الجمعة، 4 مايو، 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الأولى (( المعلمة جميله )) 1

أشرقت شمس أيلول من خلف الهضاب المكسوة بحجارة الأبنية الصماء ، وتدافعت خيوطها الذهبية باستحياء فتاة بكر في خدرها ، لتعانق نوافذ البيوت الندية ، وتتلاعب بسبات طلاب المدارس المعتكفين في منازلهم من ورائها ، بعد ثلاثة شهور أكملت عدتها برتابة توالت عند هذا الوقت من الصباح تحديدا ، في ضيافة عطلة صيفية لفظت أيامها الأخيرة وتوارت خلف ليلة تود إدراك شقيقاتها في رحلة الزمان المتعاقب بميقات السماء .

كنت صبيا يقترب من إتمام العقد الأول له في هذه الحياة ، وكنت مزهوا بقامتي التي بدأت تطول كأغصان الأشجار حين تبالغ في نضوجها المبكر ، وكعادتي مع بداية كل سنة دراسية جديدة ، ذهبت إلى المدرسة والفضول يسابق خطواتي ، لاستكشاف زملائي الجدد والتعرف على معلمات الصف الرابع الابتدائي ، كان الطقس جميلا والسماء صافية إلا من غيوم بيضاء متناثرة ، تنذر باقتراب فصل الخريف وأجوائه الكئيبة التي ستحول بين الوقت والاستغلال الأمثل له في اللعب اليومي في شوارع الحارة بعد انقضاء الدوام المدرسي .

لم أكترث لتلك الهواجس ولم ألقي لها بالا ، وسارعت الخطى لاجتياز بوابة المدرسة الحديدية المشابهة تماما ، لتلك البوابات المستخدمة في السجون ، ولربما كان هنالك رابط عجيب بين تشابه البوابتين ، فالطلاب والمساجين في مدينتنا، يشتركون في بغضهم للمكان ، ويتوقون دوما إلى الدقائق التي تعتقهم  أحرارا إلى الحياة من جديد ، فالسجن ليس لتهذيب النفس واصلاحها ، والمدرسة ليست نبراسا يضيء ظلمة الجهل ، بل كلاهما وجهان لعملة تدعى الانحراف ، ولذلك نادرا ما نجد مجرما يرتدع بعد خروجه من السجن ، أو طالبا يحترم الآخرين ويصون حقوقهم بعد قراءة أول سطر له في مناهج التعليم .

وقفت في الطابور الصباحي وبدأت أراقب باهتمام شديد ، الجموع التي بدأت تتوافد من طلاب ومعلمات ، لم تختلف الوجوه كثيرا ، فمعظم الحاضرين يكادون يذكرونني بالمشهد ذاته ، قبل انقضاء السنة الدراسية المنصرمة ، مديرة تقف متجهمة الوجه وفي يدها قطعة خشبية غليظة ،معلمات بوجوه شاحبة وبائسة ، وكأنهن يقفن في حضرة المراسم الأولى لجنازة ميت ، عيون حمراء متورمة ، وشفاه أطبقها  العبوس ، ونظرات ازدراء للطلاب المبتسمين في وجوههن ، حفاظا على مظهر الهيبة والوقار ، والطلاب في الضفة المقابلة من الباحة المدرسية ، يقفون كجيوش العسكر ، ويخافون من مجرى النفس الخاطىء في مدارات المزاج السيء لأعضاء طاقم التدريس ، فلقد حدث في يوم من الأيام ، تواصل سعال أحد الطلاب أثناء إلقاء مديرة المدرسة لخطبة عصماء حول ضوابط الالتزام بكل أمر تمليه المعلمات على الطلبة دون مناقشة أو تفكير ، ولكن صوت السعال استفزها ، معتقدة أن الطالب قد تعمد فعلته كي يسخر من كلامها ، لتنهال عليه بضربات متتالية من أداة التعذيب الخشبية التي لا تبارح قبضة يدها ، في أنحاء عشوائية من جسده النحيل ، وما أوقفها إلا قطرات الدماء التي تدفقت كعين ماء جارية ، بعد ضربات توجهت في حين غفلة من الانفعال إلى الأنف والشفتين ، لتنتهي واقعة التعذيب تلك ، وتظل عبرة لكل من تسول له نفسه في تعكير مزاجها بقصد أم بغير قصد ، وهذا بالطبع حال العديد من الشخصيات النمطية المتعثرة بمبادىء الثقة في النفس بمجتمعاتنا ، فهم يعتقدون دوما  أن أي فعل أو كلمة أو حركة تصدر من حولهم ، لا يكون لها مسوغ سوى الاستهزاء بهم ، وأعتقد أن هذه الحالات تعللها اضطرابات عقلية تعود إلى فترات ما قبل البلوغ النفسي وليس الجنسي ، فمجتمعاتنا تعتمد دوما على مقياس ثابت في تشكيل الأطر الأساسية لشخصية الفرد فيها ، والتي ترتكز على عامل ثابت لا يتغير ، القدرة على اضطهاد الآخرين إذا ما هبت رياح مواتية لبث النفوذ والسيطرة ، سواء أكان ذلك في مواقع تعليمية أم حكومية أم اقتصادية ، وحتى في المنابر الدينية أو على عتبات حيز الأسرة الضيق . 

لم تكن آثار المظهر العام للطابور الصباحي لتحرك في نفسي  ساكنا ، لولا إطلالة تلك المعلمة السمراء من خلف البوابة الحديدية ، وهي تسير بخطوات واثقة إلى منصة المعلمات ، دون أن يستدعيها الفضول لاستطلاع الوجوه التي أشاحت عن جميع الحاضرين و استدارت كي تتأملها عن اليمين وعن الشمال عزين ، ولكن عينيها المشابهتين لعيون غزالة برية ، لم تلبث أن تداعت في لمعانها ، بعد أن كشفت شفتيها المتورمتين بأنوثة استثنائية ، عن ابتسامة بالكاد لمحها من تواجد بالصفوف الأولى من طوابير الطلاب ، وكم كنت من أصحاب الحظوة والحظ السعيد ، وأنا اتنشق الهواء الذي اختلط بعبق عطرها الساحر ، لتأخذني بعيدا إلى عالم جميل من المشاعر التي ماعرفتها في حياتي قط ، من تكون هذه المعلمة ياترى ؟ وهل ستكون من معلمات الصف الرابع ؟ كم تمنيت حينها أن تكون كذلك ، كي أتمكن من مشاهدتها في منأى عن هذه الجموع الغفيرة ، ولكي استأثر بمحبتها لي وحدي دون أن يشاركني في ذلك أحد .

هناك 6 تعليقات:

  1. مسائك سعيد صديقنا اشرف
    طولت علينا الغيبه...صحيح مقصره بالتعليق و لكن مستحيل افوّت شي من كتاباتك وما اقرأه


    للاسف تشبيهك للسجن و المدرسة جدا محزن و جدا صحيح...العبوس و القمع و النفوس المريضه دائما موجوده

    بانتظار باقي القصص :)

    ردحذف
    الردود
    1. الصديقة العزيزة ويسبر :)

      والله ما في حدا مقصر غيري :(

      صدقا كم أفتخر وأعتز أن تكون كتاباتي موضع اهتمام مدونة متميزة ومخضرمة مثلك ... تسلمي يا ويسبر :)

      السجون والمدارس يفترض أن تكون محطات لتأهيل البشر وارشادهم إلى التمييز بين الطريق القويم والهاويه ولكن هذا الكلام نظري فقط دون تطبيق في مجتمعاتنا ...

      لك مني كل الود

      حذف
  2. أنا ما معي كعك و لا أي حلويات بس بعتذر عن الغياب
    فاتني الكثير و لكن كنت أقرأ بعض الإدراجات و أنسحب بصمت :)
    ---

    السجن = المدرسة = :( "شهههههههههههقة"

    ردحذف
    الردود
    1. أبو أنس :)

      صورة هيومه وهي بتبوس أنس غفرتلك كل الغيابات السابقة واللاحقة ... الله يخليلك ياهم يارب :)

      وعلى فكره أنا كمان معك شهقة وشهقتين على المدارس والسجون :)

      اشتقنالك والله كتير :)

      حذف
  3. أعجبتني تفاصيلك التي تشرح المكان و الأمزجة المختلفة
    و كلماتك الدقيقة أدهشتني
    و مشاعر البطل التي نجحت في وصفها مما جعلني أشعر إنني هو كعادتك :)
    فعلا أسلوبك له كل التقدير :)

    ردحذف
    الردود
    1. كارول :)

      توقفت طويلا حين قرأت في تعليقك أن كلماتي قد أدهشتك وتذكرت فورا قول الشاعر الكبير نزار قباني حين قال : (( إن لم تكن مدهشا فلا تتحرش بأوراق الكتابة )) إذن لم يكن تحرشي بالقلم عبثيا والدليل شهادة مدونة تعلم كم تستهويني طريقتها في الكتابة :)

      لك مني كل الود

      حذف