الجمعة، 10 فبراير، 2012

حسبك الوهم

لا تنتظر ، فهاتفك لن يتعافى من صمته المدقع ، ولن يستدرك نطاق تغطية الصفح من جديد ، بل إنك مهما حاولت أن تسدد من فواتير اعتذار مستحقة الأمد ، فليس هناك من أمل قد يعيد قلبك المفصول عنها ، بعد ذنبك الذي لم يكن خطيئة كبرى ، ولكنه كان كافيا ليرديك كافرا بمذهبها العشقي الذي لم تؤمن في يوم بسواه .

أتظن أنها تذكرك في سر أو في علن ، أم تعتقد أن اعتماد أوراقك في ذاكرتها ، لن تقوضه نيران السخط التي ذابت فيها شموع الأمل ، فحسبك الوهم إذن ، واصبر صبرا ليس جميلا ، فهجرها علقم ستتجرعه عند دلوك الشمس إلى غسق الليل و حتى مطلع الفجر ، و لاتحزن على ما فاتك ، فلا حسرة بعد أن أوصدت أبواب قلبها ، ولا دمعة من الممكن تزكيتها ، في يوم لن يجدي فيه الندم .

يا ليت الزمن قد توقف يوم لقائها ، فالحياة من قبلها لم تكن إلا شقاء ، ومن بعدها لن تبارح أيامك العناء ، وهذا سيكون حالك في الصبح والمساء ، وفوق كل أرض وتحت كل سماء ، فسعدى بما حظيت به من تلك السيدة اللاتينيه ، بعد أن أخلفت موعد رقصتك على ألحان ( زوربا ) في ذات صيف محتمل ، وألقت بك وراء فراغها وحيدا ، كي تسامره في ليالي هذا الشتاء .

ما أصعب أن تلامس السحاب بيديك من فرط سعادة وهبتك إياها أقدار لم تكن تتوقعها ، وما أيسر أن تلقي بك هواجس كنت تتوقعها بالذات ، في وديان سحيقة من الحزن والألم ، ألا تسير عجلة الحظ بدورة معاكسة في سيرة رجل اعتاد أن يتاجر في القبور حين كان الموت لا يزور البشر ؟

كلماتك منذ هذه اللحظات ستفقد بريقها ، بعد انقطاع وحي حضورها من صحف أيامك ، فيا أسفا على تدوينات عزفت على كتابتها ، ظنا منك أن بلاغة الحديث ستكون مدعاة لاستدراج محبتها ، وكأنك نسيت أو قد تكون تناسيت أن القلوب لا تميل إلا للمال والجاه والسلطان ، فأنكرت كينونتك أيها الكائن الحبري الذي تنتهي دورة حياته المفترضة دوما عند علامات التعجب وأدوات الاستفهام .

آن الأوان كي تعود رجلا نمطيا ، تسير في الطرقات مطأطأ رأسك ، لا تجرؤ على رفع هامتك إلى عباب السماء ، فالقناعة كنز لا يفنى ، وهذا ما ألفيت عليه آباءك وأجدادك ، حياة رتيبة بين البيت والعمل ، ووجبات طعام بمواعيد ثابتة لا تتغير ، ومطالعة الصحف الرسمية في كل صباح من باب تزجية الوقت ليس إلا ، والحرص الشديد على حضور كل المناسبات الإجتماعية من مآتم وأعراس ، والمفاخرة برسومات أشجار تتوسط جدران المجالس ، وقد كتب على أوراقها أسماء أبطال العائلة وتاريخهم السرمدي في الإنجاب والأكل والشرب والنوم .

ما الذي اختلف في طريقة انتقاء المرأة لرجلها قبل عصر العولمة وبعده ؟

في (( الفيس بوك )) ستتجمع النساء عند من تصور بجانب سيارة فارهة أو داخل قصر مهيب ، أو عند من أعلن في بياناته الشخصية أنه يشغل منصبا رفيعا في مؤسسة حكومية أو شركة تجارية ، و لاضير بما سيتم نشره على جدران صفحات هؤلاء الرجال من تفاهات ، فالإبهام سيكون دوما للأعلى من كل العابرات فوق صفحاتهم الالكترونية ، حتى لو قال أحدهم مثلا : (( اليوم هجرت امرأة أجبرتني على أكل المنسف بالملعقة )) .

ولأنك لم تؤت جوامع الكلم الذي يطابق شاكلتهم ، تعثرت عند أول منعطف في درب الحب ، واعتزلتك حبيبتك المفترضة ، من قبل أن تحفظ ملامحها في مخيلتك ، وهذا يستدعي منك أن تتقدم بجزيل الشكر والامتنان لمشاعرها التي لم تتعمد الزيف والمواربة ، فلقد تركتك في الحيز الملائم لك تماما ، أتراك أدركته الآن أم لا تزال تتنكر له ؟

إنه وهمك الأزلي الذي جعلك دوما تعتقد أنك رجل استثنائي ، ولكنك في الحقيقة لم ولن تكون كذلك ، فعش حياتك وأذعن لحقيقة سيرتك العادية ، وضع رأسك بين الرؤوس ، وامش بجوار الجدران ، ولا تتحسس مكان نافذة قد تكون مشرعة أمامك لحياة غير عادية ، بل ردد فقرات الروايات التي حلمت أن تكون في يوم أحد أبطالها ، وحسبك الوهم يا صديقي وكفى .

هناك تعليقان (2):

  1. أن القلوب لا تميل إلا للمال والجاه والسلطان

    هاد عند الناس التافهه فقط لا غير
    المال والجاه وحتى المناصب على كف عفريت,, وإلي بربط مصيره بهدول بيروح معاه باول شربة ميّ


    ليش هالكم الهائل من الحزن؟؟

    ردحذف
  2. عزيزتي أم عمر

    أتفق معك تماما ولا مسوغ قد يفسر كلماتي بنبرتها تلك سوى أن قلمي يملي عليي الكتابة ولا أملك لسلطانه سبيلا :)

    لك مني كل الود

    ردحذف