الجمعة، 11 مايو، 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الأولى (( المعلمة جميله )) 2

وتحققت أمنيتي سريعا بعد قرع جرس الحصة الثانية ، فلقد حضرت إلينا وفي يديها كتب اللغة الإنجليزية ، وهذا كان كافيا للرقص وبث أهازيج لا تنتهي من الفرح والغبطة ، فمادة اللغة الإنجليزية لها نصيب يومي في جدول الحصص ، وتتكرر مرتين في يوم من أيام الأسبوع على الأقل ، ولكن خيوط مشاريع سعادتي ما لبثت أن انقطعت مع طرقات غليظة على باب الصف ، اتبعها ظهور خيال جثة ضخمة لوحش آدمي أشقر ، متأبطا ذراع المديرة التي كانت تبدو وهي ترافقه إلى المدخل وكأنها ابنته الصغرى ، وقفنا جميعا لأداء تحية الخوف ، عفوا أقصد تحية الاحترام للمعلم ، أسوة بقول الشاعر الشهير : (( قم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا )) ، واستمعنا إلى مداخلة غير مطولة للتعريف بالطالب الجديد (( توفيق )) ، والذي يكبرنا جسديا بعشر سنين ، ويصغرنا عقليا ببضع سنين ، إلا أن مشاعر الرأفة والشفقة والرحمة لم تراودني البتة وخصوصا بعد أن شاهدت اللهفة التي اختطفت عيني معلمتي وهي تنظر إلى عيون (( توفيق )) الزرقاء ، ثم ما لبثت أن انقلبت إلى حوار ثنائي بينهما للتعارف الأولي ، لتخبره وابتسامة عريضة قد ارتسمت على محياها (( أنا معلمتك جميله )) .

لا أنكر أنني أثناء مواكبتي لهذا المشهد الميلودرامي بأحداثه المثيرة ، أصابتني حالة من الخيبة والقنوط ، وأنا أقف مذهولا أمام أوراق طاولة أحلامي وهي تتهاوى على أرض اليأس ، فمعلمتي الجميلة (( جميله )) لم تكترث لعيوني التي ما أطبقت رموشها من فرط الانبهار بها ، بل آوت بسهم نظرة واحدة من عيون (( توفيق )) ، كالفريسة التي دخلت المصيدة بمحض إرادتها ، فلا صوت يعلو على صوت (( توفيق )) ، وليس لطالب أو طالبة في الصف حق في سؤال أو جواب ، إلا برضا (( توفيق )) وموافقته المسبقة على ذلك ، ومما كان يستدعي الحيرة والشك ، أن هذه المعاملة الاستثنائية لـ (( توفيق )) ، لم تكن لتظهر بكل هذا الوضوح الذي يبعث النفس على التقيئ ، إلا مع المعلمة (( جميله )) ، فلم تكن ممارسات التمييز العاطفية لـ (( توفيق )) على الرغم من مرضه العقلي ، والذي قد يكون مدعاة لتلك الممارسات ، ينعكس على سلوكيات المعلمات الأخريات ، ولا أعتقد أن السبب في ذلك ناجم عن عدم تعاطفهن مع (( توفيق )) ، بل هو خبرتهن كأمهات في البيوت ، والذي جعلهن على دراية وإلمام بنفوس الأطفال ، وكيف ينعكس ذلك بآثار سلبية على تكوين شخصياتهم وعبورها في مراحل من الحقد والعدوانية ، ونبذ الذات وعدم توازنها وانسجامها مع محيط المجتمع من حولها ، وفقدان الثقة بالنفس واهتزازها على الدوام ، وذلك حين يشعر الطفل بمحاباة أمه لشقيقه أو شقيقته في أي وقت أو مكان ، بظروف اعتيادية أو استثنائية ، فقد يغار الطفل من أخيه المريض إذا ما شاهد أمه تعتني به وتسهر إلى جانبه ، فهو لا يعتقد أنها تفعل ذلك بسبب ظروف استثنائية وطارئة ، بل يضع نصب عينيه أن فعلتها ليست سوى دليل دامغ على جرمها بحقه ، ونبذها له بسبب ميل قلبها إلى كفة محبة أخيه .

وفي ليلة من ليالي الأحلام والأمنيات ، شاهدت معلمتي (( جميله )) تسير على ناصية الطريق التي اعتدنا على لعب كرة القدم فيها ، كانت الشمس على وشك الغروب ، وشفقها الأحمر قد افترش على بساط السماء الأزرق ، أما الأشجار فقد كانت تتمايل أغصانها يمنة ويسرة ، وفقا لأهواء الرياح التي ما كانت شرقية ولا غربية ، ألقيت بالكرة بعيدا وركضت نحوها بأقصى مافي قدماي من قوة ، ومع أنه كان يخيل لي أنها تسير ببطء متعمد ، إلا أنني عجزت عن إدراكها ، حتى تعثرت على الأرض ، بعد أن فقدت توازني بفعل نتوءات بارزة في الأرضية الإسفلتية المهترئة ، والتي ما لبثت أن امتزجت بنزيف ذراعي وأنا أستعين بها كعمود ارتكاز للحد من وطأة سقوطي على الأرض ، فصرخت بصوت تداعى فيه الصدى حين يضج في أعماق بئر مظلم ، إلا أنها لم تلتفت وتابعت مسيرها باتجاه الناصية الأخرى من الطريق ، حيث كان (( توفيق )) ينتظرها وهو يضحك ضحكته الغبية المعتادة ، ويصفق ويغني ساخرا وأصابعه تشير نحوي باستهزاء ، امتلئت غيظا وكيدا ، ولكنني لم أتمكن من النهوض ، لتصل المعلمة إليه وتعانق كفها بكفه ، ثم يرحلان بعيدا عني ، وأنا لا يزال نحيبي مستمرا حتى سمعت صوت والدتي وهي تناديني ، فاستيقظت من المنام وأنا ألهث بأنفاس متقطعة كمن هو في سكرات الموت ، فما كان من أمي إلا أن هوت بصدرها على رأسي ، وأناملها تداعب صدغي ، في محاولة للتهدئة من روعي ، والتأكيد على أنه مجرد كابوس مزعج من أضغاث أحلام ، إلا أنني كنت على قناعة أن ما شاهدته ليس حلما بل هو الحقيقة المؤلمة ، فذلك الأبله الأشقر قد خطف مني أحلامي وأمنياتي  ، دون أن أتمكن من مجابهته كالفرسان الشجعان في رحى موقعة الحب .

وتتابعت الأيام بعدها ، وأنا أقف كشاهد عصر ، على كتابة سطور الأيام التي تزاحمت فيها لوعتي ، مترصدا معلمتي التي عشقتها من كل قلبي ، لا يشغلها من  الحنان والعطف والمودة إلا (( توفيق )) ، كم هو مؤلم هذا الشعور ، أن تجد من أحببت أسيرا في محبة شخص آخر ، ولربما أثناء كتابتي لهذه القصة بعد كل هذه السنين ، أستطيع أن أتفهم السبب في سلوكي العدواني الذي حدث بعد ذلك ، وخصوصا بعد ربطه مع أسطورة (( أوديب )) ، حين استغلها (( فرويد )) ليؤكد أن الولد يتعلق بأمه في صغره أشد التعلق ، و أن مشاعر الغيرة والكراهية تسيطر عليه تجاه والده ، وهو يظن أنه ينافسه في الاستئثار بقلبها ، وهذا هو ما حدث معي تماما في ذلك الوقت ، فأنا كنت متعلقا جدا بالمعلمة (( جميله )) ، وهي لا تبادلني تلك المشاعر ، بل إنها لم تكن تكترث لي قط ، بعكس سلوكها المفرط في الحب لـ (( توفيق )) ، وهذا كان مدعاة لبدء حرب نفسية كارثية في عقلي ، وما كانت  لتنتهي إلا بعزمي وإصراري على قتل (( توفيق )) ، لعل معلمتي حينها تدرك خطأها و تعود إلى رشدها وصوابها ، بالتمييز بين من أحبها وبين من لا يفقه شيئا في أبجديات الحب .

كان كل همي بعد قراري بقتل (( توفيق )) ، الحصول على سلاح لتنفيذ المهمة بنجاح ، ولكن ماذا سيكون ذلك السلاح يا ترى ؟

هناك 9 تعليقات:

  1. [wonderful yoy mixed between life story&physyology

    ردحذف
  2. :متابع:
    و الصورة كوم و الحبكة كوم

    أتوقع أن تكون أداة القتل = رسالة "؟!" :)

    ردحذف
    الردود
    1. الصديق العزيز هيثم

      خليها مفاجأة ... بس مش عارف رح تزبط معي الصورة المرة الجاي انشالله زي هيك :)

      يسعد مساك

      حذف
  3. اي اداه حاده اومسدس او رشاش
    عندي


    حمدلله ع السلامه, نورت

    ردحذف
    الردود
    1. ام عمر :)

      الله يسلمك يارب ...هو على الاغلب محتاج لأداة حادة (( موس كباس )) :)

      بس لا تخافي مابجيب سيرة لحدا اني اخدتو منك :)

      كل الود

      حذف
  4. تعجبني قصتك :)
    و أختيارك لوضع و توقيت نهاية كل جزء
    تشدني القصة بتفاصيلها
    و تلك المشاعر الصغيرة التي تفسر سلوك الإنسان و هو كبير
    أنتظر بقية القصة :)

    ردحذف
    الردود
    1. كارول :)

      كم أنا سعيد بكلماتك ... هي بالفعل مشاعر تفسر كنه شخصية تتلمذت في مدرسة حب لم تشرع نوافذها في يوم لنور حبيب مرتقب ... بل عتمة الانكسار والخيبات المتتالية لقصص كان مصيرها دوما الفشل :(

      لك مني كل الود

      حذف