الجمعة، 14 سبتمبر، 2012

راديكالية الحوار العربي

في موقع العمل :

مكاتب متقابلة تفصل بينها جدران خشبية ، في حجرة بالكاد تتسع لأربعة أشخاص على أفضل تقدير ، تقترب عقارب الساعة من المكوث عند الخانة الثامنة في تعداد التوقيت الصباحي ، فتعج الحياة في الممرات الرخامية بموطىء خطوات الموظفين المرتبكة من خشية الوصول المتأخر عن موعد الدوام الرسمي ، يتخذ الجميع مواقعهم ، ويضغطون بشيء من التوتر على فأرة أجهزة الحاسوب إيذانا ببدء يوم عمل جديد ، تتصدر طقوسه وشعائره مطالعة ثلاثة مواقع إخبارية فأكثر ، بحسب ما يمليه حجم العمل المتراكم بفترات زمنية قيد الإنجاز والتسليم ، فيكون لكل موظف وجهة هو موليها بالأخبار التي تتواءم مع أفكاره ومعتقداته ، أو تلك التي تدحض كل ما يدور بعيدا عن فلك ما ينسجم مع آرائه وتوجهاته ، ويبدأ الحوار العقيم ، بين مؤيد ومعارض لجماعات دينية أو قومية أو علمانية ، أو عند استعراض أحداث رياضية أو اقتصادية أو اجتماعية ، ويحتدم الصراع هنا وهناك ، وتعلو الأصوات في محاولة لتهميش وتسفيه الرأي المغاير ، والمشهد النهائي في ذلك كله ، قول مأثور لاتزال حروفه في مجالس العرب رطبا جنيا ، بعد أن تواطأت عقولهم في الاتفاق على أن لا يتفقوا .

في المنزل : 

وأمام شاشة التلفاز ، رب الأسرة على أهبة الاستعداد بعد أن أجتمعت على المنضدة الخشبية كل صنوف المكسرات والفواكه والحلويات ، ولايزال بصوته الأجش يستعجل زوجته ذات الوظائف اللامنتهية في خدمة إجبارية له وللأولاد ، كي تناوله إبريق الشاي المعتق بالزنجبيل البري ، وذلك قبيل بدء البرنامج الحواري الذي يترقبه أسبوعيا بشغف كهل على الحياة كي تدوم ، وعندما تصدح عبارات المذيع اللاذعة كمطرقة القاضي في محكمة عدلية تجمهرت أدنى قبتها جموع المظاليم في انتظار حكم مصيري ، تبدأ الجلسة إذن ، بين ضيوفه من أطراف النزاع الأزلي ، الخير والشر ، الحق والباطل ، ولكن المذيع يغفل كلما اشتد وطيس الحوار ، أن الحق في القضايا العربية خل وفي للجميع ، فمن الظالم ومن المظلوم ؟ ومن يحتكر الصواب ومن هو معصوم عن الخطأ ؟ أسئلة تظل تدور في فلك تراشق التهم هنا وهناك ، حتى تأتي لحظة الحسم في اثبات علو الكعب ، وهذا ليس تعبيرا مجازيا في حوارات العرب ، لأن الحذاء هو سلاحهم في وجه من يعجزون عن الانتصار عليه في معركة الحكمة والذكاء ، وعلى ما يبدو أن للحذاء مآرب أخرى ، حين ألقى به رب الأسرة على زوجته أسوة بما فعله أحد المتحاورين على شاشة التلفاز ، لتأخرها في إحضار فنجان القهوة الذي كان يستعجله قبل انقضاء الفقرة الأخيرة من البرنامج . 

في النصح والإرشاد : 

حيث المتلقي مجهول الجانب ، والواعظ دور يرفض جميع الأطراف التنحي عن مقايضته بفضة الكلام إلى ذهب الصمت ، فالجميع له صولات وجولات في مختلف ميادين العلوم والسياسة والإقتصاد وعلم الإجتماع والأدب، وتجارب الحياة وشؤونها من صغائر التفاصيل إلى كبائرها ، و على الرغم من ذلك الكم المعرفي الهائل ، إلا أن قطار التقدم والإزدهار لا يزال يتأهب لإطلاق صافرة الإنطلاق ، فالركاب يتحاورون بأحقية كل منهم في القيادة ، ولايكترثون لكوابح القاطرة التي تنزلق بهم في الإتجاه المعاكس .   

في الحوار العربي ، الخلاف يفسد دوما قضية الود ، ويكون مدعاة لتفاقم الغل والحقد ، فتعسا لمن لا يؤيد محاوريه ، وهنيئا لمن يهتف ويثني على آراء الآخرين ، أيا كانت المنابر التي يتحدثون منها ، فمن يجادل أو يناقش ، هو شاذ وخائن لكل ما اتفق عليه التفكير الجمعي في مجتمعاتنا ، ولن أخوض في تفاصيل القصد من وراء هذه الكلمات ، فلو أردت الإيضاح أكثر ، سيهدر ذوو القربى حبر قلمي قبل بوحه بحرف صحيح أو معتل ، لأن كلامي سيكون ممنوعا من الصرف ولن يجدي إعرابه في قاموس لغة لا تبيح النطق إلا بالمديح والثناء والكلام الناعم حتى ولو كان كذبا ، أم أن لك رأي آخر في معشوقك يا نزار قباني ؟ 

هناك 14 تعليقًا:

  1. هالايام اي شخص اله رأي بدو ياكل على راسه بغض النظر مؤيد او معارض

    معارض اكيد بدو ياكل هوا ...و المؤيد كيف يجرأ يحكي رأيه بحضره اصحاب القرارات

    حوار...رأي ...معارضه...كلهم كلمات راح تنمحي قريبا من القاموس العربي

    ردحذف
    الردود
    1. ويسبر :)

      الله يستر من الجاي ... بكره ممكن يصير الواحد إذا تنفس ما يلاقي غير الضرب بلش فيه عن جنب وطرف :)

      فعلا هي كلمات ستنقرض قريبا من حياتنا على ما يبدو ...

      لك مني كل الود

      حذف
  2. meen 7iwar!

    forsa net3arraf

    :( + :)

    aslan l wod maf4ood ya sa7by,,,

    ردحذف
    الردود
    1. دكتور هيثم :)

      معلش اذا عرفت التلفون اعطيني ياه عشان اتعرف معك :)

      للأسف يا صديقي بالفعل الود لم يعد موجودا بين الإخوة :(

      كل الود

      حذف
  3. في العمل كي تستمر يجب أن تراقب موجاتك الصوتية وهي تخرج
    فتعرف مدى اتساعها ومدى أثرها و مدى تطرقها لمدير العمل و عيونه المتربصة في كل غرفة خلف المكاتب ..
    النفاق و الثناء هو السبيل الوحيد للضعيف امام من هو أكبر منه.. و الوعظ والارشاد القسري هو سبيل كل من هو أكبر مقام لمن هو أقل منه سواء في البيت أو العمل أو مائدة حوار...

    حوار....!!
    سأبحث عنه بين ثنايا لغتنا وعندما أجده سأوافيك بالتفاصيل..

    أشكرك على طرحك الجاد

    ردحذف
    الردود
    1. زينه :)

      الموجات الصوتية ... كم أعاني من هذا الموضوع في عملي ... فإذا تكلمت بصوت مرتفع يعتقدون أني لا احترمهم واذا تكلمت بصوت منخفض يظنون أني (( بشتغل بدون نفس )) وأنا دوما في سري وعلني أردد المثل الشهير كلما واجهت مثل هذه المواقف (( احترنا يا قرعه من وين انبوسك )) وخصوصا قرعة المدير بتلمع :)

      الارشاد القسري صدقا موضوع كبير وبحاجة لتدوينه مستقله وخصوصا عند كبار السن الذين من المستحيل أن يسمعوا ولو كلمة واحده ممن هم أصغر سنا في أي موضوع من المواضيع ...

      أرجوكي إذا وجدت أي شيء بخصوص موضوع الحوار أن ترسليه لي على البريد الالكتروني : www.أذن من طين @ أذن من عجين . com :)

      لك مني كل الود

      حذف
  4. للأسف عزيزي، لم نترب على أدب الحوار، في أي مكان، سواء في البيت أو المدرسة أو مكان العمل، حتى في السياسة..
    هناك من يفرض رأيه فرضا، ويعتقد أن ما يقوله هو الصواب وما دونه خطأ، فيحجر عليك الرأي، ويقمع صوتك..
    لو كان هؤلاء يراجعون تاريخنا، وبالأحرى ديننا الحنيف، لعلموا أن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم كان يحاور صحابته في مختلف مجالات الحياة، وكذلك الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم من بعده.. فأين نحن منهم؟؟
    عزيزي، تقبل الرأي واجب، حتى ولو كان مخالفا لما نؤمن به، على أن لا يجرنا هذا للسباب والقذف، لأنه في هاته الحالة لن يصبح حوارا بل عراكا أنتجه جدال عقيم دخل فيه الشيطان الرجيم، ليعكر صفو المتحاورين..
    المتحاور عليه أن يحترم محاوره، ويناقشه بالحجة والدليل، بأسلوب هادئ رزين..
    هكذا أرى الحوار، وهكذا أرى المتحاورين..

    همسة: اشتقت لما تخطه أناملك، والحمد لله أن رأيت هذا الادراج بعد غياب طويل :)

    ردحذف
    الردود
    1. خالد :)

      مرحبا بك يا صديقي العزيز ... وأنا أيضا اشتقت لكلماتك وآرائك الرائعة على صفحات مدونتي :)

      نعم أنا أتفق معك تماما في غياب أدبيات الحوار في مختلف المنابر التربوية وخصوصا في البيت والمدرسة ودعني أضيف أيضا على ما ذكرت مؤسسة تربوية في غاية الأهمية ألا وهي المساجد وهنا صدقا للحديث شجون ولكن عتبي عند حدوث مثل هذه المواقف على غياب دور أهل العلم والرأي في استيعاب الطرف الآخر بالشكل الصحيح وتعقيبا على استعراضك لتاريخنا الاسلامي ... فقد قال رب العزة في محكم تنزيله مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم : (( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك )) ولكن للأسف الذي يحدث في أغلب الحالات في هذه الأيام أن العراك يبدأ حتى من قبل إعطاء الفرصة للطرف الآخر كي يتكلم :(

      أتمنى أن يأتي يوم ونرى فيه الحوار بالطريقة التي ذكرتها يا عزيزي :)

      لك مني كل الود

      حذف
  5. أشرف نيالك على المعجبه الالمانيه :)
    هلكتني في الايميل ...الله وكيلك مش ملحقه عليها ديليت,
    بنصحك ما تعطيها عين لانه شكلها سبام وحتدهورك :)
    يعني خليك عربي قح معها ولا تعبرها ولا حتى مجامله ...اعطيها بالكندره :))

    ردحذف
    الردود
    1. نيسانة التدوين :)

      حاضر معلمتي :) شايفه كيف أنا مطيع وما بعارض ولا بناقش ولا بجادل ... حافظ درسي عن غيب في الحوار :)

      صدقيني مره تانيه حاسس حالي متل الاطرش في الزفه ... هو انا ساكن في فيينا عشان اتصل مع موقع الشركة اللي المعجبه الالمانيه عم بتبعت منو التعليقات :)

      يسعد مساكي

      حذف
  6. أشرف! عم بقرأ على الreader ما كتبته عن يوم الجمعة و لكن يبدو أنك قررت تأجيل نشره؟

    بصراحة

    الأسطر القليلة التي سطرتها = هلكتنيييييييييييييييييييييييييييي


    أحس بحنين قاتل يا أشرف و أنت أرجعتني لأيام حلوة و قديمة و أشتاق لها

    المشروب الغازي بعد الصلاة، التسابق للكراج الفارغ لحجز ال"ملعب" ، طقوس الصلاة!

    جد هلكتني!!

    ردحذف