الاثنين، 28 مارس، 2011

الخطوط الحمراء

في الماضي ، كلما ذهبنا لحضور ندوة ثقافية لأحد اليساريين ، كنت اشترط مسبقا على زميلتي في الجامعة أن لا ترتدي اللون الأحمر ، وكم كنا نتشاجر بسبب ذلك ، فهي يسارية حتى النخاع ، وأنا كالفحل أخور غاضبا بمجرد رؤية ذلك اللون ، ولكنها كانت تنهي سجال مجادلتنا دوما ، وتخمد نيران سلوكي الهمجي تجاه اللون الأحمر ، عند تذكيري به كرمز لدماء الأبرياء التي أريقت على هذه الأرض منذ بدء الإنسانية دون وجه حق .

ولكن لعنة اللون الأحمر ظلت تطاردني عند انعقاد كل قمة من قمم الدول العربية ، إذ كان لابد لي من مشاهدة ذلك اللون يحتل حيزا من تصميم أعلامها ، ومع أنها لم تكن ترفرف عاليا إلا في تلك المناسبات ، ولكن ذلك كان يستدعي خواري على الفور ، ولهذا ارتأيت أن أعلن مقاطعتي عن متابعة كل تلك الوديان السحيقة ، عفوا ، القمم الشامخة لإرادة دول لم تكن تختلف عن أحجار الشطرنج بيد الغرب ، تتلاعب بتحركاتها بمهارة تفوق مهارة (( كاسباروف )) في تلك اللعبة .

أما في عيد الحب ، فقد كنت دائم الانعزال في المنزل ولا أغادره قط ، إذ لم يكن لدي القدرة مطلقا على مشاهدة اللون الأحمر وهو يغزو المحلات التجارية وملابس المارة في الطرقات ، وكم كانت امرأتي تستاء من تصرفاتي الانعزالية في ذلك اليوم المتعارف عليه عالميا بأنه فرصة العشاق الذهبية لتجديد عهود محبتهم ، بل إنها كانت لا تنفك عن نقدها وهجومها لموقفي المضاد من اللون الذي يرمز للحب ، فما كان مني إلا أن أجيبها ولكن بدون خوار : (( بل هو رمز للخطر يا عزيزتي )) .

ومع مضي الأيام ، أصبح للون الأحمر دلالات في غاية الأهمية ، وخاصة عندما بدأ يقترن بالخطوط ، وإنني أذكر أن أول مشاهدة التصقت بذاكرتي لتلك الخطوط الحمراء ، وهي تتوسط علم الولايات المتحدة الأمريكية ، والتي يحاول بعض جحافلة المفكرين والسياسيين والقادة العرب ، التأكيد على أنها بلاد ديكتاتورية ، وليس لدى شعبها سقوف حريات للتعبير عن الرأي والاعتراض على سياسات حكامها ، فما كان مني ، سوى قيامي بخرق طبلة أذني كي لا انزعج من أصوات ادعاءاتهم (( النشاز )) ، معتقدا أن الخطوط الحمراء هي رمز للحرية الشخصية واحترام لإنسانية الإنسان .

وما أن بدأت الثورات تندلع في مختلف البلدان العربية ، حتى بدأت اسمع وأقرأ عبارة (( الخط الأحمر )) في مختلف الخطابات المنادية بالإصلاح ، فتفاءلت خيرا ، وظننت أن اعتقادي بالخطوط الحمراء كان صحيحا عند مشاهدتي له في علم (( أمريكا )) للمرة الأولى ، وقررت أن أتصالح مع اللون الأحمر الذي كنت معاديا له طوال حياتي .

ولكنني اكتشفت كم كنت مخطئا في نظرية تلك الخطوط ، عندما تم تسطيرها بين حروف وكلمات النخب السياسية والفكرية في دولنا ، فهي لم تكن متلازمة مع حرية التعبير عن الرأي ، بل كانت خطوط نار يحترق فيها كل من تسول له نفسه بمخالفة ما يسبقها من أوامر ، وليس هنالك من ضرورة البتة لذكر أمثلة تفصيلية عليها ، إذ أن الخطوط الحمراء في الدول العربية ستجدها مقترنة دوما مع أوامر النهي عن خوض غمار أي حديث قد يطالب بتحقيق كرامة الإنسان .

هناك 10 تعليقات:

  1. المشكلة ليست فى الخطوط الحمراء ، المشكلة فيمن يتعاملون معها ويخلقونها فى بلادهم ، بالنسبة لأمريكا فهى تختلف كل الأختلاف عما فى دول العرب ، للأسف الشديد :(

    تحياتى لحضرتك يا أستاذ أشرف .

    ردحذف
  2. أحد عناصر المعضلة تقبلنا نحن للخطوط الحمراء اللا منطقية و صمتنا عن الانتقائية في تطبيقها + ارتفاع سقفها "بالعلالي" و نحن فاغرو الأفواه، مندهشون و/أو مستكينون!

    المرة الجاي بأول اجتماع يساريّ بنلبس لون فستقي سماوي و اللي بدو يصير يصير :)

    ---

    * أكره المفاجآت و أفضل التدريجية في تلقي "الصفعات" :)

    ردحذف
  3. عفريت الكلمة
    كل هذا أخرجته من لون والله ان الوان الطبيعة بريئة من كل ما ترمز اليه هي فلسفات حمقاء لاناس زرعوها في تفكيرنا
    وفي خاطري سؤال لماذا اعتبر اللون الاحمر رمزا للمنع؟؟؟؟؟
    لماذا لم يكن الازرق أو الابيج او الرمادي؟؟؟

    تحياتي

    ردحذف
  4. اما ان تكون معي او فانت تجاوزت كل الخطوط الحمراء

    ووجب سفك دمك الاحمر...ثمناً لتجاوزك خطوطي الحمراء

    شعار المرحلة وكل مرحلة

    ابتسم فانت تعيش هنا

    فلا تفكر كما لو كنت تعيش هناك

    دمت بخيّر

    ردحذف
  5. محب روفائيل

    معك كل الحق يا أخي العزيز فالمشكله فيمن يتعامل مع تلك الخطوط ... وشتان مابين ثريا حرية شعب أمريكا وثرى الحريات في البلاد العربيه ...

    كل الود لحضورك

    ردحذف
  6. هيثم

    بالفعل تكمن مشكلة تلك الخطوط في انتقائيتها بما يخدم مصالح فئة معينة فقط ونحن في المقابل لانملك إزاءها إلا الخنوع .

    لعيونك بدنا نلبس ألوان قوس قزح كلها في الاجتماعات اليساريه القادمه :)

    التدرج في الصفعه يعني أن تنشطر بين حزن مما أصابك وحزن مما قد يصيبك ... فمره وحده أحسن عشان نخلص :)

    كل الود لحضورك

    ردحذف
  7. شهرزاد التدوين

    بالفعل ألوان الطبيعة بريئة من كل تلك الرموز الباطلة التي يحاول البعض أن يلصقها بها وكما قلتي لماذا يكون اللون الاحمر رمزا للمنع دون سواه ... إذن المشكلة ليست في الالوان بل في من يحاول تسخيرها كرموز باطله .

    كل الود لحضورك

    ردحذف
  8. يوسف

    نعم معك كل الحق فذلك هو شعار المرحلة إن لم يكن شعار كل مرحله ... وبما أنني أعيش هنا فيتوجب علي فعلا أن لا تفارقني الابتسامة وأغلال الخطوط الحمراء تقيدني من كل جانب .

    كل الود لحضورك

    ردحذف
  9. التعليقات روعة كالعادة :)

    ------
    بنخاف تكون صفعة قوية لدرجة الانشطار مهو يا أشرف و اللا فكرك هيك احسن,,, الواحد بياكلها مرة و بيستريح!

    ردحذف
  10. هيثم

    مره واحده أحسن بناكلها وبنستريح :)

    يسعد صباحك

    ردحذف