفصول مرارا وتكرارا ، فلا جزعت لوداع أزهار الربيع ، ولا سئمت من رتابة شمس الصيف وقسوة حرارتها التي لا تلين ، وما أشفقت على شيخوخة أوراق الأشجار في الخريف ، وما ارتوى قلبي الظمآن عند مواجهة أمطار الشتاء ولا انبعثت فيه نبضات الحب من جديد .

ومع هذا فكم دونت من أحداث وتواريخ ، قصة حبيبتي الأولى ومن سار على خطاها في وأد أملي قبل بلوغه سن الرشد العاطفي ، أمنياتي وأحلامي المهدور دمها دوما بمقصلة الواقع ، جنوني وهذياني في حوارات النفس البيزنطية ، دموعي وأحزاني على كل لحظة يتجرد فيها البشر من الإنسانية ، هيبتي وإجلالي لكل روح أبية ، سخطي وغضبي على الغرور والنرجسية ، صبري وجلدي على تخبط رياح الدنيا بحالي ، يأسي وخنوعي في مجابهة من ظلمني ، ومناسبات أفراحي الشحيحة التي ضحكت فيها ملء قلبي .

لم أؤمن يوما بضرورة السير متعمدا لجحور تلدغني كي أتقن عبورها سالما في المرة الثانية ، ورفضت الانحناء برأس طائع لوالدتي وهي تجبرني على النوم بجانب شقيقي المريض بالحصبة ، فالتقط منه العدوى التي تشطب زيارتها لجسدي مستقبلا ، وكرهت المعلم الذي واظب على ضربي بحجة خوفه على مصلحتي ، وسخرت من تقريع كبار السن لسيرتي المتمردة على نصائحهم وتوجيهاتهم ، وكفرت بالمسلمات التي لا بد من الوقوف عندها قبل البدء بأية تجربة حياتية ، وأسقطت كل الأساطير والرموز كي لا أشق طريقا قد ضجر نفسه من كثرة خطى من مشى فيه من قبلي .

أنا لا أكره الحياة ومع هذا لست متلهفا عليها ، ولكنني سأمت من الحزن الذي حرصت على مرافقته طوال حياتي ، ولهذا هجرت من يصر على معاتبتي عند كل قول أو فعل ، ونبذت النساء وراء ظهري كلما اعتقدن أنهن يمتلكن قلبي بالدموع والجفاء ، وألقيت الملح بعيدا عن طاولة طعامي ، وأغلقت المذياع والتلفاز كلما تأهبت الآهات للوثب من حناجر الغناءين ، وأتلفت ثيابي السوداء ، ومزقت كل رواية قرأتها وبعثت في نفسي الكآبة والألم ، حتى أنني استأصلت من ذاكرتي كل اللحظات التي تسببت في تكدر مزاجي واضطرابه .

واليوم سقطت آخر أوراق أيلول لتترك أغصان شجرة هذا العام عارية من الفرح ، وهذا ما كنت دوما أعتقده قبل مجيئك إلى حياتي ، فلقد تواطئت الطبيعة في ذكرى يوم ميلادك ، وأزهرت أيام حياتي بالفرحة مجددا ، فأجيبيني واصدقي القول : ألهذا كانت تتغنى فيروز بأزهار تشرين ؟

ماذا سأهديك اليوم ؟ قصيدة لنزار أم أغنية لكاظم ؟ فذاك قالها والآخر غناها : (( كل عام وأنت حبيبتي )) ، ولكن لا يا حبيبتي ، فأنا أبحث اليوم عن كلام ماقيل بعد ، وعن جملة ماسبقني فيها عاشق قط ، ولكنني من فرط فرحتي بلقائك ، تناثرت كلماتي في معجم حبك وعجزت عن جمعها في تركيب لغوي متناسق ، وكأنني عدت طفلا يتعلم النطق من جديد .

كم أتمنى أن أراك اليوم وأنت ترتدين فستانك الأحمر ، واستأذن ( Chris De Burgh ) وأتغنى بك يا سيدة النساء على أنغام غربية المزاج ، خالية من الآهات ( Lady in red ) ، وعلى منصة أحلامنا وضوء القمر يرافقنا ، سأحتفل بك وأعلن أمام الكون بأسره ، أن في مثل هذا اليوم ولدت حبيبتي .

سأجيبك اليوم لماذا أنت من اختارك قلبي ، لأنك وبكل بساطة تختلفين عن كل الشخصيات التي سأمت تكرار تواجدها في مشوار حياتي ، هم جعلوني أبكي وأنت جعلتني أضحك ، هم اعتقدوا أنني سأتأثر بهم كلما زيفوا لي عمق شخصياتهم وتعقيدات تجاربهم ، ولكنهم غفلوا أن البساطة والعفوية شيفرة العشق السرية ، هم بنوا السدود والحواجز ، ظنا منهم أن معاناتي في الوصول إليهم ستجعلني أعد آلاف الخطوات قبل العزم على فراقهم ، أما أنت فكنت على العكس تماما ، مهدت أمامي أقصر السبل التي تصل بي إلى قلبك ، وغمرتني حبا وحنانا ، فهنيئا لي بذكرى ميلادك وهنيئا لقلبي بحبك وهنيئا لأيامي بتدوين سطور السعادة التي بدأت حروفها الأولى مع حلول تشرين .

السبت، 24 سبتمبر، 2011

صخرة الأحلام

في فضاءات الآمال المستحيلة ، تخلع السماء رداءها الأسود ببطء متعمد ، و تتأمل مشجب الوقت ، وكأنها لا تدري إن كانت ستأوي إلى عتمة متداعية في ألوان ثياب أخرى ، أم أنها ستختار ثوبها الأزرق ، وتشرق فيها شمس الأمل المختبئة خلف الهضاب والجبال المتصدعة من خشية المجهول ، فالنور والظلام لا يجتمعان بل يتعاقبان .

لماذا كانت تداعبها تلك الهواجس في أثناء جلوسها أمام البحر ؟ لماذا كانت تذرف الدموع وتبتسم شفتيها في آن واحد ؟ هي تعلم تماما أنها تتنفس حبه وتعشقه بجنون ، ولكنها تدرك أيضا أن كل الدروب بينهما محكمة الإغلاق ، فهي لها عالمها وهو له عالمه ، لا تراه ولا يراها ، ولكن كلاهما يدري بأن الآخر موجود ، فهل هي أنسية وهو جان ؟ أم هي جنية وهو إنسان ؟

تبتعد عيونها مجددا إلى ما وراء الأفق الممتد لتمخر عباب البحر ، فماذا تراها تنتظر ؟ أتود أن تصل سفينته إلى ميناء لهفتها المحترقة لغيابه ؟ أم أنها تخشى أن يغرق شوقا قبل الوصول إليها ؟

وتعاود عيونها معانقة الأمواج المتلاطمة على الصخرة التي كانت قابعة عليها منذ ساعات ، وأسدلت قدميها مستسلمة لمياه البحر ، فتسارعت نبضات قلبها وتتابعت تنهيدات صدرها دون انقطاع ، وأصابتها قشعريرة عصية على التفسير ، وكأن أنامله هي من تداعب قدميها ، فأغمضت عينيها وبسطت كفيها وعانقت نسمات الهواء ، وبدأت تناديه وتستجدي حضوره إليها ، وأجزلته وعودا أن لا تتركه يغادر صدرها مهما حصل .

بدأت تسمع صوته وهو يهمس في أذنيها قائلا : (( كم يلزمني أن أقول لك أحبك كي تنامي قريرة العين ... كم يلزمني أن أقسم بحروف اسمك كي تطمئني أنني لن أرضى بامرأة غيرك ... كم يلزمني أن أهذي بعشقك لتدركي أنني مذ خلقت لم ينبض قلبي بحب امرأة قبل لقائك )) .

تداعت الابتسامة فوق شفتيها الخمريتين ، وأزهرت ورود جورية على وجنتيها الخجلتين ، وعاهدته أن لا تكون قصتهما بعد اليوم أحادية العطاء ، فهي ستغمره عشقا كعشقه بل وربما أكثر ، وإذ بصوت يناديها من بعيد ، تفتح عينيها وتنهض كمن يستيقظ مفزوعا من نومه إثر كابوس مزعج ، التفت خلفها ، فأدركت أن واقعها يناديها من جديد ، ارتدت حذاءها وتركت صخرة أحلامها دون استئذان ، كتمت دموعها في صدرها وتزينت لواقعها بابتسامة زائفة .

الجمعة، 16 سبتمبر، 2011

عندما أحلم بك



لا عجب أنني لجأت إلى عالم الأحلام ، فما من سبيل كي ألقاك وأتحسس أناملك وهي تلتف حول ذراعي ، كطفلة أدركت الأمان بين ضلوعي ، وحينها لا يكفيك أن أربت بيد مرتجفة بالشوق على كتفيك الصغيرين ، و لا يقنعك أن أمسد جبينك بقبلة أو قبلتين ، وأضمك إلى صدري مرة أو مرتين ، وأداعب رأسك الساهي على كتفي بيد واحدة أو بكلتا اليدين ، بل إنني أظل عاجزا وأنا أجد طيفي وقد انعكس في مرآة عينيك ، أن أفسر لك كيف يشعر الرجل بعظمته وهو يقف بين يدي محبوبته .

هاتِ كفك ودعينا نرقص في عتمة الليل لا نخشى تعثر خطواتنا ، فنور وجهك يكفي ليضيء حلكة الظلام ويرسل القمر إلى دياره لأجل غير مسمى ، ولا تسأليني مترددة عن الأغنية التي سنختارها لرقصتنا ، فتنهيدتك هي اللحن وابتسامتك هي النغم .

عندما أحلم بك ، أنسى كل هموم الحياة ولايعنيني من أمرها ما يثير الكدر ، فما أسعدني بحلمي الذي ليس بمقدور ديكتاتور بشري أن ينتزعه مني ، ومع أنني على يقين بأن الواقع لن يجمعنا ، فيكفيني زهوا أنك في الحلم حبيبتي وحدي ، لا يراك أو يسمعك غيري ، ولا يشاركني فيك من هذه الدنيا أحد .

أتدرين يا حبيبتي من فرط شوقي إليك في كل نهار ، بت أتمنى لو أن الليل لا ينقضي ، كي لا ينتهي حلمي بك سريعا ويبدأ نهاري بعدها طويلا مثقلا بواقع العيش الذي فرضته أجندة الأيام الماضية في حياتي بعيدا عنك ، فبالله عليك أخبريني كيف أزجي وقتي حتى يحين موعد حلمي بك في قطع الليل السارية كلمح البصر في محجر العين ؟

كلما نظرت في وجوه النساء ، أدركت أنني لا أنتمي لأحد سواك ، فهل أوصدت باب قلبي ؟ أم أنك أخذت عهدا منه دون علمي ؟ فلا يبرح مكانه ولا ينبض إلا حين أحدثه عنك .

أحلامي بسيطة وليست في غاية التعقيد ، أحتفظ بحبك لنفسي ، وأعلم أنك ستظلين كنجمة عالية في سمائي ، فلا أنت ستهبطين للقائي ولا أنا سأصعد للقائك ، جل ما أتمناه فقط أن لا أفقدك في ليلة من ليالي أشواقي وهي تناديك بكل أسماء الحب .

سأذهب الآن إلى سريري ، وألقي بجسدي على فراشي المنهك من فرط أشواقه لك ، وأناظر السماء حتى أغفو ، ولكنني في هذا الحلم القادم لن أتمنى مجيئك وحسب ، بل سأنتظر منك أن تحدثيني عن حلمك أنت ، هل كنت فيه حبيبك ، كما أنت في كل الأحلام حبيبتي ؟

السبت، 10 سبتمبر، 2011

أعلم أنك ستنساني ؟

قالت : (( أعلم أنك ستنساني ... فكثيرات هن حبيباتك ... ولكنني سأظل أذكرك كلما حان وقت الغروب ... فأنت حينها كالسماء لا تكترث لوداع الشمس ... وسأذكرك كلما جاء الخريف ... فكم هو يشبهك حين يرغم أوراق الأشجارعلى مفارقة الأغصان ... تماما كما تفعل بقلوب النساء الملتصقة بقلبك ... وسأذكرك كلما حضنت أمواج البحر قدمي العاريتين و عادت أدراجها مسرعة من حيث أتت ... تاركة لي أطلالا من ذرات ملح حضورك ... وسأذكرك كلما شاهدت طفلا يبكي ومن ثم يبتسم قبل أن تجف دموعه ... فهذا هو حالك عندما تلتقي بامرأة وجرح وداعك لسواها لم يلتئم بعد ... مهما ابتعدت لن أنساك كما ستفعل أنت )) .


عندما قلت لي هذا الكلام ، لجأت إلى كهف الصمت ، وما أسعفتني حروفي في إيجاد الرد ، ولكنني قررت اليوم أن أعترف لك بما أخفيته عنك منذ زمن ، وما كان من سبب لسكوتي سوى خوفي أن لا أكون من ارتضاه قلبك حبيبا واطمأنت له روحك رفيقا ، وها أنت تعترفين الآن بسرك ، وتلبين نداءات قلبي التي ما انفكت يوما عن التغزل بك وحدك ، فهل حقا لا تدرين إلى الآن أنك حبيبتي الأسطورية ؟


أنت في سمائي شمس لا تغيب ، وأوراقك ستكتسي غصون أيامي ولن تفارقها في شتاء أو خريف ، وأقدامك ستجدني أينما وطئت ، فلقد نثرت عشقك فوق كل حبة رمل على شواطىء البحار ، بل إنني طفل لا تجف دموعه إلا على صدر قلبك ، فكيف سأنساك وأنت تسكنين الروح وتجرين في عروقي سريان الدم ؟


كيف أنساك ؟ وأنا من قبلك ما عشت ، ومن بعدك أكون قد مت ، كيف أنساك ؟ بعد أن تذوقت حلاوة الحب ، وأدركت جنة العشق ، كيف أنساك ؟ وأنت من تستدل بك الخلائق على عنواني ، كيف أنساك ؟ وقد أغلقت كل الأبواب المؤدية إلى قلب امرأة غيرك .


أتدرين كم انتظرت حتى عثرت عليك ؟ أتدرين كم بحثت عنك ؟ أتدرين كم مضيت في دروب مجهولة للوصول إليك ؟


خانتك ظنونك صدقيني ، لأنني سألقي بكل أوراق الاعترافات في هذه اللحظة أمامك ، ولن أكترث لما قد يحدث لي بعدها ، فقد علمتني التجارب أن الاعتراف بالحب أمام المرأة مدعاة لجفائها ، ولكنني أعشقك حد الجنون ، وهذه حقيقة راسخة في تاريخ قلبي ، ولكن حذار أن تنامي قريرة العين إذا سفكت أنوثتك دماء لوعتي ، فقلبي ليس كسفينة الصحراء يكابد الظمأ طويلا ، فارويه قدر استطاعتك ، لأنه لا يتلذذ إلا بعذوبة ماء منبعه قلبك أنت .

الجمعة، 2 سبتمبر، 2011

تردد أنثى


إنني في أمس الحاجة لحروف قاطعة الدلالة في قاموس كلامك ، فإما أن أكون حبيبك أو لا أكون قط ، كفاك هروبا إنني أرجوك ، فليس بمقدوري الصبر أكثر ، فأنا على شفا حفرة من السقوط في هاوية اليأس .

كم أتمنى في بعض الأحيان لو نتبادل الأدوار ، لعلي أفهم سبب وقوفك بين الجنة والنار ، وأجد إجابات قاطعة لتساؤلاتي عن سبب ابتعادك كلما شعرت بدنوك من منعطف مواجهتنا المحتمل .

أتخشين ما تخفيه لنا بوابات المستقبل ؟ فلا تتجرأين الاقتراب والمراهنة على ما قد تجدين خلفها ، أم أنك امرأة لا ترضى بأدنى خسارة ؟ و تبحثين عن صفقة عاطفية تجنين من خلالها أكبر قدر ممكن من الطمأنينة والسعادة .

لماذا تفتقدين لروح المغامرة ؟ لماذا أنت راضية بالواقع والمنطق إلى هذا الحد ؟ ألا تتمنين للحظة التحرر من طبيعتك المستقرة ؟ والهذيان في ضروب من الجنون خارج كل حسابات العقل والحكمة .

ألا تسأمين العيش في مناخ حياة واحد ؟ لماذا تفضلين رتابة ما اعتدت على فعله دوما ؟ وتتشبثين بالعصفور الذي لا يطير عن كفك بعصافيري التي تغرد فوق أشجار قلبك في كل ثانية ودقيقة .

كلما جلست لأكتب إليك ، أجد أن نهايات جملي تنتهي بعلامات الاستفهام ، فمتى سيأتي الوقت الذي سألقي فيه بكل تلك التساؤلات وراء ظهري ؟ وتجيبيني بعبارات لا تحتمل التفسير والتأويل والاجتهاد في النص .

أذكر تلك الأيام المتبعثرة بالغياب ، وأذكر سؤالي الأول حين التقينا ، حاولت جاهدا أن استعين بكلمات ترغمك على الإجابة بـ (( نعم أو لا )) ، ولكنك وبكل براعة لغوية تمكنت من المراوغة والالتفاف بعيدا عن إجابات النفي أو الايجاب القاطع ، و جعلتني مجددا أقف على ناصية الحيرة والشك ، كي لا أعرف أبدا أثر حضوري عن غيابي في حياتك .

ولازلت أذكر طرائقك في استفزاز مشاعري الملتهبة نحوك ، حين كنت دوما تبدين عدم اكتراثك لأي أنثى تتغزل بي أمامك ، بل إنك كنت تسخرين من محاولاتي العابثة في ارغامك على إظهار ما يدلني على أدنى نسبة مئوية من احتمال اشتعال فتيل ضئيل لغيرتك .

أنا لست ضعيفا أمامك وأنت لست قوية أمامي ، إنني أحاول فقط أن استكشف ما وراءك ، فأنت لا تريدين أن ارحل بعيدا عنك ، ولاتريدين أن اقترب منك كعاشق ، وأنا صدقا لا أرغب بلعب أدوار ثانوية في حياتك ، ولذلك عليك أن تختاري ، بين الحب أو اللاحب فجبن أن لا تختاري .