الجمعة، 4 مارس، 2011

لا منتمي

إن قرع الطبول ودق المزامير في عالمنا العربي ، يكون مقترنا دوما بالفكر الجمعي المعشعش في عقول الناس منذ ولادتهم ، ولذلك فلا تثريب على من ينوء بنفسه وبأفكاره ، ليقف على الرصيف الخالي من المشاة ، ويبدأ بالهتاف معتقدا أن صوته سيدفع بالبعض إلى محاولة التخلي عن الرصيف المزدحم بالمارة ، وعبور الشارع مخاطرا بكتابة السطر الأخير في حياته بحادث سير ، تحت إطارات ما يدعى بمركبات الدفع الرباعية المقاومة للتغيير .

بل إن الخاروف الدسم الذي يفكر بالتمرد على القطيع ، والرحيل خارج نطاق حدود المرعى المحدد له سلفا بخطوط رملية من عصا الراعي السحرية ، حتما سيقضي نحبه على أيدي الذئاب المترصدة به خارج الحمى ، وهذا ما يحاول كبار الخراف دائما تلقيمه لصغارهم ، مقترنا بتذكيرهم أن هذا الإحتمال قد يحدث في حال نجاتهم بالبدء من قبضة كلب الراعي المتعطشة للقمع ، طمعا بنيل نصيب وافر من العظام التي سيتركها السيد الراعي بعد الانتهاء من أكل لحوم إحدى خرافه .

والعصفور الذي يستند على أسلاك الكهرباء القاتمة اللون ، كي يرتاح هنيهة من التحليق في السماء ، ويغرد بالقرب من نوافذ المسترسلين في سبات عميق ، سيعتقد أنهم سيستيقظون فرحين بسماعهم لصوته ، وسيستبشرون بيوم يبعث فيهم التفاؤل ، ولكن المسكين لا يدري أنه من وجهة نظرهم كالغراب الأسود ، الذي سيهز بنعيقه مضاجعهم المستسلمة سلفا لسيناريو حياة رتيبة .

ولذلك فإن العاقل الحكيم هو الذي يضع رأسه بين الرؤوس مرددا : (( الموت مع الجماعة رحمة )) ، وبما أن هذا الموت لا يعني بالضرورة الموت المتعارف عليه في قاموس البشرية ، إلا أنه موت لا بد من حدوثه لإحدى الخلايا الدماغية المتعطشة لاحتواء أية أفكار إيجابية بتغيير الواقع الذي تعض عليه جموع الناس بالنواجذ .

ومن هذه المنطلقات التي تشبثت بسارية العلم الأبيض إذعانا باستسلامها ، تتمحور (( كاريزما )) شخصيات باتت رموزا مجتمعية ومقدسات لا يجوز انتهاكها .

فالثوار والمثقفين لا بد أن يكونوا يساريين في أفكارهم ومعتقداتهم وحتى في عواطفهم ، ومن لايتخذ من (( ارنستو تشي جيفارا )) وسيرته النضالية القدوة والمذهب ، فهو لايحمل بين ضلوعه (( نزق الثوار )) .

أما من أراد أن يكون (( دنجوان )) عصره ، فهو أمام مفترقي طرق لابديل عنهما ، ويحومان في مدار الفكرة ذاتها ، فبالمال والجمال أنت معبود النساء ، حتى لو كان عقلك لا يعرف من هذه الدنيا سوى غرائزه الأساسية .

وهناك شخصية (( رجل الأعمال )) ، التي لا تتطلب منك سوى أن تؤثر بكلامك دوما على كل من تجالسهم ، من خلال أفكارك النيرة حول المشاريع في شتى القطاعات ، ولا بأس إن نلت لقب (( النصاب )) بعد فشل إحدى هذه المشاريع ، لأنك ستتمكن وبكل بساطة من اصطياد أغبياء جدد ، سيستمعون إليك باهتمام وأنت تسرد لهم أفكار المشاريع التي رأيتها في بلاد الغرب .

ولكن تبقى شخصية (( ابن البلد الأصيل )) هي المحببة والقريبة من عامة الشعب ، وأنت في سبيل تحقيقك لملامح هذه الشخصية ، لابد أن تثبت أنك حاذق و (( لهلوب )) عندما تتجول في سوق الخضار المركزي ، أو عندما تذهب إلى المسالخ لاختيار ذبيحتك التي ستطهى على مأدبة طويلة وعريضة في إحدى مناسبات الولائم العائلية ، ولامانع إن كانت لديك خبرة ذائعة الصيت في اقتحام مضارب الباعة المتجولين ، ولهثك وراء وسائط النقل العام ، والشكوى المستمرة من راتبك المهدور دمه على أسفلت المؤسسات الاستهلاكية وخصوصا في مواسم المنخفضات الجوية أو عند حلول شهر رمضان أو عند تأخر الحوالة التي سيرسلها لك أهلك المغتربون ، ولا تنس أحلامك البكر بامتلاك سكن كريم والتي تم وأدها فور ولادتها من رحم أمنياتك ، والأهم من ذلك كله أن تكون دوما قدوة يحتذى بها للمثل القائل : (( سبع صنايع والبخت ضايع )) ، ولكنك لن تتقلد أوسمة الشرف لهذه الشخصية إذا لم تردد في كل المحافل المجتمعية أنك (( ابن البلد وتفتخر )) .

وإذا كنت تريد أن تحظى بلقب (( الشيخ )) ، فيتوجب عليك تحديد مقصدك من هذه الصفة أولا ، فهناك (( الشيخ )) الذي يعتقد أنه يحظى بهذا اللقب بالفطرة ، كونه ينتمي إلى عشيرة ما ، وفي هذه الحالة لا يلزمك سوى أن ترفع لسانك كالسيف في وجه كل من يجهل بطولات وجهاء عشيرتك في حروبهم الأزلية مع العشائر الأخرى ، ولا تنس أن تستخدم إصبعيك (( السبابة والوسطى )) وأنت تتحدث ، استكمالا لشروط (( المشيخه )) .

أما إذا كنت تبحث عن لقب (( الشيخ )) بصبغة دينية ، فالأمر في غاية البساطة ، إذ ما عليك إلا أن تطلق لحيتك ، وترتدي (( دشداشة )) بيضاء ويحبذ أن تكون قصيرة وفضفاضة ، وتجلس في الصف الأول في المسجد ، ولاتخش شيئا من حفظك المتواضع لكتاب الله العزيز ، فعندما يرجوك المصلون كي تؤمهم في صلاة جهرية ، وتتلو عليهم في الركعة الأولى سورة الإخلاص بلكنة تقترب إلى اللهجة العامية ، ثم تتبع تلاوتك بسورة الناس في الركعة الثانية ، وهما في واقع الأمر ما جهدت بحفظه من القرآن الكريم ، سيفرح بك المصلون لاعتقادهم أنك تخفف عليهم بالصلاة ، أسوة برسولنا الأعظم عليه الصلاة والسلام .

ولأنني أسقطت كل هذه الرموز الأسطورية التي ستقودني إلى أن أكون من الشخصيات البارزة في هذا المجتمع ، أجاهر بأنني شخص لا منتمي لفصول هذه الرواية التي لن أتقمص في يوم من الأيام أي من أدوارها .

هناك 16 تعليقًا:

  1. السلام عليكم أخي أشرف

    الموضوع فكرته قوية وربما تحتاج كل شخصية (أو فئة) بوستا بمفرده..
    أعجبني وصفك الموجز المركز الواضح لكل شخصية، لكن أختلف معك (كما أختلف مع أخي الحبيب محمد عمارة/ مدونة أنا مش معاهم) في موضوع عدم الانتماء.. ليس في مبدأ عدم الانتماء بالطبع.. كلا كلا.. فهذه حرية شخصية، ولكن نقطة الاختلاف تحديدا للسبب التالي..
    لأن إبرازك لعدم الانتماء بنيتَه على دعامات فساد أو فلنقل رفضك لكل الانتماءات الأخرى!!! وكأن كل جبهة أو جماعة أو حزب أو مجموعة (سمها ما شئت) لا بد أن يكون فيها مساوئ!!! فيصل الأمر لقارئك وكأن الانتماء لمجموعة في حد ذاته صار شيئا مذموما!!!!
    رغم أن كل مقاصد الشريعة تدعو إلى التجمع والعمل في جماعة [طبعا جماعة بمعناها اللغوي وليس بمعناها الشائع حاليا :)]..

    أرجو أن توازن الأمور؛ وإن كنت رافضا لكل الفئات الموجودة، فلماذا لا تخلق لك نموذجا جديدا؟ المهم أن يكون إيجابيا وفاعلا، ولا يكتفي أن يؤكد من حين لآخر أنه..... لا منتمي أو مش معاهم!

    أرجو تقبل نصيحتي التي هي والله لوجه الله... مع خالص تقديري أخي الكريم.

    ردحذف
  2. أنا الصبح بكون مستودع طلبات لهيام، الظهر لأغراض أم هيام
    بعد الظهر للقسم
    العصر للكلية
    المساء للمدونة
    الليل للنوم

    بالمحصلة فأنا = لا منتمي كمان شكلو

    :]]]]

    ردحذف
  3. سديقي أشرف ...

    كتبت فأبدعت، وأصبت في وصفك الدقيق للشخصيات النمطية الموجودة في مجتمعنا
    إن تحطيمك لكل الأساطير وتمردك على النمطية التي يحياها الآخرين، هو خطوتك الأولى على سلم الإختلاف
    حلق خارج السرب يا عزيزي
    فأنا لم أرى حمامة بيضاء تطير وسرب غربان سوداء

    بوست رائع صدقا

    ردحذف
  4. صباح الخير اشرف

    اتمنى ان تكون قادراً على التفرد بذاتك والتميّز بشخصك
    قد يكون التملص من انماط الشيوخ ورجال الاعمال والدنجوانات ممكناً وسهلاً...
    لكن اقنعني...كيف ستتمكن من التملص من نمط"ابن البلد الاصيل؟!!!


    **ملاحظه خارج الموضوع
    بالنسبه للاقتباس الاسبوعي في اعلى المدونه...اعتقد ان العباره ستكوت اصح لو كانت:

    لا يجري الحصان ... بأسرع من السرعة التي يجري بها ...
    * ألا *
    عندما يكون هناك حصان آخر ...
    يحاول اللحاق به وتخطيه ...

    اعتقد ان كلمة *ألا* سقطت سهواً من العباره

    صباح الفل ونهارك سعيد اشرف

    ردحذف
  5. أستاذي العزيز ماجد القاضي

    و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ... في البداية لابد من الإشادة بشهادتك الغالية وجدا بخصوص فكرة الادراج وإنني بالفعل أعتز وافتخر بذلك كثيرا ... أنا اتفق معك تماما بأن تلك الشخصيات المذكورة في الادراج كان من الممكن افراد ادراج منفصل لكل منها ...وبالطبع أنا متفهم تماما لوجهة نظرك حول الاسباب التي تم استخدامها كمدخل لموضوع عدم الانتماء وبالفعل ليس بالضرورة عند وجود مفسدين في جماعة ما أن نعتبر الانتماء لمجموعة في حد ذاتها هو أمر مذموم وهذا كلام صحيح واتفق معك عليه كثيرا ... ولكن دعني أوضح قليلا مقصدي الاساسي من هذا الادراج وهو أنني كنت أحاول أن اجذب انتباه القارىء إلى التفكر وعدم الانسياق وراء المظاهر الخارجيه الخادعه وهنا تحديدا كان بيت القصيد .

    أما بخصوص قضية مقاصد الشريعه التي تدعو إلى التجمع والعمل في إطار الجماعه فهذا بالطبع ما نسعى إليه جميعا .

    لقد توقفت طويلا عند فقرتك الأخيرة ولا أنكر أنها جعلتني أبحر في بحر عميق من الافكار ... نعم لماذا لا يكون لي نموذج جديد وهوية خاصة اتمكن من خلالها من أن أكون ايجابيا وفاعلا لخدمة مجتمعي والاخلاص له ... أشكرك وجدا على هذه النصيحة الطيبة :)

    لك مني كل التقدير والاحترام

    ردحذف
  6. صديقي العزيز هيثم

    في البداية الحمدلله ع السلامه وتمنياتي القلبية لك بسماع اخبار طيبة عما قريب بخصوص موضوع الامتحان الذي تقدمت إليه وكان سببا أسعدنا وأفرحنا كثيرا إذ مكننا من رؤيتك والتعرف عليك بشكل شخصي ... وانشالله أن تتكرر لقاءاتنا في المستقبل وأن يتاح لنا وقت أطول للحديث والتعرف عليك أكثر يا صديقي :)

    من خلال قراءتي لسطور تعليقك أشتم رائحة فكرة العزلة المجتمعية ولا أدري ان كنت على صواب في ذلك :)

    سلامي الحار لهيومه :)

    كل الود يا صديقي

    ردحذف
  7. صديقي العزيز نادر

    كم أسعدتني كلماتك يا صديق العمر وكم هي شهادة أعتز وأفتخر بها ... فهي آتية من مبدع تعلمت منه أبجديات الابداع في شتى المجالات ... أشكرك من كل قلبي يا صديقي :)

    نعم هي الشخصيات النمطية والعبثية التي يتلهف الكثير من أفراد المجتمع على تقليدها وهنا الغاية والمقصد من خلال هذا الادراج بأن ننبه القراء إلى ضرورة التفكر قبل الاقتداء بسيرة شخص ما والتعصب الاعمى بعدها وهنا تكون الكارثه .

    دعني أكرر تلك الجملة الرائعة معك :
    "فأنا لم أرى حمامة بيضاء تطير وسرب غربان سوداء"
    هذا هو الاختلاف والتميز الذي نريده لأبناء وبنات المجتمع ...

    كل الود يا صديقي

    ردحذف
  8. نيسانة التدوين
    يسعدك صباحك

    أضم أمنيتي لأمنيتك كي أتمناها لجميع أبناء وبنات المجتمع فنحن نريد جيلا متميزا له شخصيته وهويته وأفكاره ومعتقداته الايجابية والاصلاحية ويكون لديهم الوعي والادراك في كيفية احترام انسانية الانسان قبل أي شيء آخر ... لعل وعسى يتحقق أمل التغيير المنشود على أيديهم وتصبح بلادنا أفضل من الغرب كله ... أما بخصوص التملص من نمط " ابن البلد الاصيل " فهذا يتطلب ثورة على العادات والتقاليد البالية ونمطية الحياة التي يولد ويحيا ويموت فيها بعض الناس ... بمعنى آخر (( update )) لخلايا الدماغ وعندها لن يكون شغل " ابن البلد " الشاغل هو سوق الخضار والمسالخ .

    بخصوص الملاحظة على الاقتباس فالعبارة صحيحة ولا تحتاج لوجود كلمة " إلا " لأن ذلك سيغير معناها ... إذ أن المقصود من الاقتباس أن الشخص الذي يعتبر نفسه بالمقدمة والآخرون خلفه حتما سيصبح هو مع الوقت في المؤخرة وسيسبقه الجميع ... والعكس صحيح بالطبع فالشخص الذي يعتبر الآخرين دوما أمامه فيجتهد ويتعب كي يصل إليهم ستكون الغلبة له في تخطيهم وهكذا ...

    هل أقنعتك بصحة الاقتباس :)

    كل الود والتقدير

    ردحذف
  9. نيسان: شكلك مسطلة! يمكن من كثر ما مرضت لأنو ما عزمتك إم عمر على الكعك؟ يمكن!

    -----

    أشرف: بصراحة هل يلام من ينعزل هالأيام!

    ردحذف
  10. صديقي هيثم

    سامحني لا أستطيع أن أجيب على هذا التساؤل الحساس ... فإن له أبعادا كثيره يصعب الحديث عنها في تعليق ...

    كل التقدير يا صديقي العزيز

    ردحذف
  11. اشرف
    اقنعتني شوي...انا فهمتها سابقاً انه الواحد بيبذل مجهود اكبر لما بيلاقي حدا تاني بينافسه وبيحاول يسبقه...اقنعتك؟

    مسطله!!! نعم...مريضه ...نعم
    لكن مش بسبب الكعكات ...كعك السوق مش زاكي وما بحبه ...لو انهم هوم مايد ...كان ممكن
    ولا السبب شكليطاتك اللي بتغيظنا فيهم على الصبح

    السبب...مجهوووووول

    ردحذف
  12. عفواً...سقط سهواً
    @ هيثم...مباشره قبل كلمة مسطله في التعليق السابق

    ردحذف
  13. @naYsan
    هذا الوضع صعب عندك شكلو!

    مرررررررررريييييييييييييييييييييييضة لأنو ما انعزمت
    هعهعهععععع

    *اللي بشوف مصيبة غيره ... :P

    ردحذف
  14. نيسانة التدوين

    سلامتك ألف سلامه ...

    بصراحه فكرتك في الاقتباس فيها وجهة نظر أكيد :)

    يسعد صباحك

    ردحذف
  15. mar7ba ashraf

    wow is what i said when i was done reading the post its very strong post really , at some point had a bad vibe to it but then i understood what you meant at the end . and as for last paragraph you you wrote I'll say good for you won't be any one but you self and with you for that matter .
    love the post it has so many meaning to who understand it .

    ردحذف
  16. نوارة المدونة

    كم أنا فخور بأن الادراج قد نال إعجابك :)

    نعم الإدراج يهدف إلى التمرد على الشخصيات النمطية وبناء منظومة شخصية من الافكار والمعتقدات وبما لايتعارض بالطبع أبدا مع تعاليم ديننا الحنيف .

    كل الود لحضورك

    ردحذف