الجمعة، 18 مايو، 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الأولى (( المعلمة جميله )) 3

مضت أيام وأنا أخطط وأفكر ، حتى شاهدت في المكتبة مرادي في يوم من الأيام وأنا أشتري بعض القرطاسية والكراسات ، مدية صغيرة ، كانت معروضة بجانب الأدوات الهندسية ، فسألت البائع عن ثمنها ، فأجابني أنها بنصف دينار ، أنه مبلغ باهض الثمن ، كيف سأستطيع الحصول على مبلغ كهذا ، وأنا مصروفي الأسبوعي لا يتجاوز العشرة قروش ، عدت إلى المنزل أجر وراءي أذيال خيبتي في الحصول على مخلصي من ((توفيق )) ، ولكن حزني ما كان ليطول مع الخطة المحكمة التي أشار بي عليها صديقي ، حين التقيته في المخبز بالمساء ، وذلك بعد أن رجوته ليقرضني المبلغ المطلوب ، فما كان منه إلا أن أخبرني بطريقة يفعلها دوما حين يحتاج لمبلغ كبير من النقود ، وهي طلب المال من مجموعة أشخاص على أجزاء صغيرة ، بحيث تشكل بمجموعها المبلغ المطلوب ، وبالفعل نجحت الخطة في يوم واحد ، وذلك بعد أن طلبت عشرة قروش من والدي في الصباح وعشرة قروش من والدتي في الظهيرة ، وعشرة قروش من أخي  بعد الظهر ومن أختي وقت الغروب ، ومن جدتي في الليل ، وانطلقت مسرعا إلى المكتبة واشتريت المدية التي ستجعلني أسترد قلب معلمتي الحبيبة (( جميله )) .

و في اليوم التالي ، ذهبت إلى المدرسة وأخفيت المدية خلف خاصرتي بعد أن عقدت العزم على قتل (( توفيق )) في ساحة المدرسة أثناء خروجنا لتناول الطعام بعد الحصة الدراسية الثالثة ، و لقد كان العرق يتصبب مني وجسمي يرتعش دون هوادة ، كلما كانت الدقائق تقترب من قرع جرس اللحظة الموعودة ، ولا أنكر أن الصراع بين الخير والشر كان قد احتدم بين عقل ينكر ما بنيتي فعله ، وبين قلب يبيح كل الوسائل المؤدية إلى قلب المحبوب ، فكانت الغلبة للقلب ، وخرجت إلى الساحة أراقب خطوات (( توفيق )) ، وأترصد ذهابه إلى صنبور المياه كي يشرب ، لأنقض عليه من الخلف ، وأرديه قتيلا بضربة من نصل مديتي المتعطشة لدمائه ، وما كانت إلا دقائق معدودة ، حتى اقترب (( توفيق )) من صنبور المياه ، وانحنى كاشفا ظهره لي كي يشرب ، اقتربت منه بخطوات مواربة يعتريها الحذر والترقب من تواجد إحدى المعلمات في محيط الجريمة ، وأخرجت المدية من وراء خاصرتي ، ووجهتها إلى جسد (( توفيق )) ، ولكنها لم تصل إليه ، فقد توقفت يدي بفعل قوة يد رهيبة كانت تضغط على معصمي ، حتى خارت قواي وهوت المدية على الأرض ، ماذا ؟ لا أصدق ما أرى ، إنها المعلمة (( جميله )) ، ولكن أين كانت ؟ وكيف غفلت عن رؤيتها ؟ يا للهول ، ماذا سأفعل ؟ 

لم تكن هناك أية فرصة للتفكير ، (( فجميله )) لم تبادر بالاستفسار أو الاستغراب أو الدهشة ، بل توحشت كلبؤة جائعة وجدت فريستها ، وانهالت بصفعي في كل مكان وصلت إليه كفوف يديها ، وهي تجرني كالدابة العاصية  حين تأبى حوافرها المسير ، باتجاه غرفة مديرة المدرسة ، لم أكن في تلك اللحظات متأثرا بالضرب ، ولم أكن خائفا مما قد يحدث لي من عقوبات تأديبية من قبل المديرة ، بل كل ما كان يشغلني هو خسارتي الأبدية لقلب معلمتي (( جميله )) .

لا جدوى من اختيار القلب للحبيب ، فأنت لن تتمكن من استدراجه لمصيدة الحب ، إذا كان قلبه مشغولا بمصيدة أخرى ، ولذلك لا تحاول اعتراض طريقه ، ولا تتحاذق بخوض حرب عاطفية لاختطاف قلبه، فهو ما كان من نصيبك يوما ، ولن يكون ، مهما حاولت التحايل على الأقدار المكتوبة .

وهذه ليست الحكمة التي نستخلصها من هذه القصة وحسب ، إذ أن للخيبات والهزائم القلبية من بقية تأتي ،  طالما كان المعيار في الاختيار دوما يخطىء درب الصواب ، و نواميس هذا الكون عصية على التفسير مهما اجتهدت في التفكير بمسبباتها ، فقد تتعمد العبور في الزمان والمكان المفترضين ، للإلتقاء بشخص تلهفت لرؤيته ، فيتخلف عن موعده ولا يأتي قط ، وحين تبحث عن الأسباب التي أدت إلى غيابه ، تعتقد أنها ظروف طارئة قد أحاطت بعزمه على الحضور ، كحادث أو مرض أو تلقي أنباء سيئة ، ولكن التفسير الخفي لذلك ، تضافر الكون لحدوث النفور بين قطبي لهفتك لحضوره ورغبته في رؤيتك ، فالغلبة دائما للرغبة السلبية وليست للهفة الإيجابية بالعموم  .

والعناوين المكتوبة في أقوال وأفعال الأشخاص من حولنا ، تلخص ما في متنها من تفاصيل ، فلا مسوغ للاسترسال في التأويل والاجتهاد والبحث عما وراء الكلام ، ففنون المراوغة والتملص من الحقائق الواضحة كقرص الشمس في كبد السماء ساعة الظهيرة ، ليست سوى ذرائع لنا كي نفسر بها ما نرغب بحدوثه ، والذي قد لا يكون إلا ضربا من خيالاتنا وأحلامنا في يقظة الواقع ، فقد تعتقد أن ابتسامة شخص تتمنى الاقتراب منه ، دليلا على قبوله المبدأي لك ، ولكنك لا تدري أنها قد لا تكون سوى ابتسامة بريئة لا تخفي في طياتها أية مشاعر ، وخصوصا مع علمك المسبق بارتباطه بشخص آخر ، ولكن أمنياتك به تجعلك تفسر كل ما يفعله بما يتوافق وينسجم مع أهوائك ، كي تواسي نفسك وتعزيها بما سيظل دوما عالقا في حدود وهمك وخيالك ، دون أن تملك تأشيرة عبوره إلى أرض الحقيقة والواقع .

وقد يحدث أحيانا أن يكون الشخص مرتبطا ، ولكنه يتعمد اجتذاب صفوف المعجبين من حوله ، وذلك لإشباع رغبات لا تنتهي من الغرور والأنانية ومفاضلة الذات على سواها ، وكأنه مركز الكون الذي تدور في فلكه جميع الكائنات ، فلا تشرق الشمس أو تغيب ، ولا تهب الرياح أوتنهمر الأمطار ، ولاتغرد الطيور أو تتمايل أغصان الأشجار ، إلا بمقاييس جنونه المفرط بتعاظم مكانته وعلو كعبه على البشر من حوله ، فكم يعج زماننا بأمثال هؤلاء السفهاء ؟

هناك 6 تعليقات:

  1. و هية اللي مسكته كماااااان!

    :(
    تواطؤ قدري أشرفي! :اعتراض:

    خلي الحب يفوز يا صديقي ، يعني سفهاؤنا كثار فأعطنا بعالم التدوين ما يبعدنا عنهم و لو هنيهة :)

    ---

    لويش صاحي! (لأ مهو أنا اللي سألت الأول) :P

    ردحذف
    الردود
    1. صديقي العزيز هيثم

      مش السهر غطاء آخر لسرير الحب :)

      معك حق حتى بالتدوين عم بيلحقونا كمان :(

      يسعد مساك أو نقول صباح الخير :)

      حذف
  2. خطايا

    برضو احسن إنه إنقرص وعرف إنه بالعنف مفيش فايده ولا رح يقدر ياخد شي

    ردحذف
    الردود
    1. ام عمر

      كلامك صحيح ميه بالميه ... العنف مافي منو فايده ابدا ... بالكلمه الطيبه بنملك قلوب الناس ... وكم هو محظوظ اللي بكون عندو هالاسلوب :)

      كل الود

      حذف