الجمعة، 7 سبتمبر 2012

مراحل العشق المفترض مع امرأة عربية



(( مرحلة الكيمياء )) :

ما أروع البدايات التي كان يرصدها في قصص عشقه المفترض مع امرأة عربية ، ويا لها من سيناريوهات محتملة كان يجزم بنجاعتها لحدوث شرارة الإعجاب الأول ، فاللقاء حتما سيكون عبر مواقع تواصل اجتماعية على الانترنت ، أو عبر مواقع العمل الرسمية ، أو في أحد المقاهي في ضواحي العاصمة الغربية ، أو قد يكون من خلال مصادفات أخطاء اتصال هاتفي في لعبة أرقام عشوائية ، أو في لحظة نخوة وشهامة عندما يدلي بدلوه في مساعدة فتاة تعطلت سيارتها على ناصية الطريق ، أو عند لقاءات متتابعة في حافلة النقل العام ، أو عند تكرار التسوق المشترك في أحد المولات ، أو بحظوظ قد تزكي معاكسته وملاحقته لفتاة تسير مزهوة على أرصفة شديدة الازدحام ،أو بطريقة تعارف تقليدية عبر أمه الباحثة له عن بنت الحلال .  

(( مرحلة الفيزياء )) : 

بعد أن تتفاعل عناصر الإعجاب وتنصهر بالقبول والرضا ، كتبادل عدد لا محدود من حركات الإبهام الوهمية على الفيس بوك عند كل تحديث على جداره أو جدارها ، أو بعد تلقي رسائل الكترونية على بريدهما الرسمي في العمل ما بين أمنيات بنهار سعيد أو رسوم كاريكاتورية خفيفة الظل إلى أسئلة مواربة تبحث عن إجابات محتملة بقبول الارتباط ، أو من خلال استراق النظرات والابتسامات الخفية في المقهى وخيوط دخانه تتعانق بدخان نرجيلتها حتى تستأذن صديقاتها بالذهاب إلى دورة المياه لإعادة ضبط زينتها ، فينقض عليها برقم هاتفه المحموم للحظة تعارف بهاتفها ، أو قد يكون بين الواقع والخيال وهو يحتضن وسادته في ليلة اكتمل فيها البدر ، فيقرع هاتفه برقم غريب ، ويأتي صوت أنثوي يجهز عليه لمرحلة إدمان عشقي ، من بعد كلمة الاعتذار بأنها قد أتصلت به عن طريق خطأ غير متعمد لرقمين تبادلا أماكنهما ، ولكنه لا يترك فرصة لخطوط هذا الاتصال العشوائي كي تنقطع قبل أن توافق على طلبه في إعادة الإتصال برقمها الذي لم يعد مجهولا في ذاكرة قلبه ، ويا لها من مصادفات قد تلقي به في طريق عام وفتاة تلوح له طلبا بمساعدتها في استبدال إطار سيارتها المشروخ إثر طعنة مسمار ، لتكون سببا في قصة عشق انتظرها منذ أمد بعيد ، ولكنه كان يراها دوما تجلس على ذلك المقعد المحاذي لنافذة الحافلة الخلفي وقد تجرأ أخيرا ليجلس بجانبها ويكتب على كف يده المعروقة بأن نيته إكمال نصف الدين ، ولعله على أنغام تلك الموسيقى الكلاسيكية المنبعثة من سقوف مول تجاري اعتاد التجوال فيه كل شتاء وخريف ، ليقحم نفسه بسؤال فضولي عن موقع ركن الكتب المهمل في زاوية عند طابق التسوية الأول ، بحثا عن رواية كتب منها سطورا لن تكتمل إلا بتوقيع من قلبها ، ولربما تعثرت به الأسباب فأتبعها بمسبب ثابت ، متأبطا ذراع والدته في زيارات لبيوت ذاع صيتها في مجالس النساء ، لا ترد من يبحث عن فتاة بكر لم يقبل شفتيها إنس ولا جان .

(( مرحلة الأطرش في الزفة )) : 

الكلمات ومن كتبها في الأعلى هو شخص كان يعبث في ليلة من الليالي ولا يعلم أن (( البلوغر )) قد تواطأ مع الأقدار كي ينشرها دون علمه ، وحين التقى قبل سويعات بصديق عمره (( نادر أحمد )) وهو يبارك له بعودته للتدوين ، جفلت عيناه وتلعثم بالكلام ، وحين أخبره بتعليقات أصدقاء المدونة الأعزاء ، وقرأها لتوه بأم عينيه ، كانت فرحته تضاهي كل المفاجآت ، ولكي يظل وفيا لكلماتهم ومحبتهم واحترامهم ، عقد العزم في هذه الليلة على إكمال هذه التدوينة التي لم يخطط البتة لنشرها في هذا التوقيت بالذات . 

(( مرحلة الأحياء )) : 

تزوج منها في ليلة صيفة صاخبة بالاحتفالات والمناسبات ، وحلقا كطيور الحب في رحلة الشهد والعسل ، وزفت إليه البشرى بعد عودتهما بشهر وعشرة أيام ، بأنها تحتضن بين أحشائها بذرة حبهما الأول ، وتغير لقب المناداة بينهما بعد عام على ذلك ، فمن حبيبتي إلى أم ولي العهد ، ولاتزال بعد الحمل والرضاعة والفطام ، تتنقل بين الألقاب حتى أصبحت بجدارة أم الأولاد ، واختلفت مقاييس العشق بينهما من مرحلة الأحلام إلى مرحلة الواقع ، فبعد أن كان جلوسهما في ركن هادىء عند زوايا ذلك المقهى المخصص للعشاق ، يحلمان ببيت يجمعهما وأولاد يملأون البيت ضجيجا في كل صباح ومساء ، لم يعد للمواعيد الغرامية من مواقيت بينهما ، إلا حين يخططان لاستقبال مولود جديد ، حتى تصل زوجته لمرحلة اليأس العاطفي قبل الجنسي ، وهو لا يعلم أن في الزواج أشياء أخرى للحب .

(( مرحلة التاريخ )) : 

  كهل يجلس في مواجهة مع التلفاز في كل يوم ، والضجيج يعج أركان البيت بأصوات الأحفاد ، والنداء متتابع لعدة مرات بالهمز واللمز ، فزوجته لم تعد تسمع أنين الإبرة كما في صباها ، وولده الأصغر يجلس إلى جانبه ، والذي سيتأهب بعد عدة أيام للزواج ، ولايزال يسرد له قصة حبه العظيمة لأمه ، ويتذكر مناقب لحظاته العشقية الخالدة في ذاكرة الزمن ، ويشد على أزره ويوصيه بزوجته خيرا ، وبخاصة في مرحلة الأحياء ، ولكن الولد يباغته بسؤال عن فراغ الروح الذي تمتد أطرافه على مدار الأيام ، فيضحك ساخرا ويصفعه بمودة من خبث النوايا ، وهو لايزال يردد على مسامعه جملة عشقية لا يفهمها إلا من عبر المراحل الآنفة الذكر ، (( الحب يا ولدي لا يجيد التعبير عن نفسه كما في لحظة التواصل الجسدي ، أما التواصل الروحي فهو وصمة عار للرجال بعد الزواج )) . 

الخميس، 14 يونيو 2012

نهاية رجل (( دنجوان ))

كان يعتقد إلى زمن قريب أنه معشوق النساء حيثما بلغت به أسباب اللقاء الأول ، فلا امرأة في شرق العالم أو في غربه ، راودتها نفسها عن سواه ، ولأنه ذو حظ كان في العشق عظيم ، أحب مثنى وثلاث ورباع ، حتى ضاقت شرايين قلبه بما رحبت ، من فرط عهود كان يقسم فيها لكل امرأة أن النساء من بعدها ذرات رمال . 

هو لم يكذب في متوالية قصص غرامه ، وإنما كان يتراجع عن المسير في درب حب لن يجد في نهايته مستقرا ومستودعا لأحلامه ، فلا أدرك ضالته ، ولا تدارك أخطاء اندفاعه في رحلة البحث عن امرأة لا تؤمن بالحب كرواية شرقية بختامها يتزوج الأبطال .

ولأنه كان مرغما على النطق بمواثيق الارتباط المقدس كشرط مسبق لخوض تجربة عاطفية ، ولأنه كان يستكشف بعد ذلك فجوة تحول بين قلبه وقلوب النساء في نمطية علاقات تكرر ذاتها بمتغيرات الأسماء والأماكن ، ترك وراءه دموعا لم يستدرك سبيلا كي يكفكفها ويستجدي صفحها عند الهجران .

والدنيا بنواميسها تدين من أدان ، لتلقي به وحيدا بين العشاق ، لا امرأة من أمامه ولا من خلفه ، ترتضيه زوجا أو حبيبا ولا حتى صديق ، ولكنه يرفض الهزيمة ويقسم لكل أصدقائه أنه سيظل متربعا على عرشه كـ (( دنجوان )) ، حتى يسترد النساء لحكم قلبه أو يفنى دون ذلك ، ولكن هيهات هيهات ، فلا قول ولا عمل من الممكن أن يصلح ما أفسده قلب أحب فهجر فخان ، فالراعي أكله الذئب في يوم صدق بمجيئه بعد أيام من زور القول والبهتان .

النساء هجرنه واحدة تلو الأخرى دون أن يدركن أنه كان يبحث عن حبيبته التي ظلت تعارض حبه في كل وجه من وجوه قلوبهن ، فهي جاءت حين ذهب ورحلت في يوم عودته ، فلا أدركها ولا أدركته ، في اسم أو زمان أو مكان .  

الجمعة، 8 يونيو 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الثالثة (( مارغريت )) 2

علمتني تجارب الحياة بمنطقها المعاكس ، قاعدة ذهبية في أسس العلاقات بين الرجال والنساء ، أطلقت عليها ما يعرف بقاعدة الاندفاع المضاد ، وهي قاعدة لا تحتاج إلى مسلمات أو نظريات ، لأنها ترتبط بطبيعة الإنسان ومفهومه لمتوالية الرغبات والاحتياجات ، فالرجل حين يظهر اهتمامه بامرأة ما ، يغفل عن رؤية امرأة قد تقف خلفه ، تسعى إليه ولا تتمكن من إدراكه ، فهو يسعى لغيرها في اتجاه معاكس و لا يلتفت وراءه قط ، وتكتمل دورة استحالة التلاقي ، حين تبتعد المرأة التي أمامه وهي تسعى لرجل يسير من أمامها ولا يلتفت إليها من وراءه ، فكم أنت غريب أيها الأنسان ؟

و ينبثق عن ذلك أيضا قاعدة فرعية يمكن تسميتها قاعدة هالة الارتباط ، وذلك حين يجذب انتباه المرأة رجل يسير برفقة امرأة أخرى ، فإذا سار وحيدا يفقد تلك الهالة ولا تنظر إليه بقصد أم بغير قصد ، مع مراعاة انطباق هذه القاعدة على الرجال أيضا ولكن بنسبة أقل ، وهذا ما جعلني دوما في حيرة وشك من طبائع البشر وسلوكياتهم العابثة عند الحديث عن الحب .

إن هذه المقدمة البسيطة تستكمل أحداث قصتي مع (( مارغريت )) ، فكم كنت أسير إليها ولا أدركها ، وكم كانت تحاول إغوائي بحبها كلما رمقت نظرات صديقتها لي ، وكم ابتعدت عني وخذلت كل آمالي بحبها ، حين كتبت سطور النهاية في قصتي مع صديقتها بعد اعترافي أمامها بعشقي لعيونها الخضراء حد الجنون ، فكانت الخاتمة بانتقام أنثوي مزدوج ، وكان الضحية ذكر مغرور سرعان ما اكتشف أنه لم يكن سوى شخص ساذج .

في الحقيقة أنني ومنذ نظرات (( مارغريت )) التي كانت عصية على الفهم والتفسير عند وداعي في تلك الحفلة ، ما كانت بصيرتي لتكشف لي خبث نواياها في التخطيط والتدبير لإجهاض ذلك الحب في رحم قلب صديقتها قبل ولادته ورؤيته للنور ، وهكذا كانت الأيام تمضي بتؤدة وأنا (( كالأطرش في الزفه )) كما يقولون في أمثالنا الشعبية ، أخرج برفقة صديقتي التي كانت تصر دوما على اصطحاب (( مارغريت )) وصديقها أينما ذهبنا وحيثما وطئت أقدامنا ، وفي كل نزهة لنا كانت (( مارغريت )) تتحرش بي في حين غفلة من صديقها وصديقتي ، وأنا في كل مرة يزداد ضعفي أمام إغواء نظراتها وابتساماتها ومداعباتها التي كانت تخفي في باطنها هيجانا عاطفيا يكاد يلقي بي في غياهب الإذعان المطلق لفتنتها ، فكنت كالماسوشي أتلذذ بتعذيبها وأنا مكتوف الأيدي ، وهي أمامي تقترب من شفتاي كالتفاحة الحمراء الشهية المعقودة بخيط رفيع ، ثم تبتعد دون أن أتمكن من قضمها.

لست أدري كيف تسارعت الأمور بعد ذلك ، وتحديدا بعد قرارها بهجر صديقها ، واكتشافي أنني المسبب الرئيس في انفصالهما ، بعد أن بدأ يلاحظ سلوكياتها التي تجاوزت الحدود الطبيعية في تعاملها معي ، وهذا جعلني أعيش حالة من انعدام التوازن وفقدان السيطرة على مشاعري المتأججة بعشقها ، مع أنني كنت أدرك تماما أن صوت الضمير في داخلي كان يعلو على كل نداءات الحب ، فكيف لي أن أهجر صديقتي لأجل صديقتها ؟

وفي يوم من الأيام وبينما كنا في طريقنا لمشاهدة فيلم في السينما ، قررت أن أعترف لـ (( مارغريت )) بحبي لها ، ولكن دون أن أتقدم لها بعرض علاقة عاطفية تجمعنا ، فقد كنت أفكر بالابتعاد عنها وعن صديقتي للأبد ، إذ لم يعد بمقدوري التظاهر والتحايل على صديقتي بمشاعري التي رفضت كل الدروب واختارت درب (( مارغريت )) ، وبالفعل نفذت ما كنت عازما على فعله ، وغادرت صالة السينما قبل بدء العرض ، دون أن تبدي (( مارغريت )) أية لهفة أو رجاء ببقائي ، ولكن الذي ما توقعت حدوثه بعد ذهابي للمنزل ، تلك المكالمة الهاتفية من صديقتي وهي تتوسلني كي نبقى أصدقاء ، وتعدني بمساعدتي في إقناع (( مارغريت )) لتكون معي ، دون أن يؤثر ذلك على صداقتهما قط .

لم أصدق ما سمعته ، أحقا لا يزال من البشر من يؤثر سعادة حبيبه على سعادة نفسه حتى ولو كان مع غيره ؟ 

اتفقنا على موعد لاحق في معرض يقام في الربيع في أحد نوادي طائفتهم ، فذهبت وقلبي يسابق خطواتي ، كنت سعيدا حد الجنون ، إنه اليوم الذي سأتمكن فيه أخيرا من مناداة (( مارغريت )) بكلمة (( حبيبتي )) دون أن أخشى الناس من حولي ، وعند وصولي مقر النادي ، شاهدت (( مارغريت )) وهي تقف خلف قضبان البوابة الحديدية الضخمة ، كانت تلوح لي وتبتسم وتنادي ، فاقتربت منها وانا ما زلت أعتقد أنني أحلم ، فنظرت لي نظرة ازدراء وصرخت بأعلى صوتها والحشود متجمهرة أمام البوابة (( أغرب عن وجهي أيها الحقير ... أنت لست مني )) ، وكأن صاعقا من السماء كان قد أصابني ، ارتعشت أقدامي وبدا رأسي ثقيلا ، فأوشكت أن أهوي على الأرض والدنيا تدور من حولي ، والأشخاص عند البوابة يقتربون مني وقد أدركوا من عبارة (( مارغريت )) أنني لست من طائفتهم ، فنظرت إليها ونظرت إليهم ، واستجمعت قوتي في لحظة من عزة النفس والكرامة ، وقد تناسيت الدفاع عن حبي الذي فقدته قبل لقائه ، كي أواجه هذه الحشود بقضيتي الكبرى كأنسان ولد كما ولدوا من أب وأم واحدة ، ولكن قبل النطق بأية كلمه ، تقف سيارة فارهة عند البوابة ، وتخرج منها صديقتي وبرفقتها شاب من طائفتها ، تنظر لي أيضا بازدراء ، فألوذ في جبة الصمت ، وابتعد عن المكان دون أن التفت لما ضاع خلفي من أوهام عشتها في قصة حبي لـ (( مارغريت )) .  

الجمعة، 1 يونيو 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الثالثة (( مارغريت )) 1

لا تلهمني ذاكرتي على استحضار صاحب هذه المقولة : (( قد ترفض المرأة دينك لكنها لا ترفض حبك )) ، ولست أدري لماذا استعين بهذا الاقتباس قبل الشروع بسرد تفاصيل هذه الحكاية ؟ مع أنني أعلم تماما أن بطلة هذه القصة قد رفضت ديني وحبي معا ، بعد إغوائها لي بشتى المكائد النسائية ، وذلك كي تبعدني عن صديقتها التي ارتضت ديني وحبي ، فخنت عهدها مع أقرب الناس لقلبها ، في حين غفلة عن خبث النوايا التي أطاحت بقلبي وحيدا على ناصية القهر والحرمان .

الأحداث بدأت في حفلة تقيمها جمعية شبابية تعنى بالنشاطات الاجتماعية والثقافية لأبناء وبنات طائفة (( مارغريت وصديقتها )) ، وكان يحظر في مثل هذه الحفلات دخول أبناء الديانات والطوائف الأخرى ، خوفا من الاختلاط غير المبرر بين العقول وما تنضح به من أفكار ومعتقدات ، ومفاهيم مضادة قد تودي إلى درب التهلكة لشباب المستقبل الذين سيحملون على أكتافهم هذه الديانات والمعتقدات وسيحاربون من أجلها بالمال والنفس والولد ، وهذه الحروب الطاحنة بين الطوائف والأعراق والأديان المتباينة تكاد تنقرض إن لم تكن قد انقرضت في الدول الكبرى ، و التي يتفيؤ في ظلال قوانينها كل مواطن ينتمي إليها ، ويتساوى الجميع في الحقوق والواجبات ، فلا فضل لمواطن عن مواطن إلا بالقانون ، ولا حكم لدم أزرق أو أحمر أو أصفر ، ولا مهابة لمسؤول أو ثري أو صاحب نفوذ وسلطة ، فهم يعيشون بمبادىء لقوانين تستمد روحها من ذلك السوط الذي ضرب فيه العبد ابن الأكرمين في حمى الفاروق ، والذي مازلنا ننتظر له خليفة في هذا الزمان ، فالحقيقة المؤلمة التي نحاول دوما إنكارها ، تتلخص في القوة الكاسحة لأبناء الشعب الواحد في أي بلد عربي حين يتم تسخيرها في القتل والذبح والتنكيل فيما بينهم ، ومن ثم تقديمهم كقرابين على أطباق من الدم لأعداءهم . 

صديقي كان على علاقة غرامية بفتاة متواجدة في تلك الحفلة ، وهي من دعته إلى الحضور بعد أن يتخذ كافة التدابير الزائفة للتنكر كفرد من أفراد طائفتها ، والذي بدوره أقنعني بمرافقته رغم إنكاري الشديد للتظاهر باعتناق ديانة أخرى ، ولكن فضولي لاكتشاف هذا النوع من الحفلات ورغبتي في الاختلاط بالفتيات ولهفتي في سبر أغوار هذه الفئة من المجتمع ، والتي يضرب المثل بها دوما عند الحديث عن المدنية والحضارة والرقي ، جعلتني لا أتلكؤ في الموافقة على عرضه والسير معه في دروب المجهول ، دون احتراز لما قد يحف نواصيها من مخاطر لا يمكن تقدير عواقبها على وجه الدقة . 

وعند وصولنا إلى البوابة الرئيسة لقاعة الحفلة ، دخلنا بأسماء وهمية تنتسب لعائلات عريقة في تلك الطائفة ، وهذا جعلنا من أصحاب الحظوة لدى منظمي الاحتفال ، فاستقبلنا مدير الجمعية وقد تعاظمت أساريره بالانفراج ، وبدت عليه علامات الدهشة وهو يسألني عن والدي وأعمامي المهاجرين إلى بلاد الغرب منذ أمد بعيد ، فقد كانت تربطه بهم صداقة وزمالة منذ أيام الطفولة ، ثم انقطعت أخبارهم عنه منذ هجرتهم ،  فتلعثمت قليلا ولعنت حظي العاثر الذي جعلني أختار هذا الاسم ، ثم ما لبثت أن تداركت الموقف ووعدته بحرص شديد على نقل سلامه وعتابه لوالدي ، بمجرد زيارتي له في العطلة الصيفية ، فأنا ووفقا لخطة انتحال الشخصيات الوهمية ، عدت إلى الوطن لدراسة الأدب المقارن بين الشرق والغرب ، كمتطلب لاستكمال دراساتي العليا هناك ، ونجحت الخطة في النهاية و دخلنا الحفلة وجلسنا على طاولة رفيقة صديقي وصديقتها ، والتي تمكنت من الاسترسال معها في حديث تعارف مختصر ، ما أوقفته سوى أغنية لم أتردد إثر سماعها من بسط كفي لها ، كدعوة جريئة للصعود إلى منصة الحفلة والرقص سويا على أنغامها .

وفوق المنصة التي كانت تعج بالشباب والشابات المتلاصقة أجسادهم برقصة عاطفية ، وتحت الأضواء الخافتة التي تبرر حدوث قبلات خاطفة ، كان اللقاء بتلك الفتاة الشقراء ذات العيون الخضراء اللامعة ، وقد التف خصرها بذراعين غليظتين لشاب بدين أشقر ، فتلاقت عيوننا في لحظة لم تتجاوز بضع ثوان ، ثم تباعدت بعد سماع صوت رفيقتي وهي تنادي عليها : (( مارغريت ، أين كنت ؟ )) ، إذن هذا هو اسمها ، وذلك البدين بلا شك صديقها ، أتراها ترتبط به بعلاقة عاطفية ؟ أم أنها مجرد صداقة مجردة من الحب ؟ ولكن هل هناك حقا من رجل شرقي يرضى بدور فرعي في حكاية فتاة يرافقها إلى حفلة كهذه ؟ 

توقفت الأفكار والتساؤلات عن الدوران في رأسي عندما أزفت لحظة التعارف بهذه الفتاة الشقراء ورفيقها ، والتي أشرفت رفيقتي على كافة تفاصيلها ، وهنا تكرر حظي العاثر مجددا حين سألني ذلك البدين عن شخص يفترض أن يكون من أبناء عمومتي ومتواجد في الحفلة للأسف ، فما كان من خيار أمامي حينها سوى الاستئذان منهم وطلب رفيقتي لحديث خاص ، والاعتراف لها بالحقيقة ، ولكن علامات الدهشة والاستغراب لم تظهر على محياها ، بل ابتسمت ابتسامة صفراء ، وأكدت لي أنها تعلم كل شيء من رفيقة صديقي قبل حضورنا ، ولكنها من باب الحيطة والحذر لم تخبر (( مارغريت )) بالحقيقة بسبب عدم ثقتها برفيقها ، فتنفست الصعداء وعدنا إلى مقاعدنا ، ولكن حالة التوتر ظلت تلازمني بعد حضور (( مارغريت )) وصديقها وجلوسهم معنا على الطاولة ، وخصوصا بعد أن همست رفيقتي في أذن (( مارغريت )) بسري ، والذي جعل عيونها الخضراء تزداد لمعانا ، وكأنني أقرأ فيهما رسالة خفية بمشروع حب محرم سيجمعنا قريبا . 

وتأكدت هواجسي سريعا حين دعتني (( مارغريت )) للرقص معها ، فلم أتردد بتلبية طلبها ، وأمسكت يدها وقفزنا إلى المنصة ، وعيوني تطاردها من رأسها وحتى أخمص قدميها مع كل إيقاع للموسيقى ، وبدأت عمليات مقارنة التفاصيل بينها وبين رفيقتي ، ((مارغريت )) طويلة ورشيقة بعكس صديقتي القصيرة والبدينة ، ومع أنني لا أؤمن بالمظاهر الخارجية عند تقييم اندفاعي للنساء ، ولكنني لا أنكر أن جمالها كان مدهشا بكل المقاييس ، من بشرة حليبية إلى شعر أشقر مموج بخصل سوداء ، وعيون تشبه خضرتها أوراق الأشجار حين تتمايل فوق الأغصان في نيسان ، وهذا كان كافيا ليبعدها عن أية مقارنات مع رفيقتي التي أحضرت رفيق (( مارغريت )) لترقص إلى جانبنا ، وقد بدا عليها الخوف واضحا وهي تراقب نظراتنا التي فضحت قلوبنا بقصة عشقية ستكتبها الأيام لنا بلا أدنى شك .

حين تخشى الأنثى أن تفقد رجلها  ، تستدعي مكائدها بشتى الوسائل لاسترداده حيا أو ميتا ، فالغاية أن لا يكون لامرأة سواها ، وهذا ما فعلته رفيقتي عندما أخبرت رفيق (( مارغريت )) بسري ، والذي كانت نيران الغيرة قد التهمت قلبه منذ أول خطوة في رقصتي مع (( مارغريت )) ، فانطلق مسرعا نحو البوابة ، وحشد جميع أصدقائه لتمزيقي إربا على مرأى من عيون (( مارغريت )) حين أغادر الحفلة ، فأصاب رفيقتي الذعر وهي تشاهد تلك الحشود المتأهبة لذبحي ، وشعرت بالذنب يفطر قلبها ، وتوسلت (( مارغريت )) كي تتدخل في إنقاذي ، أما أنا وفي تلك اللحظات العصيبة ، ذهبت للجلوس بجانب صديقي والذي أدرك ما نحن فيه من مصيبة ستفتك بنا ، فبلغت القلوب الحناجر ، وذهبنا برفقة (( مارغريت )) نحو البوابة ، وأقدامنا بالكاد تحملنا من فرط الخوف ، ولكن (( مارغريت )) كانت تتقدمنا بشجاعة وجسارة لشخصية مهيبة الجانب ، وهذا عزز من درجة إعجابي بها ، وذلك حين صرخت بوجه صديقها كي يتنحى عن البوابة هو وأصدقاؤه ، فخرجنا أنا وصديقي ونحن لا نكاد نصدق أننا نجونا ، وأيدينا تلوح لـ (( مارغريت )) ورفيقتي ورفيقة صديقي ، ولكن سرا دفينا في نظرة (( مارغريت )) لم أتمكن من اكتشافه وهي تودعني في تلك اللحظات ، لم تكن تشبه نظراتها لي في أثناء رقصتنا ، ماذا تخفي هذه الفتاة لي يا ترى ؟ 

الخميس، 24 مايو 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الثانية (( حسناء الفوازير ))

لا زلت أذكر تلك القصة وتفاصيلها ، والتي حدثت مع بزوع هلال شهر رمضان ، في سنة أعجز عن احتساب خاناتها الميلادية وتقاطع الأرقام المقابلة لها في التقويم الهجري على وجه الدقة ، ولكن أعتقد أنني كنت صبيا عابثا حينها ، يقف على عتبات نهاية العقد الأول له في هذه الحياة ، وهي فترة زمنية لم تفلح في ترسيخ معالمها ، وانقرضت كلمح البصر فور اندلاع ثورة التكنولوجيا الرقمية و ما يعرف بعصر العولمة .

إن رمضان في ذلك الأمس القريب ، كان صبيا مثلي تماما ، فهو ما كان ليشابه نفسه مع عقود قد خلت قبل ولادتي ، إلا بصدى قرع طبول (( المسحراتي )) في جوف الليل الراكد ، وتوقف المدينة عن الحياة لحظة هروب الشمس إلى مخدعها وقت الغروب ، أما نهار الصيام فيقسم به الآباء والأجداد بأغلظ الأيمان ، لزمان كان قد مضى ولن يعود قط ، فالطرقات ضاقت بعابريها مع كل موسم رمضاني متعاقب ، ولربما كان ذلك حال  الوطن أيضا حين ضجر من أبنائه الأولين ، وباع نفسه بأبخس الأثمان لحفنة من المرتزقة ومصاصي دماء المساكين والفقراء ، فأصبح كل شيء فاسدا وملوثا ، حتى الماء والهواء .

ولقد كانت سطوة التلفاز ومسلسلاته منذ أحداث هذه القصة وحتى أيامنا في هذا الزمان ، هي القاسم المشترك لكل علامات السنين المتوالية للشهر الفضيل ، و ظل زخم الحشد في المنافسة منحصرا في نجوم لم تأفل من سماء الشاشة رغم هرمها ، بل إنها أكدت وفي مناسبات عديدة مصداقية المثل القائل بأن (( فرخ البط عوام )) ، فورث أبناؤهم وبناتهم مواهبهم الفذة ، وكأن الفن في بلادنا كغيره من المهن ، من الممكن توريثه جيلا بعد جيل ، لسلالات لا تندثر فيها جينات المواهب قط .

وبالرجوع في أرشيف الذاكرة لتلك الأيام ، كانت (( الفوازير )) وقصص (( ألف ليله وليله )) هي المسلسلات الشهيرة المتكررة في كل عام ، ولكن مع اختلاف الفنانين المتعاقبين على أدوار البطولة فيها ، وهنا بدأت حكايتي مع حسناء الفوازير التي جابت بقلبي أرجاء الدنيا ، برقصاتها وحركاتها وخفة ظلها ، فعشقتها في كل يوم بجنسية وشخصية جديدة ، فتارة تكون عربية وتارة تكون اوروبية ، ثم لا تلبث أن تصبح أمريكية أو أفريقية وحتى آسيوية ، وأنا مع كل حلقة أتعلم فنون العشق بكل اللغات ، لفتاة مصرية سمراء لا تتكرر إبداعاتها في التمثيل والرقص والغناء مهما توارثت أجيال متعاقبة من مواهب جيناتها ، فالاستثنائيون لا يأتي من بعدهم إلا من كان استنساخا مشوها لهم ، فالتميز هو أن تتعلم من تجارب من سبقوك في ميادين الحياة كي تعبد دربا تسير فيه وحدك ، لا أن تسير حيث انتهت بهم الدروب .

لماذا يتعلق الأطفال بنجوم في التمثيل والغناء ؟ على الرغم من عدم تعمد أعمالهم لمحاكاة الصغار ، بينما ينفرون من أعمال فنية تكون متخصصة في استهدافهم ؟ هل السر يكمن في جودة العمل وقدرته على دخول قلوب الأطفال بعيدا عن أساليب الترهيب والعقاب المتعارف عليها في بلادنا ، تماما كما يحدث في الرسائل السياسية  ، وهنا للحديث شجون ، حين نستذكر المشاهد التي يتم فيها حشد الأطفال الأبرياء من المدارس ، والوقوف بهم في الميادين والطرقات العامة للهتاف بحياة قادة الأوطان والبلاد ، وكأن ذلك يمنحهم صك البراءة والعفة على عدلهم وحرصهم على أبناء شعبهم ، في حين أن اللجوء لمثل هذه الأساليب إنما هو دليل فاضح على عجزهم وإفلاسهم السياسي ، فمن أراد أن يقيم نفسه كحاكم محبوب في بلاده ، فليتنكر بزي شعبي و يجوب البلاد من شرقها إلى غربها كي يتحرى عن رأي وتقييم كافة أطياف المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدينية لإدارته في تسيير شؤون البلاد ، دون محاباة أو خوف من بطشه وبطش أعوانه .

وكما يقولون في الأمثال : (( ما زاد عن حده ينقلب لضده )) ، فلقد ارتفعت وتيرة الإعجاب والتعلق بـ (( شيريهان )) لأذهب بعيدا في خيالي ، وأتقدم لخطبتها ، بعد أن رسمت  تفاصيل علاقتنا على كراسات ممهورة بعشقها حد الجنون ، لأنتظرها خلف الكواليس في استديوهات التصوير  ، وأراقب سعادتها بحضوري ، ولهفتها لعناقي بعد كل مشهد تنجزه في فيلم أو مسلسل ، بل إن أحلامي جاوزت المدى المسموح به للإمنيات التي قد تتحقق ، بعد أن لعبت دور البطولة أمامها بشعري الأبيض حين كانت عذراء ، وعندما كنت طبيبا يحارب من أجلها جميع البشر لأثبت رجاحة عقلها ، ولم أكترث لفضيحة العمر وهي تتهمني بالاعتداء عليها ، فمن أجل عينيها عشقت بكل جوارحي ، بعد زمان قضيته في زيارة القبور قبل تغيير وظيفتي من معلم في مدرسة إلى مدير لـ (( كابريه )) ، برفقة نجمة استعراضية كانت الأروع ، بشهادة خشبات المسرح وعميدها الراحل (( فؤاد المهندس )) .

وفي يوم من الأيام قررت البوح بأسراري العشقية لوالدتي ، وتوسلت إليها كي تسافر إلى مصر لتخطب لي (( شيريهان )) ، فابتسمت والدتي وربتت على كتفي وقد انحنى رأسها إذعانا بالموافقة على طلبي ، شريطة أن اجتهد في المدرسة وأتفوق على جميع أقراني ، وأذهب إلى الجامعة كي أنال شهادة تؤهلني للعمل في وظيفة تعينني على شراء ملابس (( شيريهان )) الاستعراضية ، معللة ذلك بأنها ستهجرني إن لم أتمكن من تلبية طلباتها ، ففكرت قليلا ، ثم راودتني الهواجس والظنون في حسابات زمنية قد تطول لحين بلوغي محطة التخرج من الجامعة والعمل ، ولكن والدتي أكدت لي بأنها ستتصل بـ (( شيريهان )) على الهاتف وتأخذ منها ميثاقا وعهدا كي تنتظرني وترد جميع العرسان المحتملين خائبين ، فاطمأن قلبي ونمت ليلة بعد ليلة ، و (( شيريهان )) لا تفارق أحلامي قط .

ومضت الأيام والسنين ، وأدركت جميع محطات الحياة التي وعدت والدتي بالوصول إليها كي تخطب لي (( شيريهان )) ، ولكن حلمي لم يتحقق ، لأنني عشقت قبيلة من النساء ، وأنا أسير في دروب محطات العمر المتتالية بتعاقب السنين ، حتى غدت (( شيريهان )) شبح امرأة من ماض لم ألتفت إليه قط ، كي لا تذكرني بطفولة ساذجة قضيتها بين أحلام وأمنيات ضاقت مساحاتها في عقلي وقلبي مع كل يوم تتلمذت على ساعاته ودقائقه في تعلم تجارب وخبرات الحياة بتشعباتها ومنطقها المعاكس للإرادة والرغبة حين لا تقترن بالواقع .

(( شيريهان )) ترقد اليوم في بقعة ما على هذه الأرض ، وكم مضى من الأيام قبل لقائي الأخير بها على إحدى شاشات الفضائيات بعد ثورة يناير ، بملامحها الشاحبة وأنوثتها الطاعنة في الهرم قبل أوانها ، أحقا هذه هي المرأة التي لم تبارح أحلام قلبي قبل بلوغه سن الرشد العاطفي ؟

لماذا تذكرت والدتي وقصتي مع حسناء الفوازير ، وأنا أسترق السمع على حديث دار في ليلة من الليالي بين ولدي وزوجتي ، وهو يفشي بسره العشقي لـ (( سلمى )) التي لا يدرك أن اسمها الحقيقي هو (( مي عز الدين )) ؟ 

ولماذا تألمت من موقف زوجتي العدائي في إقصاء أحلام ولدي البريئة حين لطمته على وجهه ، وسحقت دماغه بقبضة يدها وهي تهدده وتتوعده بحرمانه من المصروف والخروج من المنزل إذا ردد على مسامعها مثل هذا الكلام السخيف مجددا ؟ 

هذه هي الحكمة التي نستخلصها من هذه القصة بالتحديد ، إذ لا يتوجب علينا إجهاض أحلام الآخرين ، وإنما تهذيبها وضبطها  وترويضها بما ينسجم مع مصالحهم على المدى البعيد في المستقبل ، فاحترام رغبات الأفراد حق مشروع لهم ، ما لم تكن لتؤذي حريات الآخرين ، أو كانت لتتجاوز خطوط التحريم في العقائد والأعراف السائدة في المجتمعات ، لأن حدوث ذلك يعني شذوذا وليس تمردا مشروعا على رتابة الواقع المفروض .  

الجمعة، 18 مايو 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الأولى (( المعلمة جميله )) 3

مضت أيام وأنا أخطط وأفكر ، حتى شاهدت في المكتبة مرادي في يوم من الأيام وأنا أشتري بعض القرطاسية والكراسات ، مدية صغيرة ، كانت معروضة بجانب الأدوات الهندسية ، فسألت البائع عن ثمنها ، فأجابني أنها بنصف دينار ، أنه مبلغ باهض الثمن ، كيف سأستطيع الحصول على مبلغ كهذا ، وأنا مصروفي الأسبوعي لا يتجاوز العشرة قروش ، عدت إلى المنزل أجر وراءي أذيال خيبتي في الحصول على مخلصي من ((توفيق )) ، ولكن حزني ما كان ليطول مع الخطة المحكمة التي أشار بي عليها صديقي ، حين التقيته في المخبز بالمساء ، وذلك بعد أن رجوته ليقرضني المبلغ المطلوب ، فما كان منه إلا أن أخبرني بطريقة يفعلها دوما حين يحتاج لمبلغ كبير من النقود ، وهي طلب المال من مجموعة أشخاص على أجزاء صغيرة ، بحيث تشكل بمجموعها المبلغ المطلوب ، وبالفعل نجحت الخطة في يوم واحد ، وذلك بعد أن طلبت عشرة قروش من والدي في الصباح وعشرة قروش من والدتي في الظهيرة ، وعشرة قروش من أخي  بعد الظهر ومن أختي وقت الغروب ، ومن جدتي في الليل ، وانطلقت مسرعا إلى المكتبة واشتريت المدية التي ستجعلني أسترد قلب معلمتي الحبيبة (( جميله )) .

و في اليوم التالي ، ذهبت إلى المدرسة وأخفيت المدية خلف خاصرتي بعد أن عقدت العزم على قتل (( توفيق )) في ساحة المدرسة أثناء خروجنا لتناول الطعام بعد الحصة الدراسية الثالثة ، و لقد كان العرق يتصبب مني وجسمي يرتعش دون هوادة ، كلما كانت الدقائق تقترب من قرع جرس اللحظة الموعودة ، ولا أنكر أن الصراع بين الخير والشر كان قد احتدم بين عقل ينكر ما بنيتي فعله ، وبين قلب يبيح كل الوسائل المؤدية إلى قلب المحبوب ، فكانت الغلبة للقلب ، وخرجت إلى الساحة أراقب خطوات (( توفيق )) ، وأترصد ذهابه إلى صنبور المياه كي يشرب ، لأنقض عليه من الخلف ، وأرديه قتيلا بضربة من نصل مديتي المتعطشة لدمائه ، وما كانت إلا دقائق معدودة ، حتى اقترب (( توفيق )) من صنبور المياه ، وانحنى كاشفا ظهره لي كي يشرب ، اقتربت منه بخطوات مواربة يعتريها الحذر والترقب من تواجد إحدى المعلمات في محيط الجريمة ، وأخرجت المدية من وراء خاصرتي ، ووجهتها إلى جسد (( توفيق )) ، ولكنها لم تصل إليه ، فقد توقفت يدي بفعل قوة يد رهيبة كانت تضغط على معصمي ، حتى خارت قواي وهوت المدية على الأرض ، ماذا ؟ لا أصدق ما أرى ، إنها المعلمة (( جميله )) ، ولكن أين كانت ؟ وكيف غفلت عن رؤيتها ؟ يا للهول ، ماذا سأفعل ؟ 

لم تكن هناك أية فرصة للتفكير ، (( فجميله )) لم تبادر بالاستفسار أو الاستغراب أو الدهشة ، بل توحشت كلبؤة جائعة وجدت فريستها ، وانهالت بصفعي في كل مكان وصلت إليه كفوف يديها ، وهي تجرني كالدابة العاصية  حين تأبى حوافرها المسير ، باتجاه غرفة مديرة المدرسة ، لم أكن في تلك اللحظات متأثرا بالضرب ، ولم أكن خائفا مما قد يحدث لي من عقوبات تأديبية من قبل المديرة ، بل كل ما كان يشغلني هو خسارتي الأبدية لقلب معلمتي (( جميله )) .

لا جدوى من اختيار القلب للحبيب ، فأنت لن تتمكن من استدراجه لمصيدة الحب ، إذا كان قلبه مشغولا بمصيدة أخرى ، ولذلك لا تحاول اعتراض طريقه ، ولا تتحاذق بخوض حرب عاطفية لاختطاف قلبه، فهو ما كان من نصيبك يوما ، ولن يكون ، مهما حاولت التحايل على الأقدار المكتوبة .

وهذه ليست الحكمة التي نستخلصها من هذه القصة وحسب ، إذ أن للخيبات والهزائم القلبية من بقية تأتي ،  طالما كان المعيار في الاختيار دوما يخطىء درب الصواب ، و نواميس هذا الكون عصية على التفسير مهما اجتهدت في التفكير بمسبباتها ، فقد تتعمد العبور في الزمان والمكان المفترضين ، للإلتقاء بشخص تلهفت لرؤيته ، فيتخلف عن موعده ولا يأتي قط ، وحين تبحث عن الأسباب التي أدت إلى غيابه ، تعتقد أنها ظروف طارئة قد أحاطت بعزمه على الحضور ، كحادث أو مرض أو تلقي أنباء سيئة ، ولكن التفسير الخفي لذلك ، تضافر الكون لحدوث النفور بين قطبي لهفتك لحضوره ورغبته في رؤيتك ، فالغلبة دائما للرغبة السلبية وليست للهفة الإيجابية بالعموم  .

والعناوين المكتوبة في أقوال وأفعال الأشخاص من حولنا ، تلخص ما في متنها من تفاصيل ، فلا مسوغ للاسترسال في التأويل والاجتهاد والبحث عما وراء الكلام ، ففنون المراوغة والتملص من الحقائق الواضحة كقرص الشمس في كبد السماء ساعة الظهيرة ، ليست سوى ذرائع لنا كي نفسر بها ما نرغب بحدوثه ، والذي قد لا يكون إلا ضربا من خيالاتنا وأحلامنا في يقظة الواقع ، فقد تعتقد أن ابتسامة شخص تتمنى الاقتراب منه ، دليلا على قبوله المبدأي لك ، ولكنك لا تدري أنها قد لا تكون سوى ابتسامة بريئة لا تخفي في طياتها أية مشاعر ، وخصوصا مع علمك المسبق بارتباطه بشخص آخر ، ولكن أمنياتك به تجعلك تفسر كل ما يفعله بما يتوافق وينسجم مع أهوائك ، كي تواسي نفسك وتعزيها بما سيظل دوما عالقا في حدود وهمك وخيالك ، دون أن تملك تأشيرة عبوره إلى أرض الحقيقة والواقع .

وقد يحدث أحيانا أن يكون الشخص مرتبطا ، ولكنه يتعمد اجتذاب صفوف المعجبين من حوله ، وذلك لإشباع رغبات لا تنتهي من الغرور والأنانية ومفاضلة الذات على سواها ، وكأنه مركز الكون الذي تدور في فلكه جميع الكائنات ، فلا تشرق الشمس أو تغيب ، ولا تهب الرياح أوتنهمر الأمطار ، ولاتغرد الطيور أو تتمايل أغصان الأشجار ، إلا بمقاييس جنونه المفرط بتعاظم مكانته وعلو كعبه على البشر من حوله ، فكم يعج زماننا بأمثال هؤلاء السفهاء ؟

الجمعة، 11 مايو 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الأولى (( المعلمة جميله )) 2

وتحققت أمنيتي سريعا بعد قرع جرس الحصة الثانية ، فلقد حضرت إلينا وفي يديها كتب اللغة الإنجليزية ، وهذا كان كافيا للرقص وبث أهازيج لا تنتهي من الفرح والغبطة ، فمادة اللغة الإنجليزية لها نصيب يومي في جدول الحصص ، وتتكرر مرتين في يوم من أيام الأسبوع على الأقل ، ولكن خيوط مشاريع سعادتي ما لبثت أن انقطعت مع طرقات غليظة على باب الصف ، اتبعها ظهور خيال جثة ضخمة لوحش آدمي أشقر ، متأبطا ذراع المديرة التي كانت تبدو وهي ترافقه إلى المدخل وكأنها ابنته الصغرى ، وقفنا جميعا لأداء تحية الخوف ، عفوا أقصد تحية الاحترام للمعلم ، أسوة بقول الشاعر الشهير : (( قم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا )) ، واستمعنا إلى مداخلة غير مطولة للتعريف بالطالب الجديد (( توفيق )) ، والذي يكبرنا جسديا بعشر سنين ، ويصغرنا عقليا ببضع سنين ، إلا أن مشاعر الرأفة والشفقة والرحمة لم تراودني البتة وخصوصا بعد أن شاهدت اللهفة التي اختطفت عيني معلمتي وهي تنظر إلى عيون (( توفيق )) الزرقاء ، ثم ما لبثت أن انقلبت إلى حوار ثنائي بينهما للتعارف الأولي ، لتخبره وابتسامة عريضة قد ارتسمت على محياها (( أنا معلمتك جميله )) .

لا أنكر أنني أثناء مواكبتي لهذا المشهد الميلودرامي بأحداثه المثيرة ، أصابتني حالة من الخيبة والقنوط ، وأنا أقف مذهولا أمام أوراق طاولة أحلامي وهي تتهاوى على أرض اليأس ، فمعلمتي الجميلة (( جميله )) لم تكترث لعيوني التي ما أطبقت رموشها من فرط الانبهار بها ، بل آوت بسهم نظرة واحدة من عيون (( توفيق )) ، كالفريسة التي دخلت المصيدة بمحض إرادتها ، فلا صوت يعلو على صوت (( توفيق )) ، وليس لطالب أو طالبة في الصف حق في سؤال أو جواب ، إلا برضا (( توفيق )) وموافقته المسبقة على ذلك ، ومما كان يستدعي الحيرة والشك ، أن هذه المعاملة الاستثنائية لـ (( توفيق )) ، لم تكن لتظهر بكل هذا الوضوح الذي يبعث النفس على التقيئ ، إلا مع المعلمة (( جميله )) ، فلم تكن ممارسات التمييز العاطفية لـ (( توفيق )) على الرغم من مرضه العقلي ، والذي قد يكون مدعاة لتلك الممارسات ، ينعكس على سلوكيات المعلمات الأخريات ، ولا أعتقد أن السبب في ذلك ناجم عن عدم تعاطفهن مع (( توفيق )) ، بل هو خبرتهن كأمهات في البيوت ، والذي جعلهن على دراية وإلمام بنفوس الأطفال ، وكيف ينعكس ذلك بآثار سلبية على تكوين شخصياتهم وعبورها في مراحل من الحقد والعدوانية ، ونبذ الذات وعدم توازنها وانسجامها مع محيط المجتمع من حولها ، وفقدان الثقة بالنفس واهتزازها على الدوام ، وذلك حين يشعر الطفل بمحاباة أمه لشقيقه أو شقيقته في أي وقت أو مكان ، بظروف اعتيادية أو استثنائية ، فقد يغار الطفل من أخيه المريض إذا ما شاهد أمه تعتني به وتسهر إلى جانبه ، فهو لا يعتقد أنها تفعل ذلك بسبب ظروف استثنائية وطارئة ، بل يضع نصب عينيه أن فعلتها ليست سوى دليل دامغ على جرمها بحقه ، ونبذها له بسبب ميل قلبها إلى كفة محبة أخيه .

وفي ليلة من ليالي الأحلام والأمنيات ، شاهدت معلمتي (( جميله )) تسير على ناصية الطريق التي اعتدنا على لعب كرة القدم فيها ، كانت الشمس على وشك الغروب ، وشفقها الأحمر قد افترش على بساط السماء الأزرق ، أما الأشجار فقد كانت تتمايل أغصانها يمنة ويسرة ، وفقا لأهواء الرياح التي ما كانت شرقية ولا غربية ، ألقيت بالكرة بعيدا وركضت نحوها بأقصى مافي قدماي من قوة ، ومع أنه كان يخيل لي أنها تسير ببطء متعمد ، إلا أنني عجزت عن إدراكها ، حتى تعثرت على الأرض ، بعد أن فقدت توازني بفعل نتوءات بارزة في الأرضية الإسفلتية المهترئة ، والتي ما لبثت أن امتزجت بنزيف ذراعي وأنا أستعين بها كعمود ارتكاز للحد من وطأة سقوطي على الأرض ، فصرخت بصوت تداعى فيه الصدى حين يضج في أعماق بئر مظلم ، إلا أنها لم تلتفت وتابعت مسيرها باتجاه الناصية الأخرى من الطريق ، حيث كان (( توفيق )) ينتظرها وهو يضحك ضحكته الغبية المعتادة ، ويصفق ويغني ساخرا وأصابعه تشير نحوي باستهزاء ، امتلئت غيظا وكيدا ، ولكنني لم أتمكن من النهوض ، لتصل المعلمة إليه وتعانق كفها بكفه ، ثم يرحلان بعيدا عني ، وأنا لا يزال نحيبي مستمرا حتى سمعت صوت والدتي وهي تناديني ، فاستيقظت من المنام وأنا ألهث بأنفاس متقطعة كمن هو في سكرات الموت ، فما كان من أمي إلا أن هوت بصدرها على رأسي ، وأناملها تداعب صدغي ، في محاولة للتهدئة من روعي ، والتأكيد على أنه مجرد كابوس مزعج من أضغاث أحلام ، إلا أنني كنت على قناعة أن ما شاهدته ليس حلما بل هو الحقيقة المؤلمة ، فذلك الأبله الأشقر قد خطف مني أحلامي وأمنياتي  ، دون أن أتمكن من مجابهته كالفرسان الشجعان في رحى موقعة الحب .

وتتابعت الأيام بعدها ، وأنا أقف كشاهد عصر ، على كتابة سطور الأيام التي تزاحمت فيها لوعتي ، مترصدا معلمتي التي عشقتها من كل قلبي ، لا يشغلها من  الحنان والعطف والمودة إلا (( توفيق )) ، كم هو مؤلم هذا الشعور ، أن تجد من أحببت أسيرا في محبة شخص آخر ، ولربما أثناء كتابتي لهذه القصة بعد كل هذه السنين ، أستطيع أن أتفهم السبب في سلوكي العدواني الذي حدث بعد ذلك ، وخصوصا بعد ربطه مع أسطورة (( أوديب )) ، حين استغلها (( فرويد )) ليؤكد أن الولد يتعلق بأمه في صغره أشد التعلق ، و أن مشاعر الغيرة والكراهية تسيطر عليه تجاه والده ، وهو يظن أنه ينافسه في الاستئثار بقلبها ، وهذا هو ما حدث معي تماما في ذلك الوقت ، فأنا كنت متعلقا جدا بالمعلمة (( جميله )) ، وهي لا تبادلني تلك المشاعر ، بل إنها لم تكن تكترث لي قط ، بعكس سلوكها المفرط في الحب لـ (( توفيق )) ، وهذا كان مدعاة لبدء حرب نفسية كارثية في عقلي ، وما كانت  لتنتهي إلا بعزمي وإصراري على قتل (( توفيق )) ، لعل معلمتي حينها تدرك خطأها و تعود إلى رشدها وصوابها ، بالتمييز بين من أحبها وبين من لا يفقه شيئا في أبجديات الحب .

كان كل همي بعد قراري بقتل (( توفيق )) ، الحصول على سلاح لتنفيذ المهمة بنجاح ، ولكن ماذا سيكون ذلك السلاح يا ترى ؟

الجمعة، 4 مايو 2012

قصص حب لم تجد لها حبيب ... القصة الأولى (( المعلمة جميله )) 1

أشرقت شمس أيلول من خلف الهضاب المكسوة بحجارة الأبنية الصماء ، وتدافعت خيوطها الذهبية باستحياء فتاة بكر في خدرها ، لتعانق نوافذ البيوت الندية ، وتتلاعب بسبات طلاب المدارس المعتكفين في منازلهم من ورائها ، بعد ثلاثة شهور أكملت عدتها برتابة توالت عند هذا الوقت من الصباح تحديدا ، في ضيافة عطلة صيفية لفظت أيامها الأخيرة وتوارت خلف ليلة تود إدراك شقيقاتها في رحلة الزمان المتعاقب بميقات السماء .

كنت صبيا يقترب من إتمام العقد الأول له في هذه الحياة ، وكنت مزهوا بقامتي التي بدأت تطول كأغصان الأشجار حين تبالغ في نضوجها المبكر ، وكعادتي مع بداية كل سنة دراسية جديدة ، ذهبت إلى المدرسة والفضول يسابق خطواتي ، لاستكشاف زملائي الجدد والتعرف على معلمات الصف الرابع الابتدائي ، كان الطقس جميلا والسماء صافية إلا من غيوم بيضاء متناثرة ، تنذر باقتراب فصل الخريف وأجوائه الكئيبة التي ستحول بين الوقت والاستغلال الأمثل له في اللعب اليومي في شوارع الحارة بعد انقضاء الدوام المدرسي .

لم أكترث لتلك الهواجس ولم ألقي لها بالا ، وسارعت الخطى لاجتياز بوابة المدرسة الحديدية المشابهة تماما ، لتلك البوابات المستخدمة في السجون ، ولربما كان هنالك رابط عجيب بين تشابه البوابتين ، فالطلاب والمساجين في مدينتنا، يشتركون في بغضهم للمكان ، ويتوقون دوما إلى الدقائق التي تعتقهم  أحرارا إلى الحياة من جديد ، فالسجن ليس لتهذيب النفس واصلاحها ، والمدرسة ليست نبراسا يضيء ظلمة الجهل ، بل كلاهما وجهان لعملة تدعى الانحراف ، ولذلك نادرا ما نجد مجرما يرتدع بعد خروجه من السجن ، أو طالبا يحترم الآخرين ويصون حقوقهم بعد قراءة أول سطر له في مناهج التعليم .

وقفت في الطابور الصباحي وبدأت أراقب باهتمام شديد ، الجموع التي بدأت تتوافد من طلاب ومعلمات ، لم تختلف الوجوه كثيرا ، فمعظم الحاضرين يكادون يذكرونني بالمشهد ذاته ، قبل انقضاء السنة الدراسية المنصرمة ، مديرة تقف متجهمة الوجه وفي يدها قطعة خشبية غليظة ،معلمات بوجوه شاحبة وبائسة ، وكأنهن يقفن في حضرة المراسم الأولى لجنازة ميت ، عيون حمراء متورمة ، وشفاه أطبقها  العبوس ، ونظرات ازدراء للطلاب المبتسمين في وجوههن ، حفاظا على مظهر الهيبة والوقار ، والطلاب في الضفة المقابلة من الباحة المدرسية ، يقفون كجيوش العسكر ، ويخافون من مجرى النفس الخاطىء في مدارات المزاج السيء لأعضاء طاقم التدريس ، فلقد حدث في يوم من الأيام ، تواصل سعال أحد الطلاب أثناء إلقاء مديرة المدرسة لخطبة عصماء حول ضوابط الالتزام بكل أمر تمليه المعلمات على الطلبة دون مناقشة أو تفكير ، ولكن صوت السعال استفزها ، معتقدة أن الطالب قد تعمد فعلته كي يسخر من كلامها ، لتنهال عليه بضربات متتالية من أداة التعذيب الخشبية التي لا تبارح قبضة يدها ، في أنحاء عشوائية من جسده النحيل ، وما أوقفها إلا قطرات الدماء التي تدفقت كعين ماء جارية ، بعد ضربات توجهت في حين غفلة من الانفعال إلى الأنف والشفتين ، لتنتهي واقعة التعذيب تلك ، وتظل عبرة لكل من تسول له نفسه في تعكير مزاجها بقصد أم بغير قصد ، وهذا بالطبع حال العديد من الشخصيات النمطية المتعثرة بمبادىء الثقة في النفس بمجتمعاتنا ، فهم يعتقدون دوما  أن أي فعل أو كلمة أو حركة تصدر من حولهم ، لا يكون لها مسوغ سوى الاستهزاء بهم ، وأعتقد أن هذه الحالات تعللها اضطرابات عقلية تعود إلى فترات ما قبل البلوغ النفسي وليس الجنسي ، فمجتمعاتنا تعتمد دوما على مقياس ثابت في تشكيل الأطر الأساسية لشخصية الفرد فيها ، والتي ترتكز على عامل ثابت لا يتغير ، القدرة على اضطهاد الآخرين إذا ما هبت رياح مواتية لبث النفوذ والسيطرة ، سواء أكان ذلك في مواقع تعليمية أم حكومية أم اقتصادية ، وحتى في المنابر الدينية أو على عتبات حيز الأسرة الضيق . 

لم تكن آثار المظهر العام للطابور الصباحي لتحرك في نفسي  ساكنا ، لولا إطلالة تلك المعلمة السمراء من خلف البوابة الحديدية ، وهي تسير بخطوات واثقة إلى منصة المعلمات ، دون أن يستدعيها الفضول لاستطلاع الوجوه التي أشاحت عن جميع الحاضرين و استدارت كي تتأملها عن اليمين وعن الشمال عزين ، ولكن عينيها المشابهتين لعيون غزالة برية ، لم تلبث أن تداعت في لمعانها ، بعد أن كشفت شفتيها المتورمتين بأنوثة استثنائية ، عن ابتسامة بالكاد لمحها من تواجد بالصفوف الأولى من طوابير الطلاب ، وكم كنت من أصحاب الحظوة والحظ السعيد ، وأنا اتنشق الهواء الذي اختلط بعبق عطرها الساحر ، لتأخذني بعيدا إلى عالم جميل من المشاعر التي ماعرفتها في حياتي قط ، من تكون هذه المعلمة ياترى ؟ وهل ستكون من معلمات الصف الرابع ؟ كم تمنيت حينها أن تكون كذلك ، كي أتمكن من مشاهدتها في منأى عن هذه الجموع الغفيرة ، ولكي استأثر بمحبتها لي وحدي دون أن يشاركني في ذلك أحد .

الخميس، 5 أبريل 2012

سيرة (( طرطور ))

عندما كان (( طرطور )) تلميذا في المدرسة ، قرر المعلم أن يعينه (( عريفا للصف )) ، ومع أن (( طرطور )) كان يمتاز بالبلاهة والغباء والسذاجة ، إلا أن المعلم لم يتردد في اختياره لتلك المهمة ، على اعتبار أنه التلميذ الوحيد الذي تربطه فيه صلة قرابة من الدرجة الثانية أو الثالثة ، وهذا سيكون مسوغا كافيا لضمان ولائه ، وتكريس جهوده للحفاظ على هدوء ونظام الصف في أوقات الفراغ التي تفصل الحصص أثناء الدوام المدرسي ، أو عند ضبط طابور الصف أثناء دخوله وخروجه من وإلى باحات المدرسة في الصباح والمساء ، وبالفعل صدق حدس المعلم وتم استدعاؤه من قبل مدير المدرسة ، ولكن ليس ليشكره على حنكته في اختيار الطالب المناسب للمكان المناسب ، بل ليشرح له المعلم منطقية المعيار الذي اتبعه في اختيار (( طرطور )) كعريف للصف ، وحين قال له بحماس (( إنه ولد عمي )) ، تراجع المدير بالفور عن موقفه العدائي ، وربت على كتف المعلم بعد أن غمره بوابل من الثناء  ، وردد حكمة اجتماعية أثبتت فشل تطبيقها في العديد من المناسبات : (( أنا وأخوي على ابن عمي ، وأنا وابن عمي على الغريب )) .

(( طرطور )) دخل الجامعة وفقا لمعدله المتدني الذي يعكس قدراته الذهنية القصوى كطالب تلقى تعليمه في المناطق الأقل حظا في البلاد ، ولا ضير في ذلك البتة ، فالتعليم حق مشروع لكافة المواطنين ، ولكن ما يثير الدهشة والاستغراب ، أن مستوى (( طرطور )) قد اختلف اختلافا جوهريا في تحصيله الإكاديمي ، و معظم علاماته تكاد تصل إلى مرحلة الكمال ، وهذا كان يستدعي التمحيص والتنقيب عن سر هذا التحول المفاجىء لديه ، حتى اعترف لصديقه في سهرة شبابية صيفية ، أنه لا يسجل مواده الجامعية إلا عند أساتذة من بلدته أو عشيرته ، هذا ولم تتوقف سيرة (( طرطور )) الاستثنائية في حياته الجامعية عند هذا الحد ، بل تم اختياره كعضو منتخب لمجلس طلبة الجامعة بأغلبية ساحقة ، ورقم قياسي غير مسبوق في تأييده ونصرته ، فمعظم الطلاب والطالبات في كليته هم من أبناء عمومته ، وهكذا أصبح (( طرطور )) وجيها من وجهاء وشيوخ طلاب الجامعة ، و كل من تسول له نفسه في التعدي على إحدى محارم الجماعة الذين يتواجدون تحت مظلته ، سيذبح هو وكل من يناصره كالشاة الجرباء في حرم الجامعة ، وعلى مرأى من جميع الطلاب و أعضاء الهيئات التدريسية وعناصر الأمن وأعوانهم  ، ليكون بذلك عبرة لمن سواه ، وكم ترك (( طرطور )) فراغا في جماعته بعد التخرج ، إذ ظل الجميع يتشاورون ويتباحثون لعدة شهور لانتخاب الشيخ الجديد للجماعة خلفا لـ (( طرطور )) .

لم يواجه (( طرطور )) أية مشاكل في ركوب قطار الوظيفة بعد التخرج ، ولم ينتظر في محطة البطالة أكثر من هامش زمني كان يفصل إتمام اجراءات حصوله على شهاداته المصدقة من الجهات الرسمية حسب الأصول ، وقد حظي بمركز وظيفي مرموق في كبرى مؤسسات الدولة ، فخاله في تلك الحقبة كان نائب رئيس الحكومة ، وهذا أعفاه من الإذعان لكافة الاجراءات البيروقراطية المطولة لغايات التعيين ، فلا تقدم لامتحان كفاءة ، ولم يخضع لمقابلة شخصية ، ولم يفرض عليه انتظار دوره في الديوان المعني بالوظائف الحكومية ، فمكالمة هاتفية من خاله (( البيك )) اختصرت كل المسافات .

تقلد (( طرطور )) عدة مناصب رفيعة في الدولة بعدها ، وكانت تزكيته دوما عند كل اختيار ، صلة القربى التي تربطه بمتخذ القرار ، وهكذا سطر (( طرطور )) حروف اسمه الذهبية في تاريخ الدولة ، فقد أثبت جدارته وكفاءته في كل المناصب التي تقلدها ، إذ أن الرافد الرئيس في أي عجز كان يصيب موازنة الدولة ، كان يتأتى دوما من الحقيبة الوزارية التي يترأسها (( طرطور )) .

وتقاعد (( طرطور )) وعاد إلى صفوف المواطنين ، ولكن أهله وعشيرته وجيرانه ، وأحبابه وأبناء بلدته ، التفوا حوله ليكون ممثلهم في مجلس الشعب ، وبالطبع فإن (( طرطور )) لبى النداء دون تردد ، وأغدق مناصريه بوعود تحقق كافة مطالبهم ، و لم ينكث (( طرطور )) أية وعود قطعها بالطبع ، ولكن لزوجته وليس لمنتخبيه ، فأصر على المطالبة  في كل جلسة عادية وغير عادية لمجلس الأمة ، برفع سقف المزايا والحوافز والمكافأت لأعضاء المجلس قبل الخوض بأية قضية أخرى تعنى بالمواطنين .  

وعندما بلغ (( طرطور )) من الكبر عتيا ، ووجد نفسه مهمشا من الدولة ومؤيديها ، بدأ يفكر ولأول مرة في حياته ، لعله يجد سبيلا يمكنه من استرداد مكانته التي كان يحظى بها على الدوام ، لمسببات قدرية يمكن اختصارها باسمه الذي كان مقترنا بعشيرة وبلدة تتميز بكثافة سكانية عالية ، وحين ضاقت به الطرائق وتقطعت به الأسباب ، جاء ربيع المعارضة المناهضة لنظام الحكم في دولته ، وهنا كانت فرصته الذهبية للتربع على عرش المشيخة من جديد ، فجمع الناس من حوله ، واعتصم بهم في وجه الحكومة ، وطالب بمحاربة الفساد المستفحل في الدولة ، وأقسم أنه سيظل مع الشعب في مواجهة الظلم والاستبداد حتى آخر رمق في دمائه التي تفيض بالوطنية والاخلاص ، مستشهدا بتاريخه الحافل بخدمة الوطن والمحافظة على المال العام في  مختلف دوائر ومؤسسات الدولة التي ترأسها ، وما تبع تجاربه وخبراته بعد ذلك ، ليصبح فيلسوفا وحكيما يتفوق على (( أفلاطون وأرسطو وابن خلدون وجان جاك روسو )) في نظرياته وآرائه في رسم معالم الدولة المدنية المعاصرة .

وفي النهاية لا يسعنا إلا أن نتقدم بالشكر الجزيل لكل (( الطراطير )) الذين تسببوا في تخلفنا ، ونتساؤل بخجل : (( هل لدى أي فرد هاجس أو شك بعصر النهضة المرتقب ؟ طالما كانت ثقافة المجتمع تجزم أن الولاء للقرابة وليس للكفاءة ؟ )) .

الخميس، 29 مارس 2012

الساحرة المستديرة أم القاتلة ؟

القصة ذات شجون ، فهي تنطلق من مشهد سخيف في أحد البيوت التي كانت في يوم مطمئنة ، بعد أن اجتمع اثنان من الأخوة في سهرة كان ظاهرها عائلية ، في حين كان باطنها غل وحقد متوارث عبر الأيام بين الشقيق الذي كان على الدوام مضطهدا من شقيقه الأكبر في كيفية تصريف شؤون الحياة ، وهذا لم يستدع سوى مرور بضع دقائق من مباراة الدوري الإسباني بين (( ريال مدريد وبرشلونه )) و التي كانا يتابعانها برفقة أبنائهم وزوجاتهم ، حين هتف أحد الأبناء بعبارة استفزازية بعد هدف (( ميسي )) الأول في مرمى غريمه قائلا : (( رح نمسح فيكم الأرض )) ، لتأخذ ولد عمه حمية (( مدريدية )) ويشتمه بلعن والده ، وهذا كان سببا كافيا لصفعه من عمه ، ورد تلك الصفعة بمنفضة السجائر التي هوت بسقوط حر على جمجة رأسه من شقيقه الأكبر ، ونشوب مشاجرة كبرى لم تنتهي إلا بجريحين من أفراد العائلة بحالة خطرة بين الحياة والموت .

وتزداد سخافة المشهد وألمه اتساعا ، عندما يردد أحد المندسين عبارة استفزازية في أحد ملاعب كرة القدم بمدينة عربية ، لينجم عن ذلك سقوط أكثر من خمس وسبعين قتيلا ومئات الجرحى ، فضلا عن قطيعة دبلوماسية كادت أن تحدث بين دولتين عربيتين بسبب مباراة حاسمة في التأهل لنهائيات كأس العالم ، و يكفي التأمل قليلا  بما يتم ترديده في ملاعب الكرة من هتافات عنصرية أو شتائم بذيئة تطال في مناسبات عديدة عرض أوطان وبلاد مغتصبة ومحتلة ، وهذا إنما يدل على مدى وعي ونضوج عقول المجتمعات التي تطالب جهارا ونهارا بالحرية . 

وليس أجمل من كل هذا ، سوى سلوكيات بعض شيوخ البلدان النفطية في الآونة الأخيرة ، ففي الماضي كانوا يشحذون أموالهم ويتسابقون على عارضات الأزياء والممثلات و الراقصات والمغنيات المغناجات من مختلف الأعراق والألوان والجنسيات ، ولكن في هذه الأيام اختلفت ميولهم وأهوائهم ، أو بعبارات أخرى ، فقد أصابهم السأم من المفاخرة بالنساء ، وبدأوا يبحثون عن طرائق أخرى في إثبات مشيختهم حول العالم بأسره ، إلى أن اهتدوا إلى مجال سيجعل صيتهم يجاوز عباب السماء ، فتهافتوا على شراء أندية كرة القدم الأوروبية بحجة أنها ستكون مشاريع استثمارية ناجحة على المدى المتوسط والطويل .

حبكة القصة تكتمل عند التفكير في نهائيات كأس العالم التي ستستضيفها إحدى البلدان الخليجية ، والأموال الطائلة التي سيتم انفاقها في سبيل الإعداد لهذا الحدث العظيم ، ثم تأتي الشعوب (( الكومبارس )) في هذه القصة وتأكل بعضها في حروب أهلية بحثا عن لقمة العيش ، ولكن ماذا لو تخيلنا أن مثل هذه الأموال قد تم إنفاقها في مشاريع تنموية تحارب الثالوث المرعب في عالمنا العربي (( الفقر والجهل والتخلف )) ؟

كنا نضحك في الماضي على أقوال وأفعال العقيد الليبي البائد ، ولكن ألم يكن محقا في يوم من الأيام حين سخر من قطعة الجلد المستديرة تلك ؟ وحرم ممارستها على الأراضي الليبية قبل أن يعود عن قراره الذكي بغير قصد طبعا ، بسبب عشق أحد أبنائه لممارستها .

أذكر دراستي لمادة عن التسويق في أيام الجامعة ، وتحديدا للمبحث الذي كان يتحدث عن المزيج السلعي ، وهو عبارة عن مجموعة من المنتوجات يتم بيعها من خلال شركة أو علامة تجارية واحدة ، وما يميز ذلك المزيج من حيث قوة مبيعاته وسطوة تأثيره على المستهلكين ، قد يحدث من خلال رواج منتج واحد فيه فقط ، بمعنى أنه لو كان لدى شركة منتج يباع بكثافة ، فإنها تستطيع أن تبيع منتجات أخرى تكون مرافقة لذلك المنتج الرئيس بصرف النظر عن جودتها أو رداءتها ، ومنها على سبيل المثال : (( شركة نستله )) التي بدأت بمنتوجات الحليب واعتمدت عليها لاحقا لترويج كل منتوجاتها الأخرى من الشوكولاته والمياه المعلبة وغيرها ، وأيضا شركة (( نيفيا )) التي انطلقت من خلال كريم للعناية بالجلد ، وتوسعت بعد ذلك لتشمل مختلف مستحضرات التجميل للعناية بالبشرة والجسم .

ما أود قوله من ذكري لموضوع المزيج السلعي ، أن كرة القدم أصبحت المنتج الرئيس في ترويج كل ما يدفع بالإنسانية للإهانة ، فإذا اردت أن تروج لإشعال حرب طائفية  ، فليس عليك سوى التحضير والاستعداد جيدا لبث إعلانها من خلال مباراة كرة قدم ، وإذا أردت أن تسوق وتلمع قناة فضائية ، فما عليك سوى أن تضم لباقات برامجها أهم دوريات وبطولات كرة القدم الأوروبية والعالمية ، وإذا أردت نجاح مقهى أو مطعم ، فما عليك سوى تجهيزه وإعداده بأحدث التقنيات التي ستبث مباريات كرة القدم ولن يكون لرداءة الطعام أو الشراب المقدم من أهمية بعد ذلك ، ولكن يظل السؤال في خاتمة هذه القصة ، هل كرة القدم حقا هي الساحرة المستديرة التي تأسر القلوب ؟  أم أنها القاتلة التي تسفك دماء العقول وتلقيها في غياهب التخلف والغباء ؟ 

الخميس، 22 مارس 2012

أم الوليد

على إحدى شواطىء البحر الأبيض المتوسط ، تزوج والدها (( اليافوي )) من والدتها (( القبرصية التركية )) ، وبعد مرور شهور أتمت عدتها ، وقبل نضوج بيارات البرتقال في (( يافا )) ، ولضرورات وظيفة والدها كشرطي متنقل بين المدن الفلسطينية ، جاءت إلى الدنيا في بداية تشرين قرب بوابات (( القدس )) ، وحين كانت تستعد لتعلم النطق ، وجدت نفسها تلميذة نجيبة في ضواحي (( الخليل )) ، ولما اشتد عودها وجاوزت طفولتها البريئة ، زج بها والدها للزواج من رجل متزوج بذرية من ثلاثة أبناء ، في أرض هاجرت إليها مرغمة كي تبحث عن فرصة جديدة في الحياة ، لتسجل بذلك مكانها في التاريخ العماني الأول ، كسيدة ستبهر كل من سيجتمع بها بفصاحة فطرية في حديثها ، وبديهة تستحضرها أناتها ، وقلب كالمحيط يتسع لاحتواء كل صنوف البشر من حولها .

ولأن بينها وبين تشرين مواثيق وعهود ، فقد أبرمت معه بالذات عهدها الأغلى ، وهي تهوي على (( وليد )) بصدرها ، كي تطبق شفتيه الباكيتين بماء أمومتها الأول ، وقد ترنم صوتها بأغنية فيروزية ستعتاد غنائها لأربعة أبناء لاحقين ، وسبعة أحفاد سيتعاقبون من أصلابهم ، لا يصمتون عن بكائهم إلا بعد سماعهم لآهاتها وهي تستعد للغناء لهم : (( يلا تنام ... يلا ينام ... لادبحلا وادبحلو طير الحمام ... روح يا حمام لا تصدق ... بضحك على وليد .. منى .. طارق .. ناديه .. أشرف .. حنين .. محمد .. عبدالله .. ساره .. عمر .. ياسمين .. عمر  تينام )) .

وفي نهاية سبعينيات القرن الماضي ، لم تكن (( أم الوليد )) لتتوقع أنها ستلتقي بولد سيستقر في أحشائها مطمئنا ، ويفاجئها بأمومة متأخرة في الأربعين ، ولأنه كان (( آخر العنقود )) فلقد اكتشفت معه عواطف لم تختبرها قط ، فكان صديقها الوفي ومستودع أسرارها الأمين ، وكانت تستذكر فيه دوما شقيقها المهاجر إلى ألمانيا منذ أمد بعيد ، لدرجة أنها كانت تخطئ اسمه كلما كان يأتي بسلوك عفوي يطابق سلوكيات خاله ، فتناديه (( ابراهيم )) وهو يجيبها دون أن يلفت انتباهها أو ينزعج من ذلك ، ويظل يضحك في سره وهو يردد المثل الشهير (( ثلثي الولد لخاله )) .

لم تكن (( أم الوليد )) تدري أنها ستفقد أحد أبنائها في حياتها ، ولكن أقدارها شاءت أن تودع إحدى بناتها قبل أن تطفئ شمعة عمرها الخامسة عشر ، ورغم حزنها الذي فطر فؤادها منذ ذلك الحين ، إلا أنه ظل يفيض حنانا وحبا ، لتتمكن بدهاء أنوثتها ولكن كأم ، أن توهم كل ولد من أولادها أنه المفضل لديها كلما توارت بأحدهم في خلوة أمومة استثنائية .

ومضت بها الأيام والسنين ، وهي لا تدخر جهدا ولا تتوانى عن خدمة بيت لا تزال سيدته منذ نصف قرن من الزمان ، بل إنها لم تشتكي في يوم أو تطالب عونا من أحد ، فلا زالت تقف وحيدة تنظف الصحون والأواني بعد كل مأدبة عائلية يجتمع فيها أولادها ، متجاهلة عروضا سخية لمساعدتها من زوجات أبنائها أو خادماتهم ، ولا زالت في صباح كل جمعة تذهب إلى بائع الحمص والفول والفلافل سيرا على أقدامها ، لتحضر الفطور لزوجها الذي لم يعد قادرا على المسير ، وتصعد أدراج أربعة طوابق كي تشارك أصغر أبنائها وزوجته وأولاده بتلك الوجبة البقولية ، وهو في كل مرة يرجوها أن تستريح ليأخذ مكانها في تلك الجولة الصباحية ، وهي ترفض بشتى الوسائل أن تزعج منامه في يوم عطلته . 

خمسون عاما ، وهي الأم والأخت والزوجة والصديقة الوفية ، ولم تطالب في يوم باسترداد تكاليف تلك السنوات من أحد ، وقد عاشتها لترى غيرها سعيدا دون التفكير بذاتها ولو للحظات ، فكانت استجابتها للمؤثرات من حولها شرطية بتحقق أحداث تتعلق حصرا بالأولاد والأحفاد ، وظلت صابرة لا تشتكي ، على خدمة زوج اعترف بعد كل هذا العمر ، بعجزه عن الصمود يوما واحدا في شيخوخته لولا وجودها إلى جانبه ، وكم أثار هذا الموقف في نفسي من التساؤلات عن الرجال المزهوين بفحولتهم وشبابهم ، كيف يعودون كالأطفال الصغار في أحضان زوجاتهم حين يشيخون أو يمرضون . 

(( أم الوليد )) أم مثالية لثلاثة أجيال ، إخوتها وأبناؤها وأحفادها ، وفي هذا اليوم يقف قلمي وهو يسطر حروف اسمها إجلالا ووفاء ، وتقديرا واحتراما ، ومحبة لا تنضب مهما قيل فيها من كلام ، إليك يا أمي أهدي كل الكتابات ، فلا امرأة تنافسك في قلبي ، وقسما ستظلين حبيبتي الأولى وحبيبتي الأخيرة إلى يوم الممات ، حفظك الله ورعاك يا نبراسا أضاء دروب الحياة أمامي ، ويا أرضا عشقت ثراها ، فأدركت فيها الولاء والانتماء ، كل عام وأنت أمي ، وكل عام وجميع الأمهات بألف خير .

الخميس، 15 مارس 2012

شامك شامي يا أم الأولاد

على سرير يتهاوى كل ليلة بين أرقها وخوفها وقلقها ، وفوق وسادة تغرق فيها الأنفاس بسيل من عبراتها ، أضمها لصدري وأربت على رأسها بكفي التي ارتعشت أناملها ، وأداعب جدائلها كي تغفو ، فترجوني كالأطفال أن أروي لها حكاية قبل المنام ، وحين أخبرها أن حكايتنا ستكون عن الشام ، تنفرج أسارير محياها ، وتهز كتفي كي تعجل في فك عقدة لساني ، وهي تهتف بلكنتها الشامية المحببة لقلبي (( قولا بقى )) .

يا ابنة الفيحاء الأبية لا تحزني ، ولا تتنهدي بحسرة كلما ألفيت أزقة الشام العتيقة يغسلها الدم ، واصبري ولا تجزعي في كل يوم جمعة حين تأتيك أخبار الإنفجارات التي ابتدعها من لا يخشى الله في العباد ، فهي ستكون قاب قوسين أو أدنى من خطوات أبيك أو أخيك أو أمك ، وحينها فليستمر التطبيل والتزمير بين كل أطراف النزاع ، فهذا يريد كرسيا وذاك يرغب بالحفاظ عليه ، وآخر يود الانتقام لمن أهانه في وسائل الإعلام وسيدفع أمواله لكل متطوع سيجاهد في سبيل رد إعتبار مشيخته ، وآخرون سيدعون حرصهم على حقوق الإنسان وهم أكثر من سفكوا الدماء بأيديهم و أيدي حلفائهم في مشارق الأرض ومغاربها ، وجيران سيترقبون بشغف نشوب حرب أهلية كتلك التي حدثت يوما في لبنان ، وكل هؤلاء لا يدرون أن أهل الشام لا ينتمون إلا للشام ، لربوتها وساحاتها ، لمساجدها وكنائسها ، لأحيائها وأسواقها وحضارتها القديمة بقدم الإنسان .

أنا لست بعثيا ولا قوميا ، ولم أكن في يوم اشتراكيا أو ليبراليا ، وبكل الأحوال لست أيضا من الرأسماليين ، ولست منضما لجماعة الإخوان المسلمين ، أنا شخص يمقت كل التشريعات الوضعية التي خطتها أقلام البشر ، ولا أسمع أو أتكلم أو أرى إلا بكتاب رب العالمين حين قال : (( الفتنة أشد من القتل )) ، فكم هو عدد المتورطين في ذبح شامنا بتفرقتهم إلى شيع ومذاهب يترفع لساني عن ذكرها ؟ 

لك الله يا شام ، فهذه أمة اعتادت أن تذبح أبناءها لأسباب تتعلق بالخلافة والسلطنة والرئاسة ، ومن يشكك في هذا فليقرأ التاريخ بعد وفاة سيد الخلائق والبشر ، وليسأل الصديق و ذي النورين و أبا موسى وابن العاص ، وابن الزبير وابن مروان ، وخلفاء بني أمية وبني العباس ، وأبناء القسطنطينية و الحجاز وبلاد الشام ، والانقلابات العسكرية المتعاقبة بعدها ، وبلادنا مع كل هذا تظل على حالها تهوي في غياهب المذلة بين الأمم . 

ماذا أقول لك يا زوجتي الحبيبة ؟ أأقول تبا لهذا الربيع الذي يروي أيامه بالدماء ، كيف يمكنني أن أبعث في نفسك السكينة بعد كل كابوس يجتاحك في المنام ؟ وأنت تصرخين عاليا : (( أبي ... إمي ... أخي )) ، كيف أستطيع أن أرسم الابتسامة على شفتيك مجددا ؟ وشامك يقتتل عليها كتائب وجيوش نظامية وحرة ، وشيوخ من بلدان نفطية ، وشرذمة مرفهة تعيش في بلاد اوروبية ، بل إن شامك أصبحت ذريعة لاشتعال حرب عالمية ، يتنازع فيها النسر والدب والتنين  ، بعد تعميدها بالشمعدان السباعي ، فهنيئا لكم يا أمتي على خيبتكم وتضافروا في قتل بعضكم كما كان حالكم دائما منذ أيام الغساسنة والمناذرة ، فهؤلاء رفعوا راية الروم وهؤلاء رفعوا راية الفرس ، واليوم أنتم تعيدون الكرة ذاتها ، فعجبا من أمة لا تتعلم الدروس التي لم تتلقنها إلا بالدماء.  

الجميع أصبحوا مناضلين ومجاهدين ، وأولياء صالحين ، وسيرفعون راية مجد الأمة على جبل قاسيون ، فهم أصحاب ضمائر لا تفتأ ذكرا للحق ، وهم حريصون على حقوق الإنسان ، ويخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ، بل إنهم يرفضون الظلم والمذلة والمهانة لأي شعب على وجه الأرض ، ويقفون بالمرصاد لكل الجبارين والمتغطرسين ، فالإنسان في عقيدتهم أغلى ما يملكون ، وحرية البشر ديدنهم وقسطاسهم المستقيم ، ولكن قبل الخوض بصفاتهم الحميدة ، أتمنى أن يجيبوني عن تساؤلاتي التي تذرفها الدموع :

فكم من الأطفال سيموت بعد ؟ وكم من النساء ستنتهك أعراضها ؟ وكم من الشيوخ سيذبحون كالشاة الجرباء ؟ وكم ... وكم ... وكم أيها القتلة المجرمون ؟ 

نامي يا عزيزتي ، فلكل ظالم يوم قصاص ، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين رب العالمين حجاب ، وهذا هو إدراجي الذي أهديه لكل من تسبب في هدر دماء أبناء سوريا ، وأدعو العزيز الجبار أن ينتقم منهم ويذلهم ويخزيهم أجمعين . 

الجمعة، 9 مارس 2012

مهاجر أم مهجر ... ما الفرق ؟

حين كنت مهجرا من موطني الأصلي قبل زهاء ستة عقود ، مشيت حافي القدمين ولم ألتفت خلفي ، واعتقدت كما اعتقد غيري ، أنها ستكون مجرد أيام معدودات ، ثم نعود مع العائدين ، فوليت أمري إلى ولاة أمري ، وجلست على عتبة السكن المؤقت أنتظر رحمة ربي ، ولكن الأيام بدأت تمضي ، وظل الوضع على ما هو عليه ، باستثناء فارق طفيف حدث خلال عقدين من الزمان ، أتم فيه (( أولاد العم )) ما خططوا له بمحاضراتهم الجامعية في اوروبا والعالم الجديد ، حين كان أجدادي منهمكين بالحرث والنسل ، ودفع الجزية (( للآغا والبيك والباشا )) ، حتى دقت ساعة الصفر ، واستقبلت أرض الميعاد ساكنيها الجدد .

عشت بعدها حياة (( بالطول والعرض )) ، ورضيت بالأمر الواقع ، وعدت إلى تجارتي ومهنة آبائي وأجدادي ، وجنيت أموالا لا تأكلها النيران ، ومع كل دورة أيام كانت تكمل عدتها ، حافظت على حذاقتي في إعادة تشغيل أرباحي ، وتجنبت وساوس زوجتي بتجميدها في شراء أراض أو عقارات ، وكنت مؤمنا أشد الإيمان ، بمثل ذائع الصيت عن سيرة الحياة السعيدة ، ولذلك كنت أعيش يومي ولا أفكر بالغد قط ، وهذا جعلني أبعثر أموالي أولا بأول ، بين سياحة وأكل وشرب وزواج متعدد الخانات من مثنى وحتى رباع ، لجنسيات انطلقت من بلاد الرافدين مرورا ببلاد الشام وختاما في أرض الكنانه ، ولأنني شخص شديد الالتزام بما قاله (( اهل زمان )) ، فلقد كانت جيوبي تفرغ حمولتها في كل ليلة كي أنام خفيفا وأنا أهذي في المنام (( الطايح رايح وبكره يوم جديد )) .

وظلت الحياة تسير بتؤدة دون أية مشاكل تذكر ، سوى حنين لا ينطفىء لهيبه إلى أرض الأنبياء ومهد الديانات ، وترقب شديد لكل قرارات القمم العادية وغير العادية ، وتلخيص قراراتها وتأويل احتمالات تطبيقها ، ولم أفقد الأمل يوما بصدق نوايا قادة الأمة في خوض غمار حرب التحرير المقدسة وما تبعها من معاهدات سلام كانت تطبق بحذافيرها حصريا لمصلحة (( أولاد العم )) ، والخطابات السياسية تتوالى ، وأنا لا أزال أهتف بحياة القادة المناضلين وجهودهم الحثيثة في ضمان حق العوده ، حتى جاء يوم ضجرت فيه من الدوران في المتاهة ذاتها ، وقررت أن أكسر مفتاح داري الذي اجتهدت بالحفاظ عليه معلقا على الجدار الرئيس في بيتي المؤقت ، ليصبح بذلك بيتي الدائم ، ومقر انطلاقي إلى مثواي الأخير ، ورضيت بالأمر الواقع ، وعقدت العزم على مواصلة العيش بعد أن حذفت من ذاكرتي كل فصول حياتي قبل الهجرة وكأنها لم تحدث في يوم من الأيام .
 

ولكن قبل بداية القرن الحادي والعشرين بعقد من الزمان ، تغيرت مخططاتي في الحياة مجددا ، بعد أن ضاقت بي الأرض بما رحبت ، تبعا لموجات تهجير أخرى حدثت على أيدي (( إخوتي )) ضد (( إخوتي )) ثأرا من نصرتهم لقائد سيتم إعدامه كالكبش في المستقبل ، فتضاءلت لقمة العيش ، وتراجعت تجارتي في سوق اشتدت المنافسة فيه بشتى ضروب الأعمال ، فصبرت وتأقلمت مع الوضع الذي لم يحافظ على ديمومته ، بعد أن تم استقبال موجة هجرة أخرى ، حدثت تصفية لزعامات لم يعد الغرب بحاجة لها ، وفي هذه المرحلة بدأ الفقر يتسلل من كل أبواب الرزق ، وانقلب المجتمع بطبقاته التي لم تكن متباينه ، ليغدو عاليها سافلها والعكس بالعكس.

وتتابع ضنك الحياة يوما بعد يوم ، ولم يعد من ضرورة لإفراغ جيوبي في الليل ، بعد أن قدت بمصاريف العيش التي عجزت مصادر دخلي الشحيحة عن رتقها ، ومع هذا حافظت على إيماني بوجوب الصبر وانتظار الفرج المرتقب على أيدي ولاة الأمر ، فخرجت أهتف بحياتهم بعد كل مؤتمر إقتصادي يحارب الفقر . 

وحين بدأ اليأس يتسلل إلى أصحاب النفوس الضعيفة الإيمان ، خرجوا إلى الشوارع والميادين العامة يطالبون بالثورة على أنظمة الظلم والاستبداد ، ولأنني مواطن صالح ، اعتزلت بيتي في أوقات الفتن تلك ، إذعانا لوصايا خطيب صلاة الجمعة ، ولم أشكك برواية المسؤول المتجهم حين أعلن على الملأ أنها مؤامرة من (( أولاد العم )) لقصم تقدم وازدهار البلاد ، ورسم خارطة مستحدثة للأمة التي أجهدها تعدد طوائفها ومنابتها وأصولها ، ومع هذا وذاك ، فكل يغني على ليلاه ، ويردد واثقا (( اللهم نفسي ومن ورائي الطوفان )) .


واليوم اكتشفت أنني لم أكن مهجرا عن بلادي ، بل أنا مهاجر عن الدنيا منذ أمد بعيد ، فكيف أنكر ذلك وأنا أسير في نطاق دروب لم يكن ثمة إرادة لي في اختيارها ؟  القادة والوعاظ والسياسيون و الإقتصاديون و الأحزاب الموالية أو المعارضة هم من يختارون ، وأنا دوري تنفيذ رغباتهم وأهوائهم  ، فهل أنا حقا على قيد الحياة ؟  

الجمعة، 2 مارس 2012

ليس ساديا وليس ماسوشيا

ماذا كان يريد منها ؟ الحب ؟ المتعة أم النشوة ؟ أم أنه كان يود أن يثبت لها أن لا امرأة تعجزه إن أرادها لنفسه ؟ هي تساؤلات ليس بالضرورة الإجابة عنها ، فهي لم تتمكن من مواجهته إلا في لقاء عابر ، وهذا هو حال الكثير من النساء ، يتأرجحن دوما بين (( نعم ولا )) ، وبين اللحظة واللحظة تتغير عقولهن وأفكارهن ألف مره ، فتارة يعشقن بجنون ، وبالجنون ذاته يكرهن أيضا ، وفجأة ودون سابق إنذار قد يصرخن ، أو يبكين ، وربما سيضحكن ، أو يتألمن ، بل يحقدن أحيانا ، ويعتقدن أن من أحبهن بالأمس ، لاذ بالفرار عند أول ابتلاء أصاب علاقتهما ، وسيتهمنه بأنه لم يحارب من أجلهن ، تماما كما حدث مع رجل انتظر امرأة سبع سنوات وهي لا تزال ترفضه ، وعندما حل به اليأس وقرر الزواج من غيرها ، جاءته لاهثة لتتهمه بالكذب عليها ، فلو أحبها كما كان يدعي لما تزوج في حياته قط .

هو رجل ليس من عادته الحديث بكلمات تتسلل من باب اللغة الخلفي ، فلا يتردد في الإجابة عند النفي قائلا (( لست أدري )) ، ولا يهاب طرق الأبواب الأمامية حين يريد شيئا ، أو يهز رأسه بخجل فتاة بكر حين يعرض عليها الزواج ، إنه سفاح الكلمات القاطعة ، وهذا كان يستدعي إيجاد امرأة تطابقه في ذلك ، وأن يكون لديها من الجسارة والشجاعة ما يكفي لمواجهته في ميدان الحب .

القضية لم تكن في يوم اختلافا بين طبيعة الرجل والمرأة ، وليس صحيحا ما كان يدعيه (( جون غراي )) ، فهو لم يقطن المريخ أو الزهرة أو عطارد ، بل الجميع عاش وسيموت على كوكب الأرض ، ولكن المعضلة تكمن في طبيعة المجتمعات التي تأخذ سمات رمادية وضبابية ، فتجدهم مذبذبين ، لا إلى هؤلاء ينتمون ولا إلى هؤلاء ، وإذا ما تم تبسيط هذه العبارات على لسان رجل أو امرأة ، فذلك يعني (( أريد الحصول على كل شيء دون التضحية بجانب على حساب جانب آخر )) ، ولكن هل من الممكن حقا أن يتمكن المرء من حمل خمس بطيخات بيد واحده ؟

هو اليوم ليس نادما على أية علاقة عاطفية فاشلة ، ولكن ثمة تساؤلات لا تزال تحيره ويتمنى أن يجد لها إجابات مقنعة ، أولها مبدأ الفوز والخسارة ، هل حقا يكون الفائز من بادر بهجر حبيبه سواء كان رجلا أم امرأة ؟ وماذا يعني ذلك ؟ وما هو هذا الفوز ؟ وما هي تلك النشوة بالانتصار ؟ هل هناك من ينكر تفكير العديد من الناس بتلك الطريقة ؟

وثانيها مبدأ المبادرة في الحب ، فحين يتقرب الرجل من المرأة ، تعيش حالة من الزهو والكبرياء ، وتظل تؤكد لنفسها كم هي مرغوبة من الرجال ، وحين تزول عنها حالة النشوة بعد مطالبة الرجل لها أن تتقدم بخطوات جادة في درب الحب ، تهرب منه وتتوسله أن يتركها وشأنها ، وحين يسألها عن سبب هذا الانقلاب المباغت ، تدعي أنها لم تفكر فيه يوما وأنه من ظل يرواغ ويتلاعب بعقلها كي يجرها لمصيدة الحب ، ولو أنه بدءا ظل دهرا بعيدا عنها ولم يبادر إليها ، لظلت تحلم بقربه ليل نهار .

وثالثها مبدأ العقول غير المتكافئة ، فالمرأة تخشى الرجل الذي يهزمها بفكره ، وتبحث عن رجل تتلذذ بإغوائه حين تنطبق عليه شروط نقصان عقله ورجاحة قلبه أمامها ، وهنا المعادلة في غاية البساطة ، امرأة سادية ورجل ماسوشي ، وليس العكس أبدا ، فهذا عصر النساء ، وفي شتى المجالات ، فلماذا لا يكون عصرهم أيضا في علاقاتهم مع الرجال ، هم الآن الحلقة الأقوى ، شاء من شاء ، وأبى من أبى .

وبعد إدراكه لتلك المبادئ ، قرر أن ينوء بنفسه ويتجرد من كل العلاقات التي تربط الرجال بالنساء ، فهو ليس ساديا ، ولم يكن بكل الأحوال ماسوشيا ، بل إنه كان دوما يرفض اقتران كلمة العذاب بالحب ، ولا يجد أي لذة أو متعة في تلاقيهما ، فالحب إذا لم يجلب السعادة والسكينة للروح والقلب ، لا يكون إلا هراء ووهما ، تضيع فيه الأيام التي يعيشها المرء دون جدوى ، ويغادر بوابة الحياة وهو لا يزال يتحسر على ضياع ذلك السراب ، ولهذا عقد العزم على مواصلة حياته دون الحنين للنساء .

الجمعة، 24 فبراير 2012

لا إكراه في الحب

ليس بالإصرار أو العزيمة أو كما يقولون في الأمثال والحكم (( من جد وجد ومن سار على الدرب وصل )) ، فثمة دروب لا يمكن للمرء أن يصل فيها لمرامه ومبتغاه مهما حاول إلى ذلك سبيلا .

المبادرات العشقية لا تزكيها طرائقها في دق أبواب القلوب ، بل هي لحظة لا يمكن تفسيرها ، تلتقي العيون وتتصافح الأيدي ، فيستيقظ القلب من غفوته أو يظل في مرقده يهيم في سبات عميق .

وتختلف مسببات الحب ، ولكن المتعارف عليه أن المنطق يخالفنا دوما في اختياراتنا ، ولهذا نجد معادلة عشقية في غاية التعقيد ، ونادرا ما يكون حلها يودي إلى نهاية سعيدة .

وفي الماضي كنت دوما أبحث وأتعمق في التحليل والتفسير ، فتارة أعتقدت أن المرء لا ينجذب إلا لنقيضه ، وأحيانا كنت محتارا بين جمال الروح و جمال الجسد وسألت نفسي كثيرا كيف تختلف المشاعر عند رسم صورة في الخيال ومطابقتها للواقع ، حتى أنني قلت في ذات يوم أن الغيرة تشعل نيران القلوب حين يخيل للمرء ظهور منافس جديد له في ميدان الحب .

وسألت نفسي عن الصداقة والحب وأيهما قد يكون دربا للوصول إلى الآخر ، وأطلت الحديث عن صراع العقل والقلب و تأكدت أن حسابات العقل تنتصر في هذا الزمان دوما ، ويئست من محاولة الانحياز للحبيب الذي يأتي بعد الحبيب الأول ، و جزمت أنها حرب غير متكافئة على قلب رجل أو امرأة .

وكسرت ميزان العواطف ولم أؤمن بتساوي كفتيه في أي علاقة محتملة ، وحاربت كل الأفكار التي تؤكد أهمية توافر خبرة الحب كمدخل في تفهم طبيعة الجنس الآخر ، وقلت أن المرأة تفضل الرجل الغليظ على الرجل المسالم وأن الرجل يفضل المرأة التي لا تجادله وتعارضه دائما ، فهو يريدها أن تضع السكر في كل أقواله وهي تؤمن بالمثل القائل (( القط بيحب خناقه )) .

كل ما كتبه قلمي منذ سنتين قد يكون قابلا للتأويل والنقاش ، ولكنني أستثني من ذلك كله إدراجا كان يتحدث عن كثرة الدق على باب قلب المرأة ، معتقدا أن ذلك سيكون مدعاة لكسر أقفاله في النهاية ، ولكن أعترف بخطئي ، فلا إكراه في الحب ، ولا مسوغ لبذل الجهد في إقناع الطرف الآخر بحبك ، فإما أن يرضى بك كما أنت ، وإما أن يرحل دون أن تستجديه للبقاء .

الجمعة، 17 فبراير 2012

حين بكى قلبي

ولا زالت الأيام تمضي تباعا ، وأنا أقف على الحدود الوهمية بين الحقيقة والخيال ، وكأنك كنت كالحلم الذي مضى سريعا ، وغدوت أتمنى بعد انقضائه أن يتكرر في صحو أو في منام ، فهل كان ذنبي أنني كنت واضحا أمامك كصفحات النهار ؟ أم أن هذا كان سببا في عتمة الدرب المؤدي لقلبك ؟ بل ربما هو خطئي أنني خالفت قواعد اللغة ولم استعن بها لإخفاء مشاعري المتأججة بحبك ؟ مبتدءا كل كلامي بأدوات التوكيد التي عجزت عن التقاط قلبك الذي كان مستترا دوما ما بين كل السطور العشقية التي خطت بها الأيام حروف حكايتنا المنتهية من قبل أن تبدأ .

لماذا كان حدسي يعبث بي ويرغمني أن أتلصص على صفحتك في ( الفيس بوك ) عند كل ليلة تمزق فيها قلبي وبكى على غيابك ؟ فأعلن نشوة هزيمتي وانكساري وأنا أشاهد صورتك وأنت تتكئين برأسك على رأس فارسك الجميل وقد داعبت أناملك صدغه الحليق ، و طوقك بذراعه في ثقة التحدي لشرذمة مثلي ، عاجز عن استردادك منه مجددا وهو الطبيب الذائع الصيت الذي يهزم كل الفرسان في أحلام النساء ، ما الذي يحدث يا ( غابرييل ) ؟ وكأنني أعيش قصة ( فلورنتينو ) وهو يخسر حبيبته ( فيرمينا ) أمام الطبيب ( أوربينيو ) .

دوما تنصف الحياة الأطباء والأثرياء ، فتنصاع تحت أقدامهم ويخطفون زخرفها من الآخرين ، ودوما تنهال الدنيا سخطا على الأدباء والشعراء وتكشر عن أنيابها لهم وتتداعى في وجه أمنياتهم لؤما ، فهل هذا ما جعل ( أحلام ) تبدأ رواية ( ذاكرة الجسد ) بقولها : ( من الجرح وحده يولد الأدب ) ؟

أنظر إلى الصورة من جديد ، كم جميلة هي ابتسامتك ، من يراها يغبطك على سعادتك ، ويواسيني على خسارتك ، ويتمنى لي الشفاء العاجل من حبك ، ولا يدري أنني مريض ميئوس من حالته في عشقك .

أعيد الكرة وأخرج من شاشة مسودة هذه التدوينة ، وأظل شارد الذهن أمام صورتك ، وأسأل نفسي عن السبب الذي دعاني في أحد الأيام لمحاولة الاقتراب منك ، وأنا من كان على يقين لايحتمل الظن قط ، استحالة قلبي في الحصول على تأشيرة عبور لقلبك ، ولكنه حاول أن يكون كالمسافرين غير الشرعيين حين يحلمون بالهروب من الموت في بلادهم بحثا عن فرصة جديدة للحياة ، فيتعثرون بجنود الحدود الذين لايرحمون ، ويجبرون على العودة من حيث أتوا ، وهذا ما حدث تماما لقلبي حين كان يخطو بخطوته الأولى إليك .

كيف أصف لك ألمي وحزني ووجعي ؟

أأقول أنني ما انكسرت أمام امرأة من قبل هذا ، وأنت من كسرني ، أم أدعي عدم اكتراثي ولامبالاتي الزائفة وأنا في كل دقيقة أحترق شوقا إليك ، أليس هناك من أمل في عودتك قبل أن يموت قلبي بحادث هجرك الذي ألفاه على ناصية العشق وحيدا وهو يهذي بحروف اسمك ؟

يا حبيبتي أقر أنني خسرت كل شيء كما قلتي لي تماما قبل رحيلك عني ، ولكن ربما أكون ربحت أياما معدودة قضيتها وأنا في قربك ، أخالها تكفيني كي أعيش على ذكراك ، لأكتب تتمة قصة ( ابن طوبال ) عن الرجال الذين يعشقون نساء ليتعلموا كيف يكون البكاء أمام أضرحة خيباتهم في هذه الحياة .

لم ولن أنساك ، مع أنه حري بي أن اعتاد على غيابك ، ولكنني فشلت في كل اختبارات التحمل التي تؤهل قلبي للنبض مجددا بتعداد لايحتويك يا حبيبتي ، فكيف أهرب من حبك وأنا أدرك أن في ذلك هلاكي ؟