الخميس، 29 مارس، 2012

الساحرة المستديرة أم القاتلة ؟

القصة ذات شجون ، فهي تنطلق من مشهد سخيف في أحد البيوت التي كانت في يوم مطمئنة ، بعد أن اجتمع اثنان من الأخوة في سهرة كان ظاهرها عائلية ، في حين كان باطنها غل وحقد متوارث عبر الأيام بين الشقيق الذي كان على الدوام مضطهدا من شقيقه الأكبر في كيفية تصريف شؤون الحياة ، وهذا لم يستدع سوى مرور بضع دقائق من مباراة الدوري الإسباني بين (( ريال مدريد وبرشلونه )) و التي كانا يتابعانها برفقة أبنائهم وزوجاتهم ، حين هتف أحد الأبناء بعبارة استفزازية بعد هدف (( ميسي )) الأول في مرمى غريمه قائلا : (( رح نمسح فيكم الأرض )) ، لتأخذ ولد عمه حمية (( مدريدية )) ويشتمه بلعن والده ، وهذا كان سببا كافيا لصفعه من عمه ، ورد تلك الصفعة بمنفضة السجائر التي هوت بسقوط حر على جمجة رأسه من شقيقه الأكبر ، ونشوب مشاجرة كبرى لم تنتهي إلا بجريحين من أفراد العائلة بحالة خطرة بين الحياة والموت .

وتزداد سخافة المشهد وألمه اتساعا ، عندما يردد أحد المندسين عبارة استفزازية في أحد ملاعب كرة القدم بمدينة عربية ، لينجم عن ذلك سقوط أكثر من خمس وسبعين قتيلا ومئات الجرحى ، فضلا عن قطيعة دبلوماسية كادت أن تحدث بين دولتين عربيتين بسبب مباراة حاسمة في التأهل لنهائيات كأس العالم ، و يكفي التأمل قليلا  بما يتم ترديده في ملاعب الكرة من هتافات عنصرية أو شتائم بذيئة تطال في مناسبات عديدة عرض أوطان وبلاد مغتصبة ومحتلة ، وهذا إنما يدل على مدى وعي ونضوج عقول المجتمعات التي تطالب جهارا ونهارا بالحرية . 

وليس أجمل من كل هذا ، سوى سلوكيات بعض شيوخ البلدان النفطية في الآونة الأخيرة ، ففي الماضي كانوا يشحذون أموالهم ويتسابقون على عارضات الأزياء والممثلات و الراقصات والمغنيات المغناجات من مختلف الأعراق والألوان والجنسيات ، ولكن في هذه الأيام اختلفت ميولهم وأهوائهم ، أو بعبارات أخرى ، فقد أصابهم السأم من المفاخرة بالنساء ، وبدأوا يبحثون عن طرائق أخرى في إثبات مشيختهم حول العالم بأسره ، إلى أن اهتدوا إلى مجال سيجعل صيتهم يجاوز عباب السماء ، فتهافتوا على شراء أندية كرة القدم الأوروبية بحجة أنها ستكون مشاريع استثمارية ناجحة على المدى المتوسط والطويل .

حبكة القصة تكتمل عند التفكير في نهائيات كأس العالم التي ستستضيفها إحدى البلدان الخليجية ، والأموال الطائلة التي سيتم انفاقها في سبيل الإعداد لهذا الحدث العظيم ، ثم تأتي الشعوب (( الكومبارس )) في هذه القصة وتأكل بعضها في حروب أهلية بحثا عن لقمة العيش ، ولكن ماذا لو تخيلنا أن مثل هذه الأموال قد تم إنفاقها في مشاريع تنموية تحارب الثالوث المرعب في عالمنا العربي (( الفقر والجهل والتخلف )) ؟

كنا نضحك في الماضي على أقوال وأفعال العقيد الليبي البائد ، ولكن ألم يكن محقا في يوم من الأيام حين سخر من قطعة الجلد المستديرة تلك ؟ وحرم ممارستها على الأراضي الليبية قبل أن يعود عن قراره الذكي بغير قصد طبعا ، بسبب عشق أحد أبنائه لممارستها .

أذكر دراستي لمادة عن التسويق في أيام الجامعة ، وتحديدا للمبحث الذي كان يتحدث عن المزيج السلعي ، وهو عبارة عن مجموعة من المنتوجات يتم بيعها من خلال شركة أو علامة تجارية واحدة ، وما يميز ذلك المزيج من حيث قوة مبيعاته وسطوة تأثيره على المستهلكين ، قد يحدث من خلال رواج منتج واحد فيه فقط ، بمعنى أنه لو كان لدى شركة منتج يباع بكثافة ، فإنها تستطيع أن تبيع منتجات أخرى تكون مرافقة لذلك المنتج الرئيس بصرف النظر عن جودتها أو رداءتها ، ومنها على سبيل المثال : (( شركة نستله )) التي بدأت بمنتوجات الحليب واعتمدت عليها لاحقا لترويج كل منتوجاتها الأخرى من الشوكولاته والمياه المعلبة وغيرها ، وأيضا شركة (( نيفيا )) التي انطلقت من خلال كريم للعناية بالجلد ، وتوسعت بعد ذلك لتشمل مختلف مستحضرات التجميل للعناية بالبشرة والجسم .

ما أود قوله من ذكري لموضوع المزيج السلعي ، أن كرة القدم أصبحت المنتج الرئيس في ترويج كل ما يدفع بالإنسانية للإهانة ، فإذا اردت أن تروج لإشعال حرب طائفية  ، فليس عليك سوى التحضير والاستعداد جيدا لبث إعلانها من خلال مباراة كرة قدم ، وإذا أردت أن تسوق وتلمع قناة فضائية ، فما عليك سوى أن تضم لباقات برامجها أهم دوريات وبطولات كرة القدم الأوروبية والعالمية ، وإذا أردت نجاح مقهى أو مطعم ، فما عليك سوى تجهيزه وإعداده بأحدث التقنيات التي ستبث مباريات كرة القدم ولن يكون لرداءة الطعام أو الشراب المقدم من أهمية بعد ذلك ، ولكن يظل السؤال في خاتمة هذه القصة ، هل كرة القدم حقا هي الساحرة المستديرة التي تأسر القلوب ؟  أم أنها القاتلة التي تسفك دماء العقول وتلقيها في غياهب التخلف والغباء ؟ 

الخميس، 22 مارس، 2012

أم الوليد

على إحدى شواطىء البحر الأبيض المتوسط ، تزوج والدها (( اليافوي )) من والدتها (( القبرصية التركية )) ، وبعد مرور شهور أتمت عدتها ، وقبل نضوج بيارات البرتقال في (( يافا )) ، ولضرورات وظيفة والدها كشرطي متنقل بين المدن الفلسطينية ، جاءت إلى الدنيا في بداية تشرين قرب بوابات (( القدس )) ، وحين كانت تستعد لتعلم النطق ، وجدت نفسها تلميذة نجيبة في ضواحي (( الخليل )) ، ولما اشتد عودها وجاوزت طفولتها البريئة ، زج بها والدها للزواج من رجل متزوج بذرية من ثلاثة أبناء ، في أرض هاجرت إليها مرغمة كي تبحث عن فرصة جديدة في الحياة ، لتسجل بذلك مكانها في التاريخ العماني الأول ، كسيدة ستبهر كل من سيجتمع بها بفصاحة فطرية في حديثها ، وبديهة تستحضرها أناتها ، وقلب كالمحيط يتسع لاحتواء كل صنوف البشر من حولها .

ولأن بينها وبين تشرين مواثيق وعهود ، فقد أبرمت معه بالذات عهدها الأغلى ، وهي تهوي على (( وليد )) بصدرها ، كي تطبق شفتيه الباكيتين بماء أمومتها الأول ، وقد ترنم صوتها بأغنية فيروزية ستعتاد غنائها لأربعة أبناء لاحقين ، وسبعة أحفاد سيتعاقبون من أصلابهم ، لا يصمتون عن بكائهم إلا بعد سماعهم لآهاتها وهي تستعد للغناء لهم : (( يلا تنام ... يلا ينام ... لادبحلا وادبحلو طير الحمام ... روح يا حمام لا تصدق ... بضحك على وليد .. منى .. طارق .. ناديه .. أشرف .. حنين .. محمد .. عبدالله .. ساره .. عمر .. ياسمين .. عمر  تينام )) .

وفي نهاية سبعينيات القرن الماضي ، لم تكن (( أم الوليد )) لتتوقع أنها ستلتقي بولد سيستقر في أحشائها مطمئنا ، ويفاجئها بأمومة متأخرة في الأربعين ، ولأنه كان (( آخر العنقود )) فلقد اكتشفت معه عواطف لم تختبرها قط ، فكان صديقها الوفي ومستودع أسرارها الأمين ، وكانت تستذكر فيه دوما شقيقها المهاجر إلى ألمانيا منذ أمد بعيد ، لدرجة أنها كانت تخطئ اسمه كلما كان يأتي بسلوك عفوي يطابق سلوكيات خاله ، فتناديه (( ابراهيم )) وهو يجيبها دون أن يلفت انتباهها أو ينزعج من ذلك ، ويظل يضحك في سره وهو يردد المثل الشهير (( ثلثي الولد لخاله )) .

لم تكن (( أم الوليد )) تدري أنها ستفقد أحد أبنائها في حياتها ، ولكن أقدارها شاءت أن تودع إحدى بناتها قبل أن تطفئ شمعة عمرها الخامسة عشر ، ورغم حزنها الذي فطر فؤادها منذ ذلك الحين ، إلا أنه ظل يفيض حنانا وحبا ، لتتمكن بدهاء أنوثتها ولكن كأم ، أن توهم كل ولد من أولادها أنه المفضل لديها كلما توارت بأحدهم في خلوة أمومة استثنائية .

ومضت بها الأيام والسنين ، وهي لا تدخر جهدا ولا تتوانى عن خدمة بيت لا تزال سيدته منذ نصف قرن من الزمان ، بل إنها لم تشتكي في يوم أو تطالب عونا من أحد ، فلا زالت تقف وحيدة تنظف الصحون والأواني بعد كل مأدبة عائلية يجتمع فيها أولادها ، متجاهلة عروضا سخية لمساعدتها من زوجات أبنائها أو خادماتهم ، ولا زالت في صباح كل جمعة تذهب إلى بائع الحمص والفول والفلافل سيرا على أقدامها ، لتحضر الفطور لزوجها الذي لم يعد قادرا على المسير ، وتصعد أدراج أربعة طوابق كي تشارك أصغر أبنائها وزوجته وأولاده بتلك الوجبة البقولية ، وهو في كل مرة يرجوها أن تستريح ليأخذ مكانها في تلك الجولة الصباحية ، وهي ترفض بشتى الوسائل أن تزعج منامه في يوم عطلته . 

خمسون عاما ، وهي الأم والأخت والزوجة والصديقة الوفية ، ولم تطالب في يوم باسترداد تكاليف تلك السنوات من أحد ، وقد عاشتها لترى غيرها سعيدا دون التفكير بذاتها ولو للحظات ، فكانت استجابتها للمؤثرات من حولها شرطية بتحقق أحداث تتعلق حصرا بالأولاد والأحفاد ، وظلت صابرة لا تشتكي ، على خدمة زوج اعترف بعد كل هذا العمر ، بعجزه عن الصمود يوما واحدا في شيخوخته لولا وجودها إلى جانبه ، وكم أثار هذا الموقف في نفسي من التساؤلات عن الرجال المزهوين بفحولتهم وشبابهم ، كيف يعودون كالأطفال الصغار في أحضان زوجاتهم حين يشيخون أو يمرضون . 

(( أم الوليد )) أم مثالية لثلاثة أجيال ، إخوتها وأبناؤها وأحفادها ، وفي هذا اليوم يقف قلمي وهو يسطر حروف اسمها إجلالا ووفاء ، وتقديرا واحتراما ، ومحبة لا تنضب مهما قيل فيها من كلام ، إليك يا أمي أهدي كل الكتابات ، فلا امرأة تنافسك في قلبي ، وقسما ستظلين حبيبتي الأولى وحبيبتي الأخيرة إلى يوم الممات ، حفظك الله ورعاك يا نبراسا أضاء دروب الحياة أمامي ، ويا أرضا عشقت ثراها ، فأدركت فيها الولاء والانتماء ، كل عام وأنت أمي ، وكل عام وجميع الأمهات بألف خير .

الخميس، 15 مارس، 2012

شامك شامي يا أم الأولاد

على سرير يتهاوى كل ليلة بين أرقها وخوفها وقلقها ، وفوق وسادة تغرق فيها الأنفاس بسيل من عبراتها ، أضمها لصدري وأربت على رأسها بكفي التي ارتعشت أناملها ، وأداعب جدائلها كي تغفو ، فترجوني كالأطفال أن أروي لها حكاية قبل المنام ، وحين أخبرها أن حكايتنا ستكون عن الشام ، تنفرج أسارير محياها ، وتهز كتفي كي تعجل في فك عقدة لساني ، وهي تهتف بلكنتها الشامية المحببة لقلبي (( قولا بقى )) .

يا ابنة الفيحاء الأبية لا تحزني ، ولا تتنهدي بحسرة كلما ألفيت أزقة الشام العتيقة يغسلها الدم ، واصبري ولا تجزعي في كل يوم جمعة حين تأتيك أخبار الإنفجارات التي ابتدعها من لا يخشى الله في العباد ، فهي ستكون قاب قوسين أو أدنى من خطوات أبيك أو أخيك أو أمك ، وحينها فليستمر التطبيل والتزمير بين كل أطراف النزاع ، فهذا يريد كرسيا وذاك يرغب بالحفاظ عليه ، وآخر يود الانتقام لمن أهانه في وسائل الإعلام وسيدفع أمواله لكل متطوع سيجاهد في سبيل رد إعتبار مشيخته ، وآخرون سيدعون حرصهم على حقوق الإنسان وهم أكثر من سفكوا الدماء بأيديهم و أيدي حلفائهم في مشارق الأرض ومغاربها ، وجيران سيترقبون بشغف نشوب حرب أهلية كتلك التي حدثت يوما في لبنان ، وكل هؤلاء لا يدرون أن أهل الشام لا ينتمون إلا للشام ، لربوتها وساحاتها ، لمساجدها وكنائسها ، لأحيائها وأسواقها وحضارتها القديمة بقدم الإنسان .

أنا لست بعثيا ولا قوميا ، ولم أكن في يوم اشتراكيا أو ليبراليا ، وبكل الأحوال لست أيضا من الرأسماليين ، ولست منضما لجماعة الإخوان المسلمين ، أنا شخص يمقت كل التشريعات الوضعية التي خطتها أقلام البشر ، ولا أسمع أو أتكلم أو أرى إلا بكتاب رب العالمين حين قال : (( الفتنة أشد من القتل )) ، فكم هو عدد المتورطين في ذبح شامنا بتفرقتهم إلى شيع ومذاهب يترفع لساني عن ذكرها ؟ 

لك الله يا شام ، فهذه أمة اعتادت أن تذبح أبناءها لأسباب تتعلق بالخلافة والسلطنة والرئاسة ، ومن يشكك في هذا فليقرأ التاريخ بعد وفاة سيد الخلائق والبشر ، وليسأل الصديق و ذي النورين و أبا موسى وابن العاص ، وابن الزبير وابن مروان ، وخلفاء بني أمية وبني العباس ، وأبناء القسطنطينية و الحجاز وبلاد الشام ، والانقلابات العسكرية المتعاقبة بعدها ، وبلادنا مع كل هذا تظل على حالها تهوي في غياهب المذلة بين الأمم . 

ماذا أقول لك يا زوجتي الحبيبة ؟ أأقول تبا لهذا الربيع الذي يروي أيامه بالدماء ، كيف يمكنني أن أبعث في نفسك السكينة بعد كل كابوس يجتاحك في المنام ؟ وأنت تصرخين عاليا : (( أبي ... إمي ... أخي )) ، كيف أستطيع أن أرسم الابتسامة على شفتيك مجددا ؟ وشامك يقتتل عليها كتائب وجيوش نظامية وحرة ، وشيوخ من بلدان نفطية ، وشرذمة مرفهة تعيش في بلاد اوروبية ، بل إن شامك أصبحت ذريعة لاشتعال حرب عالمية ، يتنازع فيها النسر والدب والتنين  ، بعد تعميدها بالشمعدان السباعي ، فهنيئا لكم يا أمتي على خيبتكم وتضافروا في قتل بعضكم كما كان حالكم دائما منذ أيام الغساسنة والمناذرة ، فهؤلاء رفعوا راية الروم وهؤلاء رفعوا راية الفرس ، واليوم أنتم تعيدون الكرة ذاتها ، فعجبا من أمة لا تتعلم الدروس التي لم تتلقنها إلا بالدماء.  

الجميع أصبحوا مناضلين ومجاهدين ، وأولياء صالحين ، وسيرفعون راية مجد الأمة على جبل قاسيون ، فهم أصحاب ضمائر لا تفتأ ذكرا للحق ، وهم حريصون على حقوق الإنسان ، ويخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ، بل إنهم يرفضون الظلم والمذلة والمهانة لأي شعب على وجه الأرض ، ويقفون بالمرصاد لكل الجبارين والمتغطرسين ، فالإنسان في عقيدتهم أغلى ما يملكون ، وحرية البشر ديدنهم وقسطاسهم المستقيم ، ولكن قبل الخوض بصفاتهم الحميدة ، أتمنى أن يجيبوني عن تساؤلاتي التي تذرفها الدموع :

فكم من الأطفال سيموت بعد ؟ وكم من النساء ستنتهك أعراضها ؟ وكم من الشيوخ سيذبحون كالشاة الجرباء ؟ وكم ... وكم ... وكم أيها القتلة المجرمون ؟ 

نامي يا عزيزتي ، فلكل ظالم يوم قصاص ، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين رب العالمين حجاب ، وهذا هو إدراجي الذي أهديه لكل من تسبب في هدر دماء أبناء سوريا ، وأدعو العزيز الجبار أن ينتقم منهم ويذلهم ويخزيهم أجمعين . 

الجمعة، 9 مارس، 2012

مهاجر أم مهجر ... ما الفرق ؟

حين كنت مهجرا من موطني الأصلي قبل زهاء ستة عقود ، مشيت حافي القدمين ولم ألتفت خلفي ، واعتقدت كما اعتقد غيري ، أنها ستكون مجرد أيام معدودات ، ثم نعود مع العائدين ، فوليت أمري إلى ولاة أمري ، وجلست على عتبة السكن المؤقت أنتظر رحمة ربي ، ولكن الأيام بدأت تمضي ، وظل الوضع على ما هو عليه ، باستثناء فارق طفيف حدث خلال عقدين من الزمان ، أتم فيه (( أولاد العم )) ما خططوا له بمحاضراتهم الجامعية في اوروبا والعالم الجديد ، حين كان أجدادي منهمكين بالحرث والنسل ، ودفع الجزية (( للآغا والبيك والباشا )) ، حتى دقت ساعة الصفر ، واستقبلت أرض الميعاد ساكنيها الجدد .

عشت بعدها حياة (( بالطول والعرض )) ، ورضيت بالأمر الواقع ، وعدت إلى تجارتي ومهنة آبائي وأجدادي ، وجنيت أموالا لا تأكلها النيران ، ومع كل دورة أيام كانت تكمل عدتها ، حافظت على حذاقتي في إعادة تشغيل أرباحي ، وتجنبت وساوس زوجتي بتجميدها في شراء أراض أو عقارات ، وكنت مؤمنا أشد الإيمان ، بمثل ذائع الصيت عن سيرة الحياة السعيدة ، ولذلك كنت أعيش يومي ولا أفكر بالغد قط ، وهذا جعلني أبعثر أموالي أولا بأول ، بين سياحة وأكل وشرب وزواج متعدد الخانات من مثنى وحتى رباع ، لجنسيات انطلقت من بلاد الرافدين مرورا ببلاد الشام وختاما في أرض الكنانه ، ولأنني شخص شديد الالتزام بما قاله (( اهل زمان )) ، فلقد كانت جيوبي تفرغ حمولتها في كل ليلة كي أنام خفيفا وأنا أهذي في المنام (( الطايح رايح وبكره يوم جديد )) .

وظلت الحياة تسير بتؤدة دون أية مشاكل تذكر ، سوى حنين لا ينطفىء لهيبه إلى أرض الأنبياء ومهد الديانات ، وترقب شديد لكل قرارات القمم العادية وغير العادية ، وتلخيص قراراتها وتأويل احتمالات تطبيقها ، ولم أفقد الأمل يوما بصدق نوايا قادة الأمة في خوض غمار حرب التحرير المقدسة وما تبعها من معاهدات سلام كانت تطبق بحذافيرها حصريا لمصلحة (( أولاد العم )) ، والخطابات السياسية تتوالى ، وأنا لا أزال أهتف بحياة القادة المناضلين وجهودهم الحثيثة في ضمان حق العوده ، حتى جاء يوم ضجرت فيه من الدوران في المتاهة ذاتها ، وقررت أن أكسر مفتاح داري الذي اجتهدت بالحفاظ عليه معلقا على الجدار الرئيس في بيتي المؤقت ، ليصبح بذلك بيتي الدائم ، ومقر انطلاقي إلى مثواي الأخير ، ورضيت بالأمر الواقع ، وعقدت العزم على مواصلة العيش بعد أن حذفت من ذاكرتي كل فصول حياتي قبل الهجرة وكأنها لم تحدث في يوم من الأيام .
 

ولكن قبل بداية القرن الحادي والعشرين بعقد من الزمان ، تغيرت مخططاتي في الحياة مجددا ، بعد أن ضاقت بي الأرض بما رحبت ، تبعا لموجات تهجير أخرى حدثت على أيدي (( إخوتي )) ضد (( إخوتي )) ثأرا من نصرتهم لقائد سيتم إعدامه كالكبش في المستقبل ، فتضاءلت لقمة العيش ، وتراجعت تجارتي في سوق اشتدت المنافسة فيه بشتى ضروب الأعمال ، فصبرت وتأقلمت مع الوضع الذي لم يحافظ على ديمومته ، بعد أن تم استقبال موجة هجرة أخرى ، حدثت تصفية لزعامات لم يعد الغرب بحاجة لها ، وفي هذه المرحلة بدأ الفقر يتسلل من كل أبواب الرزق ، وانقلب المجتمع بطبقاته التي لم تكن متباينه ، ليغدو عاليها سافلها والعكس بالعكس.

وتتابع ضنك الحياة يوما بعد يوم ، ولم يعد من ضرورة لإفراغ جيوبي في الليل ، بعد أن قدت بمصاريف العيش التي عجزت مصادر دخلي الشحيحة عن رتقها ، ومع هذا حافظت على إيماني بوجوب الصبر وانتظار الفرج المرتقب على أيدي ولاة الأمر ، فخرجت أهتف بحياتهم بعد كل مؤتمر إقتصادي يحارب الفقر . 

وحين بدأ اليأس يتسلل إلى أصحاب النفوس الضعيفة الإيمان ، خرجوا إلى الشوارع والميادين العامة يطالبون بالثورة على أنظمة الظلم والاستبداد ، ولأنني مواطن صالح ، اعتزلت بيتي في أوقات الفتن تلك ، إذعانا لوصايا خطيب صلاة الجمعة ، ولم أشكك برواية المسؤول المتجهم حين أعلن على الملأ أنها مؤامرة من (( أولاد العم )) لقصم تقدم وازدهار البلاد ، ورسم خارطة مستحدثة للأمة التي أجهدها تعدد طوائفها ومنابتها وأصولها ، ومع هذا وذاك ، فكل يغني على ليلاه ، ويردد واثقا (( اللهم نفسي ومن ورائي الطوفان )) .


واليوم اكتشفت أنني لم أكن مهجرا عن بلادي ، بل أنا مهاجر عن الدنيا منذ أمد بعيد ، فكيف أنكر ذلك وأنا أسير في نطاق دروب لم يكن ثمة إرادة لي في اختيارها ؟  القادة والوعاظ والسياسيون و الإقتصاديون و الأحزاب الموالية أو المعارضة هم من يختارون ، وأنا دوري تنفيذ رغباتهم وأهوائهم  ، فهل أنا حقا على قيد الحياة ؟  

الجمعة، 2 مارس، 2012

ليس ساديا وليس ماسوشيا

ماذا كان يريد منها ؟ الحب ؟ المتعة أم النشوة ؟ أم أنه كان يود أن يثبت لها أن لا امرأة تعجزه إن أرادها لنفسه ؟ هي تساؤلات ليس بالضرورة الإجابة عنها ، فهي لم تتمكن من مواجهته إلا في لقاء عابر ، وهذا هو حال الكثير من النساء ، يتأرجحن دوما بين (( نعم ولا )) ، وبين اللحظة واللحظة تتغير عقولهن وأفكارهن ألف مره ، فتارة يعشقن بجنون ، وبالجنون ذاته يكرهن أيضا ، وفجأة ودون سابق إنذار قد يصرخن ، أو يبكين ، وربما سيضحكن ، أو يتألمن ، بل يحقدن أحيانا ، ويعتقدن أن من أحبهن بالأمس ، لاذ بالفرار عند أول ابتلاء أصاب علاقتهما ، وسيتهمنه بأنه لم يحارب من أجلهن ، تماما كما حدث مع رجل انتظر امرأة سبع سنوات وهي لا تزال ترفضه ، وعندما حل به اليأس وقرر الزواج من غيرها ، جاءته لاهثة لتتهمه بالكذب عليها ، فلو أحبها كما كان يدعي لما تزوج في حياته قط .

هو رجل ليس من عادته الحديث بكلمات تتسلل من باب اللغة الخلفي ، فلا يتردد في الإجابة عند النفي قائلا (( لست أدري )) ، ولا يهاب طرق الأبواب الأمامية حين يريد شيئا ، أو يهز رأسه بخجل فتاة بكر حين يعرض عليها الزواج ، إنه سفاح الكلمات القاطعة ، وهذا كان يستدعي إيجاد امرأة تطابقه في ذلك ، وأن يكون لديها من الجسارة والشجاعة ما يكفي لمواجهته في ميدان الحب .

القضية لم تكن في يوم اختلافا بين طبيعة الرجل والمرأة ، وليس صحيحا ما كان يدعيه (( جون غراي )) ، فهو لم يقطن المريخ أو الزهرة أو عطارد ، بل الجميع عاش وسيموت على كوكب الأرض ، ولكن المعضلة تكمن في طبيعة المجتمعات التي تأخذ سمات رمادية وضبابية ، فتجدهم مذبذبين ، لا إلى هؤلاء ينتمون ولا إلى هؤلاء ، وإذا ما تم تبسيط هذه العبارات على لسان رجل أو امرأة ، فذلك يعني (( أريد الحصول على كل شيء دون التضحية بجانب على حساب جانب آخر )) ، ولكن هل من الممكن حقا أن يتمكن المرء من حمل خمس بطيخات بيد واحده ؟

هو اليوم ليس نادما على أية علاقة عاطفية فاشلة ، ولكن ثمة تساؤلات لا تزال تحيره ويتمنى أن يجد لها إجابات مقنعة ، أولها مبدأ الفوز والخسارة ، هل حقا يكون الفائز من بادر بهجر حبيبه سواء كان رجلا أم امرأة ؟ وماذا يعني ذلك ؟ وما هو هذا الفوز ؟ وما هي تلك النشوة بالانتصار ؟ هل هناك من ينكر تفكير العديد من الناس بتلك الطريقة ؟

وثانيها مبدأ المبادرة في الحب ، فحين يتقرب الرجل من المرأة ، تعيش حالة من الزهو والكبرياء ، وتظل تؤكد لنفسها كم هي مرغوبة من الرجال ، وحين تزول عنها حالة النشوة بعد مطالبة الرجل لها أن تتقدم بخطوات جادة في درب الحب ، تهرب منه وتتوسله أن يتركها وشأنها ، وحين يسألها عن سبب هذا الانقلاب المباغت ، تدعي أنها لم تفكر فيه يوما وأنه من ظل يرواغ ويتلاعب بعقلها كي يجرها لمصيدة الحب ، ولو أنه بدءا ظل دهرا بعيدا عنها ولم يبادر إليها ، لظلت تحلم بقربه ليل نهار .

وثالثها مبدأ العقول غير المتكافئة ، فالمرأة تخشى الرجل الذي يهزمها بفكره ، وتبحث عن رجل تتلذذ بإغوائه حين تنطبق عليه شروط نقصان عقله ورجاحة قلبه أمامها ، وهنا المعادلة في غاية البساطة ، امرأة سادية ورجل ماسوشي ، وليس العكس أبدا ، فهذا عصر النساء ، وفي شتى المجالات ، فلماذا لا يكون عصرهم أيضا في علاقاتهم مع الرجال ، هم الآن الحلقة الأقوى ، شاء من شاء ، وأبى من أبى .

وبعد إدراكه لتلك المبادئ ، قرر أن ينوء بنفسه ويتجرد من كل العلاقات التي تربط الرجال بالنساء ، فهو ليس ساديا ، ولم يكن بكل الأحوال ماسوشيا ، بل إنه كان دوما يرفض اقتران كلمة العذاب بالحب ، ولا يجد أي لذة أو متعة في تلاقيهما ، فالحب إذا لم يجلب السعادة والسكينة للروح والقلب ، لا يكون إلا هراء ووهما ، تضيع فيه الأيام التي يعيشها المرء دون جدوى ، ويغادر بوابة الحياة وهو لا يزال يتحسر على ضياع ذلك السراب ، ولهذا عقد العزم على مواصلة حياته دون الحنين للنساء .