السبت، 12 فبراير، 2011

السبب والمسبب

من يوم الأحد وحتى يوم الخميس ، كل أربعة أسابيع ، وعلى مدار عشرين شهرا متتاليا ، أخرج من عملي ، وأركب سيارتي متجها إلى منزلي فورا ، كطالب نجيب لايتأخر عن موعد حصصه المدرسية أبدا ، وفي طريق عودتي التي لا تتجاوز مدتها الربع ساعة ، تضيق بي الأرض بما رحبت ، من مطاردة النظرات الفضولية لي ، ولكن لماذا تطاردني ؟ ليس بسبب جمالي الفتان طبعا ، وليس بسبب أنني أقود سيارة فارهة طبعا ، وليس بسبب هيبة مظهري وهندامي طبعا ، وليس بسبب أن امرأة حسناء تجلس بجواري طبعا ، وليس ... وليس ... وليس ... كفاك (( رغيا كالصابون )) ، لماذا ينظرون إليك إذا ؟

السبب هو أنني أعاني ومنذ صغري من عادة كنت أعتقد أنها تتسبب في مرض نفسي خطير ، وحتما تودي بمن يفرط في ممارستها إلى عالم الجنون ، ألا وهي عادة الحديث مع النفس ، ولكن بعد قراءتي مؤخرا ، لعدة مقالات طبية متخصصة في علم النفس على الشبكة العنكبوتية ، حول هذا الموضوع ، تبين أن مخاوفي لم تكن في مكانها ، إذ أثبتت دراساتهم أن أسلوب الحديث مع النفس ، هو علاج فعال للحد من وتيرة الضغوطات النفسية ، ولذلك سأشكر والدي الذي أورثني هذه العادة ، التي ما ينفك عن ممارستها كلما اختلى بنفسه فجرا في دورة المياه ، ولابد أن ابنتي (( ياسمين )) ستشكرني أيضا في المستقبل ، بعد أن بدأت ألاحظ ظهور الأعراض الأولية لهذه العادة عندها كلما كانت في خلوة مع ألعابها ، ومما لاشك فيه أنني لن أتعرض بعد اليوم للنقد اللاذع من زوجتي ، كلما استيقظت مذعورة من نومها صباحا على صوتي ، في أثناء النقاشات المحتدمة مع نفسي ، وأنا أصفف شعري أمام المرآة .

لن أكترث بعد اليوم لروايات سائقي (( التاكسي والسرفيس )) وهم يشرحون لركابهم حالتي ، ويعزونها إلى الأوضاع المعيشية الصعبة ، فلقد حدث في أحد الأيام أنني قررت الذهاب في (( السرفيس )) المتجه من جبل الحسين إلى وسط البلد ، ولقرائي الذين لا يعيشون في الأردن ، (( فالسرفيس )) هو سيارة أجرة لها خط مسير ثابت ، وحمولتها أربعة أشخاص ، ولقد كنت في ذلك اليوم قد صادفت السائق الذي ركبت معه على إشارة ضوئية أثناء عودتي إلى المنزل ، ولاحظت قبيل سطوع الضوء الأخضر للإشارة ، أن ذلك السائق قد أطال التحديق بي ، إذ أن لفتة فجائية مني لليمين ، كانت سببا كافيا له لإشاحة وجهه مسرعا ، أعتقد أنه أصيب بالهلع والخوف ، فالمجانين لايمكن التنبؤ بمخاطر سلوكياتهم أبدا ، لاشك أن ذلك ما كان يدور في خلده حينها .

وتشاء المصادفات وبعد ثلاث ساعات ، أن أكون أحد رفاق رحلته الذين سيروي لهم حكاية ذلك الشاب ، وبما أنني كنت أجلس خلفه ، واستبدلت ثياب عملي الرسمية بثياب (( casual )) ، فلم يلاحظ أن بطل روايته سيكون حاضرا بشحمه ولحمه على المقعد الخلفي .

وقبل أن أحدثكم عن روايتي بلسانه ، فقد نسيت أن أصفه لكم ، فهو على مايبدو بالعقد السادس من عمره ، ويرتدي (( كوفية وعقال )) ، لون بشرته سمراء ، وكثافة شاربيه تكاد تطمر حفرتي أنفه ، وشعر لحيته كرؤوس المخرز ، وملامح وجهه القاسية تذكرني تماما بمدير مدرستي الإعدادية عندما كان يرتدي (( الكوفية )) في الشتاء ، ولست أدري لماذا خيل إلي أنه ضخم جدا ، على الرغم من أن مقعده يكاد يكون ملتصقا بمقود السيارة ، هل السبب أن ضخامته تتركز في نصفه الأعلى فقط ، ولاتنطبق على نصفه الأسفل ؟ ربما .

كان يعبث بإبرة المذياع بحثا عن نشرة الأخبار ، وما أن تحقق مراده ، حتى بدأنا جميعا بسماع النشرة على الدرجة القصوى لإمكانيات المذياع الصوتية ، لدرجة أنني شعرت لوهلة أن السماعات من خلفي تكاد تنفجر وبفاصل زمني قصير جدا عن انفجار يتبعها في طبلة أذني ، وخصوصا أن رداءة الارسال كانت سببا في مرافقة أهازيج التشويش ، ككورال لصوت المذيعة .

تبدأ النشرة بالحديث عن أخبار التشكيلة الوزارية المتوقعة ، والعمل الدؤوب لرئيس الحكومة الجديدة وما يبذله من عناية حثيثة في اختيار وزراء أكفاء قادرين على تحقيق الأمل المنشود بالإصلاح ، وفي هذه الأثناء يتدخل السائق بخبرته الطويلة في المجال السياسي : (( هاظي الحكومة يا إخوان رح تقضي على الفساد وبكره بتشوفو )) ، يتدخل الراكب الذي يجلس إلى جواره وعلى طريقة أبو محجوب : (( هلا عمي )) ، تنتقل المذيعة للخبر التالي ، والذي يتحدث عن آخر التطورات في العالم العربي ، وتأكد أن جامعة الدول العربية ستعقد اجتماعا طارئا تبحث فيه سبلا جديدة لقمع شعوبها المتمردة على سياسات حكوماتها الرشيدة وبدون اللجوء إلى العنف ، كي لا يتكرر ما حدث في تونس ومصر ، فهناك اتفاقيات مع أمريكا واسرائيل ولايجوز خرقها ، فالمواطن العربي يجب أن ينحصر تفكيره في الأكل والشرب والنوم فقط ، وهنا يتدخل السائق مجددا : (( إحنا شو بدنا غير هيك ، وعلى رأي المثل : طعمي التم تستحي العين )) ، الركاب لايبدون أية رغبة في التعقيب على كلامه .

الخبر التالي كان مفاده اكتظاظ وسط البلد القديم بأعداد هائلة من المجانين ، وهنا ضرب السائق بكف يده التي تضاهي بضخامتها على ما أعتقد عشرة أضعاف كف قدمه ، فخذ الرجل الجالس بجواره ، كمحاولة لإخضاع سمعه للرواية التي سيسردها عن ذلك الشاب الذي كان يتحدث مع نفسه ، مبتدئا كلامه بالقول : (( صدقني يا خال ، كثير صار عندنا مجانين في البلد ، اليوم مثلا ... )) وقبل أن يتابع حديثه ، ينظر نظرة خاطفة إلى المرآة ويحدق بالركاب الجالسين في الخلف ، ثم يردف قائلا : (( والحكي للجميع )) ، فيرد الركاب عليه وبصوت واحد : (( ولاتهون عمي )) ، ويشرع بالحديث متأثرا وحزينا لما رآه من ذلك الشاب الذي كان من وجهة نظره كوردة جورية أينعت في ربيع العمر ، ويسأل مستنكرا عن السبب الذي أودى به ليصل إلى تلك الحالة المؤسفة ، فيتدخل الراكب الجالس إلى جواره : (( أكيد كان بحب بنت وتركتو لأنو مش قادر يشتريلها بيت )) ، ويعقب الراكب الذي يجلس على يميني بقوله : (( أنا بعتقد إنهم استغنو عن خدماتو في العمل وانضم إلى طابور البطالة )) ، المرأة التي تجلس إلى يساري تشترك في النقاش بقولها : (( يمكن يا جماعة متزوج وراتبو مابكفي طلبات مرتو و أولادو )) ، ينظر السائق مجددا إلى المرآة ، وتتقاطع عيوننا معا ، ثم لايلبث التوجه لي بسؤال كنت في انتظاره : (( وانت يا شب شو رأيك ؟ )) ، فأجيبه وبكل هدوء : (( مش مهم السبب يا خال ، المهم المسبب )) ، السائق جافلا : (( شو يعني المسبب ؟ )) ، استطرد قائلا : (( المسبب هو الذي يؤدي إلى حدوث السبب )) ، السائق يتمتم مع نفسه همسا بعد أن انتقلت عدوى المرض إليه : (( هاظا شكلو الشعب كلو رح يصير مجنون )) .

هناك 17 تعليقًا:

  1. عندى العادة دى:)
    بس محدش يعرف.. أصلى بعملها لما بكون لوحدى

    على فكرة فى مصر عندنا سرفيس بس بياخد 14 راكب أصله ميكروباص

    ردحذف
  2. مع كل اللي بصير حوالينا و اللي بنتعرضله بيومنا من الطبيعي و اقل شي ممكن يحصل ان الواحد يحكي مع حاله :)

    صار المش طبيعي هو الماشي و ما بحكي مع حاله....كل اللي حواليه بصير يتمتمو و يهمسو "لانفسهم" و يحللو بالاسباب

    ردحذف
  3. أشرف، ثق تماما ً أن كل الناس "يتكلمون" مع أنفسهم! و ليس لفترة "ما" .. بل دوما ً

    ال"تكلم" يأخذ أشكالا ً كثيرة
    و لكن لأن ال"تكلم" الذي ذكرته واضح و يمكن مشاهدة سطوعه فالناس تنتبه له "أكثر" و تغفل عما سواه

    ... هل أنا أتكلّم ... بكل تأكيد و مذ كنت صغيرا ً

    هل "و ما زلت" أسمع/أرى تعليقات/نظرات
    بالطبع!

    عندما كنت صغيرا ً "أكثر" كنت أجيب من يقول بأني مجنون "مش إنت بتسمع لحالك قرآن/قصيدة/ ..؟ طب إنت نص مجنون و أنا مجنون كامل .. مبروك و عقبالك"
    :]]]]]]]]]]]]]]]

    ردحذف
  4. هيهيهيهيهيهييي

    سمايل محشش ع منظركم ,, كان إنتَ وإلا هيثم


    بجد:
    مافي أحسن من " نفسك" ت تفهمك وتفهم أوجاعك وتفهم إش ممكن تعمل ت تخفف من الألاماك وتخليك تركز بحياتك و مستقبلك
    قد ما كان الطرف التاني اللي بحاول يواسيك بيهمه أمرك,, أخرته يتركك بساعه أو ل ساعه وترجع إنت و " حالك" لحالكم

    اللي بتصالح مع حاله,, واللي بيعرف جروحه نتفه ب نتفه هوه العاقل
    المجنون,, اللي بروح برمي حمله ع غيره" مش للتعميم" لإنه غيره عنده همه ,, وهمه ع قده

    صباح الخير عمو,,

    ردحذف
  5. صباح الخيرات أم عمر
    :)

    البوست هذا متوافق بشكل كثير مع بوستك الأخير، صح؟ :)

    ردحذف
  6. صباح الفل عمو هيثم
    :))

    لشو بترمز إنت.. ؟؟
    قصدك عمو أشرف ئلود وغيرور وأخد الفكره مني؟؟

    له له,, مش هيك " بداية" الطوش بتكون

    ردحذف
  7. عفريت الكلمة
    انت على الاقل رجل
    فمابالك بشخصي الذي يعاني نفس علتك؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    لكنني كما قلت اعتدتها واعتادها من حولي
    ولم اعد اابه بتعليقات الغريب
    تخياتي

    ردحذف
  8. إن كيدهنّ ...

    و لأ، ما أخرجت و لا إشي من السياق.... إن كيدكنّ بتزبك على كل شي!

    خخخخخخخخ

    ردحذف
  9. الأصدقاء

    موناليزا
    ويسبر
    هيثم
    أم عمر
    شهرزاد

    أشكركم جميعا على ما جادت به أقلامكم حول قضية الحديث مع النفس ...وهذا إنما يؤكد على أننا جميعا في الهم شرق ... الموضوع له أبعاد تتعلق بالمناخ أو الأجواء العامة التي تسود حياتنا وما نتعرض له من أحداث لا يتقبلها عقل سليم أبدا ومن هنا فإن نظرية السبب والمسبب يمكن لكل من يتعمق فيها أن يكتشف الكثير من الحقائق التي أدت بالمواطن العربي إلى مثل هذه المراحل .

    كل الود لحضوركم الجميل

    ردحذف
  10. You really made me laugh all along I was reading your amazing post. It is amazing.
    you know me too talk to myself, but I try to keep it away of people as possible. I talk to myself in the bath room and when mam hears me she says "salamtk", she is kidding ofcourse.
    Some people laugh when they see me.
    Any way I always say "الحديث مع النفس أولى درجات السلم نحو العظمة"
    I don't know if i read it somewhere or it is me whom invented it,, but i like it and believe in it.

    P.S.
    I am a big follower of your posts even when i don't comment.
    S

    ردحذف
  11. عزيزتي s

    كم كنت أشعر بالإحباط في الأيام القليلة الماضية ولكن بعد أن قرأت ما كتبته اليوم ... غمرتني سعادة بلا حدود ... كلامك كان كأكسير الحياة الذي أعاد لي معنوياتي وثقتي بنفسي ... ومنذ اليوم سأتذكر المقولة التي قلتها وأشحن عزيمتي وإصراري على النجاح في كل دروب الحياة أكثر ... أتمنى أن لاتفارق الابتسامة محياكي مثلما جعلها تعليقك لاتفارقني في هذه اللحظات :)

    كل الود لحضورك الجميل

    ردحذف
  12. السلام عليكم

    جميلة أخي اشرف..
    وصفك ممتع كالمعتاد..
    وكما قال لك الأخوة السابقين.. هذه عادة الكثيرين منا..
    عامة إنت نسيت سبب مهم ويريحك من أقوال القائلين وظنون الظانين.. يمكن بيتكلم في سماعة الموبايل!!! :)

    تحياتي أخي الكريم.

    ردحذف
  13. أستاذي الحبيب ماجد القاضي

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ... في البداية أتقدم بأسمى آيات التبريك لشعب مصر العظيم على انتصارهم المدوي وتحقق أول مطالبهم وبإذن الله تعالى أن يكون القادم أجمل :)

    بالطبع شهادتك دوما هي مصدر عز وفخر لي ... فأنت تعلم كم يهمني رأيك يا أستاذي :)

    بالفعل أنا نسيت موضوع الموبايل ... من الآن وصاعدا كلما شعرت أنني بحاجة للحديث مع نفسي وأنا في السيارة سأضع سماعة الموبايل للتمويه :)

    كل الود لحضورك الجميل

    ردحذف
  14. mar7ba ashraf

    love the post and just want to say like the others i do we all talk to ourselves all the time , i talk to my self but in my head when no one is hearing it or when in front the mirror lol.
    i just don't get it why people think of it as shameful thing to do or part of being crazy if every body does it ?

    thank you ashraf have nice day.

    ردحذف
  15. نوارة المدونة

    دوما سعادتي تتجدد كلما تلقيت بطاقة إعجاب جميلة منك لإدراجاتي :)

    وبما أنك أيضا تشاركينا بهذه العادة بطريقة أو بأخرى فأنا أشعر الآن فعلا بالإطمئنان أنني لست وحدي في ذلك :)

    كل الود لحضورك الجميل دوما

    ردحذف
  16. اخى الكريم اشرف

    انا كمان عندى الموضوع ده باكلم مع نفسى كده وانا لحالى وانا شخصيا باعتبرها كنز لى لانى فى اغلب الاحيان بهذه الطريقة بأوصل الى حلول لمشاكلى من خلال الحوار النسى هذا

    تحياتى وشكرى اخى الكريم

    ردحذف
  17. الأخ محمد سامي

    أرحب بك أجمل ترحيب في مدونة أفكار وتساؤلات وتشرفت جدا بزيارتك الكريمة لي ... فأهلا وسهلا بك دائما .

    الحديث مع النفس بالفعل كما قلت كنز حقيقي إذ يساهم بحل العديد من المشاكل ... معك كل الحق .

    كل الود لحضورك

    ردحذف