الجمعة، 13 يناير، 2012

أنا وحبيبتي والمطر

كم من شتاء كان قد مضى وأنا أنتظر هذا اللقاء ، وكم مشيت تحت رذاذ الأمطار وحيدا بين أزقة الطرقات ، لعلي ألمح طيفك بتواطىء بين القدر والصدفة ، وأنت تقفين خلف النافذة تتأملين حبات المطر ، وهي تداعب كفيك دون أن تصافحهما تماما ، أتراك كنت تتوقعين حضوري ؟ أم هي لهفة الأمل بلقاء يحدثك به القلب دوما كلما أمطرت السماء ؟

أتذكرين لقاءنا الأول ؟

كان أيضا في الشتاء ، عندما كنت أجلس خلفك في الحافلة ، وأثير المذياع يهمس بالأغنية التي رافقت قصتنا على الدوام ، ولقد كنا نكتفي حينها بالإنصات والشرود ، فلا تتجرأ قلوبنا على الكلام ، وعندما كان ضجر الانتظار من المجهول يسكننا ، نزيح ستائر النوافذ ، فيفتضح صوت القيصر أمرنا : (( أخاف أن تمطر الدنيا ولست معي )) .

وتجدد لقاؤنا في مقهى لم نذهب إليه من قبل ، وكنت أراقب الحزن في عينيك وأنت تحركين الملعقة في قدح الشاي ، وكم تمنيت حينها لو أشحت برأسك ، كي تلمحين عيونا قد ذابت في قدحك قبل قطع السكر ، ولكنك تابعت الكتابة في كراستك عن عشق لم يأتي بعد ، وهربت من أمامي مجددا (( كاليمامة بين العين والبصر )) .

والتقينا بالسوق في يوم كذبت فيه شمس الشتاء كعادتها ، فأسرعت خطواتك في المسير ، وأنا من خلفك لا أدرك كم يلزمني من خطوات كي تجدينني من أمامك ، فركبت سيارتك واندفعت عجلاتها فوق الاسفلت المبتل ، والذي ظل يرافقني في ثنايا فراغك مع الأمطار وهي (( تجلدني على ذراعي ... على وجهي ... على ظهري ... فمن يدافع عني ؟ )) .

وشاءت الظروف بعد عواصف من اليأس أن أذهب إلى موقع عملك ، وأضغط على زر الانتظار في لعبة أرقام عشوائية ، ولكن صوت النداء الآلي ألقى برقم تذكرتي بعيدا إلى مكتب امرأة أخرى ، كانت نافذتها مفتوحة لريح تعوي ، وأنا لا أجدك كي تهمسين في أذني (( تمسك ... ها هنا شعري )) .

وفي ذات شتاء لجأت إلى مظلة بائع الكتب ، وبحثت بين رفوف منشوراته عن نبوءات العرافين الذين كذبوا في وعودهم عن حب قد يأتي في بداية الألفية العشقية ، وعندما هممت بتصفح ما توقعه المنجمون للقائنا الذي لايحدث إلا في المطر ، وجدتك تقفين إلى جانبي ، تتصفحين فهرس قصائد نزار ، وقد لامست سبابتك (( قارئة الفنجان )) ، فنظرت إلى السماء وكان قد اشتد فيها الهطول ، ثم التفت مضطربا كي أبحث عنك ، فلم أجدك في أي مكان ، فأخذت نسخة أخرى من ديوان نزار ورحت أردد بخيبة وانهزام (( فمنذ رحت وعندي عقدة المطر )) .

واليوم أجلس أمام نافذة وحدتي ، والأمطار لا يتوقف هطولها كلما اشتاقت الأوراق للكتابة عنك ، وأنت لا تزالين في غفلة عن عشقي ، تنامين على وسادة من حرير أنوثتك ، فهل سنلتقي مجددا في الشتاء ؟ أم يتوجب أن (( أمحوك من أوراق ذاكرتي )) مع أنك (( في القلب مثل النقش في الحجر )) .

هناك 12 تعليقًا:

  1. ويأتى الشتاء حاملاً فى قطرات المطر الرشيقة ذكريات تحرك معها القلوب والأرواح وتحلق وتهفو لكل احساس جميل وحب علق فى سويداء الفؤاد

    دائما هو الشتاء هكذا يفعل مع القلوب الافاعيل :)
    تحياتى للاديب الشاعر :)

    دمت بخير اخى الكريم

    ردحذف
  2. يا له من تيه يعذب الروح و القلب
    عندما ترتبط الذكريات بالأماكن و الأزمان لم تمحى من الذاكرة، تتجد كلما نجح العقل في التغافل و الانشغال!!

    كلماتك هذه المرة منتقاه بعناية شديدة و تشبيهاتك المرتبطة بالمطر أكثر من رائعة .. استمتعت و أنا بين أسطر كلماتك

    ردحذف
  3. أخى المبدع الجميل: أ/ أشرف محى الدين
    تقبل أخى مرورى
    وتقديرى واحترامى

    ردحذف
  4. شكلك رح " تمحوها" عن بكرة أبيها كمان

    سوعال,, بجد ليش كل الأحبه بتمنو هالشي إنه
    " بين القدر والصدفة "

    يعني ليش ما بيسعو للقاء عشان يطفو نارهم,و ليش بتركو كل شي على علاقة القدر؟؟

    مابيقنعي هاد الحب,, بحسه إشي طفولي وفقط " الحب لأجل وجود الحب"

    مش إشي عشان يثمر ل لاحقن ويصير قصة مميزه بحياتنا؟؟
    أنداري

    صباحك خير يا مان

    ردحذف
  5. واليوم أجلس أمام نافذة وحدتي ، والأمطار لا يتوقف هطولها كلما اشتاقت الأوراق للكتابة عنك ، وأنت لا تزالين في غفلة عن عشقي ،
    هذا ما تعتقده اخى ..ويعتقده مثلك من الرجال ..ان المرأه تكون فى غفله عن من يعشقها ..هذا هراء فنحن النساء دائما نمارس هذه اللعبه ..ونخفى ما بداخلنا ..ولكننا نرصد ما يدور حولنا فى سكون وهدوء ونقوم بتسجيله لحظه بلحظه ..فى غفله من العاشق ..
    ودائما ننتظر من العاشق ان يتقدم ويخطو الخطوه الاولى ..ولكنه دائما يقف صامتا ..خائفا مترددا..حتى يأتى فارس اخر اكثر اقداما ..ويقوم بتلك الخطوه ..فمن هو الغافل وقتها سيدى ؟
    تحياتى لصاحب القلم الرفيع ..التى تخجل اقلامنا امامه

    ردحذف
  6. كم أعشق هذه الحروف لنزار بصوت القيصر كاظم الساهر
    وذات مساء قررت أن أناجيها وبدأت بالكتابة فقطعني حضور صديقتي ولم أكملها بعد!
    كم سمعتها،، وكم عشت معها،، وفي كل شتاء أتذكرها ويصيبني الخوف من تلك العبارة "أخاف أن تمطر الدنيا ولست معي"
    رائعة رائعة كل حرف مما كتبت :)

    ردحذف
  7. أم هريره

    قطعا هي أجمل وأحلى الذكريات على الرغم من أنها في بعض الأحيان مؤلمة حد السعادة المفقودة ...

    لك مني خالص تحيه

    ردحذف
  8. كارول

    وبين الكلمات والحروف والقصائد حين تناجي المطر حكاية لا تنتهي قط ... ولكن مع آخر حبة من حباته هل ستشرق شمس السعادة من جديد ...هو سؤال يظل حائرا بكلمات اجاباته أمام احتمالات عديده ...

    وأنا استمتع اكثر كلما تلاصقت كلماتنا في متن الصفحات الالكترونيه :)

    لك مني خالص تحيه

    ردحذف
  9. أخي وأستاذي الحبيب محمد الجرايحي

    وأنا دوما أتشرف بحضورك واعتز بتقديرك لكلماتي :)

    لك مني خالص تحيه

    ردحذف
  10. غاليتي ام عمر :)

    وعن بكرة أبيها كمان :) بس هي ما صدتو او رفضتو ... هي لسى ما بتعرف انو هو بحبها :)

    هو في الواقع لما الانسان يلاقي الحب اللي بتمناه ومايكون هناك أي عائق امامه في المصارحه فأنا معك انو لازم يسعى لهادا الحب ومايترك المصادفات هي اللي تحركو :)

    انا معك انو الحب لازم يتحرك ويدخل حيز التطبيق وانا مش مع فكرة الحب لأجل الحب الا اذا في ظروف بتخلي لقاء الاحبه مستحيل على أرض الواقع ...

    لك مني خالص تحيه

    ردحذف
  11. هبه

    أتفق معك تماما فبالفعل المرأة كائن ذكي جدا وتستطيع اكتشاف عشق الرجل لها من نظرة عيونه ولكنها كما قلتي تمارس دوما لعبة الغفلة وكأنها (( كالاطرش في الزفه )) :)

    المشكلة تكمن في أن بعض الرجال يهابون تلك الخطوة الأولى خوفا من الرفض فتتلاشى كل الاحلام التي كانوا قد بدأوا ببنائها وهذا ماحدث مع العاشق في هذه التدوينه :)

    ولكن كلامك صحيح فإذا غابت المبادرة سيأتي فارس أكثر إقداما ويخطف تلك الأميرة من فوق أسوار تردد وغفلة الفارس الآخر :)

    أشكرك يا عزيزتي هبه على وصفك الذي ذبت خجلا من بين ثنايا حروفه :)

    لك مني خالص تحيه

    ردحذف
  12. نسرين

    ابتسمت كثيرا وأنا أقرأ تعليقك لأنني اعلم كم تعشقين قصائد نزار وخصوصا تلك المغناة بصوت القيصر :)

    سأنتظر الجزء الثاني من تدوينة مرتبطة بهذه القصيدة ولن أرضى أن تكون إلا بقلمك ... اتفقنا :)

    لك مني خالص تحيه

    ردحذف