
في المساء ، كان يجلس على أريكته بقميص ذو أكتاف عارية ، مزهوا بعضلاته المفتولة ، ويتابع التلفاز كعادته في سهرة صيفية رتيبة ، لقد كان قراره في الانعزال عن الخلائق مدعاة للتفكر ، إذ أصبح ضيق الأفق ، ولا يلجم غضبه أمام أدنى قول أو فعل قد يثير حفيظة شياطين الاستفزاز لديه ، وهو الذي كان في زمان مضى ، بشوشا ، سمحا ، طيبا ، ولهذا اختار العزلة ، بعد أن فقد نفسه في داخل نفسه .
يوقف حاكوم التلفاز على قصة فيلم تروي معاناة الناس في الولايات المتحدة الأمريكية بفترة الكساد الإقتصادي الكبير مطلع القرن الماضي ، ويلاحظ كيف أن لقمة العيش جعلت أفراد المجتمع يخلعون رداء انسانيتهم ، ويتصارعون كوحوش الغاب من أجل البقاء ، فتسللت الهواجس وسيطرت على مجريات الأفكار في عقله ، ليعقد المقارنات بين أمريكا اليوم وأمريكا في أمس الكساد العظيم ، ثم لا يلبث أن يتجنب مقارنتها بما يجري فوق ساحات الدول العربية من نكبات اقتصادية لاتعد ولاتحصى ، كي لا يسأل نفسه عن السبب الذي جعل النفوس ودماءها وأموالها وأعراضها رخيصة بين أبناء الوطن الواحد .
يتنقل إلى محطة تلفازية أخرى ، فيجد فيلما يتحدث عن مشروع لمخلوقات فضائية ، يهدف إلى شطب ذاكرة أم اختطفوا لها ولدها ، كي يثبتوا أن قوة القمع تتجاوز حدود روابط الأمومة ، وحينها فمن الممكن استئصالها من جذورها ، ولكن يا لذلك المشهد العظيم ، والمخلوق الفضائي يختطف من عقل تلك الأم كل ذكرياتها مع ولدها منذ لحظة ولادته ، ليسألها بعد ذلك (( هل كان لك في يوم ولد ؟ )) ، فإذ بذاكرتها الملغاة تعود إلى الوراء ، إلى مشاهدات كانت لأيام حملها بذلك الولد في أحشائها ، ليصيب المخلوق الفضائي ضرب من المس والجنون ، فيعترف بفشل قوته في القضاء على تلك العلاقة الإنسانية العظيمة ، وعندها ترواده الأفكار مجددا ولا يتمكن من طردها وهي تعقد له مقارنة بين تلك القصة وبين قصة أم تشاهد ولدها ينكل به لأسباب سياسية ويطالبوها بعد ذلك بالنسيان .
يبتسم ساخرا ويلتفت من غير سابق إنذار إلى كتفه الأيسر ، فيجد بعوضة قد حطت عليه وبثقة لامتناهية ، تتأهب لغرز إبرتها في جسده واستباحة هدر دمه دون أدنى خوف أو تردد ، فما كان منه إلا أن أعد العدة للإنقضاض عليها بصفعة ترديها إلى أشلاء متناثرة ، فالدماء التي تجري في عروقه باهضة الثمن ، وكل من تسول له نفسه بالتعدي عليها ، لابد أن يكون مصيره الموت لا محالة .
وفي لحظة كلمح البصر ، تنطلق صفعته صوب البعوضة ، لتستقر أصابع كفه كالوشم فوق جلد كتفه من قوتها ، ولكن البعوضة تمكنت من الفرار ، ليلعن ويشتم ويصرخ كالمجنون بصوت تعالى صداه في أرجاء الحجرة : (( من أنت ... من أنت ... من أنت ... أتعتقدين أنك تستطيعين هدر دمي وأنت مجرد بعوضة ... أين ذهبت ... حتما سأجدك ... وعندها أقسم أن أمزقك إربا )) .
يهدأ قليلا ويعاود التنقل بين محطات التلفاز الفضائية ، يناظر ساعته ، فيتذكر موعد نشرة الأخبار ، يتابعها باهتمام شديد ، ويجد أن القاسم المشترك بين جميع الأنباء التي سمعها ، عاملا ثابتا يتأكد مع كل تجربة حياتية ، يثبت كم هي دماء الشعوب العربية رخيصة على ولاة أمرها ، ينكمش فوق أريكته ، ويشعر بضمور يسري في عضلاته المفتولة ، ثم لاتلبث أن تصيبه نغزة في كتفه الموشوم ، ليجد البعوضة قد عادت أدراجها كمليكة متوجة لتوها على عرش أرض ما ، لم يجرؤ على إعادة الكرة بصفعها مجددا ، لأنه أدرك حينها أن البعوض يقارع الموت كي يعيش ، أما الإنسان العربي فيقارع الحياة ولكنه لا يعيش .
أشرف أعتذر عن تقصيري معك بسبب حملة التدوين اليومي و أتمنى أن تكون بخير
ردحذفالبوست له معاني كثيره شعرت بأن السياره المسروقه هي حقوقه المسروقه و أن البعوضه هي الشيئ الوحيد الذي ظن أنه قادراً على الفتك به و الدفاع عن نفسه منه لكن حتى هذا المخلوق الضعيف قادر على أن يحصل على حقه على حساب دم العربي.
تحياتي ليك
دمت بسعاده و خير
شيرين سامي
بسم الله وبعد
ردحذفأبو مجاهد الرنتيسي وأحلام الرنتيسي مروا من هنا وأعجبوا بموضوعك الرائع
إخوانك في الله
أبو مجاهد الرنتيسي
أحلام الرنتيسي
ان اكثر ما لفتني في المقالة هو هذا التراجع من الشخصية موضوع القصة وادراكه لحقيقة الواقع المر الذي نعيشه يوميا ... الا وهي ان الدم العربي ...وفقط الدم العربي ... رخيص للغاية
ردحذفأشرف ...
ردحذفلا أستطيع أن أنسى المرارة التي كانت تغشي عينيك مساء أمس، والتي ولدتها سرقة السيارة العزيزة إلى قلبي وقلبك، ولكني لا أملك إلا الدعاء بأن تعود إليك، لازلت حزينا حتى الآن على السيارة، فكان الله في عونك أنت صاحبها ومالكها
الإدراج رائع يا صديقي كالعادة، والجملة الأخيرة أكثر أكثر من رائعة
" إن البعوض يقارع الموت كي يعيش، أما الإنسان العربي فيقارع الحياة ولا يعيش"
لا فض فوك
كل الود أخي وصديق عمري أشرف
قراءة الموضوع عندما نعلم انك صاحب القصه تختلف تماما من قراءتها كقصه عامه ذات مغزى
ردحذفاسفه صديقي لخسارتك و ان شاء الله ستعود الحقوق الى اهلها قريبا
"البعوض يقارع الموت كي يعيش ، أما الإنسان العربي فيقارع الحياة ولكنه لا يعيش ."
عندما يهون دم الانسان على ولاة امره وعندما تهدر دماءة بيد من يجب ان يحافظ عليها و عندما يتلقى الصفعه الاكبر من شقيقه....تهون الحياه بما ومن فيها بنظره او يثور ليثأر لحقوقه, تعودنا الهوان ولكن في ايامنا هذه الثأر يطالب بحقّه و لا يوجد وقت للنوم الان
دعواتي مع الأصدقاء جميعا ً
ردحذفمعلش يا أشرف
آلمني انك صاحب القصه أتمنى ألا تحزن لأننا دائماً ندعو الله أن تكون مصيبتنا في أي شئ مادي و ليس في ديننا أو أحباءنا لذا يجب أن نرضى بقضاء اله و نشكره أنه استجاب دعاءنا.
ردحذفأتمنى أن تكون بخير و ان شاء الله سيرزقك الله خيراً منها و يعوضك خير.
تحياتي أخي العزيز
شيرين سامي
مساء الخير اشرف
ردحذفاسفي على سيارتك والله يعوضك خير ان شاء الله.
اللي فهمته انه هالايام نحنا والبعوض في الهوا سوا...حتى نعيش لازم نواجه الموت اولاً!
(اخترت العزله ....حتى تجد نفسك التي اضعتها في نفسك)
...اليس هذا حالنا جميعاً؟ صدقني انا قبل شوي راجعه من حفله خطبه فيها اكثر من 200 وحده كنت حاسه حالي بينهم كأني من كوكب آخر وندمت اني رحت اصلا لولا الواجب اللي مجبره اقوم فيه.
*
حاكوم التلفاز!!!هههههههه كيف اخترعتها هاي؟!!!
لا تعاتــب نادر لإخبارنـــا بالقصة سامعينك :)
ردحذف"وبشّر الصابريــن "
إن الله مع الصابرين ....
بواعيض,, ياللهول
ردحذفكم سنه غبت أنا؟؟؟
سلمت يداك عمي,, أبدعت حتى بهيك قصص
@نيسان,,
تعريب كلمه " ريمونت" حاكووم
ولسه تعريبات تانيه,, بتحسي حالك جايه من المريخ
فراشة التدوين
ردحذفأهلا وسهلا :) نورت المدونة ... لا تعتذري أبدا بل على العكس فدوما يشرفني تواجدك ومتابعتك لي :)
أنا بخير والحمدلله وأتمنى أن تكوني أنت أيضا بألف خير ... نعم السيارة المسروقة مجازا مرتبطة بالحقوق الضائعة والمسروقة وكم هو ربط جميل ذلك الذي اشرت إليه يا شيرين بين ضعف البعوض وتحصله على حقه على حساب الدم العربي ...
سعدت وجدا بتواجدك معنا في هذا الادراج :)
لك مني كل الود
اخواني الاعزاء
ردحذفأبو مجاهد واحلام الرنتيسي
دوما أعتز وأتشرف بشهادتكما الغالية وجدا على قلبي :)
كل الود
امل م.أ
ردحذففي البداية أرحب بك أجمل ترحيب في مدونة أفكار وتساؤلات فأهلا وسهلا بك تشرفت وسعدت بزيارتك الكريمة لمدونتي :)
نعم كان الاقرار والاعتراف في النهاية أن الدم العربي وبكل أسف زهيد الثمن وخصوصا فيما بين أبناء الشعب الواحد ...
مرة أخرى أهلا بك وتقبلي خالص تحياتي ...
نادر ...
ردحذففي البداية اسمح لي أن استغل الفرصة وأهنئك على مقالك الجميل في جريدة الغد ( مذكرات أنثى ) فلقد لامست من خلاله الكثير من الأوتار الحساسة في مجتمعنا وضربت بقوة في الفقرة الأخيرة مؤكدا حالة الانفصام التي تولد قسرا لدى المقهورين والمقموعين لينقلبوا بأفكارهم ومعتقداتهم إلى ما كانوا يرفضونه وينبذوه في دواخل نفوسهم .
بخصوص السيارة فلا بد في البداية أن أشكرك ومن أعماق قلبي على وقوفك وكالعادة إلى جانبي في لحظات المحن لتثبت لي دوما كم أنت صديق صدوق لايتخلى عن صديقه في رخاء ولا شدة ...والحمدلله تعالى كان باب السماء مفتوحا لدعواتك وظهرت السيارة دون أن يمسها أدنى ضرر :)
سعيد وجدا أن الادراج قد نال إعجاب كاتب مبدع وكبير من طرازك فهذا شيء يشرفني كثيرا :)
لك مني كل الود
ويسبر
ردحذفأشكرك يا صديقتي على كلماتك الدافئة والحمدلله تعالى عادت الحقوق إلى أهلها ووجدت الشرطة مشكورة السيارة وهي الآن بحالة ممتازة :)
أتفق معك تماما أن الوقت حان للاستيقاظ ورفض الهوان وهذا أمر بتنا نلمسه في يقظة العديد من أبناء هذه الأمة وياحبذا أن تظل أمتنا تصارع في مسار ذلك الوعي كي يتحقق حلم النهضة والتقدم وتعود أمتنا إلى ماكانت عليه من مكانة تصدرتها بين كل الأمم .
لك مني كل الود
هيثم
ردحذفاستجيبت دعواتكم يا صديقي والحمدلله تعالى عادت السيارة واعدك أن التزم بقيادة تنال اعجابك في المرة القادمة التي سنلتقي بها بمشيئة الله تعالى :)
لك مني كل الود
فراشة التدوين
ردحذفوقوفكم إلى جانبي في هذه المحنة بمشاعركم الرائعة خففت عني كثيرا من ألم هذا المصاب ... والآن وبعد أن عادت السيارة أحمدالله تعالى على عودتها وعلى تواجدكم إلى جانبي يا أصدقائي الأعزاء :)
لك مني كل التقدير والاحترام
شمس ونيسانة التدوين
ردحذفالحمدلله تعالى عادت السيارة واستجيبت دعواتكم أيها الأعزاء :)
صحيح يا نيسان احنا والبعوض صرنا بالهوا سوا ... كلام صحيح ميه بالميه ...
ماذا أقول لك عن العزله وخصوصا في هذه الأيام بعد سفر عائلتي إلى دمشق ... لاتستغربي كيف بعتهم لأنو ثبتلي إنو علاقة المرأة بأهلها لايمكن تفسيرها أبدا وخصوصا إذا كانت وحيدتهم ... صدقيني يا نيسان عم بحاول كتير أكون كائن اجتماعي متفاعل في هذا المجتمع بس ماعم بقدر ... بس انت عم بتوصلي لهاي المرحلة ؟ عن جد فاجأتيني كتير !!!!!
نحن بحاجة إلى ثورة على الرتابة هذا هو الحل صدقيني ...
لك مني كل الود
orangee
ردحذفالحمدلله تعالى صبرت ونلت وعادت السيارة ...
تحياتي
أم عمر يا أم عمر :)
ردحذفوالله نورت المدونة ويتقدم مستخدمو جوجل عموما ومدونوه خصوصا بأسمى آيات التهنئة والتبريك بعودة كبيرتهم وعزوتهم الغالية على قلوبهم ام عموووره :)
والله شهادتك لها مكانه كبيره كبيره كتير عندي :)
عن جد معك حق بإنو بعض التعريبات بتخلي الواحد يحس حالو جاي من المريخ :)
أم عمر نورتي :)
مساء الخير
ردحذفالحمدلله على سلامة السياره...والله تفاجأت برجعتها..هاي اول مره بسمع انهم بيلاقوا سياره مسروقه....الحمدلله مال حلال
وان شاء العيلة بترجع بالسلامه من سوريا ...كمان هاي فاجأتني فيها...الله يحميهم و يرجعهم بالسلامه .
بالنسبه للتفاعل الاجتماعي....اسفه اني اقول ان معظمه نفاق اجتماعي مفروض عليي بحكم العادات والتقاليد والنسب والجيره ....قد ما بحاول اتهرب منها ما بقدر وقليله هي المناسبات اللي بشارك فيها وبلاقي حالي متفاعله من قلبي مش مجرد مجاملات.
الحمد لله على سلامة السياره :)
ردحذفهاي خبرية حلوه على الصبح...ان شاء الله دائما بنسمع منك الاخبار الحلوه :)
الحمد لله :)
ردحذفحمدلله ع سلامة سيارتك يارب,, مال حلال ع قوله نيسان
ردحذفودايمن بتكسفني بترحيبك وتأهيلك إلي,,
سوكرن دزيلاً عمو
مقال جميل جداً يعكس واقع الحياة في البلاد العربية
ردحذفوأكثر ما أعجبني آخر جملة :)
رغم انها تفتح المواجع علينا كعرب ومسلمين
في وطن نجد فيها كاااااااااااااااااافة حقوقنا المسلوووووووووووووبة
ألف الحمد لله على عودة سيارتك
نيسانة التدوين
ردحذفالله يسلمك يا رب :) عن جد الحمدلله مال حلال :)
آه من العيلة كل يوم جمعه بخلوني على أعصابي ... الله يسمع منك ويحميهم يا رب ...
التفاعل الاجتماعي + النفاق الاجتماعي هما وجهان لعملة واحدة في هذه الأيام وبكل أسف ... ذهبت ورحلت أيام العلاقات الصادقة إلا من رحم ربي ...
كل الود يا نيسانتنا
ويسبر
ردحذفالله يسلمك يا رب :) خلص دوري وهلا دور نسمع الاخبار الحلوة منك أنت ... انشالله دايما أيامك فرح وسعاده :)
كل الود
هيثم
ردحذففعلا الحمدلله تعالى وحده :)
كل الود
أم عمر
ردحذفالله يسلمك يا رب :) الحمدلله مال حلال :)
انت مكانتك غالية كتير عنا يا ام عمر صدقيني :)
كل الود
نسرينة بيت المقدس :)
ردحذفسعيد وجدا بأن المقال أعجبك وخصوصا أنك صاحبة قلم مرهف الاحساس ... أشكرك من كل قلبي :)
لعل أوطاننا في المستقبل القريب تفتح أمامنا مساحات من الأمل بمشيئة الله تعالى ... ونجد أيامنا تعد بالكثير والكثير لأمتنا من الخير :)
الله يسلمك ويحفظك يا رب :) عادت السيارة وعادت ابتسامتي معها :)
كل الود لحضورك