الجمعة، 10 فبراير 2012

حسبك الوهم

لا تنتظر ، فهاتفك لن يتعافى من صمته المدقع ، ولن يستدرك نطاق تغطية الصفح من جديد ، بل إنك مهما حاولت أن تسدد من فواتير اعتذار مستحقة الأمد ، فليس هناك من أمل قد يعيد قلبك المفصول عنها ، بعد ذنبك الذي لم يكن خطيئة كبرى ، ولكنه كان كافيا ليرديك كافرا بمذهبها العشقي الذي لم تؤمن في يوم بسواه .

أتظن أنها تذكرك في سر أو في علن ، أم تعتقد أن اعتماد أوراقك في ذاكرتها ، لن تقوضه نيران السخط التي ذابت فيها شموع الأمل ، فحسبك الوهم إذن ، واصبر صبرا ليس جميلا ، فهجرها علقم ستتجرعه عند دلوك الشمس إلى غسق الليل و حتى مطلع الفجر ، و لاتحزن على ما فاتك ، فلا حسرة بعد أن أوصدت أبواب قلبها ، ولا دمعة من الممكن تزكيتها ، في يوم لن يجدي فيه الندم .

يا ليت الزمن قد توقف يوم لقائها ، فالحياة من قبلها لم تكن إلا شقاء ، ومن بعدها لن تبارح أيامك العناء ، وهذا سيكون حالك في الصبح والمساء ، وفوق كل أرض وتحت كل سماء ، فسعدى بما حظيت به من تلك السيدة اللاتينيه ، بعد أن أخلفت موعد رقصتك على ألحان ( زوربا ) في ذات صيف محتمل ، وألقت بك وراء فراغها وحيدا ، كي تسامره في ليالي هذا الشتاء .

ما أصعب أن تلامس السحاب بيديك من فرط سعادة وهبتك إياها أقدار لم تكن تتوقعها ، وما أيسر أن تلقي بك هواجس كنت تتوقعها بالذات ، في وديان سحيقة من الحزن والألم ، ألا تسير عجلة الحظ بدورة معاكسة في سيرة رجل اعتاد أن يتاجر في القبور حين كان الموت لا يزور البشر ؟

كلماتك منذ هذه اللحظات ستفقد بريقها ، بعد انقطاع وحي حضورها من صحف أيامك ، فيا أسفا على تدوينات عزفت على كتابتها ، ظنا منك أن بلاغة الحديث ستكون مدعاة لاستدراج محبتها ، وكأنك نسيت أو قد تكون تناسيت أن القلوب لا تميل إلا للمال والجاه والسلطان ، فأنكرت كينونتك أيها الكائن الحبري الذي تنتهي دورة حياته المفترضة دوما عند علامات التعجب وأدوات الاستفهام .

آن الأوان كي تعود رجلا نمطيا ، تسير في الطرقات مطأطأ رأسك ، لا تجرؤ على رفع هامتك إلى عباب السماء ، فالقناعة كنز لا يفنى ، وهذا ما ألفيت عليه آباءك وأجدادك ، حياة رتيبة بين البيت والعمل ، ووجبات طعام بمواعيد ثابتة لا تتغير ، ومطالعة الصحف الرسمية في كل صباح من باب تزجية الوقت ليس إلا ، والحرص الشديد على حضور كل المناسبات الإجتماعية من مآتم وأعراس ، والمفاخرة برسومات أشجار تتوسط جدران المجالس ، وقد كتب على أوراقها أسماء أبطال العائلة وتاريخهم السرمدي في الإنجاب والأكل والشرب والنوم .

ما الذي اختلف في طريقة انتقاء المرأة لرجلها قبل عصر العولمة وبعده ؟

في (( الفيس بوك )) ستتجمع النساء عند من تصور بجانب سيارة فارهة أو داخل قصر مهيب ، أو عند من أعلن في بياناته الشخصية أنه يشغل منصبا رفيعا في مؤسسة حكومية أو شركة تجارية ، و لاضير بما سيتم نشره على جدران صفحات هؤلاء الرجال من تفاهات ، فالإبهام سيكون دوما للأعلى من كل العابرات فوق صفحاتهم الالكترونية ، حتى لو قال أحدهم مثلا : (( اليوم هجرت امرأة أجبرتني على أكل المنسف بالملعقة )) .

ولأنك لم تؤت جوامع الكلم الذي يطابق شاكلتهم ، تعثرت عند أول منعطف في درب الحب ، واعتزلتك حبيبتك المفترضة ، من قبل أن تحفظ ملامحها في مخيلتك ، وهذا يستدعي منك أن تتقدم بجزيل الشكر والامتنان لمشاعرها التي لم تتعمد الزيف والمواربة ، فلقد تركتك في الحيز الملائم لك تماما ، أتراك أدركته الآن أم لا تزال تتنكر له ؟

إنه وهمك الأزلي الذي جعلك دوما تعتقد أنك رجل استثنائي ، ولكنك في الحقيقة لم ولن تكون كذلك ، فعش حياتك وأذعن لحقيقة سيرتك العادية ، وضع رأسك بين الرؤوس ، وامش بجوار الجدران ، ولا تتحسس مكان نافذة قد تكون مشرعة أمامك لحياة غير عادية ، بل ردد فقرات الروايات التي حلمت أن تكون في يوم أحد أبطالها ، وحسبك الوهم يا صديقي وكفى .

الجمعة، 3 فبراير 2012

رسام الكلمات

أمطار وثلوج ، هذا هو حال الطقس منذ أسبوع ونيف ، حتى أصبحت رؤية الشمس أمنية لا تتحقق حتى في الأحلام ، والبرد قارص ، ينخر العظم بلا هواده ، وذلك يستدعي البقاء بجانب المدفئة الغازية أو الكهربائية برفقة طبق من المكسرات ، وإعادة مشاهدة المسلسلات في فترات عرضها الصباحي والمسائي ، مع تعاظم الانجماد في الأطراف السفلية والعليا إذا راودتها حركة خاطئة خارج حيز المدفئة الضيق .

وموجات الزمهرير المتتابعة هذه ، من الصعب التكيف معها ، إذ لابد من استقبال عامل أنابيب الغاز ورتق جيبته بما يعادل عشرة دولارات في كل زيارة تتكرر مرتين في كل ثلاثة أيام ، وليس الحال أفضل حين نتحدث عن فواتير الكهرباء الشهرية، والتي تضاعفت بعد إقرار طرائق محدثة في احتساب كلفة استهلاكها وبما ينسجم مع مصلحة المواطن بالتأكيد ، ومن الذي سيجرؤ على الخروج في جوف الليل لشراء دواء أو مستلزمات منزلية مستعجلة ، غير الذي ستكون (( أمه داعيه عليه )) ، أو من ذا الذي سيفكر في اللحاق برفاق المقهى لتصفية ثأر خسارة حدثت في لعبة الورق قبل حلول هذه المنخفضات الجوية التي تأبى الارتفاع ، إذ أن الحصافة هنا تستدعي ضبط النفس والأعصاب ، والتزام المنزل في عزلة إجبارية لا تنقطع أسبابها إلا (( للشديد القوي )) .

و عندما يأتي الصباح يكون الخروج من المنزل إجباريا للذهاب إلى العمل ، ولأن موعد الدوام موحد في معظم الداوئر والمؤسسات الحكومية والخاصة ، مع استثناء المدارس التي غابت عن هذا الموعد الصباحي لظروف تتعلق بعطلة منتصف السنة الدراسية ، فإن جميع الطرق ممتلئة عن بكرة أبيها ، وليس هناك من فرص للشوارع الاسفلتية كي تلتقط أنفاسها ، وحوادث السير حدث و لاحرج ، ودفاتر رجال المرور نفدت أوراقها من تحرير المخالفات المرورية التي لم تقصد التربص بالسائقين ، وكل مركبة وحذاقتها في اللجوء إلى خارطة الشوارع الفرعية ، والتي لا تكون بالضرورة الحل المثالي الذي قد يضمن التخلص من مواعيد (( عرقوب )) والوصول إلى المواعيد على الطريقة الإنجليزية .

ومن غير المألوف أبدا ، أن يضرب المرء في مثل هذه الأجواء موعدا مع حبيبته المفترضة ، ولكن (( للضرورة أحكام )) ، إذ أن هذا اللقاء قد تم التخطيط والاستعداد له منذ الصيف المنصرم ، وحين أزفت اللحظة الموعودة ، وخرجت من عملي مسرعا للحاق بحبيبتي قبل أن تسأم من الانتظار ، وقعت أسير جنون الطرقات ، ومع ذلك لم أبالي ، بل استعنت بخبرتي الممتدة لثلاثة عقود في مخطوطات شوارع هذه المدينة ، ووصلت إلى مكان لقائنا مبكرا ، لأخالف بذلك كل الأعراف السائدة في مواقيت مواعيدي المتأخرة على الدوام .

وحين أقبلت حبيبتي من خلف الرؤوس المتصاعدة على السلم الكهربائي في إحدى المولات التجارية ، بشعرها الأسود المنسدل على ظهرها كالحرير ، وملامحها اللاتينية التي ذكرتني بأساطير الأغريق ، وقامتها الممشوقة بخطوات تسير بخيلاء ، ارتبكت كـ (( أحدب نوتردام )) حين شاهد (( الاسميرالدا )) ، فلقد كان جمالها يفوق كل الصور التي رسمتها في خيالي .

ولكن العلاقة بيني وبين الفرح سيئة للغاية ، فبعد أن تلاقت عيوننا ، شعرت أن عدوى الطقس البارد قد أصاب حماستها نحوي ، وتحققت هواجسي حين أخبرتني أنها مضطرة للذهاب بسبب ظرف طارىء ، دون أن تبدي تماما ما قد جثم على صدرها من نفور لم أتمكن من تعليل مسبباته على وجه الدقة .

ثم صعدت السلم الكهربائي مجددا ووقفت خلفها دون أن أجرؤ على الكلام ، بل اكتفيت بسد رمق الاشتياق بالنظر ليس إلا ، وذهب كل منا في حال سبيله ، لا ندري ماذا سيكون من أمرنا في الغد القريب .

وجاء اليوم التالي ، وتبادلنا الرسائل الالكترونية كالمعتاد ، ولكن ردودها كانت مقتضبة وجافة ، فحاولت اجتثاث مخاوفي والحديث بعبارات مباشرة عن انطباعها حول اللقاء ، فظلت كلماتها مبهمة وتحتمل التأويل في عدة اتجاهات ، وهذا جعلني أمسك بزمام المبادرة كي أصف لها سعادتي برؤيتها ، مستعينا بالكلمات التي لا أبرع إلا برسمها ، فقلت لها أن عيوني كانت تتمنى أن تلتهم كل ركن منها وهي أمامي على السلم الكهربائي ، ولكن هذه الجملة كانت كـ (( القشة التي قصمت ظهر البعير )) ، لتعاتبني بلهجة لاذعة بعدها وتتهمني بأنني لا أجيد الحديث مع سيدة مخملية .

وأنا الذي قضيت عمري بين دواوين الشعر وروايات الحب والغزل ، كي أتعلم الرسم بالكلمات في لحظة ألتقي بها مع محبوبتي ، فهل كنت تلميذا سيئا إلى هذا الحد ؟

الجمعة، 27 يناير 2012

لك أنت


كم هو غريب ما يحدث معي في هذه الأيام ، فكلما عزمت على الكتابة ، أجد أناملي ترتجف وكأنها في لقائها الأول مع القلم ، فهل الخوف يسكنني ؟ أم هي فرحة أخشى على قلبي من خسارتها كما اعتاد في منتصف الطريق ؟ لنعود أنا وإياه من حيث مشينا بالأمس ، لا نملك سوى الخيبة والحسرة ، على ضياع أحلام أودعت دوما في القلب الخاطىء .

قصتي مع النساء معقدة جدا وليس من سبيل أمامي للكتابة عن خلاصتها ، ولكن لست أدري لماذا وأنا أسير اليوم تحت رذاذ الأمطار وحيدا إلا من مظلتي السوداء الحزينة ، وجدت الذكريات و قد تلاعبت برأسي كحجارة النرد حين تهوي على رقعة طاولة اللعب ، والعيون تراقبها وهي تتدحرج في غياهب الأرقام ، وحينها يظل الفكر شاردا بما ستؤول إليه احتمالات وجوه مكعباتها حين تستقر وتتوقف عن الدوران ، فإما سيكون الفوز وصيحة الانتصار وإما الوجوم والشتيمة للحظ العاثر المؤدي للانهزام .

أنا شخص تعب من التفكير والتحليل والتفسير لكل علاقة عاطفية فاشلة كنت قد خضتها في ميادين الحب ، وربما هذا ما جعلني شخصا غريب الأطوار ، تتداخل فيه كل المتناقضات التي عرفتها البشرية ، ففقدت التوازن والانسجام مع محيط الناس من حولي ، ولم أعد مكترثا لمواضيعهم واهتماماتهم وأفكارهم ومعتقداتهم وفلسفتهم في هذه الحياة ، وليس هذا انتقاصا من قدرهم بل على العكس ، فهو اعتراف بأنني فشلت في إيجاد من يحتويني بعالم لا أتمنى في يوم مغادرته قط .

كانت وجوه النساء تتكشف لي تماما كما هي حال حجارة النرد بعد سكونها ، وخسارة تلو خسارة تتعاقب على قلبي، كما يحدث لفريق العاصمة الإسبانية لكرة القدم كلما كان في مواجهة مباشرة مع فريق الكتلونيين في هذه الأيام ، فتلك امرأة هجرتني للزواج من رجل يعمل في بلد نفطية ، وأخرى دعتني للزواج وأنا لا أزال على مقاعد الدراسة ورفضت أية مبررات للانتظار حتى يتغير لقبي من معال إلى عائل ، وهناك من ادعت أن وجودي في حياتها يشبه السوار الضيق حين يلتف بقسوة حول المعصم وأنها تريد خلعه مهما كان الثمن .

و توالت الحكايات مع نساء في حالة فراغ عاطفي ، لم يتعد وجودي في حياتهن سوى تزجية أوقات انتظارهن لفرسان أحلامهن الواقعية ، وحتى عندما ألمت بي عقدة (( أوديب )) وبحثت عن الحب مع نساء من أجيال قد سبقتني بعقود ، وجدت قلبي ملزما بعطاء ليس له من حدود ، وكأنني والدهن الذي أعادهن لسنوات مراهقتهن البائدة ، مما استدعى قراءتي لكتب (( فرويد )) مجددا كي أتعمق في معرفة تتمة نظريته عن عقدة (( الكترا )) .

وشاءت الأقدار أن ألتقي بنساء قد تلبدت في سماء حياتهن غيوم حزن عابر ، فانحصر دوري حينها في مواساتهن والوقوف إلى جانبهن في لحظاتهن النفسية العصيبة التي أمطرت أيامهن بالدموع ، وحينما تبددت الغيوم وأشرقت شمس السعادة وتحققت أمنياتهن ، رحلن بعيدا عني كي لا أكون فتيل اللهب الذي قد يشعل ذكريات تلك الأيام السوداء .

الآن و للمرة الأولى في حياتي أجد أنني قد كشفت كل أوراقي أمام امرأة ونحن لا نزال نسير في بداية الطريق ، ربما لأنني أتمنى أن تكوني أنت القصة الحقيقية الوحيدة في حياتي ، ولهذا أكتب اليوم لك أنت ، وأمد يدي لك أنت ، وأبتسم لك أنت ، وينبض قلبي لك أنت ، فهل تقبلين أن تمضي معي كي نكتب سطور خاتمة هذه الحكاية ؟ فالحب ليس للحبيب الأول بل هو للحبيب الأخير .

الجمعة، 20 يناير 2012

متى ترجح كفتي في ميزان إعجابك ؟

كنت دوما أراهن على الفرس الخاسر ، وأبني قصورا من الرمال لا يلزمها أكثر من موج هادر ، لتزول وتتلاشى أحلام طارئة قد أشرعت نوافذها لفرح عابر ، فلم يسبق أن بددت غيوم قلب حائر ، وأفلحت في استدراجه لأرض قلبي بعد بلوغي العاطفي أو حين كنت قاصر ، وهذا كان يستدعي اللجوء لمسببات حظي العاثر ، والوقوف عند تحليلها مطولا ، لعلي أستكشف حرز المفاتيح لأبواب النساء الموصدة أمامي ، وانفراج مزلاجها دون عناء لرجال تقف بمحاذاتي ، وكم حاولت أدراك السبيل الذي يقودني لدهاليز الإعجاب الخفية ، ولكن الأقدار أصرت على بقائي في صومعة التمني ومهدت لغيري كل دروب النساء التي كانت تلتف من حولي .

في البدء كان صديقي الأشقر يخطف من أمامي قلب كل انثى لا يستهويها الشاب الأسمر ، فقررت أن أتنكر في ملامحه و أستبدل لون شعري الأسود وأضع مساحيقا على وجهي كي تبدد عتمته ، ولقد استدعى المظهر الجديد أن أسدل خصلات شعري من خلال جلسات حمام الزيت ومواد التمليس في العصر الذي سبق ثورة (( الواكس )) ، وكان لا بد أيضا من وضع نظارات شمسية تكون عدساتها زيتية ومحفور عليها بالطبع ماركة شهيرة تدعى (( ريبان )) ، وارتداء حذاء رعاة البقر ذو المقدمة الرفيعة كالأبرة والذي ذاع صيته بمسمى حذاء (( تكساس )) ، ومع كل تلك التغييرات الجوهرية ، إلا أنني كنت دوما أرتطم بجدران قلوب حواء والتي كانت تبدو أمامي أقسى من الفولاذ أو الحديد المسلح .

وفي المرحلة الجامعية وجدت الإناث يلتفون حول الشاب ذو النظارات المقعرة والذي كان لا يغادر المكتبة في أوقات فراغه و لا تخلو يديه من مجموعة الكتب والمراجع التي ترافقه أينما حل ووطئت أقدامه ، فحلقت شعري وارتديت قميصا وأغلقت ياقته ، وأقسمت على طبيب العيون أن يؤكد ضعف نظري وحاجتي لنظارة بعظم أسود ، كتلك التي يرتديها كبار السن منذ منتصف القرن الماضي ، وذهبت إلى المكتبة وتعاركت مع أمينها بعد إصراري على استعارة كتب تفوق الحد المسموح به للاستعارة ، ومشيت بين ممرات الكليات بخطوات خجولة وعيوني لا تبصر إلا الأرض ، ودخلت محاضرات وخرجت من امتحانات ولم تطرق أي فتاة بابي ولو حتى على سبيل الخطأ أو الصدفة .

وحين دخلت سوق العمل من بوابته الضيقة ، وانقضت فترة البطالة التي امتدت لحسن حظي لسبعة شهور فقط ، كنت قد قضيتها في عزلة بالمنزل في أرشفة الصحف وأنا انقبها يوميا للبحث عن وظيفة تتلاءم مع الشهادة التي عانيت أربعة سنوات للحصول عليها ، فوجدت نفسي في مؤسسة مالية ضخمة ، وكيفما وليت وجهي فثمة نساء عن يميني وعن شمالي ، من أمامي ، ومن ورائي ، وفي كل بقعة يمتد إليها بصري بنظرة بريئة أو عن سبق إصرار وترصد ، ولكن الحكاية ما انفكت تكرارا لفصولها التي سئمت قراءتها ، فأنا كنت انطوائيا وافتقد لمهارات الاتصال الاجتماعية ، والتي كان يبرع بها زملائي الرجال ، من أحاديث المطبخ وتربية الأولاد مع المتزوجة ، وأحاديث الموضة والأزياء وقراءة الأبراج وحظوظها مع العزباء ، والتملق للمديرات العوانس ، والاستشارات المجانية للمخطوبة عن محلات بيع الاثاث والأجهزة الكهربائية ومحلات المجوهرات وصالات الأفراح ومايلزم من تجهيزات ليوم الزفاف ، مما جعلني أبدو كالأبله امامهن عند سؤالي عن كل ما اعتقدت أنه لا يلزمني معرفته لكي اتجاذب معهن أول أطراف الحديث المؤدي للإعجاب .

وعندما جاء اليوم الموعود ، ووصلت بعد معاناة لحدود الباءة الدنيا والتي قد تؤهلني للزواج ، طرقت كل الأبواب ، وتم طردي في كل محاولة من النوافذ لضرورات السرعة في التخلص من زيارتي المشؤومة لبيوت عروساتي المحتملات ، فأنا لم أكن أملك بيتا وراتبي لا يتكون من أربع خانات ، وهاتفي ليس فيه شعار التفاحة ، ووالدي تاجر مفلس ، وبورصة الذهب أقسمت أن لا تهبط مؤشراتها عن أرقام فلكية ، وليس بمقدوري إقامة حفل زفاف في فندق مدموغ بنجوم خمسة ، وسيارتي لم تولد في الألفية الثانية ، فكيف إذن يا حواء من الممكن أن ترجح كفتي في ميزان إعجابك ؟

الجمعة، 13 يناير 2012

أنا وحبيبتي والمطر

كم من شتاء كان قد مضى وأنا أنتظر هذا اللقاء ، وكم مشيت تحت رذاذ الأمطار وحيدا بين أزقة الطرقات ، لعلي ألمح طيفك بتواطىء بين القدر والصدفة ، وأنت تقفين خلف النافذة تتأملين حبات المطر ، وهي تداعب كفيك دون أن تصافحهما تماما ، أتراك كنت تتوقعين حضوري ؟ أم هي لهفة الأمل بلقاء يحدثك به القلب دوما كلما أمطرت السماء ؟

أتذكرين لقاءنا الأول ؟

كان أيضا في الشتاء ، عندما كنت أجلس خلفك في الحافلة ، وأثير المذياع يهمس بالأغنية التي رافقت قصتنا على الدوام ، ولقد كنا نكتفي حينها بالإنصات والشرود ، فلا تتجرأ قلوبنا على الكلام ، وعندما كان ضجر الانتظار من المجهول يسكننا ، نزيح ستائر النوافذ ، فيفتضح صوت القيصر أمرنا : (( أخاف أن تمطر الدنيا ولست معي )) .

وتجدد لقاؤنا في مقهى لم نذهب إليه من قبل ، وكنت أراقب الحزن في عينيك وأنت تحركين الملعقة في قدح الشاي ، وكم تمنيت حينها لو أشحت برأسك ، كي تلمحين عيونا قد ذابت في قدحك قبل قطع السكر ، ولكنك تابعت الكتابة في كراستك عن عشق لم يأتي بعد ، وهربت من أمامي مجددا (( كاليمامة بين العين والبصر )) .

والتقينا بالسوق في يوم كذبت فيه شمس الشتاء كعادتها ، فأسرعت خطواتك في المسير ، وأنا من خلفك لا أدرك كم يلزمني من خطوات كي تجدينني من أمامك ، فركبت سيارتك واندفعت عجلاتها فوق الاسفلت المبتل ، والذي ظل يرافقني في ثنايا فراغك مع الأمطار وهي (( تجلدني على ذراعي ... على وجهي ... على ظهري ... فمن يدافع عني ؟ )) .

وشاءت الظروف بعد عواصف من اليأس أن أذهب إلى موقع عملك ، وأضغط على زر الانتظار في لعبة أرقام عشوائية ، ولكن صوت النداء الآلي ألقى برقم تذكرتي بعيدا إلى مكتب امرأة أخرى ، كانت نافذتها مفتوحة لريح تعوي ، وأنا لا أجدك كي تهمسين في أذني (( تمسك ... ها هنا شعري )) .

وفي ذات شتاء لجأت إلى مظلة بائع الكتب ، وبحثت بين رفوف منشوراته عن نبوءات العرافين الذين كذبوا في وعودهم عن حب قد يأتي في بداية الألفية العشقية ، وعندما هممت بتصفح ما توقعه المنجمون للقائنا الذي لايحدث إلا في المطر ، وجدتك تقفين إلى جانبي ، تتصفحين فهرس قصائد نزار ، وقد لامست سبابتك (( قارئة الفنجان )) ، فنظرت إلى السماء وكان قد اشتد فيها الهطول ، ثم التفت مضطربا كي أبحث عنك ، فلم أجدك في أي مكان ، فأخذت نسخة أخرى من ديوان نزار ورحت أردد بخيبة وانهزام (( فمنذ رحت وعندي عقدة المطر )) .

واليوم أجلس أمام نافذة وحدتي ، والأمطار لا يتوقف هطولها كلما اشتاقت الأوراق للكتابة عنك ، وأنت لا تزالين في غفلة عن عشقي ، تنامين على وسادة من حرير أنوثتك ، فهل سنلتقي مجددا في الشتاء ؟ أم يتوجب أن (( أمحوك من أوراق ذاكرتي )) مع أنك (( في القلب مثل النقش في الحجر )) .

الجمعة، 6 يناير 2012

هذيان الثالثة والثلاثين

دعوني وأنا أتهيأ خلال ثمان وأربعين ساعة من الآن ، وقبل أن أطفىء الشمعة الثالثة والثلاثين من عمر بدأ حلوا كمكعبات السكر حين تفيض في فنجان قهوتي ، و غدا شديد المرارة كزجاجة دواء يتجرعها المريض مرغما ، كلما مضت به الأيام بتتابعها الرتيب من الألم ، لأستذكر زيارتي قبل عدة أيام للحلاق برفقة رجل تجاوز العقد الثمانين من عمره ، وقدماه تخذلانه بالوقوف ، فيتأبط ذراعي خافضا رأسه ، وعيونه قد اغرورقت بدموع غير مرئية لسواه ، فولده لم يشاهده يبكي إلا مرة واحدة فقط ، عند موت والدته وجدة طفله حينها .

إنه (( محيي الدين )) ، و الذي سأتجرد معه من كل الألقاب بين هذه السطور ، ولكن ذلك لن يغير من مسلمات الحياة التي تنسبني إليه كلما تم ذكر لقبي في ظروف رسمية أو شخصية ، هو ذلك الشخص الذي جاب بقاع الأرض كلها ، وعاصر كل التواريخ والأحداث التي مضت بعالمنا منذ نهايات العقد الثالث من القرن الماضي ، خرج حافي القدمين في عام (( 1948 )) من مدينته (( اللد )) بعد مذبحة راح ضحيتها كل من رفضت خطواته إخلاء الأرض من تحتها ، ليتسنى إقامة دولة من يعتقدون أنهم لا يزالون (( شعب الله المختار )) .

وعندما وصل شرق النهر ، قرر أن يحافظ على عهده ويعيش الحياة بمعايير شبه مؤقتة ، حتى يحين موعد عودته إلى غرب النهر من جديد ، فاستدعى ذلك منه أن يتزوج ثلاثة نساء ، وينجب منهن ثمانية أبناء على مدار ثلاثة عقود قد خلت عند نهاية سبعينيات القرن الماضي بميلادي في ليلة عاصفة بالثلوج ، كي أنال بذلك لقب آخر العنقود ، والذي لم تكن حياته كلما كبر سكرا معقود .

كان (( محيي الدين )) يسافر في الربيع لأوروبا وفي الخريف لشرق آسيا بحجج ظاهرها التجارة ، وباطنها محاولة يائسة لمعانقة أكبر قدر ممكن من المدن ، والتي قد تعينه على نسيان مدينته التي لم يعد باستطاعته معانقتها ، وواصل السفر من مكان إلى آخر مستعينا بكل وسائط النقل التي عرفها البشر ، فتارة يقود مركبته من (( عمان )) إلى (( بازل )) ، وتارة يمخر عباب البحور المختلف على ألوانها بالخرائط والمتفق على لونها الأزرق عند رؤيتها ، وتارة يطير في الجو إلى أقاصي القارة الصفراء ، ويتنقل بين مدنها تحت اشراف (( سور الصين العظيم )) في قطارات بالكاد تستطيع العين رؤيتها عند كل محطة عبور ، وكان عندما يعود إلى (( عمان )) يرفض تناول غدائه في كل يوم جمعة إذا لم يكن في (( القدس )) ولقد كانت جملته الشهيرة بعد كل وجبة هناك (( أكلة والوداع ... أكلة والوداع )) حتى تحققت نبوءته في عام (( 1967 )) وودع (( القدس )) للأبد ، فاستبدل مكان وجبة الغداء الأسبوعية لتصبح في (( بيروت )) وكان أيضا عند نهاية كل وجبة يقول جملة شهيرة أيضا (( كلو يا ولاد ... يا مين يعيش للجمعة الجاي ونتغدا في بيروت )) ولكنه عاش بعدها جمعا لا أتمكن من احتسابها على وجه الدقة ، ولكن (( بيروت )) أقفلت مطاعمها حزينة بعد اندلاع الحرب في عام (( 1982 )) .

وفي عام (( 1979 )) وتحديدا بعد ولادتي بشهور ، زار (( جده )) وعاد منها بسيارة ترتبط بعدها بأجمل ذكرياتي ، رحلة في عام (( 1984 )) إلى (( سويسرا )) ، لا أذكر منها إلا بعض خيالات ، كأس الكولا الذي قضمته بأسناني في (( أنقره )) ، سترة الكلب (( سنوبي )) التي اشتريتها وأنا على قمة برج ايفيل في (( باريس )) ، إطعامي للحمام في إحدى الساحات الأثرية في (( ميلانو )) ، جولتي على متن القارب في (( البندقية )) ، وتلك الغابة الخضراء العظيمة عند مداخل (( يوغسلافيا )) ، ووقوفي خلف النافذة أشاهد الناس في الشوارع وهم يرفعون مظلاتهم في يوم ماطر بالعاصمة (( بلغراد )) ، وأخيرا هجومي على الكلاب التي كانت ترتدي ملابس أنيقة في مطاعم سويسرا وتقريع أصحابهن المسنات لي ، وحفلة العرس التي شاركنا بها أنا ووالدتي في فندق بين جبال الألب دون دعوة مسبقة ، ورقصتنا العربية التي فرح بها العرسان حينها رغم دهشة الاستغراب .

وفي عام (( 1988 )) اختصرنا رحلتنا عند البوابة التي تفصل آسيا عن اوروبا ، وهي رحلة أذكرها بشكل أفضل ، فأذكر أننا خرجنا في اليوم الأول من (( عمان )) وتوقفنا لنتناول فطورنا في (( درعا )) ، وتابعنا المسير من (( دمشق )) ولكن مع وقوف إجباري لتجاوز والدي لشاخصة حمراء ، ومن ثم جلوسنا في أحد مطاعم (( حمص )) على ضفاف نهر العاصي ، ومبيتنا في (( حلب الشهباء )) بعد تخمة أصابتنا من تناول أصناف لا محدودة من (( الكبة )) ، ووصولنا في اليوم التالي لفندق (( كاميليا )) في أعالي جبال لواء اسكندرون ، وعبورنا لجبال طوروس ، قاصدين (( أنقره )) ، ولكي نعبر بعدها الجسر المعلق فوق بحر المدينة التي أشتاقها بجنون (( اسطنبول )) عروس البسفور ، وانطلاقنا منها إلى عدد لا محدود من الجزر التركية الخلابة في البحر الأسود وبحر (( ايجيه )) .

السيارة باعها والدي لسداد ديونه ، واكتفى بالسفر حاليا من خلال القنوات الفضائية ، مع تحيز واضح للفضائية الفلسطينية ، ولقد ماتت جميع نسائه باستثناء امرأة صابرة منذ نصف قرن على أداء واجباته الزوجية ، ولحسن حظي أنها والدتي ، وبالطبع فلقد كرهت أنا مشاهدة التلفاز كي لا أنزع من ذاكرتي مشهد المدن السورية التي أحبها بعدما تحولت في هذه الأيام إلى ساحة حروب ، ولكي أتلافى مشاهدة (( اسطنبول )) فيشتعل بداخلي حنين جارف إليها ، أو إلى مدن القارة العجوز والتي أدرك تماما أنني لن أتمكن من زيارتها في هذه الأيام إلا وأنا على وسادة الأحلام ، فهل يا والدي نتمكن حقا بعد تذكر تلك الأيام الجميلة من القول بأن الأعوام تمضي بنا ونحن بخير ؟ أم يتوجب علينا أن نعيد صياغة معايدتنا لبعضنا كي نقول : (( كل عام سنكون بخير ما لم تغب شمس الصحة من سماء أيامنا )) .

الجمعة، 30 ديسمبر 2011

خيالات عاشق في ليلة رأس السنة

في تلك الساحات التي تعج بالبشر وهم يهتفون بالعد التنازلي لعام يلفظ الثواني الأخيرة من أيامه ، ثمة عاشق يقف في منأى عن الجموع في زاوية مظلمة لا تطالها أنوار الاحتفال ، والتي تنطفئ سريعا كلما أفصح العام الجديد عما في جعبته من أحداث وأخبار لا تليق ببشائر التفاؤل المرتقبة في بداياته .

هو ليس معنيا بالسياسة ، ولا يكترث بترقب أزهار الربيع إن أينعت إثر تغيير التربة التي تحتويها ، ولا أعتقد أن الإقتصاد بكساده أو رخائه ، وجنون الأسواق المالية وتقلبات أسعار العملات ، وانهيار تحالفات الدول العظمى أو اتفاقها ، وارتفاع مؤشرات الأمن المجتمعي أو انخفاضها ، قد تحتل حيزا من خياله في تلك اللحظات .

إن قلبه كان يشبه حياة الغجر ، فلا يستقر على محبة امرأة قط ، ولكنه في هذه الليلة عزم أمره على البقاء في أحضان امرأة تدرك تماما أن رياح الحب إذا هبت فلا بد من اغتنامها ، فالتاريخ يؤكد مع كل تعداد زمني لسنواته ، أن الذي يمضي لا يعود ويلتفت للخلف .

ولكن من تكون يا ترى هذه المرأة ؟

أهي امرأة تقطن بلاد العرب أم العجم ؟ شقراء أم سمراء ؟ عيناها كزبد البحر أم كغابات النخيل ؟ أم كالعسل الذي يقطر فوق أغصان البلوط والسنديان ؟

تراها أي حرف اختارت من الأبجدية ليهمس في أذنيها كل حروف النداء ؟ وهل حقا تتقن أناملها مداعبة وجنتيه الشاحبتين ؟ ومعانقة كفيه المرتجفتين ؟

أين كان لقاؤهما المفترض ؟ على ذاك المقعد المقابل لمنزل جدتها عند حديقة الجاحظ في دمشق ؟ أم خلف صخرة الروشة في بيروت ؟ أو قد يكون غفل أنها تنتظره في كوبري قصر النيل ؟ ولربما ابتعدت قليلا ومشت على جسور قسنطينه وسألته أن يكون بطلا لرواية لم تكتبها (( أحلام المستغانمي )) بعد ؟

كل الاحتمالات كانت ممكنه ، وهذا كان يستدعي منه أن يجتهد في حصص التاريخ والجغرافيا ، ويتقن لغات ولهجات عديدة ، ويحفظ كل قصص الحب ودواوين الشعر قبل عصر الحب العذري وبعده ، ولكن ثمة أشياء تظل ناقصة مهما سعى المرء لإكمالها ، كخطوط الحبر التي تنضب قبل رسمها على الورق .

قد يكون في هذه الليلة ينتظرها ، ولربما في الغد سيمضي مع العام الجديد ويستجدي حلول عام آخر ، كحاله منذ ثلاثة عقود قد خلت ، لا شيء مما يتمناه يحدث قط ، لعله في هذا العام يدرك أن نصيبه من هذه الدنيا لا يتعدى الأمنيات .

ولذلك أيها العاشق كفاك خيالا وتمني ، ففي الحب إما أن تكون أو لا تكون ، ومن العدم لا يخلق العشق ، و لا توجد منطقة رمادية أو بعد ثالث يخط على كراسات القلوب عاطفة يتم وأدها حين ولادتها .

عند حلول كل عام جديد ، نتفاؤل ونتمنى ونحلم ، ولكننا لا نجرؤ على محاولة الإقدام لتحقيق ما نصبو إليه ، ونلقي باللوم دوما على الظروف والأقدار التي تعاكس إرادتنا ، فمتى نتحرر من هواجس تلك القيود ، ولا نتردد ولو لمرة واحدة في حياتنا من المسير في دروب دون التفكير بنهايتها ؟

الجمعة، 23 ديسمبر 2011

أميرة من بلاد القوقاز


كي أكتب عنك ، فذلك يستدعي أن استحضر طقوسا استثنائية ، فلقد كانت الليلة الأولى من نوفمبر ، ذاك التاريخ المرتبط على وجه الدقة بذكريات (( أحلام المستغانمي )) كاتبتك المفضلة ، والمرتبط بذكرى تدوينتك التي لن أنساها ما حييت قط ، فلقد كانت أول تدوينة بحق قلمي الذي لطالما عاش في الظل وحيدا ، لا يجد نور حروف تشرق على كراسات أوراقه بكلمة مديح أو ثناء .

ولذلك دعيني أخاطبك اليوم على طريقة (( ابن طوبال )) ، فأشعل الذاكرة بخيباتي الكتابية من قبلك ، والتي بدأت تحديدا وأنا في الخامسة عشر من عمري ، حين وبخني أستاذ اللغة العربية أمام الطلاب على سرقتي لموضوع تعبير من مقالة في مجلة لا يعلم مصدرها ، ولم يسبق له قراءتها ، فأقسمت له ببراءة قلمي من اتهامه ، ولكنه أصر على منحي درجة متدنية ، وأذعنت يائسا لعقوبة أول جريمة كتابية اقترفتها ، بعدما كنت أظن أنني أرسم لوحتي الأدبية الأولى .

وبعد عام واحد فقط ، لجأت إلى الأوراق البيضاء تارة أخرى ، لعلها تقنع حبيبتي الأولى بالعدول عن قرارها في الهجران ، فكتبت أول رسالة حب ، وترجمت بحرص شديد ، لغة القلب والروح بعد رحيلها ، ودموعا ما جفت في مآقيها ، وأياما ترفض حياة لا تحتويها ، وعهدا لن تنحل عقدته مهما طال غيابها ، فكان ردها على رسالتي مؤثرا حقا ، إذ ضج بيتها بزغاريد خطبتها على رجل يعمل في بلد نفطية ، وحينها لعنت قلمي الذي كلما لامس الورق ، أثخن حياتي بالحزن واليأس والخيبة .

وبعد ثلاثة أعوام ، انقطعت الأخبار بيني وبين صديق هاجر البلاد ، وكنت مشتاقا له أشد الاشتياق ، وما كنا نعلم حينها مكان القرية التي سيلتقي فيها العالم وهم جالسون في بيوتهم ، فكان لامناص من الكتابة مجددا على الورق ، ورجوت القلم أن يساعدني في استفزاز مشاعر الحنين لدى صديقي حال تسلمه لبرقيتي المسجلة بعنوان بارز يدعى الإشتياق ، ولكن جمال القارة العجوز كان كفيلا بإلقاء رسالتي في أقرب سلة مهملات ، ليتجدد موعد الخيبات الذي بات مرتبطا بالكتابة .

ومضى عقد من الزمان ، والخيبات تطاردني في كل ميدان ، ولكن عشقي المجنون للكتابة ظل ملتهبا لا تخمده ثلوج اليأس والحرمان ، فأعدت ترتيب الأفكار والتساؤلات التي شغلت حياتي لثلاثة عقود من الزمان ، وبدأت أكتب تدوينة تلو الأخرى ، حتى أتيت في الأول من نوفمبر ، مخالفة كل قوانين الإحباط التي لازمتني في مشواري الكتابي ، لتكتبي بقلمك الرائع توصية تزكين فيها قلمي ، ومن فرط سعادتي وأنا أقرأ حروفك في ذلك اليوم ، لم ألتفت إلى أستاذ اللغة العربية الذي لا يفتأ ذكرا لقصتي في كل مجلس مع زملائه المتقاعدين وهم يلعبون النرد في المقهى ، وإلى حبيبتي الأولى وهي تتحسر في حديثها مع جاراتها عن أمنياتها بكلام عذب تسمعه من زوجها ويكون شبيها لرسالة قرأتها في أيام مراهقتها ، و صديقي الذي أضافني على قائمته في الفيس بوك وهو يفرط في ارسال حنينه لأيامنا الماضية ، فذلك كله لا يضاهي فخري واعتزازي بشهادتك التي جعلت موعدا استثنائيا للفرح يتزامن مع لحظة كتابية لقلم أجهدته الخيبات .

هذه التدوينة مهداة إلى الأميرة القوقازية (( هدايه )) صاحبة مدونة (( orangee ))

الجمعة، 16 ديسمبر 2011

على خطى " فلورينتينو "


منذ خمسة عقود و أنا أستجدي لقاءنا الموعود ، وقفت أمام كل الأبواب الموصدة ، وما أذعنت لليأس من انفراج أقفالها ، ومشيت في درب قد طال فيه المسير ، عازما على الوصول إليك ، غير مكترث بمحطات العمر التي جاوزتها خطوات أيامي المتلهفة للقائك ، فشحذت الأمل بقلبي ، وحملت على أكتاف روحي الصبر ، لأجدد لك مع فجر كل يوم جديد ، قسمي الأبدي بحبك .

مضى العقد الأول وأنا أبحث عنك ، أنام وأصحو ولا أهذي بكلمات لا تبدأ بحروف اسمك ، ألتهم دواوين الشعر ، وأعيش تفاصيل كل روايات الحب ، وأسهر على آهات العندليب و مواويل القيصر ، دون أن يشغل حيز تفكيري من المستقبل أي هدف لا يتقاطع مع رغبتي الجامحة في إيجادك ، وفي ذات قدر متأخر ، عثرت عليك وأنت ترتدين طرحتك البيضاء وتزفين عروسا لرجل غيري .

في العقد الثاني ، كنت كالطيور المهاجرة أتنقل من أرض امرأة إلى أخرى ، وعبثا كان تأقلم القلب بأجواء حبهن ، مما استدعى رحيلي المتواصل في ليالي الفراق خلسة وعلى رؤوس أصابعي ، فلا التفت ورائي خشية الحنث بقسمي الأبدي حين أشاهد دموعا تسألني عدم الرحيل ، وعندها أجوب كل أراضي النساء المترامية أمام بصري ، ولا أغفل الالتفاف بحرص حول أرضك المحرمة على قلبي أن يطأها ، وتحديدا في الوقت الذي كنت تحتفلين فيه بعيد أمومتك الأول فالثاني ، وأنا أقف على حدود أرضك أراقب ذلك كله ، وازداد إصرارا وعزيمة على إدراك اليوم الذي قد يجمعنا .

وجاء العقد الثالث وما أقحمتك بمعاناة الانتظار ، بل كنت اكتفي بمشاهدتك من بعيد ، والاطمئنان على دوران عجلة أيامك في مسار سعيد ، وعلى الرغم من أنني كنت استشعر دنو لحظات الشباب عن الرحيل ، إلا أن حبك في قلبي ظل فتيا ، لا تسري إليه أعراض الهرم قط .

وعند العقد الرابع اشتعل الرأس شيبا ، وأنا لا أزال أمشي في دربك وأتعثر بالفراغ ، حتى أصبحت أخشى في كل محاولة أواصل فيها المسير ، أن أجد صدر الموت يضمني عوضا عن صدرك الذي قضيت أربعين عاما وأنا أتمنى اللجوء إليه في إقامة عشق أبدية .

وبدأ العقد الخامس من مشروع حبك المؤجل ، والذي عجزت عن إتمامه طوال تلك الأيام والسنين ، وأنت حينها كنت تضيفين لقبا جديدا إلى ألقابك ، والتي حالت دوما بين قلبي وقلبك ، فمن زوجة إلى أم وأخيرا إلى جده ، ومع هذا لا استسلم قط ، ولا أتوقف عن المسير إليك ، فبمجرد أن أتذكر دنو الأجل ، كان حبك يزداد كثافة في قلبي ، فغدوت به كحصن منيع ضد الشيخوخة المستفحلة في شتى أركان جسدي ، غير آبه بمعاناتي الممتدة لنصف قرن من السنين ، والتي عاهدت نفسي أن ألقي بها وراء ظهري في يوم لقائك ، وأنا أجدد لك قسمي بحبي الأبدي .

ولكن وبعد كل هذا الانتظار ، يتمكن رجل آخر من اختطافك مجددا قبل وصولي إليك ، ويا له من رجل لم يكن باستطاعتي التصدي له بأي حال من الأحوال ، فهو أقوى من كل الرجال ، إنه الموت ، إلا أنني لم أبكي بل ضحكت ، فلقد أصبح يمكنني الوقوف عند شاهد قبرك ، والبوح بقسم حبي إليك دون أن أخشى البشر من حولي ، أو حجارة ضريح قبرك التي سيرتد منها صوتي ، فحبي لك كان دوما أقوى من كل الحواجز المنيعة ، وقطعا ستسمعين ندائي ، وتهبين من مرقدك كمليكة متوجة على عرش قلبي ، فأضمك إلى صدري الذي ظل خاويا منك نصف قرن من الزمان .


مستوحاة من (( الحب في زمن الكوليرا )) رائعة الروائي الكبير (( غابرييل غارسيا ماركيز ))

الجمعة، 9 ديسمبر 2011

إلى امرأة الياسمين


في كل ركن من أركان ذاكرتي ، تعبق رائحة ياسمينك ، فهل آن الأوان كي أعترف لك دون مواربة أو كبرياء ، بأنني يا حبيبتي اشتاقك كلما تنفس الصبح وعسعس المساء ؟

لا زلت أذكر كل التفاصيل ، لعشق أجهض في رحم الواقع ، ولقصيدة حب خطتها قلوبنا على كراسات القهر والحرمان ، ولهذا كانت السعادة في فصول حكايتنا حلما مع وقف التنفيذ .

كم كنت أتمنى لو كف المنطق في عقلك عن الدوران ، كي أضمك لصدري وأبكي على كتفك كالأطفال ، ولعلي كنت حينها سأدرك حكمة البعث من نعش الحياة التي مضت قبل لقائنا .

كيف السبيل إليك ؟ وقد أضعت كل خرائط الأمل التي قد تقودني لقلبك ، ومضيت في دروب معاكسة لدربك ، فلا حطت رحالي في أرض امرأة إلا وعزمت الرحيل كي أبحث عنك من جديد .

أين أنت الآن ؟ بل أين أنا ؟ أهو قدر يعبث بي ؟ فيجعل رجلا غيري يقطفك حين أينع زهرك ، وأنا منذ عصور أروي بذرتك بأحلامي وأنتظر حصادك في موسم من مواسم الواقع .

كلما سيداعبني عطر الياسمين ، سأظل أبكيك منتظرا معجزة تجعل الطبيعة تتضافر لتنتزعك من خلف الأسوار التي تقف حائلا بيننا ، وحتى لو استدعى ذلك أن أنتظرك دهرا ، أو أموت قهرا ، ففي كلتا الحالتين ، أنت وأنا أو أنا وأنت ، مطر وياسمين ، خلقنا لنكون معا ، فالسحاب الذي لايمطرك حمله كاذب ، والياسمين الذي لا يحتوي وجودك هو حتما زائف .

ألا زلت تتئكين على عصا المستحيل ؟ وتهشين بها أسباب الجفاء وتستعينين بها لمآرب الإذعان لصوت الضمير ، إذن ألق بها ولا تخافي أن تتلكأي في المسير ، فكل الدروب قطعا لن تكتمل نهايتها إلا بين ذراعي يا حبيبتي ، فإلى متى ستكابرين ؟

متى ستسيرين نحوي دون أن تتعثر خطواتك بسعادة قد تضيع من الآخرين ، ولماذا تكتبين على سطور أيامنا الشوق والحنين ، هل التضحية في الحب دوما تحتمل كل هذا الخسران المبين ؟

الجمعة، 2 ديسمبر 2011

سن التقاعد العربي


اكتمل نصاب العقود الستة من عمري ، أكاد لا أصدق ذلك ، إنني لا أزال على قيد الحياة ، ولم تهوي ورقة الأجل بعد ، ومع أن حالتي الصحية لم يعد فيها موضع شبر لمزيد من الأمراض الجسدية أو المعنوية ، ولكني لست مكترثا لذلك الآن ، فاليوم سأحتفل ببلوغي لسن التقاعد ، وسأحيل أوراقي إلى فضيلة محاسب الشركة ، كي أنجز معاملة مستحقات نهاية خدمتي ، والتي جاوزت الثلاثة عقود ، دون أن أتمكن خلالها من تحقيق حلم لطالما راودني براتب تختلف فيه ملامح خانته الثالثة ولو لمرة واحدة على الأقل .

ارتديت بدلتي الرسمية القاتمة اللون ، ولربما يصعب تحديد لونها على وجه الدقه ، فأنا ارتديها يوميا منذ فصل الشتاء المنصرم قبل خمسة أعوام ، وهي ملاذي في كل المناسبات من أفراح وأتراح ، ولكني أذكر أنها كانت سوداء حين اشتريتها من بائع متجول ، كان قد أقسم لي ثلاثا بأنها بضاعة تم تهريبها من اسطنبول وذلك كي لا تأخذني الهواجس والظنون وأجزم أنها قادمة من بكين .

حاولت تجنب مواجهة المرآة قبل خروجي من المنزل ، فلا أشاهد وجهي المتآكل بالتجعدات ، وعيوني الذابلة وما يحيط بها من هالات ، وشفتي المزمومتين وما تخفيان وراءهما من أسنان زائفة ، وعنقي المترهلة وقد انغرست بين كتفي المتهدلين ، وتلك السماعة اللعينة التي تحيط بأذني اليمنى ، وبقايا الشعر الأبيض الذي بالكاد يغطي ثلث مساحة رأسي ، نعم لقد بلغت من الكبر عتيا ، وتكفي نظرة خاطفة إلى الصورة المعلقة على الجدار منذ يوم زفافي كي أدرك أنني قدم في الدنيا وأخرى في القبر .

اتكأت على عصاي واسندت مايمكن اسناده من ظهري المحدودب ، ومضيت قاصدا مكان عملي ، ممتطيا حافلة النقل العام بعد أن نطقت بالشهادتين ودعوت المولى بحسن الختام وذلك عندما تدافعت من أمامي الرؤوس والأقدام بمجرد وصول الحافلة ، ولولا تدخل أهل الخير الذين هبوا لنجدتي قبل الغرق في ذلك السيل البشري الزاحف ، لكنت الآن أرقد في قبري مع زملائي الذين التحقت وإياهم بالعمل في التاريخ ذاته ، و لكنهم رحلوا عن الدنيا قبل بلوغهم لسن التقاعد المرتقب .

أبحرت في خيالي وأنا أنظر من نافذة الحافلة ، بمباراة الدوري الالماني التي شاهدتها قبل يومين وذلك عندما كانت كاميرا التصوير تتحرش بوجوه الجماهير قبل انطلاقة صافرة الحكم ، وتحديدا برجل وزوجته يتقاطعان معي في سنين العمر و يترقبان المباراة بمنتهى اللهفة ، وذراعه تحيط كتفها وقد مال رأسها على صدره ، فابتسمت ساخرا من ذلك التناقض العجيب بين بشر يقبلون على الحياة من جديد بعد بلوغهم لسن التقاعد وبين بشر اعتزلوا مباهج الحياة قبل التقاعد وبعده ، مع استثناء من يموت قهرا من الاحباط واليأس وهو لايزال في ريعان الشباب .

وصلت إلى مقر الشركة ، وألقيت التحية على موظف الأمن المتقاعد من الجيش قبل عشرة أعوام ، والذي لطالما كان يؤكد لي أن هذه الوظيفة تحتاج لخبرة رجل مثله وليس لشاب غر لا يفقه في العمل الأمني والعسكري ، وعندما دخلت البوابة الرئيسة للشركة ، استوقفني صوت أنثوي عذب قادم من نافذة الاستعلامات ، (( عفوا عمو ... كيف بقدر أخدمك )) ، التفت خلفي فوجدت فتاة لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها ، وقد تدثر وجهها بمساحيق تجميلية تشبه إلى حد بعيد ما يستخدمه المهرجون في السيرك وقد امتد من خلف غطاء رأسها ما يشبه سنام الجمل ، اقتربت منها مندهشا وسألتها عن الموظفة السابقة (( أم سليم )) ، فأخبرتني أنها اصيبت بشلل نصفي بعد تعرضها لحادث سير ، فدعوت لها بالشفاء العاجل وأكدت لها أنني موظف قد تقاعد من الشركة حديثا وجئت قاصدا قسم المحاسبة لاتمام معاملة تقاعدي ، فطلبت مني الانتظار قليلا حتى تعلمهم بقدومي ، ولكن جرس هاتفها قطع حديثنا ، استأذنتني للرد وكانت المكالمة الواردة على مايبدو من صديقتها ، ومالبثت ان احتدت مؤكدة موافقتها المبدئية على تقاضي هذا الراتب ، والذي اكتشفت أنه يضاهي ضعف راتبي عندما أنهيت مشوار خدمتي في هذه الشركة الموقرة .

وبعد أن غادرت نافذة الاستعلامات ووصلت إلى دائرة المحاسبة ، استقبلني وبكل ود رئيس القسم (( أبو سمير )) بابتسامته المعتادة التي تفضح دوما صف أسنانه الأمامية البائدة منذ أمد بعيد ، ولقد تفاجأت وأنا أتمعن بتفاصيل جسده التي كانت مختزنة دوما بالشحوم والدهون ، أنها قد تضآلت وتكاد تختفي تماما ، فسألته عن سبب نقصان وزنه ، فتنهد بحسرة ، ليخبرني أنه أصيب بالسكري والضغط والبواسير في أقل من شهر واحد ، فدعوت له أيضا بالشفاء و أشفقت على حاله ، فهو لايزال يقف قبل محطة التقاعد بعقدين .

وبعد أن احتسينا كوبين من الأعشاب التي لم تحظر بعد من قائمة مشروباتنا ، قدم لي (( أبو سمير )) الشيك الخاص بمكافأة نهاية الخدمة والذي كان يمثل بمجموعه استحقاق ثلاثة رواتب وفقا للحد الأدنى في قوانين العمل ، وعندها فقدت آخر جرعة من الصبر وضقت ذرعا من هذا الظلم الذي سكت عنه منذ عقود ، فلطمت (( أبا سمير )) واعملت عصاي على رأسه العاري من الشعر وأنا أصرخ بأعلى صوتي : (( كفاكم ظلما ... كفاكم ظلما ... نريد حقنا في أن نعيش )) .

صرخت زوجتي مذعورة وبأعلى صوتها : (( استيقظ يا رجل )) ، فصحوت من نومي مذعورا ، ونظرت إلى زوجتي فوجدت أنها لا تزال في ريعان الشباب ، وتأملت وجهي في المرآة سريعا ، فاكتشفت أن ملامحي لم تتغير عن صورة يوم زفافي بعد ، حمدت رب العالمين واستعذت به من الشيطان الرجيم ، ونهضت إلى المطبخ كي أشرب كوبا من الماء وعرجت في طريقي إلى باب المنزل كي أحضر الصحيفة ، وإذ بي أقرأ عنوانا مكتوبا وبالخط العريض ، ألا وهو قرار مديرية التقاعد برفع سن التقاعد خمس أعوام أضافية ليصبح ستة عقود ونصف عقد من السنين ، فضحكت ملء فمي وبكيت حتى اغرورقت عيوني بدموعها ، فمن هو سعيد الحظ الذي سيظل على قيد الحياة حتى بلوغ سن التقاعد الجديد ؟

الجمعة، 25 نوفمبر 2011

مدارس البنات " قصة من وحي الفقر "


انبعثت الشمس من مرقدها ، وتناثرت خيوطها الذهبية في غسق الليل الراكد ، وتوارى القمر بتؤدة من كبد السماء ، فأشرقت الأرض بنور ربها ، واصطفت الطيور تشدو فوق الأغصان بصوت عذب لا يلبث أن تبتلعه المدينة بضجيجها المتعاقب على مدار النهار ، أما البيوت فلا يزال الهدوء الذي يخيم أركانها ، تترصده أجراس الساعات المتأهبة في موعدها الثابت لاستدعاء الناس مجددا للحياة والسعي في مناكبها ، فذلك موظف يسارع في الخروج من منزله باكرا كي يدرك حافلة النقل العام ، وتلك أم توقظ أولادها بقبلات على جباهم الندية وتحفزهم للنهوض بنشاط للمدرسة عند تذكيرهم باقتراب موعد العطلة الأسبوعية ، وذلك شاب وفتاة ينقبان ثلاثة صحف رسمية على الأقل ، ويدونان كل أرقام الهواتف التي قد تعبد لهما درب وظيفة يبحثان عنها منذ سنين ، وذلك على أمل إكمال نصف دينهما عند ولوج أول منعطف في تلك الطريق ، وذاك كهل لاتكاد قدميه تعينانه على الوقوف ، يستجدي دوره في طابور التأمين الصحي ولايدري إن كان الوقت سيسعفه في إدراك نافذة قبول المعاملات أم ستسقط أوراق حياته في يد ملك الموت قبل الوصول ، وهكذا تزدحم المدينة وتتعالى فيها أصوات الناس في الطرقات ، وكل يسبح في فلك حياته الرتيبة ويمني النفس بيوم قد يأتي متمردا ويعد بحياة أفضل .

وفي باحات المدارس يقف الطلاب والطالبات في طوابيرهم الصباحية أمام مدير متجهم الوجه أو مديرة لا تتقن ملامح وجهها سوى العبوس في وجوه طالباتها ، ولقد حدثت مأساة (( حنين )) في إحدى تلك الطوابير الصباحية ، وذلك عندما استدعتها المديرة للوقوف أمام جميع الطالبات وانهالت عليها بشتائم ما أنزل الله بها من سلطان ، و (( حنين )) تقف خافضة رأسها لا تجرؤ على النظر في وجوه صديقاتها وهي تتلقى دون هوادة كل تلك الإهانات ، حتى أنها لم تفكر بالدفاع عن نفسها عن ذنب لم تقترفه بإرادتها ، مما حدى بالمديرة إلى اتخاذ قرار طردها وهي مرتاحة الضمير ، فلقد حذرتها مرارا من أنها ستفعل ذلك إن لم ترتدي (( حنين )) الزي المدرسي ، ولا شك أن (( حنين )) وهي تتعرض لذلك الموقف المهين ، كانت تتمنى لو أن الأرض قد انشقت وابتلعتها ، فهي ليست متمردة على الأنظمة والقوانين ، بل إنها تعلم علم اليقين ، أن والدها لو كان على قيد الحياة لما تأخر لحظة واحدة عن شراء الزي المدرسي لها ، فهل الذنب هو ذنب والدتها التي لا تملك من الدنيا سوى راتب تقاعدي بالكاد يكفي لاطعام (( حنين )) وإخوتها ؟

ولم يكن مصير صديقتها (( أمل )) بأفضل منها ، وذلك حين وقعت في براثن المديرة عند نهاية فترة استراحة الطعام ، وذلك عندما وجدتها تعبث في سلة المهملات ، ولقد ظلت تصرخ في وجهها وتضغط بأظفارها المتسخة على ذراعها الصغير ، لعلها تكتشف سرها وتعترف لها بالذي كانت تحاول إخفاءه في سلة المهملات ، ولكن (( أمل )) لاذت في غياهب الصمت وأبت الرضوخ لتهديدات المديرة ووعيدها ، وحينها لم تتردد المديرة أيضا باتخاذ قرار الطرد مجددا بحق (( أمل )) وعدم عودتها إلى المدرسة إلا برفقة ولي أمرها ، فخرجت (( أمل )) من المدرسة والدموع منهمرة فوق وجنتيها الرقيقتين ، ولكن حزنها في تلك اللحظات لم يكن سببه قرار الطرد ، بل هو الإشفاق والخوف على والدها الكفيف إذا اعترفت له بحقيقة مصدر الطعام الذي كانت تحضره له في كل يوم بعد عودتها من المدرسة ، فكيف يمكنها أن تقول له أنها كانت تطعمه من بقايا فضلات زميلاتها ؟

الجمعة، 18 نوفمبر 2011

الأمانة


كان حلما وربما قد تحقق ، وهذا هو حال كل رجل ذي حظ عاثر ، لا يتمكن من توثيق ما يتمناه من أحلام في دفاتر الواقع ، فلماذا تحقق ذلك الكابوس الذي زف له خبر ارتباطها بغيره ؟

هل خان الأمانة ونكث بالعهد ؟

أم أن قلبها ارتضى بعاشق أمين يحفظها ويصونها بعيدا عن خزائن قلبه ؟

ولكن ألا كانت ترغب بترصيد حساباتها العاطفية ومراجعة فواتير ذكرياتها قبل أن تعقد العزم على الرحيل ؟

أم أنه الصفح عند المقدرة و (( المسامح كريم )) ؟

ما كان بيده سوى الإذعان لرغبتها ، ولكنه قرر أن يقدم لها تقريره العشقي الذي قد يكون الأخير ، فكتب لها قائلا :

في هذه الليلة كانت زخة المطر الأولى ، فجلست أمام النافذة وتأملت القمر المختبىء خلف ستارات الغيوم ، واستجديته أن يبعث لك بهذه الكلمات ، والتي ما تجرأت بالبوح بها مذ يوم رحيلك ، ليس غرورا ولا زهوا ولا كبرياء ، و إنما هي بقايا من أمل كنت أعتقد أنها قد تستدعي حضورك من بين ثنايا الغياب .

ما تعودت أن ألقي بقلبي وأعرضه بثمن بخس ، ولست مكترثا إن انتهت صلاحية نبضاته المفترضة للحب ، وغدا بعدها كبضاعة كاسدة أمام قلوب النساء ، فإن قلبك إذا ما كان هو المشتري ، فلن يجدي حينها الاستدراك .

أحقا أحببت رجلا غيري ؟

أم أن (( البعيد عن العين ... بعيد عن القلب )) ؟

إذا كان هذا ما يفسر غيابك ، فالأمانة قيد التسليم ، ولك أن تستردي قلبك في أي وقت ترغبين ، ولكن قبل أن يأتي موعد الاستلام والتسليم ، دعيني في هذه الليلة أنام مطمئنا ولآخر مرة بين ذراعيك ، ولا تتركي يداي المرتعشتان شوقا إليك ، دعيني أقبل أناملك التي خطتني حبيبا لك في يوم من الأيام ، ودعيني أبكيك كالأطفال عندما يتهيأون للحظة الفطام ، فعندما ستشرق شمس الشتاء ، تكون الحكاية قد انتهت ، ولك حينها أن تنتزعي قلبك من أحشائي وترحلين .

لن أطالبك بدية لدم فؤادي المهدور ، فأنا لست أول ضحايا الحب ، ولن أكون حتما الأخير ، ولكن لست أدري لماذا معادلة الحب دوما غير متوازنة ؟

ربما قد آن الأوان لتغيير كل مصطلحات العشق ، فأنا وبعد هذا اليوم ، لن أبحث عن الحب ، بل سأجعله يبحث عني ، ولن أرضى بدور العاشق في مسرحية الحب ، بل سأكون أنا المعشوق ، ولست منذ هذه اللحظة حافظا أمينا لودائع القلوب ، فأنا لست كفؤا لهذا المنصب ، وأعلن استقالتي والتنحي عن مقعده لرجل غيري .

والآن قلبي برسم الأمانة ، فهل من امرأة أودعه إليها ؟ تحفظه وترعاه وتصونه ، وتتقن تلك المهمة التي عجزت أنا عن القيام بها ، ولكنني سأحذرها مسبقا من شرط جزائي قبل توقيع عقود الحب ، فلا تطالبني بتسديد رسوم عشقية مستحقة الدفع ، لأنني من بعدك أشهرت إفلاسي العاطفي .

الجمعة، 4 نوفمبر 2011

كل عام وأنت عيدي



عندما يتأهب العيد للحضور في موعده المتغير من كل عام ، لا يكون ذلك بالضرورة مدعاة لاضطراب طقوس الناس في استقباله ، فالأسواق ستعج بالنساء والأطفال ، والطرقات ستزدحم بالمركبات ، ومحلات الحلويات والقهوة العربية ستمتلىء عن بكرة أبيها ، والصحف ستختزل مساحات شاسعة من عناوينها السياسية الرتيبة ، لتستوعب صفحاتها الترويج لعروض الرحلات السياحية واعلانات أسعار الأضاحي المنافسة في هذا العام بشكل غير مسبوق وبرامجها التقسيطية المريحة .

والجميع يتحفز للمناسبة السعيدة ويلقي وراء ظهره عبء التفكير الذي يلازمه على مدار العام ، فلا وقت الآن للتذمر من غلاء المعيشة وجنون الأسعار ، ولابأس في إرجاء الاستياء من تدهور الحال العام ، فالدنيا عيد وهذا مسوغ كاف لفرح طارىء ، يتم اختطافه عنوة من بين أضراس الشهور والأيام .

لا شك أن رتابة الأيام ستتعطل حركة سيرها في درب العيد ، وهذا سيجعل الفرصة مواتية لاغتنام لحظات من العمر المهدور ، لتحقيق مآرب استثنائية لا تتكرر ، فالزوج سيتمكن من التبسم في وجه زوجته وهما يحتسيان معا فنجان القهوة في الصباح ، والأولاد سيفرحون برؤية أبيهم في يوم غير يوم الجمعة ، والجيران سيقبلون بعضهم البعض ، والأرحام لن تشكو من القطيعة ، والناس لن تتعارك كعادتها في الطرقات ، فالكل خدر بالتسامح والمحبة وليس مشحونا بالتوتر والعصبية والمزاج السيء الملاصق لهم على مدار العام .

وأعتقد أن الحلاقين في هذه الأيام ستزول عنهم أعراض الاستياء من جفاء زبائنهم المتتابع لهم في الآونة الأخيرة ، وخصوصا مع تغير الجدول الزمني لمواعيد الحلاقة التي كانت في أحسن حالاتها لا تتجاوز الثلاثين يوما ، لتصبح حاليا من شهرين إلى ثلاثة شهور ، حتى بات الحلاقون لا يميزون ملامح زبائنهم كلما حضروا إليهم بعد طول غياب ، وكأنهم كانوا يرقدون في رقيم أهل الكهف ، وهذا إنما يؤكد على مصداقية المثل القائل (( الناس ما معها تحلق )) .

الدنيا عيد ، وأنا ألاحظ أنني احتفي بقدومه في هذا العام بنشوة استثنائية ، وليس ذلك بسبب فتاة بغدادية أطالت التحديق بي في أثناء مروري العابر من أمام طاولتها في أحد المولات التجارية ، وليس ثمة ارتباط لهذا بقدرتي على تلبية نداء أشواقي المتداعية لدمشق ، والتي ما وطأتها منذ عيد الأضحى في العام الماضي ، ولا اعتقد أنه بإمكاني تعليل ذلك بملاءتي المالية التي تجعلني لا أتردد في الاتصال بأرقام الهواتف المدرجة في متن عروض الرحلات السياحية ، فأغمض عيني وأفتحها لأجد نفسي في رحلة روح علاجية .

أستطيع اليوم أن أجتهد في الإجابة وأسترسل في وصف حالي بعد لقائك ، ففرحتي لن يفسرها إلا أنت ،
ولذلك دعيني أخالف كل الأجواء المتعارف عليها ، وأهرب من أزقة الأسواق وأزمات المرور ، كي اختبىء بين ذراعيك وأقول لك بعفوية الأطفال (( كل عام وأنت عيدي )) .

أتمنى للجميع عيدا مباركا ... ويتجدد لقاؤنا بمشيئة الله تعالى يوم الجمعة الموافق 18/11/2011

الجمعة، 28 أكتوبر 2011

نور


في منتصف الشهر الأخير من عام 2009 ، وبدعم ومساندة وتشجيع من صديق العمر النادر ( نادر أحمد ) الذي لا تزال قصة صداقتنا تكتب في كل يوم سطورها الخالدة ، بدأت رحلتي في عالم التدوين ، وكم كنت حينها خائفا من الخوض في غمار هذه التجربة ، ليس بسبب خوفي من الدروب المجهولة التي كنت على وشك المسير فيها ، بل لأنني كنت الرجل الصامت دوما أمام كل الأحداث التي مضت في حياتي كفيلم سينمائي كانت مشاهداته في عجلة من أمرها لحظة العرض .

عندما كتبت إدراجي الأول عن علاقة الأخ بأخته ، والذي تصادف يوم كتابته بذكرى مصرع شقيقتي الذي شهدت تفاصيله وأنا لم أكن حينها قد تجاوزت عامي الثالث ، بكيت ملء قلبي وراودني إحساس غريب ما شعرت به من قبل ذلك قط ، فكم كنت أتمنى في تلك اللحظات لو أنها كانت لا تزال على قيد الحياة ، أقسم أنني كنت لن أتردد في تقبيل الأرض تحت موطىء قدميها ، ولكنها رحلت قبل أن تكمل منتصف العقد الثاني من مشوارها القصير في هذه الحياة ، وعلى الرغم من مضي كل هذه السنين ، إلا أنني في كل ليلة أعتذر لها عن صغر سني الذي لم يمكني من مجرد محاولة إنقاذها وهي تختنق في الحمام من انبعاث سموم السخان ، ولذلك كتبت لها مرة أخرى بعد عشر شهور لعلي أجد لي مناصا بين الحروف والكلمات ، فلم أجد قلمي يبدأ إلا بعبارة واحدة (( عذرا يا أختاه )) .

وفي خضم الحالة النفسية السيئة التي أشعلها قلم الذكريات ، حضر أول زائر لمدونتي ، أو بمعنى أصح أول زائرة ، إنها من أطلقت عليها لقب (( نوارة المدونة )) ، إنها نور ما بعده نور ، ففي ذلك اليوم تحديدا وأنا ارتجف من برد أحزاني ، جاء تعليقها كوسادة دافئة غمرتني بالحنان واللطف ، واكتملت فرحتي بتشجيعها ومساندتها لي كي أكتب وأكتب ، فكانت المرأة التي حفزت قلمي للبوح بما يختلج صدري من كلام كنت قد ردمته بتراب اليأس بعد استهزاء وسخرية لجنة التحكيم من قلمي في سنتي الجامعية الأولى حين نظمت أول قصيدة شعر .

اليوم يا نور لابد من الاعتذار منك ، فهذا الإدراج كان يتوجب كتابته منذ أمد بعيد ، فوجودك إلى جانبي مع مرور كل هذه الأيام ، ووفاؤك لكتاباتي في زمن ضاع فيه الوفاء ، تضيق أمامه لغتي ولاتسعفها مفرداتها كي تعبر لك عن مكانتك عندي ، ولربما يكون أصدق القول ، أنك من جعلت لقلمي نبضا وروحا ، بل أنت من سهرت على تربيته وهو لايزال في المهد صبيا ، حتى بدأ ينضج ويشتد عوده ، ومع ذلك لم تفارقيه البتة ، وكأنه ولدك وأنت أمه .

أتذكرين يا نور سجالاتنا الفكرية ومناقشاتنا المطولة بعد كل إدراج ، كنت في كل يوم أتعلم منك درسا جديدا في تجارب الدنيا ومعارفها الحياتية ، وعلى الرغم من أنك أصغر مني بثلاثة أعوام ، ولكنك كنت دوما تبهرينني بثقافتك وسعة تجاربك ، وكأنك تكبرينني بثلاثين عام .

ومع أنك تقطنين في النصف الآخر من الكرة الأرضية إلا أن ذلك لم يقف حائلا لتكوني رفيقة مشواري الكتابي في السراء والضراء ، و كلماتك لم تتوانى عن رسم أجمل لوحات الوفاء عند نهاية كل تدوينة كنت أكتبها ، حتى مضت بنا فصول السنة وتعاقبت مناسباتها ، ونحن على حالنا ، قلم يكتب وحبر يسانده كي لا ينضب .

في النهاية لا يسعني إلا القول : (( أن الأشخاص الذين يحيطون بنا يشبهون الكتب ، فمنهم من يغريك مظهر تصميم غلافه و مقدمة حروفه المنمقة بعناية فائقة ، إلا أنه وبمجرد تقليبك لصفحات ذاك الكتاب ، تدرك كم كنت مخطئا في لهفتك على قراءته ، وهناك كتب تتوسطها عناوين عريضة ، تجذبك إليها كالمغناطيس ، ولكنك تندهش أن متوالية كلماتها بعد ذلك لا تمت لذلك العنوان بأية صلة ، وهناك كتب لا تسأم مرافقتها وتكرار قراءتها والتعلم منها والاحتفاظ بها في صدر مكتبتك حتى تجد نفسك وقد توحدت مع سطورها في أفكارك ومشاعرك وتصبح لك مرجعا في العديد من شؤون حياتك ، وأنت يا نور بالنسبة لي مثل ذلك الكتاب تماما )) .

الجمعة، 21 أكتوبر 2011

حالي في غيابك


أجلس وحيدا أمام بحر أحلامي ، و أتأمل الأمواج وهي تزحف نحوي بخجل ، أرفع هامتي إلى السماء المتلبدة بالغيوم ، وألتفت من حولي إلى أغصان الأشجار العارية ، فأجد عصفورا يشاطرني صمت اللحظات ، وحينها أسأل الطبيعة بصوت تعتريه الخيبات ، عن سبب استحالة حضورك كلما ارتعش قلبي بمناجاتك .

أهوي بقبضتي على حبات الرمال وأستذكر معها قسمي عندما شبهتها بالنساء من بعدك ، ولا غرو أنه يخيل لي بين الفينة والأخرى أنك ستثبين أمامي كحورية قادمة من أعماق البحار ، بل لربما أتمادى في خيالي وأجد طائرا أسطوريا كالعنقاء يعينني على الإتيان بك قبل تتابع نبضتين من نبضات قلبي المحترقة شوقا إليك .

حالتي في عشقك عصية على الفهم والتفسير ، فكلما اغترف قلبي من مياه حبك ، أجده وقد اشتد به الظمأ أكثر ، فكم يلزم قلبي أن ترويه إذن ، كي يتخلص من تصحره العاطفي في غيابك ؟

كم أتمنى في كل ليلة لو كان باستطاعتي الوقوف أمام نافذة بيتك ، ومراقبتك وأنت غافية كالملائكة على وسادتك ، فاستنشق عبير أنفاسك ، وأقبل موضع كل أثر لامسته أناملك ، ولاضير إن تثاءب الفجر وتكاسل عن موعده في الحضور ، فكل دقيقة سيتأخرها تهبني ألف عام من نشوتي بقربك .

قولي لي ماذا أفعل بأشواقي المتداعية في بعدك ؟ ألا تدرين أنني في مرحلة متقدمة من الإدمان على حبك ؟ ولا يسعني إلا الجنون والهذيان كلما تباعدت الجرعات التي أنعم فيها بوصلك .

إن قلبي الآن يحتضر ، وأنت أقرب إليه من حبل الوريد ، فهبي لنجدته ولا تترددين ، فهو بقربك سيدخل جنة الحياة ويكون فيها من أصحاب اليمين ، وأما في بعدك فمصيره في هذه الحياة جهنم وبئس المصير .

الجمعة، 14 أكتوبر 2011

أماه غني ... زغردي


قميصي ما قد من دبر ولا من قبل ، فلقد ادخرته ليوم كهذا ، خذوه لأمي ، وكفكفوا به دموع عينيها التي ابيضت وهي تنتظر عودتي ، وقولوا لها أن حلمها البارحة ما كان أضغاث أحلام ، فأنا بمشيئة الله تعالى قادم إليها ، وسأحطم قضبان سجونهم التي حجبت شمس لقائنا منذ ثلاثة عقود .

صبرك الجميل في غيابي سيكمل عدته ويرحل راضيا مرضيا ، فاخلعي ثوبك الاسود يا أمي وغني وزغردي وزيني باب الدار ، واشعلي الموقد لتطعميني بيديك ، ودقي البن بالهاون ، فكم أنا مشتاق لفنجان قهوتك يا أمي .

لا زلت أذكر يوم اعتقالي وكأنه حدث بالأمس ، ولازلت أذكر جسدك الذي حال بيني وبين أجسادهم المدججة بالسلاح ، ولازلت أسمع آهاتك وهم يدفعون بي مكبلا بأغلالهم خارج فناء الدار ، لم أتمكن ولأول مرة في حياتي من تلبية نداءك يا أمي وأنت بحرقة تصرخين : (( ولدي ... ولدي ... ولدي )) .

أعوام مضت وأنا في سجونهم ، وذاكرتي تتهالك فيها صور الزمن الجميل لأيام حريتي ، حتى كدت أنسى كيف يكون العالم خارج جدران السجن ، ولكن داء النسيان كانت تستقر أعراضه كلما تذكرت وجهك يا أمي وأنت تعدينني بالتضرع للرحمن بعودتي وأنت ساجدة في باحات المسجد الأقصى .

ابعثي بسلامي يا أمي لغزة هاشم ، وقبلي ثراها الذي ما استكان لطائراتهم ودباباتهم وبوارجهم الحربية ، فبرغم كل آلامها وجراحها ، ابتلعت شاليط في جوفها ورفضت أن تلفظه دون عتق رقابنا التي طال بها الأمد في الأسر .

انتظريني أماه فإن الغد لناظره لقريب ، ولكن أسألك بالله أن لا تبكي عندما تضميني لصدرك ، بل اضحكي وزغردي ، فولدك سيدخل بمشيئة الله تعالى آمنا إلى ذراعيك ، أما أمي الحبيبة فلسطين فلست أدري متى سيدخل أبناؤها المهجرون إلى ذراعيها آمنين ؟

هذا الإدراج إهداء ومباركة مني لعائلات الأسرى الفلسطينيين الذين سيتحررون من سجون الاحتلال الاسرائيلي بمشيئة الله تعالى ...

الجمعة، 7 أكتوبر 2011

ما أسهل الشفاء منك


ما الذي دفعه للبحث عنها ؟ هل كان حقا يود الاطمئنان عليها ؟ أم أنه كان يقنع نفسه بذلك كي يخفي حقيقة ضعف مقاومته إزاء الفضول الذي كاد يفتك به وهو يحاول عابثا تقصي الحقائق عن حالها في غيابه .

نعم لقد هجرته وبملء إرادتها ولم تتعثر خطواتها التي عقدت العزم على الرحيل بمطبات الحنين أو الاشتياق ، و اختارت لنفسها حياة لا تبدأ أو تنتهي بحروف اسمه ، فأضحت غير قابلة للإلتقاط وكأن رياح حضوره كانت تهب دوما في الإتجاه المعاكس لسارية قلبها .

ولكن كيف حدث هذا ؟ وقد كان قاب قوسين أو أدنى من تسجيل أوراقه الثبوتية لدى وزارة الحب ، فصفحات سيرته كانت زاخرة بالأيام التي مضت في حياته وهو يتعلم كل المناهج العاطفية التي تؤهله لحبها ، وعندما تجاوز كل الاختبارات الأولية لمشاعرها بنجاح ، إذ به يهوي عند الاختبار الأخير في وديان الفشل .

لعلها كانت تنتظر باحتراق قدومه إليها ، و لابد أنها غارقة في بحر الندم ، ولكن كبرياء الأنثى في داخلها يمنعها من البوح بذلك ، فهي بلا شك كسائر النساء (( يتمنعن وهن الراغبات )) .

وعلى وقود تلك الكلمات ، انطلقت به سفينة الأمل للقائها مجددا ، معتقدا أنها كانت تعد نجوم السماء في حضرة غيابه ، تماما كنساء البحارة عندما يجلسن في كل ليلة أمام نوافذهن المطلة على البحر أملا بعودة سفينة رجالهن .

وحين أزف اللقاء ، لم يلاحظ تورم عينيها من تعاقب ليالي السهر عليها وهي تنتظر عودته ، ولم يطرأ أي تغيير جذري على ملامحها وكأنها صورة فوتوغرافية ملصقة في متن وثيقة رسمية ، ومع هذا تجاهل برودها الواضح ، و ظل يقنع ذاته بنظرية كبرياء الأنثى ، وأنها ليست سوى محاولات عابثة لاحتراف هيئة اللامبالاة الزائفة .

لم يمهد الطريق لسؤاله الذي ينخر رأسه منذ رحيلها ، وذلك بمحاولة استدراجها بدءا بتساؤلات فرعية ، ظنا منه أن ذلك مدعاة لاضطرابها ، تماما كتلميذ فوجىء بعد دراسة مستفيضة ، بامتحان الاستاذ الذي جاء بسؤال من خارج المنهاج .

(( أتزالين مريضة بحبي ؟ )) بادرها بذلك السؤال وابتسامة صفراء ترتدي ملامحه الطاغية في ثقتها ، ولكن ضحكتها التي دوت المكان ، كانت كإعصار اقتلع أوتاد خيمة غروره ، لتجيبه وبمنتهى البرود : (( ما أسهل الشفاء منك )) .

الجمعة، 30 سبتمبر 2011

حبيبتي وتشرين

منذ ثلاثة عقود ، والأيام والشهور والسنين تمضي في حياتي دون أن أراعيها الكثير من الاهتمام ، وتعاقبت الفصول مرارا وتكرارا ، فلا جزعت لوداع أزهار الربيع ، ولا سئمت من رتابة شمس الصيف وقسوة حرارتها التي لا تلين ، وما أشفقت على شيخوخة أوراق الأشجار في الخريف ، وما ارتوى قلبي الظمآن عند مواجهة أمطار الشتاء ولا انبعثت فيه نبضات الحب من جديد .

ومع هذا فكم دونت من أحداث وتواريخ ، قصة حبيبتي الأولى ومن سار على خطاها في وأد أملي قبل بلوغه سن الرشد العاطفي ، أمنياتي وأحلامي المهدور دمها دوما بمقصلة الواقع ، جنوني وهذياني في حوارات النفس البيزنطية ، دموعي وأحزاني على كل لحظة يتجرد فيها البشر من الإنسانية ، هيبتي وإجلالي لكل روح أبية ، سخطي وغضبي على الغرور والنرجسية ، صبري وجلدي على تخبط رياح الدنيا بحالي ، يأسي وخنوعي في مجابهة من ظلمني ، ومناسبات أفراحي الشحيحة التي ضحكت فيها ملء قلبي .

لم أؤمن يوما بضرورة السير متعمدا لجحور تلدغني كي أتقن عبورها سالما في المرة الثانية ، ورفضت الانحناء برأس طائع لوالدتي وهي تجبرني على النوم بجانب شقيقي المريض بالحصبة ، فالتقط منه العدوى التي تشطب زيارتها لجسدي مستقبلا ، وكرهت المعلم الذي واظب على ضربي بحجة خوفه على مصلحتي ، وسخرت من تقريع كبار السن لسيرتي المتمردة على نصائحهم وتوجيهاتهم ، وكفرت بالمسلمات التي لا بد من الوقوف عندها قبل البدء بأية تجربة حياتية ، وأسقطت كل الأساطير والرموز كي لا أشق طريقا قد ضجر نفسه من كثرة خطى من مشى فيه من قبلي .

أنا لا أكره الحياة ومع هذا لست متلهفا عليها ، ولكنني سأمت من الحزن الذي حرصت على مرافقته طوال حياتي ، ولهذا هجرت من يصر على معاتبتي عند كل قول أو فعل ، ونبذت النساء وراء ظهري كلما اعتقدن أنهن يمتلكن قلبي بالدموع والجفاء ، وألقيت الملح بعيدا عن طاولة طعامي ، وأغلقت المذياع والتلفاز كلما تأهبت الآهات للوثب من حناجر الغناءين ، وأتلفت ثيابي السوداء ، ومزقت كل رواية قرأتها وبعثت في نفسي الكآبة والألم ، حتى أنني استأصلت من ذاكرتي كل اللحظات التي تسببت في تكدر مزاجي واضطرابه .

واليوم سقطت آخر أوراق أيلول لتترك أغصان شجرة هذا العام عارية من الفرح ، وهذا ما كنت دوما أعتقده قبل مجيئك إلى حياتي ، فلقد تواطئت الطبيعة في ذكرى يوم ميلادك ، وأزهرت أيام حياتي بالفرحة مجددا ، فأجيبيني واصدقي القول : ألهذا كانت تتغنى فيروز بأزهار تشرين ؟

ماذا سأهديك اليوم ؟ قصيدة لنزار أم أغنية لكاظم ؟ فذاك قالها والآخر غناها : (( كل عام وأنت حبيبتي )) ، ولكن لا يا حبيبتي ، فأنا أبحث اليوم عن كلام ماقيل بعد ، وعن جملة ماسبقني فيها عاشق قط ، ولكنني من فرط فرحتي بلقائك ، تناثرت كلماتي في معجم حبك وعجزت عن جمعها في تركيب لغوي متناسق ، وكأنني عدت طفلا يتعلم النطق من جديد .

كم أتمنى أن أراك اليوم وأنت ترتدين فستانك الأحمر ، واستأذن ( Chris De Burgh ) وأتغنى بك يا سيدة النساء على أنغام غربية المزاج ، خالية من الآهات ( Lady in red ) ، وعلى منصة أحلامنا وضوء القمر يرافقنا ، سأحتفل بك وأعلن أمام الكون بأسره ، أن في مثل هذا اليوم ولدت حبيبتي .

سأجيبك اليوم لماذا أنت من اختارك قلبي ، لأنك وبكل بساطة تختلفين عن كل الشخصيات التي سأمت تكرار تواجدها في مشوار حياتي ، هم جعلوني أبكي وأنت جعلتني أضحك ، هم اعتقدوا أنني سأتأثر بهم كلما زيفوا لي عمق شخصياتهم وتعقيدات تجاربهم ، ولكنهم غفلوا أن البساطة والعفوية شيفرة العشق السرية ، هم بنوا السدود والحواجز ، ظنا منهم أن معاناتي في الوصول إليهم ستجعلني أعد آلاف الخطوات قبل العزم على فراقهم ، أما أنت فكنت على العكس تماما ، مهدت أمامي أقصر السبل التي تصل بي إلى قلبك ، وغمرتني حبا وحنانا ، فهنيئا لي بذكرى ميلادك وهنيئا لقلبي بحبك وهنيئا لأيامي بتدوين سطور السعادة التي بدأت حروفها الأولى مع حلول تشرين .

السبت، 24 سبتمبر 2011

صخرة الأحلام

في فضاءات الآمال المستحيلة ، تخلع السماء رداءها الأسود ببطء متعمد ، و تتأمل مشجب الوقت ، وكأنها لا تدري إن كانت ستأوي إلى عتمة متداعية في ألوان ثياب أخرى ، أم أنها ستختار ثوبها الأزرق ، وتشرق فيها شمس الأمل المختبئة خلف الهضاب والجبال المتصدعة من خشية المجهول ، فالنور والظلام لا يجتمعان بل يتعاقبان .

لماذا كانت تداعبها تلك الهواجس في أثناء جلوسها أمام البحر ؟ لماذا كانت تذرف الدموع وتبتسم شفتيها في آن واحد ؟ هي تعلم تماما أنها تتنفس حبه وتعشقه بجنون ، ولكنها تدرك أيضا أن كل الدروب بينهما محكمة الإغلاق ، فهي لها عالمها وهو له عالمه ، لا تراه ولا يراها ، ولكن كلاهما يدري بأن الآخر موجود ، فهل هي أنسية وهو جان ؟ أم هي جنية وهو إنسان ؟

تبتعد عيونها مجددا إلى ما وراء الأفق الممتد لتمخر عباب البحر ، فماذا تراها تنتظر ؟ أتود أن تصل سفينته إلى ميناء لهفتها المحترقة لغيابه ؟ أم أنها تخشى أن يغرق شوقا قبل الوصول إليها ؟

وتعاود عيونها معانقة الأمواج المتلاطمة على الصخرة التي كانت قابعة عليها منذ ساعات ، وأسدلت قدميها مستسلمة لمياه البحر ، فتسارعت نبضات قلبها وتتابعت تنهيدات صدرها دون انقطاع ، وأصابتها قشعريرة عصية على التفسير ، وكأن أنامله هي من تداعب قدميها ، فأغمضت عينيها وبسطت كفيها وعانقت نسمات الهواء ، وبدأت تناديه وتستجدي حضوره إليها ، وأجزلته وعودا أن لا تتركه يغادر صدرها مهما حصل .

بدأت تسمع صوته وهو يهمس في أذنيها قائلا : (( كم يلزمني أن أقول لك أحبك كي تنامي قريرة العين ... كم يلزمني أن أقسم بحروف اسمك كي تطمئني أنني لن أرضى بامرأة غيرك ... كم يلزمني أن أهذي بعشقك لتدركي أنني مذ خلقت لم ينبض قلبي بحب امرأة قبل لقائك )) .

تداعت الابتسامة فوق شفتيها الخمريتين ، وأزهرت ورود جورية على وجنتيها الخجلتين ، وعاهدته أن لا تكون قصتهما بعد اليوم أحادية العطاء ، فهي ستغمره عشقا كعشقه بل وربما أكثر ، وإذ بصوت يناديها من بعيد ، تفتح عينيها وتنهض كمن يستيقظ مفزوعا من نومه إثر كابوس مزعج ، التفت خلفها ، فأدركت أن واقعها يناديها من جديد ، ارتدت حذاءها وتركت صخرة أحلامها دون استئذان ، كتمت دموعها في صدرها وتزينت لواقعها بابتسامة زائفة .

الجمعة، 16 سبتمبر 2011

عندما أحلم بك



لا عجب أنني لجأت إلى عالم الأحلام ، فما من سبيل كي ألقاك وأتحسس أناملك وهي تلتف حول ذراعي ، كطفلة أدركت الأمان بين ضلوعي ، وحينها لا يكفيك أن أربت بيد مرتجفة بالشوق على كتفيك الصغيرين ، و لا يقنعك أن أمسد جبينك بقبلة أو قبلتين ، وأضمك إلى صدري مرة أو مرتين ، وأداعب رأسك الساهي على كتفي بيد واحدة أو بكلتا اليدين ، بل إنني أظل عاجزا وأنا أجد طيفي وقد انعكس في مرآة عينيك ، أن أفسر لك كيف يشعر الرجل بعظمته وهو يقف بين يدي محبوبته .

هاتِ كفك ودعينا نرقص في عتمة الليل لا نخشى تعثر خطواتنا ، فنور وجهك يكفي ليضيء حلكة الظلام ويرسل القمر إلى دياره لأجل غير مسمى ، ولا تسأليني مترددة عن الأغنية التي سنختارها لرقصتنا ، فتنهيدتك هي اللحن وابتسامتك هي النغم .

عندما أحلم بك ، أنسى كل هموم الحياة ولايعنيني من أمرها ما يثير الكدر ، فما أسعدني بحلمي الذي ليس بمقدور ديكتاتور بشري أن ينتزعه مني ، ومع أنني على يقين بأن الواقع لن يجمعنا ، فيكفيني زهوا أنك في الحلم حبيبتي وحدي ، لا يراك أو يسمعك غيري ، ولا يشاركني فيك من هذه الدنيا أحد .

أتدرين يا حبيبتي من فرط شوقي إليك في كل نهار ، بت أتمنى لو أن الليل لا ينقضي ، كي لا ينتهي حلمي بك سريعا ويبدأ نهاري بعدها طويلا مثقلا بواقع العيش الذي فرضته أجندة الأيام الماضية في حياتي بعيدا عنك ، فبالله عليك أخبريني كيف أزجي وقتي حتى يحين موعد حلمي بك في قطع الليل السارية كلمح البصر في محجر العين ؟

كلما نظرت في وجوه النساء ، أدركت أنني لا أنتمي لأحد سواك ، فهل أوصدت باب قلبي ؟ أم أنك أخذت عهدا منه دون علمي ؟ فلا يبرح مكانه ولا ينبض إلا حين أحدثه عنك .

أحلامي بسيطة وليست في غاية التعقيد ، أحتفظ بحبك لنفسي ، وأعلم أنك ستظلين كنجمة عالية في سمائي ، فلا أنت ستهبطين للقائي ولا أنا سأصعد للقائك ، جل ما أتمناه فقط أن لا أفقدك في ليلة من ليالي أشواقي وهي تناديك بكل أسماء الحب .

سأذهب الآن إلى سريري ، وألقي بجسدي على فراشي المنهك من فرط أشواقه لك ، وأناظر السماء حتى أغفو ، ولكنني في هذا الحلم القادم لن أتمنى مجيئك وحسب ، بل سأنتظر منك أن تحدثيني عن حلمك أنت ، هل كنت فيه حبيبك ، كما أنت في كل الأحلام حبيبتي ؟

السبت، 10 سبتمبر 2011

أعلم أنك ستنساني ؟

قالت : (( أعلم أنك ستنساني ... فكثيرات هن حبيباتك ... ولكنني سأظل أذكرك كلما حان وقت الغروب ... فأنت حينها كالسماء لا تكترث لوداع الشمس ... وسأذكرك كلما جاء الخريف ... فكم هو يشبهك حين يرغم أوراق الأشجارعلى مفارقة الأغصان ... تماما كما تفعل بقلوب النساء الملتصقة بقلبك ... وسأذكرك كلما حضنت أمواج البحر قدمي العاريتين و عادت أدراجها مسرعة من حيث أتت ... تاركة لي أطلالا من ذرات ملح حضورك ... وسأذكرك كلما شاهدت طفلا يبكي ومن ثم يبتسم قبل أن تجف دموعه ... فهذا هو حالك عندما تلتقي بامرأة وجرح وداعك لسواها لم يلتئم بعد ... مهما ابتعدت لن أنساك كما ستفعل أنت )) .


عندما قلت لي هذا الكلام ، لجأت إلى كهف الصمت ، وما أسعفتني حروفي في إيجاد الرد ، ولكنني قررت اليوم أن أعترف لك بما أخفيته عنك منذ زمن ، وما كان من سبب لسكوتي سوى خوفي أن لا أكون من ارتضاه قلبك حبيبا واطمأنت له روحك رفيقا ، وها أنت تعترفين الآن بسرك ، وتلبين نداءات قلبي التي ما انفكت يوما عن التغزل بك وحدك ، فهل حقا لا تدرين إلى الآن أنك حبيبتي الأسطورية ؟


أنت في سمائي شمس لا تغيب ، وأوراقك ستكتسي غصون أيامي ولن تفارقها في شتاء أو خريف ، وأقدامك ستجدني أينما وطئت ، فلقد نثرت عشقك فوق كل حبة رمل على شواطىء البحار ، بل إنني طفل لا تجف دموعه إلا على صدر قلبك ، فكيف سأنساك وأنت تسكنين الروح وتجرين في عروقي سريان الدم ؟


كيف أنساك ؟ وأنا من قبلك ما عشت ، ومن بعدك أكون قد مت ، كيف أنساك ؟ بعد أن تذوقت حلاوة الحب ، وأدركت جنة العشق ، كيف أنساك ؟ وأنت من تستدل بك الخلائق على عنواني ، كيف أنساك ؟ وقد أغلقت كل الأبواب المؤدية إلى قلب امرأة غيرك .


أتدرين كم انتظرت حتى عثرت عليك ؟ أتدرين كم بحثت عنك ؟ أتدرين كم مضيت في دروب مجهولة للوصول إليك ؟


خانتك ظنونك صدقيني ، لأنني سألقي بكل أوراق الاعترافات في هذه اللحظة أمامك ، ولن أكترث لما قد يحدث لي بعدها ، فقد علمتني التجارب أن الاعتراف بالحب أمام المرأة مدعاة لجفائها ، ولكنني أعشقك حد الجنون ، وهذه حقيقة راسخة في تاريخ قلبي ، ولكن حذار أن تنامي قريرة العين إذا سفكت أنوثتك دماء لوعتي ، فقلبي ليس كسفينة الصحراء يكابد الظمأ طويلا ، فارويه قدر استطاعتك ، لأنه لا يتلذذ إلا بعذوبة ماء منبعه قلبك أنت .

الجمعة، 2 سبتمبر 2011

تردد أنثى


إنني في أمس الحاجة لحروف قاطعة الدلالة في قاموس كلامك ، فإما أن أكون حبيبك أو لا أكون قط ، كفاك هروبا إنني أرجوك ، فليس بمقدوري الصبر أكثر ، فأنا على شفا حفرة من السقوط في هاوية اليأس .

كم أتمنى في بعض الأحيان لو نتبادل الأدوار ، لعلي أفهم سبب وقوفك بين الجنة والنار ، وأجد إجابات قاطعة لتساؤلاتي عن سبب ابتعادك كلما شعرت بدنوك من منعطف مواجهتنا المحتمل .

أتخشين ما تخفيه لنا بوابات المستقبل ؟ فلا تتجرأين الاقتراب والمراهنة على ما قد تجدين خلفها ، أم أنك امرأة لا ترضى بأدنى خسارة ؟ و تبحثين عن صفقة عاطفية تجنين من خلالها أكبر قدر ممكن من الطمأنينة والسعادة .

لماذا تفتقدين لروح المغامرة ؟ لماذا أنت راضية بالواقع والمنطق إلى هذا الحد ؟ ألا تتمنين للحظة التحرر من طبيعتك المستقرة ؟ والهذيان في ضروب من الجنون خارج كل حسابات العقل والحكمة .

ألا تسأمين العيش في مناخ حياة واحد ؟ لماذا تفضلين رتابة ما اعتدت على فعله دوما ؟ وتتشبثين بالعصفور الذي لا يطير عن كفك بعصافيري التي تغرد فوق أشجار قلبك في كل ثانية ودقيقة .

كلما جلست لأكتب إليك ، أجد أن نهايات جملي تنتهي بعلامات الاستفهام ، فمتى سيأتي الوقت الذي سألقي فيه بكل تلك التساؤلات وراء ظهري ؟ وتجيبيني بعبارات لا تحتمل التفسير والتأويل والاجتهاد في النص .

أذكر تلك الأيام المتبعثرة بالغياب ، وأذكر سؤالي الأول حين التقينا ، حاولت جاهدا أن استعين بكلمات ترغمك على الإجابة بـ (( نعم أو لا )) ، ولكنك وبكل براعة لغوية تمكنت من المراوغة والالتفاف بعيدا عن إجابات النفي أو الايجاب القاطع ، و جعلتني مجددا أقف على ناصية الحيرة والشك ، كي لا أعرف أبدا أثر حضوري عن غيابي في حياتك .

ولازلت أذكر طرائقك في استفزاز مشاعري الملتهبة نحوك ، حين كنت دوما تبدين عدم اكتراثك لأي أنثى تتغزل بي أمامك ، بل إنك كنت تسخرين من محاولاتي العابثة في ارغامك على إظهار ما يدلني على أدنى نسبة مئوية من احتمال اشتعال فتيل ضئيل لغيرتك .

أنا لست ضعيفا أمامك وأنت لست قوية أمامي ، إنني أحاول فقط أن استكشف ما وراءك ، فأنت لا تريدين أن ارحل بعيدا عنك ، ولاتريدين أن اقترب منك كعاشق ، وأنا صدقا لا أرغب بلعب أدوار ثانوية في حياتك ، ولذلك عليك أن تختاري ، بين الحب أو اللاحب فجبن أن لا تختاري .

الجمعة، 26 أغسطس 2011

متى سيأتي العيد

حين كنت صبيا ، كنت أرتدي ثيابي الجديدة في ليلة العيد ، واستعجل النوم باكرا ، لأتجاوز الدقائق والساعات التي تفصلني عن لقاء العيد ، أستيقظ في الفجر على صوت والدي الذي يسبق وصول المؤذن إلى المسجد ، وهو يتضرع إلى الله تعالى بالفرج وسعة الرزق ، أقبل يديه ونتناول الكعك سويا إيذانا بحلول الفطر السعيد ، ونخرج مكبرين ومهللين ، متجهين إلى المسجد للصلاة ، وقبل أن يختم الشيخ خطبة العيد بالدعاء ، يستعجلني والدي للنهوض والإسراع في الخروج ، للقاء والدته وابنته اللتين ما ذرف دمعا في حياته إلا يوم أن واراهما الثرى ، ندخل المقبرة ونحن ندعو بغصة (( أنتم السابقون ونحن اللاحقون )) ، نقف على قبريهما ونتلو سورة (( يس )) ، ثم أتأمل قبر شقيقتي وأتحسسه بألم ، وأقسم لها أنني سأظل أحبها ولن أنساها مهما مضت بي السنين والأيام ، ثم نعود إلى منزلنا ونتناول وجبة الإفطار ، ونخرج لزيارة الأقارب في جولة واظبت عليها فرحا في كل عام مرتين ، وفي المساء أسارع إلى نفض محفظتي من النقود التي تجمعت فيها دون أدنى عناء ، سوى الابتسام والمسارعة بخبث الطفولة لتقبيل أقاربي ، وأخرج مع أصدقائي في نزهات لا نستطيع تحمل أعبائها المالية في سائر أيامنا الأخرى من العام ، كانت أحلامنا بسيطة وكانت أمنياتنا لا تتعدى لقاء محبوبة تتبسم لنا بخجل وهي تجلس مقابلة لنا في أرجوحة العيد .

ومضت بي الأيام ، لأكثر من عقدين من الزمان ، و أصبح والدي كهلا ولم يعد قادرا على المسير ، هجرت طقوس طفولتي وصباي ، وتعقدت أفكاري وأحلامي وأمنياتي ، أصبح زماني مملا وكئيبا ، و تغيرت مدينتي كثيرا ، أمشي في الطرقات ولكنني أشعر بالغربة ولا أجد أنني عدت قادرا على الفرح بقدوم العيد ، ما الذي حدث لي ؟

ربما أعترف اليوم أنني لست سوى شبح طفل ما عاد له وجود ، ولكنني لا زلت مؤمنا وعلى يقين أن العيد سيأتي من جديد ، ولكن متى سيأتي العيد ؟ ربما تكون هذه الاجابة في أعماق بحر امرأة لا تدرك لغاية هذه اللحظة أنها هي العيد .

الجمعة، 19 أغسطس 2011

دوما سيكون اسمك

" هذا ليس اسمي " ، اعترفت بذلك وهي تعتقد أنني سأغضب لاكتشاف حقيقة كتلك ، تماما كما يحدث مع الاولاد حين يكذبون على ذوويهم ويختلقون الأعذار لتبرير حضورهم المتأخر إلى المنزل بخمسة دقائق أو أكثر قليلا عن الموعد المقرر مسبقا وفقا لقوانين الأبوة الصارمة .


كنت على وشك الضحك حد الثمالة ، ولم يكن ذلك بسبب تسترها على حقيقة اسمها ، بل لأنني تذكرت هذا المشهد المتكرر في مسلسل حياتي في العديد من حلقاته العاطفية .


بل إنني لا زلت أذكر أول فتاة تحدثت معها ، ولازلت أذكر اضطراب جلستها أمامي وعيناها محمرة تتهيأ للبكاء ، كنت قد أقسمت لها أنني لن أخاصمها ثلاثة أيام بلياليها ، وأنني على عهد اشتياقي بها سأظل وفيا بين الدقيقة والدقيقة ، ولعل ذلك ما حفزها على النطق باعترافها الأخير أمامي ، بأنني لست حبها الأول ، فهل كان ذلك الاعتراف حقا يستدعي الاضطراب في البوح به منذ الوهلة الأولى للقائنا .


وعندما كبرت قليلا ، تواجهت مجددا مع النساء في لعبة الاعترافات الموقوتة على حسن ظنهن بامتلاك قلبي ، وعندما كانت تدعوني إحداهن إلى جلسة الاعتراف كي تلقي عن ضميرها أوزار تأنيبه ، اكتشف حقائق كان لابد من معرفتها منذ البدء وقبل المضي خطوة واحدة في درب الحب .


هناك من اعترفت لي بأنها اختزلت من عمرها الرسمي خمس سنوات في سبيل تسجيل قلبها في أجندة العاشقين ، وهناك من أكدت لي أن ثقافتها تعدل كل الشهادات التي أخبرتني مسبقا أنها تعلقها على جدران حجرتها ، وهناك من تدارت عن عيوني كي لا أعلم مكان سكناها ، وهناك من أعتقدت أن الفشل في خطبة أو زواج يعني أنها على القائمة السوداء التي لا تمكنها من التقدم مجددا لطلب الحب والحياة .


الأمر المحير بعد كل تجربة وبعد لحظات من الاعتراف المرتقب ، أن غيوم الفراق كانت تلوح في سماء قلبي وتمطره رغبة في الرحيل دون عودة ، حتى أن إحداهن قالت لي في ذات فراق (( أنا لم أكن أكذب ولكن كنت أتجمل كي أحظى بقلبك )) ، وما كان مني أمام قولها إلا الصمت والتساؤل عن سبب المراوغة والتلاعب بالحقائق منذ الخطوة الأولى التي كنا نخطوها في دروب حبنا المفترض .


واليوم أمام حبك العظيم وسرك الصغير ، أؤكد لك أنني لست غاضبا قط ، بل إنني سأغزل لك اسما من خيوط اللغة ، لم يسبق للعشاق و الشعراء أن عرفوه ، وحتى يكتمل اسمك في معجم الحب ، سأختار لك مؤقتا بعض الأسماء .


فهل أناديك (( يا عمري )) لتصدقي أنني ما عشت من قبلك ولن أعيش من بعدك ، أم أناديك (( يا حياتي )) كتأكيد لإدراكي معنى الحياة بعد لقائك ، أم أناديك (( يا حبيبتي )) كي يطمئن قلبك ولا يخشى بعد اليوم من الاعتراف بحقيقة اسمك ، فأنت حبيبتي وهذا دوما سيكون اسمك .

الجمعة، 12 أغسطس 2011

ديمقراطية الزوجات


زوج صالح كنت ، لا أعصي أمرا لزوجتي ولا أتلكؤ في تلبية طلباتها في العسر واليسر ، فلقد كنت على يقين تام بأن طاعة الزوجة حتما تودي إلى راحة البال ، وتنعكس إيجابا على كافة شؤون حياتي ، لتضمن لي عيشا هانئا مليئا بالسعادة والاستقرار .


لم أجرؤ في يوم أن أتمرد أو أعارض أو أرفض أو أتمنع أو أشكك في خوفها على الصالح الأسري العام ، فأنا لست خبيرا في تسيير الشؤون الداخلية ، ولم يسبق لي تحمل عبء مسؤولياتها ، ومن كانت يده في الماء قطعا لن تكون كمن يده في النار ، ولهذا فأنا لم اتدخل في رسم السياسات الداخلية لمسار حياتنا ، واكتفيت بالجلوس خلفها وهي تقود المركب ، مقتنعا تماما أنها ستصل بنا إلى بر الأمان .


كنت أخاف إبداء الملاحظات ، أو المناقشة في البدائل والخيارات ، فزوجتي تؤمن بأن تعدد الطهاة يفسد الطعام ، وأنا بحكم خوفي من إثارة الفتن ، عزمت أمري على اجتثاث أي صوت يدعو إلى التمرد و العصيان ، ومشيت وراءها أهتف مؤيدا ومناصرا لرجاحة قراراتها ، مستعيذا من وساوس أفكاري المضادة لعكس المسير .


حتى جاء يوم قررت فيه أن أخلع جلد خنوعي ، وأثور على ديكتاتورية زوجتي ، بعدما حدثني صديقي عن زوجته الأوروبية ، مستهجنا ما أنا فيه من ذل وهوان ، فزوجته ترعرعت في بلاد تحكمها الديمقراطية ، ولم يسبق لها أن فرضت عليه تنفيذ أي أمر لايقتنع به قط ، بل إنها تستاء من مضي يوم لا تجلس فيه مع زوجها لعقد جلسة مشورة يتباحثان فيها في الاستحقاقات الأسرية القادمة .


مضيت إلى منزلي وأنا أهتف باسقاط نظام زوجتي الظالم ، وانضم إلى ثورتي أزواج يعانون من المصاب ذاته ، وقبل وصولنا إلى مقر وزارة داخليتنا ، نشاهد صديقي وهو يركض حافي القدمين في الطريق العام ، وزوجته الاوروبية تلاحقه وفي يدها هراوة غليظة تضربه بها وتصرخ : (( سأطهر منزلي منك ... Location ... Location ... Room ... Room ... Corner ... Corner ))