الخميس، 5 أبريل، 2012

سيرة (( طرطور ))

عندما كان (( طرطور )) تلميذا في المدرسة ، قرر المعلم أن يعينه (( عريفا للصف )) ، ومع أن (( طرطور )) كان يمتاز بالبلاهة والغباء والسذاجة ، إلا أن المعلم لم يتردد في اختياره لتلك المهمة ، على اعتبار أنه التلميذ الوحيد الذي تربطه فيه صلة قرابة من الدرجة الثانية أو الثالثة ، وهذا سيكون مسوغا كافيا لضمان ولائه ، وتكريس جهوده للحفاظ على هدوء ونظام الصف في أوقات الفراغ التي تفصل الحصص أثناء الدوام المدرسي ، أو عند ضبط طابور الصف أثناء دخوله وخروجه من وإلى باحات المدرسة في الصباح والمساء ، وبالفعل صدق حدس المعلم وتم استدعاؤه من قبل مدير المدرسة ، ولكن ليس ليشكره على حنكته في اختيار الطالب المناسب للمكان المناسب ، بل ليشرح له المعلم منطقية المعيار الذي اتبعه في اختيار (( طرطور )) كعريف للصف ، وحين قال له بحماس (( إنه ولد عمي )) ، تراجع المدير بالفور عن موقفه العدائي ، وربت على كتف المعلم بعد أن غمره بوابل من الثناء  ، وردد حكمة اجتماعية أثبتت فشل تطبيقها في العديد من المناسبات : (( أنا وأخوي على ابن عمي ، وأنا وابن عمي على الغريب )) .

(( طرطور )) دخل الجامعة وفقا لمعدله المتدني الذي يعكس قدراته الذهنية القصوى كطالب تلقى تعليمه في المناطق الأقل حظا في البلاد ، ولا ضير في ذلك البتة ، فالتعليم حق مشروع لكافة المواطنين ، ولكن ما يثير الدهشة والاستغراب ، أن مستوى (( طرطور )) قد اختلف اختلافا جوهريا في تحصيله الإكاديمي ، و معظم علاماته تكاد تصل إلى مرحلة الكمال ، وهذا كان يستدعي التمحيص والتنقيب عن سر هذا التحول المفاجىء لديه ، حتى اعترف لصديقه في سهرة شبابية صيفية ، أنه لا يسجل مواده الجامعية إلا عند أساتذة من بلدته أو عشيرته ، هذا ولم تتوقف سيرة (( طرطور )) الاستثنائية في حياته الجامعية عند هذا الحد ، بل تم اختياره كعضو منتخب لمجلس طلبة الجامعة بأغلبية ساحقة ، ورقم قياسي غير مسبوق في تأييده ونصرته ، فمعظم الطلاب والطالبات في كليته هم من أبناء عمومته ، وهكذا أصبح (( طرطور )) وجيها من وجهاء وشيوخ طلاب الجامعة ، و كل من تسول له نفسه في التعدي على إحدى محارم الجماعة الذين يتواجدون تحت مظلته ، سيذبح هو وكل من يناصره كالشاة الجرباء في حرم الجامعة ، وعلى مرأى من جميع الطلاب و أعضاء الهيئات التدريسية وعناصر الأمن وأعوانهم  ، ليكون بذلك عبرة لمن سواه ، وكم ترك (( طرطور )) فراغا في جماعته بعد التخرج ، إذ ظل الجميع يتشاورون ويتباحثون لعدة شهور لانتخاب الشيخ الجديد للجماعة خلفا لـ (( طرطور )) .

لم يواجه (( طرطور )) أية مشاكل في ركوب قطار الوظيفة بعد التخرج ، ولم ينتظر في محطة البطالة أكثر من هامش زمني كان يفصل إتمام اجراءات حصوله على شهاداته المصدقة من الجهات الرسمية حسب الأصول ، وقد حظي بمركز وظيفي مرموق في كبرى مؤسسات الدولة ، فخاله في تلك الحقبة كان نائب رئيس الحكومة ، وهذا أعفاه من الإذعان لكافة الاجراءات البيروقراطية المطولة لغايات التعيين ، فلا تقدم لامتحان كفاءة ، ولم يخضع لمقابلة شخصية ، ولم يفرض عليه انتظار دوره في الديوان المعني بالوظائف الحكومية ، فمكالمة هاتفية من خاله (( البيك )) اختصرت كل المسافات .

تقلد (( طرطور )) عدة مناصب رفيعة في الدولة بعدها ، وكانت تزكيته دوما عند كل اختيار ، صلة القربى التي تربطه بمتخذ القرار ، وهكذا سطر (( طرطور )) حروف اسمه الذهبية في تاريخ الدولة ، فقد أثبت جدارته وكفاءته في كل المناصب التي تقلدها ، إذ أن الرافد الرئيس في أي عجز كان يصيب موازنة الدولة ، كان يتأتى دوما من الحقيبة الوزارية التي يترأسها (( طرطور )) .

وتقاعد (( طرطور )) وعاد إلى صفوف المواطنين ، ولكن أهله وعشيرته وجيرانه ، وأحبابه وأبناء بلدته ، التفوا حوله ليكون ممثلهم في مجلس الشعب ، وبالطبع فإن (( طرطور )) لبى النداء دون تردد ، وأغدق مناصريه بوعود تحقق كافة مطالبهم ، و لم ينكث (( طرطور )) أية وعود قطعها بالطبع ، ولكن لزوجته وليس لمنتخبيه ، فأصر على المطالبة  في كل جلسة عادية وغير عادية لمجلس الأمة ، برفع سقف المزايا والحوافز والمكافأت لأعضاء المجلس قبل الخوض بأية قضية أخرى تعنى بالمواطنين .  

وعندما بلغ (( طرطور )) من الكبر عتيا ، ووجد نفسه مهمشا من الدولة ومؤيديها ، بدأ يفكر ولأول مرة في حياته ، لعله يجد سبيلا يمكنه من استرداد مكانته التي كان يحظى بها على الدوام ، لمسببات قدرية يمكن اختصارها باسمه الذي كان مقترنا بعشيرة وبلدة تتميز بكثافة سكانية عالية ، وحين ضاقت به الطرائق وتقطعت به الأسباب ، جاء ربيع المعارضة المناهضة لنظام الحكم في دولته ، وهنا كانت فرصته الذهبية للتربع على عرش المشيخة من جديد ، فجمع الناس من حوله ، واعتصم بهم في وجه الحكومة ، وطالب بمحاربة الفساد المستفحل في الدولة ، وأقسم أنه سيظل مع الشعب في مواجهة الظلم والاستبداد حتى آخر رمق في دمائه التي تفيض بالوطنية والاخلاص ، مستشهدا بتاريخه الحافل بخدمة الوطن والمحافظة على المال العام في  مختلف دوائر ومؤسسات الدولة التي ترأسها ، وما تبع تجاربه وخبراته بعد ذلك ، ليصبح فيلسوفا وحكيما يتفوق على (( أفلاطون وأرسطو وابن خلدون وجان جاك روسو )) في نظرياته وآرائه في رسم معالم الدولة المدنية المعاصرة .

وفي النهاية لا يسعنا إلا أن نتقدم بالشكر الجزيل لكل (( الطراطير )) الذين تسببوا في تخلفنا ، ونتساؤل بخجل : (( هل لدى أي فرد هاجس أو شك بعصر النهضة المرتقب ؟ طالما كانت ثقافة المجتمع تجزم أن الولاء للقرابة وليس للكفاءة ؟ )) .

هناك 6 تعليقات:

  1. كتب المبدع الكبير خيري منصور : ثلاثة أطراف تحالفوا لافساد مهنة الكتابة وتحويلها من مهنة فائض الموهبة والعطاء، الى مهنة فائض الأمية والأخذ :



    الطرف الأول هو صاحب المصلحة الابدية في تحويل هذه المهنة الى اسطبل أو رهينة وهو السلطات على اختلاف الاسماء والرقيب على اختلاف الألقاب، فهؤلاء يسرهم ان يتحول الكاتب الى ببغاء تردد الصدى أو الى فقيه للتبرير بحيث لا مانع لديه في ان يبرهن على استطالة الارض وعدم دورانها أو العكس تبعاً للثمن المدفوع .



    الطرف الثاني هو المتلقي الذي تم تخريب ذائقته، بحيث حقن بذلك الحبر المخدر، الذي ينتهي مفعوله عند تدليك العواطف وتملق الانفعالات العابرة .



    الطرف الثالث رغم اعتقاده الوهمي بأنه الأقنوم الاول في هذا الثالوث فهو الكاتب أو من يسمى كذلك لأسباب اجرائية متعلقة بتصنيف المهن، فهو يظن أنه يشبه بالعنزة التي ترضع من أمها حتى تستطيع الاعتماد على نفسها، وبعد ذلك تبدأ بافراز الحليب، فهو مثلها وربما أقل منها لأنه يكتب أكثر مما يقرأ، وقد ينتهي به الأمر الى أن لا يقرأ نفسه، لمعرفته بنوع العشب البلاستيكي الذي يجتره.



    لقد أوشكت العملة الرديئة في هذا التضخم ان تطرد العملة الجيدة شأن كل المهن في مختلف المجالات، ولو عرف القارىء العربي كم هو عدد الكتاب في بلاده والذين يعلفون عشرات الأولوف من المطبوعات الصفراء والخضراء والسوداء ومن مختلف الالوان وبلا لون أيضا لاصابته الدهشة، فعدد الكتاب العرب أو من يحملون هذا اللقب أصبح ينافس عدد القراء العرب من الماء الى الحبر والمفارقة هي ان عدد من يكتبون يتصاعد مقابل انحسار وهبوط عدد القراء، وقد سبقنا الكاتب هربرت ريد عندما تحدث عن التحالف الاستراتيجي بين الكاتب الواعي والقارىء الشريك مقابل تحالف مضاد بين كاتب مفرغ من الوعي وقارىء يلعب معه التنس بلا شبكة.. فالمتوالية مستمرة، خصوصاً في هذا الوقت الذي ارتفع فيه سعر الاشياء كلها حتى الماء والهواء وتدنت تسعيرة الانسان بحيث أصبح رقماً في قائمة قتلى أو الاحوال المدنية.



    أحياناً نعذر الناس على عزوفهم عن القراءة لفرط ما خدعوا وما ضبطوا آخرين متلبسين بالتناقض، ومنهم من لم يصبر أكثر من يوم واحد ليقلب ظهر المجن لولي نعمته لعله يظفر بالحسنيين وهو بالتأكيد لن يظفر حتى بالأسوأين أو السوأتين!!


    نظرا لانشغالي بأمور عديدة في الأيام القادمة و بعد قراءتي لهذه السطور أيضا اكتشفت أنني بحاجة للعودة إلى صفوف القراء وليس الكتاب ، كل التقدير والاحترام لجميع من عبر وسيعبر صفحات هذه المدونة .

    ردحذف
  2. The world is turning upside down, so I was hoping to find you tackling a different subject, a lighter one that takes away from reality even for a few seconds!! SO, I am disappointed.. I feel you always doubt how good of a writer you are and you always pick to retreat instead of feeding the talent you have by writing more and more.. You have chosen to hide instead of fighting all the realities around you..We can't but wish you the best of luck..
    Noura

    ردحذف
  3. بنستناك أشرف,خدلك أجازه وإرجع

    وماله ال " طرطور" طالما كل حياته بتجيه ع طبق من ذهب يعني..


    صباحك خير

    ردحذف
  4. السلام عليكم
    أولا أخي الفاضل أود تسجيل إعجابي الشديد برقي فكرك و سمو أفكارك من أروع المدونات التي تصفحت

    ((الطرف الأول هو صاحب المصلحة الابدية في تحويل هذه المهنة الى اسطبل أو رهينة وهو السلطات على اختلاف الاسماء والرقيب على اختلاف الألقاب، فهؤلاء يسرهم ان يتحول الكاتب الى ببغاء تردد الصدى أو الى فقيه للتبرير بحيث لا مانع لديه في ان يبرهن على استطالة الارض وعدم دورانها أو العكس تبعاً للثمن المدفوع .))

    ألا ترى أنهالسائد و صاحب الغلبةوفرض على الكل طقوسه و مارس عقدهعلى الجميع ؟؟

    ردحذف
  5. مساء الخير اشرف

    اكيد قرأت تدوينتك من ساعتها لكن لم استطع التعليق عليها لسبب واحد اني لا استطيع ان اقول لك كلام لا استطيع تطبيقه على نفسي!
    وان كنت ازيد عنك في اني لا اجد لدي نفس للقراءه ايضا!

    احاول ان اخرج من حالة الجمود هذه بكل الوسائل ولا افلح.
    قبل كم يوم فكرت اني ابتعدت عن القراءه لانه معظم قراءاتي الكترونيه والشاشه تتعب عيوني فدفعت نفسي للنزول الى مكتبات وسط البلد ...قلت لحالي بتمشى واشوف الناس واشتري كتاب ورقي لعل وعسى رائحة الورق الجديد وملمسه يغروني بقراءته ...واشتريت كتاب.... وما زال الكتاب للآن في شنطتي من ساعتها ...ولم اتصفحه حتى!

    نفسي اعرف شو اللي صار لنا!
    لكن مع كل هذا...لا افكر ابدا في الابتعاد عن المدونات واعلم في داخلي اني سأعود كما كنت و سأبقى هنا مهما حصل فهذا هو المكان الذي احتواني اكثر من اي مكان في العالم.
    دمت بخير اشرف وربنا يفرجها علينا...

    ردحذف
  6. انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً

    ردحذف